“أخلاقيات التأويل: من أنطولوجيا النصِّ إلى أنطولوجيا الفهم”

   أصدر الباحث “محمد الحيرش” مطلع سنة 2019 كتابَ “أخلاقيات التأويل: من أنطولوجيا النصِّ إلى أنطولوجيا الفهم” عن “دار الفاصلة للنشر” في قطعٍ متوسط، بلغت حدود صفحاته مائة وخمسة وتسعين صفحةً انقسمت شكليًّا إلى مدخلٍ مُسوِّغاتي، وقسمين احتويا معًا أربعة فصولٍ. ويُعَدُّ الدكتور “محمد الحيرش” واحدًا من الأكاديميين المغاربة، الذين تتحلَّى إنتاجاتهم النقديَّة بالرصانة والأناة العلميتين؛ فإلى جانب اشتغاله بالدرس اللساني والتداولي، فقد اضطلع اهتمامه المعرفي والأكاديمي بالتنقيب داخل الفكر التأويلي، سواء في أصوله التراثية العربية أم في تجلياته الغربية داخل الفلسفة المعاصرة.

   وفي مساق فلسفيٍّ يرتاب في النزعتين الوضعية والنسقية اللتين هيمنتا على أغلب المناهج النقديَّة والمقاربات اللسانيَّة والنصيَّة، يأتي كتابُ “أخلاقيات التأويل: من أنطولوجيا النصِّ إلى أنطولوجيا الفهم” ليعضد أحقيَّة وأهمية هذا الارتياب الداعي إلى استئناف النظر في مجمل التطورات الطارئة على العلوم النصيَّة؛ تلك العلوم التي انتقلت أنساقها النظرية من الإبدال البنيويِّ[1] ذي النزعة العلميَّة إلى الإبدال التأويليِّ الذي ناهض هذه النزعة الحداثية، بحكم إقبارِها لأُفق النصِّ الدلاليِّ والسياقيِّ، ولذاتيته التي تأبى الانحصار وسط كلِّ تأطير معياريٍّ من شأنه أن يؤثر سلبًا في انفتاح محمولات النصوص، وصيرورتها الوجودية الممتدَّة في الزمن.

    استشكل مدخلُ الكتاب المسيرَ التاريخيَّ والفلسفيَّ للدراسات اللسانيَّة ومدى تأثيرها في الدراسات النصيَّة، منكبًّا على مراحل تطورهما النظري، الذي سيتنصل من الرؤية النسقيَّة الضيقة للنص؛ إذ سيصير “كلُّ نصٍّ جسرًا موصولًا بالعالم[2] لا منزويًا عنه، مما أدى بـ”إبدال البنية إلى الانحسار[3] والتقهقر؛ حيث “أخذ الوعي التأويليُّ المعاصر يُشيع أخلاقياتٍ أخرى أقرب إلى الاعتدال في معاملة النصوص، وأوسع انفتاحًا في النظر إلى كيفيات انوجادها وتفاعل بعضها مع بعض. إنها أخلاقياتٌ تحتفي باختلاف النصوص وتنوعها[4].

   أما القسم الأول فقد تطرَّق بشكل عامٍّ إلى إشكالات اللغة والحوار في تعالقهما الفلسفيِّ بالوجود والتأويل؛ إذ يرى الباحث في هذا الصدد أن التأويل كان “دومًا بحثًا في اللغة واستقصاءً لما يُحايثها من وجوه الخفاء والاستشكال، ولما يلازمها من نقصٍ في الإفادة وخَصاصٍ في التمثيل؛ إنه لغة ثانية تسعى إلى الاقتراب من لغةٍ أولى لا من أجل أن تقوم مقامها وتتكلَّم عوضًا عنها، وإنما من أجل تجليتها واقتراح أنسب الوسائل المعرفية لفهمها وتمثلها[5]. وانطلاقًا من هذا المسعى، شرع الباحث في تبيان الموقع الابستيمي الذي يتموضع فيه مفهوم الحوار وما يلازمه من مقتضياتٍ تأويليَّة، نجحت في تجاوز بعض الأيديولوجيات الرامية إلى تقنين الحوار في معايير سابقة على مراحل إنجازه وجريانه؛ ما حدا بالمؤلف لكي يعدَّه أحدَ أهمِّ الأسس الهرمينوطيقيَّة، التي قامت عليها الممارسة اللغويَّة والتواصليَّة والنقديَّة في مبعثها التأويليِّ. وفي ظلِّ هذه الأهمية، أصبح الحوار متجليًا في “ما فيه تخوض الذات تجربة العالم، وما به يتحدَّد وعي هذه الذات بنفسها وبالآخرين، ووعيها بالأشياء والموضوعات التي تمْثُل أمامها[6].

    وبذلك، اتخذت خصائص مفهوم الحوار منحًى آخر داخل الوعي التأويليِّ المعاصر؛ إذ تحرَّر من شوائب الـمَعْيَرَةِ القبليَّة، التي أحالته إلى نسقٍ مغلقٍ يهدف إلى محايثة التطابق، ولا يُرتجى منه أيُّ دور أو أملٍ في تبديد احتدام الصراعات الفكريَّة، وإغناء الفهم والنصِّ الإنسانيين بواسطة الاعتراف بفرادة واختلاف ذاتيَّتهما، التي ترفض أن تُنمَّط في أيِّ تطابقٍ متساكن.

    ولم يقف المؤلف عند تأكيد مفهوم الاختلاف داخل حوارية التأويل، بل رام استشراف فعاليته في أفق التأويليَّة الفيلولوجيَّة، التي تعلِّمنا كيف “نتحسَّس الاختلافات القائمة بين النصوص، ونتعامل معها بأوفر قدرٍ ممكن من التفهُّم والتسامح. فما من اختلافٍ إلا وهو صوت ومعنىً يعبِّر بهما النصُّ عن ذاتيته ووجوده، وينفتح من خلالهما على ما لا يكف يتوالد من اختلافاتٍ في غيره من النصوص[7].

     تشكَّل القسم الثاني من فصلَيْن عُنيا بسؤال التراث من جهة مزالق التأسيس، ومن منطلق ما تضمره الممارسة التفسيريَّة للنصِّ القرآنيِّ من قيم الانفتاح؛ حيث عمل “الحيرش” على تفعيل مجموعةٍ من الأخلاقيات التأويليَّة المعاصرة، من خلال دعوته إلى إعادة قراءة التراث العربي قراءةً منصفةً[8]، تنهلُ من فكرة المشترك الإنسانيِّ، وتبتعد كل البُعْد عن فكرة التنابذ والتعصُّب الأيديولوجيَّيْن التي سقط فيها الفكر النهضويُّ بمختلف أطيافه التقليديَّة والحداثيَّة. وهو الأمر الذي خوَّل له في الفصل الرابع رصدَ حزمةٍ من القيم التأويليَّة المنفتحة الثاوية في التراث التفسيريِّ العربيِّ، الذي خلَّفه القدماء إبَّان خوضهم في علوم القرآن، والتفسير، وأصولِه؛ حيث استنبط المؤلف مجموعةً من الأخلاقيات التي تتصادى فيها التأويليات العربية القديمة مع التأويليات الغربية المعاصرة؛ ذلك أن القدماء أسسوا في كثيرٍ من تفاسيرهموتأويلاتهم التي عُنيت بالنصِّ القرآنيِّ لقاعدة تنسيب الفهوم بوصفها مبدأً يكفل الانفتاح على الآخر أو الغير، وجوهرًا يضمن سبل الاختلاف معه.

     وبعدمساءلة “الحيرش” للفكر النهضويِّ العربيِّ في ارتباطاته الصراعيَّة بالتراث، وإعادة قراءة بعضٍ من أجزائه بأدواتٍ تستند إلى هذه الأخلاقيات وتستنير بها، تبيَّن أن جزءًا كبيرًا من التراث العربيِّ التفسيريِّ لم يُشيِّد قيمَ العنف داخل تمفصلاته كتلك التي أنتجتها حوله قراءات التقليديين والحداثيين المتصارعة.

    إن عودة الباحث إلى الحفر داخل التراث التفسيري العربي أدت إلى استقطاب كتلةٍ من القيم التأويليَّة المتسامحة، التي أكدتها إبدالات ما بعد الحداثة، وتضمنتها متون التراث العربي[9] في الممارسة التفسيريَّة للنصِّ القرآنيِّ، أو ما يطلق عليه الباحث “البرنامج العام للفهم في التأويليَّة القرآنيَّة” بوصفه برنامجًا تخلَّقت وتنسَّبت معه شروط إنتاج الفهم؛ ذلك أن “الفهم عند القدماء معرفةٌ وأخلاقٌ؛ معرفة لا تتأتَّى ولا تستقيم إلا بما تستند إليه من أدوات العلوم وآلاتها، وأخلاق تحايث تصريف هذه الآلات وتلازم إعمالها في النص[10]. وانطلاقًا مما سبق، يمكن أن نتساءل عن أبرز المسوِّغات المعرفيَّة والمنهجيَّة التي قام عليها كتاب “أخلاقيات التأويل”؟

أخلاقيات التأويل والتنوع والثراء المعرفيان:

   بُني الصرح المعرفيُّ لكتاب “أخلاقيات التأويل” وَفْقَ طريقةٍ منهجيةٍ مرنة شطرتْه إلى شقَّيْن ضمنيين غير مصرحٍ بهما على المستوى الشكلي:

   شق نظري أفرد له المؤلف مدخلًا ثم قسمًا ضمَّ فصيلين؛ إذ مثَّل هذا الشطر النظريُّ وعاءً لاستعراض الهنات التي وقع فيها الوعي البنيويُّ في تفاعله مع النصوص، إضافة إلى اقتراح مجموعةٍ من التوجيهات التأويليَّة المعاصرة التي تتجاوز هذه الهنات.

    وشق تطبيقي مال فيه الباحث إلى تفعيل كتلةٍ من خلاصاتِه النظريَّة ذات الطابع التوجيهيِّ[11] عبر رَوْزها في أثناء القسم الثاني، الذي اهتمَّ بمعالجة غايتين تجلتا في سؤال مأسسة التراث، وفي طريقة اشتغال المسلَّمات القيميَّة في برنامج الفهم داخل التأويليَّة القرآنيَّة[[12]]، التي استبطنها انطلاقًا من استقرائه لإجراءات منظومة التفسير، وأصولِه، وعلوم القرآن؛ حيث أكَّد ذلك في توطئة الفصل الرابع حين أقرَّ بأنه سيقارب «من وجهة هيرمينوطيقية مجالًا محددًا من تراثنا التأويليِّ، هو المجال الذي اشتغل فيه القدماء بالنصِّ القرآنيِّ واتخذوه موضوعًا للبحث والنظرِ التأويليين»[13].

   كما يلاحَظ أن الباحث اهتدى بأطروحة “ريشار روتي” التي ترى في التأويليات منزعًا أخلاقيًّا في التواصل مع الذات والأغيار؛ إذ رجح “روتي” أن “المسعى الهادف إلى تهذيب “أنفسنا أو الآخرين” قد يتمثَّل في النشاط الهيرمينوطيقيِّ الرامي إلى صنع روابط ثقافتنا الخاصَّة وثقافة غريبة ما أو حقبة تاريخيَّة”[14]. ووقوفًا عند هذه السبل المنهجية للكتاب، نلفي أن “الحيرش” اعتمد زخمًا متنوعًا من المرجعيات المعرفيَّة التي انعكست إيجابًا على أطروحته المتجلِّية في تحصيل ما يثيره إبدال التأويل من قيمٍ تؤسِّس للحوار المتذاوت والمهتدي بالاختلاف والتسامح، سواء أتعلَّق الأمر بالتواصل مع النصوص أو الأغيار أو الثقافات إلخ. وقضية من هذا القبيل، لا يمكن بلوغ مراميها إلا من خلال الانفتاح على مجالاتٍ علميَّة ومعرفيَّة متنوِّعة كتلك التي تحقَّق للكتاب إدراجها والانفتاح عليها نظريًّا وإجرائيًّا.

    لقد طارح الباحث تصورات العديد من الأسماء الفلسفيَّة المهمَّة  من قبيل: (هيدغر، غادامر، نيتشه، راسل، هابرماس، آرندت…)، واعتمد تمثلات أشهر اللسانيين والتداوليين كـ(سوسير، أوستين، فولوشينوف، ياكوبنسكي، فوسلر…)، مع الإلمام الكبير بأعلام التراث العربيِّ في شقِّه الدينيِّ والبلاغيِّ واللغويِّ؛ ذلك أن المتلقي سيلفي أعلامًا كُثرًا من قبيل: (السكاكي، الزركشي، السيوطي، ابن قتيبة، ابن جزي، ابن تيمية، الغزالي…)، إضافة إلى مساءلة أبرز تصورات مقاربي التراث العربي أمثال: (محمد عابد الجابري، ونصر حامد أبو زيد..). كل هذه المعارف والعلوم، جعلت الكتاب غنيًّا على المستوى المعرفي، وثريًّا من الجانب النقديِّ؛ حيث لم تحضر هذه المعارف بشكل ارتجاعيٍّ مهادن، بل امتثلت من طرف الباحث إلى النقد والتمحيص الموضوعيين. 

     إن المَتْحَ من هذه المرجعيات الضخمة وإحداث تجديل نقديٍّ بين كل تياراتها خدمةً لأطروحة الكتاب ليحتاج إلى باحثٍ متمكِّن من آلياته المنهجيَّة، كي يستطيع تدبير مثل هذه التواشجات المعرفيَّة بشكل علميٍّ، وهو ما تأتَّى للدكتور “محمد الحيرش” بلوغه حين توسل بمدخلٍ وقسمين يصادي بعضهما بعضًا، وينتهيان إلى قضيةٍ واحدة تتجلَّى في إقرار الأخلاقيات التأويليَّة بوصفها مبادئَ تسعف في القراءة المنفتحة التي تضمن للنصوص هويتَها.

   كما استعان بأسلوب لغويٍّ واضحٍ لا يضع المتلقي في حالة التشظِّي والانبهام المعرفيين، وموئل ذلك عائد إلى أن لغة الكتاب كانت شفافةً ومنسابةً لا تستقصد التجريد المتعالي بقدر ما تسعى إلى إرادة الإفهام؛ إذ سهر الباحث على تحقيق هذا المقصد العلمي، الذي جعله ينحو في كثيرٍ من الفصول إلى تذييل كتابه بهوامش ثريَّة تتغيَّا إيضاح بعض المفاهيم التي قد تُشْكل على المتلقي؛ نظرًا لأنها تتطلَّب معرفةً قبليَّة بأصولها الابستيميَّة وحدودها الإجرائيَّة.  

أخلاقيات التأويل وتجاوز القراءة والنقد النسقيين:

      لقد أسهم الجانب المنهجيُّ والمعرفيُّ في تعزيز قوة الكتاب وقدرته على مساءلة الكثير من المسلَّمات الوثوقيَّة، التي طبعت النظر إلى العلوم النصيَّة، وبخاصةٍ تلك التي أسَّست لقيم التعصُّب من دون أن تنتبه للأمر أو تسعى إليه، كما تحقق في التجارب البنيويَّة والوضعيَّة التي ابتسرت النصَّ في قواعدَ جامدةٍ كانت دائمًا مبعثًا على التعنيف والإكراه؛ فـ”أخلاقيات التأويل” جاءت لتقوم بمناهضة كلِّ إرادة في الاستحواذ على النصِّ والاستفراد بفهمه، والعمل على نبذِ ذلك التعصُّب اللاإرادي الذي ساد الفهوم النسقيَّة إبَّان مقاربتها للنصوص بمختلف أنواعها ومجالاتها. إن أخلاقيات التأويل في صورتها العربيَّة أو الغربيَّة استطاعت بفضل الحوار والإنصاف والتفهُّم أن تتجاوز أغلب الإجراءات التي تستلب النصوص في هيئةٍ واحدة، وتستعلي عليها؛ فـ”ما وُجِدَ نصٌّ من النصوص إلا وهو مزوَّد أصالةً بطاقةٍ تعبيريةٍ تسمح له بالتواصل مع الآخرين ومحاورتهم مهما تعدَّدت ألسنتُهم وأزمنتهم، ومهما تباينت مقاصدُهم ومرجعياتهم[15].

    ليس من السهل أن يتمَّ التأصيل لهذه القيم التأويليَّة الثريَّة في تحقُّقها العربيِّ الأصيل والغربيِّ المعاصر في آنٍ، وهو ما لم تنتبه إليه رؤى المفكرين في الرقعة العربية إلى أن تمَّ تصويغه برويَّة من طرف الأكاديمي “محمد الحيرش” داخل سياقات المعرفة والفكر العربيين؛ حيث تناغم مع تراثه بموضوعيةٍ قضت منه ألَّا يتغافل عن التفاعل الرحب مع فلسفة التأويل في أبعادها الغربية؛ ما جعله يسعى إلى تطوير مشروعه التأويليِّ، الذي ابتدأه في كتابه السابق “النص وآليات الفهم في علوم القرآن: دراسة في ضوء التأويليات المعاصرة[16]، حيث اهتمَّ بـ“المشترك التأويلي” الذي تتصادى فيه التأويليَّة القرآنيَّة مع التأويليات الغربيَّة، هذا المشترك الذي مكَّنه من ترسيمِ مفاهيمَ قرائيةٍ لا تقصي الجانب المعرفيَّ، وفي الآن نفسه لا تبتعد عن المطمح الأخلاقيِّ إحقاقًا لسعة الحوار ونبذًا لعنف الحقيقة.

    وعليه، تتجلَّى أهمية الكتاب في قدرته على فتق تحدياتٍ قرائيةٍ جديدةٍ على مستوى الرقعة العربيَّة، تحديات تنتبذ معها شروط القراءة والنقد النسقيين بغية الانفتاح على الحقائق المتعدِّدة للنصوص، من خلال الاستناد إلى فهمٍ لا يؤمِّم ذاته أو يقدِّسها بقدر ما يعضِّد قيم الاختلاف والتحاور مع النص والغير…، وذلك بناءً على رؤيةٍ لا تستكين إلى معرفةٍ ومرجعيةٍ أحاديتين وضيقتين، بل تتمأسس على الانفتاح التامِّ على مجمل المعارف الدينيَّة والنصيَّة واللغويَّة والفلسفيَّة، سواء في بواعثها الغربيَّة أم العربيَّة.

  النصُّ بين عنف الحقيقة ويُسْرِ الفهم:

    من بين ما اهتدت له أخلاقيات التأويل كونها ترى في الأنساق النصيَّة تعبيرًا عن الحقائق الثابتة التي تحايث النصوص بوصفها ضرورةً لا محيد عنها، فيما يدلُّ الفهم على الحقيقة النسبيَّة في تمثُّل ذاتٍ واعيةٍ ومستقلَّة. ومن هذا المجلى، اكتست مفاهيم النص، والحقيقة، والفهم، والحوار= مركزيةً جوهريةً داخل تلابيب الكتاب؛ حيث ما فتئت فصوله تستدعيها إمَّا بشكل ضمنيٍّ وإمَّا علنيٍّ، بسبب غايتها الهادفة إلى تحوير مبادئ قراءة النصوص من وهم الحقيقة إلى أُفق الفهم ويُسْره القائم على الحوار المنفتح بين ذات المتلقي وذات النص، بشكلٍ يسمح لهما بتجاوز “مملكة الضرورة”[17]والحقيقة نحو بلوغ علاقة تذاوتية (Intersubjective)؛ أي تلك العلاقة التي تتفاعل فيها الذوات “وتتحاور فيما بينها بعيدًا عن كل قابليَّة للمطابقة، ومن دون أي سعيٍ للاحتواء[18].

    والملاحظ أن الباحث لم يستشكل نقائص مفهوم الحقيقة فقط، بل عمل على تأثيمها ودحضها وبخاصةٍ في تلكم السياقات التي لا تستحضر قيم التنسيب، بما يعود سلبًا على عملية التفاعل مع النصِّ نتيجة تغييب هذا الوعي الحواري، كما وقع في تجربة الفكر النهضويِّ في تعامله مع التراث العربيِّ.فمن مرامي أخلاقيات التأويل أنها تقف في وجه أي إرادةٍ جامحةٍ لمصادرة فهم النصِّ وحقائقه في نمطٍ أوحدَ غير قابلٍ للتعدُّد. وعليه، يصير النصُّ في الوعي التأويليِّ الأخلاقيِّ المعاصر حوارًا بين الحقيقة والفهم بطريقةٍ لا تقوم على مصادرة طرفٍ لآخر بقدر ما تنبني على قيم التفاهم بوصفه تركيبًا ثالثًا لهما يستحيل معه استحواذ الفهم على الحقيقة إلا في ظلِّ قيم التنسيب.

خلاصات عامَّة:

    هناك العديد من الخلاصات التي توصل إليها الكتاب في أثناء خوضه في التدليل على أهمية أخلاقيات التأويل وقدرتها – كقيمٍ قرائيَّة – على تغيير نظرنا إلى العلاقات المعرفيَّة والإجرائيَّة التي تجمعنا بالنصوص على اختلاف أشكالها، ويمكن أن نلخصها في الآتي:  

    ينظر “الحيرش” إلى هذه “الأخلاقيات لا بوصفها منظومةً مرجعيةً مسبقةً من القيم التي يُلجأ إليها للتحلِّي بها والامتثال لها عند إنجاز ممارسةٍ من الممارسات التأويليَّة أو الحواريَّة، وإنما بوصفها نتاجًا لهذه الممارسات ومآلًا من مآلاتها”[19]

   صار النصُّ ضمن تلكم الأخلاقيات منفتحًا على حيثيات انكتابه، وأصالة هويته، وفرادة صوته، ومتفاعلًا مع متلقيه في إطار “علاقة تذاوتية (Intersubjective) بين ذاتين: ذات المؤول وذات النص المشدودين بعضهما إلى بعض بوشائج تفاعليَّة وحواريَّة متبادلة”[20]؛ وذلك نتيجة اندحار سلطة الأنساق ومفاهيمها التي “تستبدُّ بالنصوص وتستحكم فيها”[21].

    أسهم الإبدال التأويليُّ في تحوير علاقتنا “باللغة من علاقةٍ ابستيمولوجيَّة تقتلع اللغة من جذورها المراسية الحيَّة وتختزلها في موضوع معرفيٍّ مجرَّد، إلى علاقةٍ أنطولوجيَّة تتحدَّد فيها الحقيقة اللغويَّة بما هي حدث (événement) تتكشف فيه تجربة العالم وتتبدَّى صيرورته”[22].

   يؤكِّد “الحيرش” أن “اللغة ممارسةٌ تجري في العالم وتمتدُّ فيه، فهي المستقرُّ الذي إلى حظيرته تؤول كافة الخبرات الاجتماعيَّة والثقافيَّة والإبداعيَّة والمعرفيَّة المنجَزة من قِبل جماعة متكلمة في ارتباط بعضها ببعض وفي ارتباطها بالعالم وانتسابها إليه”[23].  ومن ثمَّ، “يستحيل الفصل بين اللغة والتأويل أو عزل بعضهما عن بعض؛ فإذا كان يُنظر إلى اللغة على أنها تقطيع رمزيٌّ لأشياء العالم وتمثيل لظواهره وعناصره، فإن التأويل لن يكون في اعتلاقه بذلك إلا تقطيعًا ثانيًا للغةٍ أولى، واستجلاء لما يكتنفها من غموضٍ، أو نقصٍ في الإفادة، أو خَصاصٍ في المعنى”[24].

   أومأ الباحث إلى أهمية “التأويليَّة الفيلولوجيَّة” التي تؤكِّد قيم الاختلاف والفرادة؛ حيث تستجلي فوارق النصوص على مستوى المقول والمفهوم؛ لأن التأويل  – حسب الباحث – “لم يبتعد عن علوم اللغة منذ جذورها الفيلولوجيَّة الأولى”[25].

   يدعو “المؤلف” إلى بحث التراث بما هو “خبرات إنسانيَّة متنوِّعة بالمعنى والحقيقة، وأن فهم حدود هذه الخبرات وإنتاجيتها متوقفٌ على وصلها في الآن نفسه بالسياق الزمنيِّ والفكريِّ الذي انبثقت فيه، والنظر في التحولات التي صارت إليها في سياقاتٍ زمنيَّة لاحقة[26]. وهو عكس ما رامه التقليديون والحداثيون عند مقاربتهما التعسفيَّة للتراث العربيِّ نتيجة انعدام قيم الحوار، وغياب أخلاقيات الفهم.

   وعليه، فإن كلَّ الرؤى التي استنَّها الدكتور “محمد الحيرش” في “أخلاقيات التأويل” يمكن أن تتطوَّر إلى مشروعٍ نقديٍّ فعَّال سيعزِّز ثقافتنا بتصوراتٍ ثريَّة عن ذواتنا وتراثنا النصيِّ بمختلف تلاوينه؛ بحيث يضع حدًّا لذلكم الزيغ العقيم الذي اعتور القراءات النقديَّة العربيَّة خلال القرن الفارط بحكم إيغالها في تقديس أيديولوجية الأنساق على حساب محمولات النصوص؛ إنه مشروعٌ ينطلق من الوعي التأويليِّ ليؤسِّس للقراءة والنقد الرشيدين داخل منعطفات النقود العربيَّة، عبر إحداثِ روابطَ حواريةٍ تنفتح على ذات المتلقي والنص بما يضمن عدم التمركز حول نصٍّ أو فهمٍ معينين؛ ذلكأننا لا نتمركز حول نصٍّ من النصوص أو فهمٍ من الفهوم إلا من أجل إحاطتهما بالأيديولوجيات، التي تسهم في إذكاء الصراعات المتشعبة حيث تتبعثر هوية النصوص وتتشوَّه؛ لأن القراءة في هذا الضرب لا تستقصد إلا ذاتها متجاهلةً ذاتيَّة النصِّ وصيرورته؛ أو بعبارة أخرى تصير القراءة قاصدةً لإثبات أيديولوجيتها لا لإحقاق هوية النصِّ في إطارٍ تاريخيٍّ معيَّن.

   وأخيرًا، يمكن القول إن هناك نوعًا من التناغي بين ما أحققه الكتاب على المستويين النظري والتطبيقي؛ حيث ما بدا ماضيًا مسودًا بعصبيته صار مع المقاربة المنفتحة للمؤلف تراثًا أخلاقيًّا ذا خبرة ثريَّة؛ وذلك بقدرة الباحث على الإصغاء إلى جزءٍ من النصوص برويَّةٍ سمحت له بتلمُّس قيم الفهم المنتجة داخل التراث التفسيريِّ العربيِّ. وبحكم إيمانه بنسبيَّة الحقائق، ومزجه بين الأخلاقيِّ والعلميِّ، كانت قراءة الدكتور “محمد الحيرش” قراءةً “سلوترديكية”[27] لم يسعَ من خلالها إلى احتقار التراث مثل تجارب العديد من المفكرين العرب؛ ففي أخلاقيات التأويل يصير هدف “اكتساب الحقيقة الصادقة متضائلًا”[28]؛ فلا شيء ضامن للصدق ما عدا الفهم، ولا شيء داحر للعنف سوى التفهُّم الرحب، والحوار المختلف، والإنصاف المتسامح.   


الهوامش:ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  يقصد «محمد الحيرش» بمفهوم «الإبدال» ما يقابل  مفهوم «البرادايم  أو الأنموذج Le paradigme»؛ ويلاحظ أن هناك اختلافًا كبيرًا حول  هذه الترجمة بشكلٍ أثقل المصطلح Le paradigme)) بمقابلاتٍ عربية كثيرة؛ من بينها ما يقترحه الدكتور «حمو النقاري» في ترجمة أخرى تتمثَّل في مفهوم «المقْلاد» بوصفه بديلًا عربيًّا مشتقًّا من التقليد. انظر: النقاري، حمّو، (2013) أبحاث في فلسفة المنطق (ط1) بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، ص16-17.

[2] الحيرش، محمد، (2019) أخلاقيات التأويل من أنطولوجيا النص إلى أنطولوجيا الفهم (ط1) طنجة، المغرب،  دار الفاصلة للنشر، ص22.

[3] المرجع نفسه، ص24.

[4] المرجع نفسه، ص24-25.

[5] المرجع نفسه، ص11.

[6] المرجع نفسه، ص31-32.

[7] المرجع نفسه، ص81.

[8] يقر الباحث “محمد الحيرش” بأن الفكر النهضوي المتفاعل مع التراث أنتج قراءتين غلب عليهما الطابع الصراعي في ضربٍ تامٍ للموضوعية؛ إذ تحوّل التراث بين زمرة “التقليديين” و”الحداثيين” إلى «ملكية صراعية يتنازع عليها المتنازعون، ويتخاصمون على من تؤول إليه مشروعية تملُّكها، وأحقية الاستيلاء على مقاليد تدبيرها ومعايير استعمالها»؛ إذ تمَّ «الزج بالتراث في خضم واقعٍ صراعيٍّ» شوَّه هويَّتَه وحاكَمَه في غير زمنيته التاريخية والحضارية. انظر: الحيرش، محمد، أخلاقيات التأويل…، ص87-92.

[9] يجب الإشارة إلى أن المؤلف لا ينطلق من المنزع الأصولي الذي يهدف إلى إحالة أي شيء إلى التراث والماضي السالفيْن، بل يعود إلى التراث بما هو مشترك إنساني زمني، أسهم بتعالقاته اللامتناهية في بناء وترصين جزءٍ من الحضارة الإنسانية على غرار باقي الحضارات.

[10] المرجع نفسه، ص120.

[11] نستعمل في هذا  المقام مفردة “التوجيه” لكي لا نقع في محذورات محايثة النسق، التي تسعى أطروحة الكتاب إلى دحضها وتبيين عوزها النظري والإجرائي.

[12] يقسم الباحث هذه المسلمات إلى ثلاث: مسلمة أنطولوجية تقر بالثراء الدلالي للنص القرآني بما لا يسمح بالإحاطة بهويته، ومسلمة إبستسمولوجية تستحث في فهم النص حضور مجموعة من العلوم والآلات والأدوات، وأخيرًا المسلمة الأخلاقية وتقضي بنسبية الفهم «والإعلاء من قيمة الإنصاف والتسامح في تفاعل الفهوم وحوار بعضها مع بعض». انظر: الحيرش، محمد: أخلاقيات التأويل…، ص120.

[13] المرجع نفسه، ص119.

[14] روتي ، ر.(2009)،  الفلسفة ومرآة الطبيعة (ط.1)(حاج إسماعيل  حيدر، مترجم)، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، ص473.

[15] الحيرش محمد، (2019) أخلاقيات التأويل…، ص27.

[16] أصدر “محمد الحيرش” هذا الكتاب بحر سنة 2013 عن دار الكتاب الجديد المتحدة / بيروت في قطعٍ كبير بلغ 392 صفحة، ويعود أصل هذا الكتاب إلى دكتوراه دولة أشرف عليها المفكر التونسي “عبد السلام المسدي” ونوقشت بفضاء جامعة عبد المالك السعدي سنة 2009،  وفيها يظهر الجهد الكبير الذي أقدم عليه “محمد الحيرش” في مخاض بحثه الغني؛ من حيث تأصيله للمشترك القائم بين التصورات العربية القديمة للتأويل والتصورات الهيرمينوطيقية المعاصرة.

[17] شيللر، ف، (1991) في التربية الجمالية للإنسان (ط1) (محمد إبراهيم وفاء، ترجمة) القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص155.

[18] أخلاقيات التأويل.., ص39-40.

[19] المرجع نفسه، ص13.

[20] المرجع نفسه، ص27-28.

[21] المرجع نفسه، ص28.

[22] المرجع نفسه، ص63.

[23] المرجع نفسه، ص52.

[24] المرجع نفسه، ص53.

[25] المرجع نفسه، ص57.

[26] المرجع نفسه، ص91.

[27]نسبة إلى الفيلسوف الألماني “بتر سلوتردايك”، الذي يرى أن الحداثة الغربية قامت في جزءٍ كبيرٍ منها على الإساءة إلى التراث.  

[28] روتي ، ر. (2009)،  الفلسفة ومرآة الطبيعة (ط.1)(حاج إسماعيل حيدر، مترجم)، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، ص479.

image_print
الوسوم: , , ,
باحث مغربي، يحضّر أطروحة الدكتوراه في تخصص التأويليات بمركز دراسات الدكتوراه في الآداب والعلوم الإنسانية والترجمة (جامعة عبد المالك السعدي/ تطوان)، حاصل على جائزة الشارقة للإبداع العربي في فرع النقد. صدر له كتاب: "التمثيل التأويلي للتاريخ في الرواية العربية" عن دائرة الثقافة بالشارقة عام 2019.

مواد ذات صلة

أضف تعليقك

avatar