أزمنة التغيير: الدين والدولة والإسلام السياسيّ

يُعتبر كتاب رضوان السيد: «أزمنة التغيير: الدين والدولة والإسلام السياسيّ» (السيد 2014)[1]، تتويجًا لأعماله السابقة: (الأمة والجماعة والسلطة 1984م، مفاهيم الجماعات في الإسلام 1985م، الإسلام المعاصر 1987م، الجماعة والمجتمع والدولة 1997، سياسات الإسلام المعاصر 1997، والصراع على الإسلام 2005).

الكتاب كما يسجل السيد “هو سجاليٌّ ونضاليٌّ”، وهو فعلًا كذلك، ولكن لم يكن على حساب العُمق والاشتغال للمفاهيم فلسفيًّا وتاريخيًّا.

يأخذنا السيد في رحلةِ قرنٍ من مشروع محاولات الإصلاح في العالم الإسلامي، والذي لم ينتهِ إلى يومنا هذا. وتكمن أهميةُ هذه الجولة في أن عددًا من الفُصول قد كُتبت بعد انطلاق الانتفاضات العربية، وبالتالي فهو تفكيرٌ لسجالاتٍ ملتهبةٍ نعيشها اليوم.

يدخلنا السيدُ في ديالكتيكات لتجاوز الخوف من الدولة والخوف عليها، والخوف على الدين، وفي الخوف منه أيضًا. ويلخص الأزمة الحاليَّة بأن “مشكلتنا في الدولة الطغيانية أولًا، وفي الدولة الدينية ثالثًا وليس ثانيًا. فالعامل الثاني هو الافتقار إلى المجتمعات السياسية التي أدى غيابُها أو ضعفُها إلى تعثُّرات كبرى في المرحلة الأولى لحركات التغيير[2].

سوف أتوقف في هذه المراجعة على أربع موضوعات أساسية، والتي أراها جديرةً باسترجاعها تلخيصًا ونقدًا، وهي: العلاقة مع الغرب، الإسلام الإحيائي، إدخال الدين في بطنِ الدولة باسم الهوية، وأخيرًا ضرورة الحفاظ على الدولة الوطنية ولكن غير المستبدة.

علاقة مفتوحة مع الغرب:

يبين رضوان السيد أن الدولةَ الحديثة في الغرب بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر قد قامت على أربعة أسس:

الأساس الأول: هو شمولية العقل ومرجعيته؛ ويعني ذلك أنه قاسمٌ مشتركٌ بين البشر، وهم متساوون فيه (على عكس أفكار أرسطو وأفلاطون). أما مبدأ المرجعية فقد جاءت لمواجهةِ الكنيسة، التي اعتبرت نفسها مرجعًا في سائر الشؤون. وجاءت الحركة البروتستانتية التي نادت بالتديُّن الفردي والتفسير الفردي للدين والكتاب المقدس؛ لتمهد للمفكرين تثبيتَهم مرجعيَّة العقل.

أما الأساس الثاني: فهو الحق الطبيعي؛ حيث يولد المرءُ مزودًا بميزات تتعلق بضروراته في الحرية والكرامة الإنسانية.

والأساس الثالث: هو العقد الاجتماعي؛ حيث رأى أمثالُ روسو ولوك وكانط، أنه يجري بين أفرادٍ أحرارٍ مع حكومتهم من خلال الانتخاب.

أما الأساس الأخير: فهي الحريات والحقوق الفردية، التي يجري النصُّ عليها في القوانين.

وينتهي السيد بأن المبادئَ الدينية والفكرية العامة في المجال الإسلامي لا تُصادم المبادئَ الحديثة للدولة. فمثلًا الحق الطبيعي لا يختلف عن مفهوم الضرورات الخمس عند الشاطبي، والتي اعتبرها كونيةً عالميةً؛ لأنها “يجب مراعاتها في كل ملة”[3]. إذًا هناك كثيرٌ من الاختلافات في التعابير ولكن ليس في المضامين.

وبدلًا من البدء بثنائيات حادة مع الغرب تحمل سياسات الهوية، يدعو رضوان السيد إلى انخراط المسلمين في العالم من خلال تبنِّي منظومتين أخلاقيتين: منظومة الأخلاق العالمية (وهي المشتركات الكبرى بين الأديان، باعتبارها مرجعيةً إنسانية عالمية)، ومنظومة العقل والعدل والأخلاق التي دعا لها مفكرون مسلمون، والتي تستبطن المفاهيم القرآنية الأساسية (التعارف، والخيرات، والمسؤولية).

وينتهي بتوصيف مأساوية الوضع الحالي؛ حيث يعاني المسلمون من الانشقاقات العميقة بالداخل، والانفصال الشعوري والقيمي عن العالم: ثمة “الافتقاد للمرجعية الكبرى أو الرؤية الواضحة للذات والدور والموقع في العالم. ولا مخرج من خصوصيات الاهتياج والثوران إلا بالعودة لنكون جزءًا من العالم والعصر بحسِّ الشاهد ومسؤولياته، ونهج التعارُف الخيري وعمله[4].

أزمة الإسلام الإحيائي:

نشأ الإسلامُ الإحيائي بوصفِه احتجاجًا على التغريبِ والاستعمارِ، والتقليدِ الإسلامي الذي رعته المؤسسات الدينية العريقة من بداية القرن العشرين مع حركات الإخوان المسلمين وشبيهاتها، ولكنه، حسب المؤلف، بدأ يشكك في شرعيَّة المؤسسات الدينية.

وقد انقسَمت النزعة الإحيائية الإسلامية إلى شِقَّين: الإحيائية الأصولية (بشكل أساسي الحركاتُ الإخوانيَّة)، التي بنت شرعيَّةً بديلةً عبر الجمعيات التي تعتمد أسلوبَ بيْعة المرشد، فصار التنظيمُ هو المحورَ الذي تعتصم به الشرعية التي يُراد بناؤها. كما أن هناك إحيائيةً سلفيةً من نوع خاص، والتي استكانت إلى قيام الدولة السعودية بمَلِكها عبد العزيز آل سعود ومن جاء بعده.

ويختلفُ الإحيائيون كثيرًا عن الإصلاحيين؛ فهؤلاء الأخيرون من رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي ومحمد عبده وعلي عبد الرزاق، قد رأوا في التنظيمات العثمانية تنظيماتٍ شرعيةً أجرتها سلطةٌ شرعيةٌ، بما في ذلك مبدأ المواطنة، والبرلمان، والحكومة، وتقييد سلطات الحاكم بالدستور. وقد رحبوا بمجلة الأحكام العدلية العثمانية، وأدخلوا في حقبة الدولة الوطنية أصولًا وفروعًا فقهيةً ضمن قوانين مدنية.

بينما قام الإحيائيون منذ الخمسينيات من القرن الماضي بتأسيسٍ لتفرقةٍ قاطعةٍ بين الشريعة (والفقه المستند إليها)، وبين القوانين الوضعية ذات الأصل الإنساني. وقام هؤلاء بالشكِّ في العلم وإمكانيات تناقُضه مع الإيمان ومحاولة أسلمة المعرفة. وينتهي الأمر بأنه بدل التبادل الثقافي مع الحداثة والاقتباس والإفادة منها، فقد نادوا بالمواجهة الشاملة من أجلِ الحفاظ على الهوية وعلى الإسلام.

وتختلف الإحيائيَّةُ عن الإصلاحية الإسلامية، التي سعت منذ نهاية القرن التاسع عشر لتجاوُز التقليد وفتح باب الاجتهاد، بعد أن جمِّد داخليًّا أكثر من كونه مهددًا من الخارج. فالفرق بين النزعتين الإحيائيةِ والإصلاحيةِ أن الأولى هوياتيَّةٌ تهدف العزلَ؛ حيث لا ثقة بالنفس ولا بالدين ولا بالعالم ولا بالأمة، بينما الأخرى تجديديَّةٌ تهدف الانفتاحَ على الآخرِ والعالم.

ونشرت النزعةُ الإحيائية نظريةَ المؤامرة، واندلعت الحرب على “العلمانية والاشتراكية، ومن ثم على العلوم الإنسانية الحديثة باعتبارها كلها (وليس الاستشراق فحسب) مؤسسةً على كراهية العرب والمسلمين!”(212).

ما بعد الإسلامية:

لا شيء أخطر عند رضوان السيد من إدخال الدين في بطن الدولة، أو استخدام الدين في التنافس السياسي؛ وذلك لأن الدينَ ضميرُ المجتمع وسكينتُه ويتبادل معه الاحتضان، والتنافس يُشرذم الدين ويشرذم المجتمعَ وعباداته ومنظومتَه القيمية.

ويتفق السيد مع وائل حلاق ( 2014)، في أن فقهاءَ المذاهب الإسلامية لطالما اعتبروا الإمامةَ أو رئاسةَ الدولة شأنًا مصلحيًّا وتدبيريًّا واجتهاديًّا، لا علاقة له بالعقائديات ولا بالتعبُّديات. أما في أطروحة الحاكمية والنظام الكامل فإن الشأنَ السياسيَّ صار شأنًا اعتقاديًّا. ولذا اعتبر السيد أن الإسلامَيْن الجهاديَّ والتنظيميَّ انشقاقًا في الدين.

وأنا اتفق معه في الإطار العام، وفي خطورة إحلالِ الشريعة (بالمعنى الذي يُنادي به الإحيائيون) محلَّ الأمة أساسًا للمشروعية، وخطورة تكليف الدين بما لا يُطاق. ولكن الشيطان في التفاصيل: فالمشكلة ليست في الإسلام التنظيمي بحدِّ ذاته، ولكن في كيفية دخول الفاعِلين الاجتماعِيِّين (المؤمنين بالإسلام كمنظومة أخلاقية) في عراكِ السياسة، وكذلك في كيفية إجرائهم المناقشاتِ والجدلَ في الفضاء العام؛ مستخدمين حججًا مستوحاةً من القيم الإسلامية.

بالنسبة لي، هذا ممكن إذا تحقَّقت الشروطُ الخمسة التالية:

– الإيمانُ بالتعدُّدية الثقافية والقانونية الكفيلتين بحماية الجماعات والفئات الاجتماعية التي تُشكل الأقلية.

– تفريق الفاعل السياسي-الديني بين قُدسية رسالته الدينية التي يُؤمن بها، ودناسة العمل السياسي الذي يتطلب بشكلٍ أساسيٍّ الحكمةَ في التدبير وتقنياتها.

– فصل الدَّعويِّ عن السياسيِّ. وهذا نقطة هامة؛ فالدعوي (والفقيه) سيقنع الناسَ بحرمة الخمور، ولكن السياسي والقانوني قد لا يمنع بيعَها؛ لأن المسيحي وغير المتدين قد يتناولاها.

– تبني سياسات المواطنة في الدولة الوطنية، وليس فقط سياسات لصالح طائفة المؤمنين. وحتى سياسات لنفع الإنسانية؛ حيث أتفق مع طه عبد الرحمن ( 2018) في أنه على الرغم من أهمية مفهوم المواطنة، فينبغي أن لا يتحوَّل هذا المفهومُ إلى طائفةٍ جديدة إقصائيًّا (لما هو تابع للأمة أو للإنسانية)، كما في أنظمة الطوائف الدينية.

– حل إشكالات التوتُّر بين الفئات الاجتماعية في فهمها للمعاملات، وتنزيل الدستور والفقه على الواقع، عن طريق إنضاجها حِوَاريًّا في المجال العام، قبل اللجوء إلى صوت الأكثرية تصويتًا في البرلمان أو استفتاءً.

وبالتالي الإشكال ليس في تنظيميَّة الجماعات السياسية الإسلامية، ولكن في قُدرتها على ربط السياسي بالأخلاقي، كما بينه الفيلسوف ناصيف نصار ( 2017). أن التعدُّدية في الأحزاب السياسية بعدَ الانتفاضات العربية قد جعل الكثيرَ من الأحزاب الإسلامية تتخلَّى عن الشعار القدسي “الإسلام هو الحل”، مستخدمةً شعاراتٍ وبرامجَ تفصيليةً توضِّح اجتهاداتها الأخلاقية حول القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية.

وهكذا كان هناك مفاهيم جدُّ مختلفة مع أحزابٍ إسلامية أخرى، من النمط السلفي مثلًا، من حيثُ تباين الاجتهادات في هذه المفاهيم الأخلاقية. لذا من الصعب وضع ما يُسمى بـ“الإسلام السياسي” بسلة واحدة، والتباين أهم بكثير من التماثل. ومشروع بعضهم بـ“أسلمة المجتمع” يتقاطع مع مشروع الكثير من طبقة العلماء الرسميين وغيرهم، وقد يُؤدي إلى تغييرٍ في الدولة أو لا يُؤدي.

إن اعتبارَ كلِّ مشروعات الدعوة خارجَ السياسة، كجزء من مشروع إسلامي أكبر، يهدف إلى تحقيق هيمنة أيديولوجية على المجتمع، كمرحلةٍ أولى في هدف الاستيلاء على الدولة- هو إفراط في التعميم. وبالتالي فأنا أتفق مع توماس بيريه في اختزالية تطبيق المفهوم الغرامشي “للهيمنة”، سواء على الحركات الإسلامية أو على طبقة العلماء الرسميين أو غير الرسميين. فـ“تنمية التقوى والأخلاق الفردية ليست مجرَّدَ وسيلة للوصول إلى هدفٍ سياسي أسمى مفترض، بل إنها تشكل غايةً في حدِّ ذاتها”. (بيريه 2012).

الحفاظ على الدولة الوطنية، ولكن غير المستبدة:

يشنُّ رضوان السيد هجومًا عنيفًا على الدولة الوطنية المستبدة، (ولو أنه يركز على نوعٍ واحد منها، وهي الدكتاتوريات العسكرية الوراثية) ويرى، متفقًا بذلك مع نزيه الأيوبي، بأن الأنظمةَ العسكريَّة والأمنيةَ مملوءة بالانسدادات، وتعطلت كلُّ مهامها الوطنية، فضلًا عن القدرة أو الإمكانيات على صون المصالح الوطنية والقومية تجاه الخارج الإقليمي والدولي.

إن المحنةَ العربيَّةَ تتمثل في أن الدولة ضد الأمة (غليون 2015). ويرى السيد أوليةَ إصلاحها (بإقامة أنظمة الحكم الصالح بالحريات والتنمية) على إصلاح الدين، ويمكن أن يتزامنا. إنه محقٌّ بذلك؛ وذلك لأنه يريد التأكد من مركزية المؤسسة الدينية المستقلَّة عن السلطة الزمنية، في لعب الدور الرائد في عملية الإصلاح.

إذًا يعتبر السيد أن للمؤسسة الدينية الدور الرئيس (ولكن بدون استئثار) في النهوض الديني؛ بحيث يستعيد الدين وظائفه في الفتوى المستنيرة، وفي التعليم الديني شاسعِ الآفاق وفي الإرشاد العام. ويعطي مثالًا على ذلك بمؤسسة الأزهر الشريف، التي لعبت تاريخيًّا دورًا رئيسًا في مصر وخارجها، عن طريق نشر فكر وفقه إسلامي وسطيٍّ ومجددٍ اجتماعيًّا وإلى حد ما سياسيًّا.

فيُذكرنا بحقٍّ رضوان السيد بأنه منذ عام 2011، أصدر الأزهر وثائقَ مهمَّةً وكثيرةً ذات طبيعة استرشادية: وثيقة « مستقبل مصر» (حزيران/ يونيو 2011)، وثيقة “الربيع العربي” (تشرين الأول/ أكتوبر 2011)، وثيقة “الحريات والفن والإبداع” (كانون الثاني/ يناير 2012)، فوثيقة نبذ العنف (كانون الثاني/ يناير 2013). هذه الوثائق هي عَرضٌ لمبادئ توجيهيَّةٍ وسطيَّةٍ بارزة في الأخلاق الإسلامية. فكان هناك وضوحُ رؤيةٍ حول تبنِّي نظام الديمقراطية واحترام التعدُّد والحريات الشخصية، بغضِّ النظر عن بعض التفاصيل التي يمكن أن تُظهر انفتاحًا سياسيًّا حذرًا جدًّا (كرفضه تبني مفهوم مدنية الدولة).

وقد ظهر ذلك جليًّا في ردِّ فعل الأزهر تجاه ثورات الربيع العربي؛ في مواقف فيها الكثير من التناقضات، بحيث غلب عليها المنحى التردُّدي إزاء الأحداث، ما انعكس سلبًا في تأخر الإعلان عن دعم الانتفاضات، أو اللجوء إلى اتخاذ معايير مزدوجة في الحكم عليها. (عبد الرحيم 2016)؛ فهناك مواقف معقدة ومتناقضة في بعض الأحيان، في علاقتِه بالسلطة الزمنية المصرية ومقاومتها. فالأزهر قد أصدر بيانًا في 8 حزيران/ يونيو 2017، تبنى فيه موقف حكومات مصر والسعودية والإمارات من حصار قطر[5]، ولكن يرفض تدخل الرئيس السيسي في الشؤون الدينية، وهو يحرص على السلم الأهلي، فقد شارك شيخ الأزهر، أحمد الطيب، في 7 كانون الثاني 2019 بافتتاح أكبر كاتدرائية في العاصمة الجديدة.

كل ما سبق يُظهر حدودَ إمكانيات الإصلاح الديني في ظلِّ استبداد الأنظمة العسكرية. وهنا أتفق مع دراسات توماس بيريه ( 2012) ورضوان زيادة، حول دعمِ النظام السوري للإسلام المحافظ (الشيخ البوطي مثلًا) وقمعِ الكثير من الإصلاحيين؛ لأنه رأى في الأول سندًا سياسيًّا له، بينما لم يعقد الآخرون تسوياتٍ سياسيةً معه. فلا يكفي لهذه الأنظمة الاستبدادية أن لا يعمل الإصلاحيون في السياسة، بل ينبغي إعطاء الولاء السياسي لها.

إن رضوان السيد محقٌّ بقسوته على توصيف وضع الدولة الوطنية العربي التي عفنها الاستبداد، ولكن لا نعرف كيف يُمكن إصلاحها من دون أُطُرٍ سياسية تنظيمية وحزبية، ولماذا يحق لأحزاب تتبنَّى مخيالًا أخلاقيًّا مستوحًى من الليبرالية أو الرأسمالية أو الاشتراكية، ولا يمكن بناء أحزاب ذات مخيالٍ أخلاقيٍّ دينيٍّ (سواء أكان إسلاميًّا أو مسيحيًّا).

إذًا الإشكال هو ليس بالاشتغال السياسي لأحزاب سوف تُعلن تأثرها بالفكر والأخلاق الإسلامية، ولكن في مضمون هذا الاشتغال.

وهنا لا أتفق مع السيد في استخدام مصطلح “الإسلام السياسي”: هناك فكر إسلامي-سياسي متعددٌ ومتنوعٌ، منه الوسطيُّ ومنه المتطرف، تحمله الأفراد أو الحركات الإسلامية أو الإسلام الرسمي. وغالبًا ما استخدم تصنيف الإسلام السياسي باعتبارهِ قدحًا في مجموعات حركيَّة معينة، والإيحاء أن اتجاهها واحد يتألف من قارئي سيد قطب من الإخوان المسلمين إلى القاعدة. وغالبًا ما يَستخدمُ هذا النعتَ حاملو الإسلامِ الرسمي، الذين يعتبرون إسلامَهم ليس سياسيًّا. ولذا يُصبح الإخوانيُّ صنوًا للاحتجاجي. إذًا هناك ببساطة انزلاقٌ في المعنى؛ فمناداتهم بعدم شرعية “الإسلام السياسي” هو في الحقيقة يعني عدم شرعية الاحتجاج.

وفي الوقت الذي اتفق فيه مع رضوان السيد في توصيفِه ونقدِه للمخيال السياسي للحركات الإسلامية، أقول: ولكن هذا التوصيف ينبغي تحيينُه ليأخذ بعين الاعتبار صيرورةَ بعض الحركات السياسية ذات التوجه الإسلامي، وخاصة في تونس والمغرب؛ حيث يتماهى الإحيائيُّ الجديد مع الإصلاحي في عصر جديدٍ سماه السوسيولوجي الإيراني-الأمريكي آصف بيات “ما بعد الإسلامية” (Bayat 2013).

لقد درس كريم صادق (Sadek 2012) كيف يُمكن فهم السياسة التحرُّرية لراشد الغنوشي- بصفته مفكرًا وناشطًا إسلاميًّا، ولكنه مختلف عن الإسلاميين الكلاسيكيين- باستخدام نظرية أكسل هونيت حول الاعتراف. فما يطلبه الغنوشي هو الاعتراف بالهوية الإسلامية في المجال العام، والاعتراف بأهمية النص الديني ولكن المفسَّر من خلال الاجتهاد ومفهوم المصلحة.

وقد يتفق معي السيد أن من أهم التجديديين في العالم العربي اليوم، وهما من “الحركيين”: الشيخ أحمد الريسوني، والدكتور سعد الدين العثماني. لقد شغل الأول منصب رئيس حركة الإصلاح والتوحيد، ولكن تمَّ الضغط عليه للاستقالة من منصبه بسبب نقده اللاذع لأهلية الملك للإفتاء؛ حيث إن الملك لا يمتلك العلمَ الشرعي. كما اشتُهر في نقده لدستور 2011، الذي ينصُّ على أن لملك المغرب وظيفةً دينيةً (أمير المؤمنين). ويشغل الريسوني حاليًّا منصبَ رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وبذلك فتأثيره التجديدي يتجاوز الفضاءَ المغربي.

لقد امتاز الريسوني بآرائه الفقهية المتميزة، المؤسسة على نظريته في التقريب والتغليب. (الريسوني 1997). فعلى سبيل المثال رأيه المناهض لحُكم الردة، مستخدمًا حجتين أساسيتين: الأولى: أن قتل المرتد مناهضٌ لكلية في القرآن وهي “لا إكراه في الدين”. أما الثانية: بأنه يُسمح الآن في المعمورة كافةً التحوُّلُ من دين إلى آخر. وقدم رأيًا آخرَ على جواز السماح للدعوات التبشيرية بممارسة عملِها في الدول ذات الأغلبية الإسلامية، طالما تسمح الدول ذات الأغلبية المسيحية للمسلمين بأن يُقيموا دعوتهم هناك.

أما سعد الدين العثماني، فقد أصبح منذ بداية 2017 الوزيرَ الأول في الحكومة المغربية. وكان العثماني أول من نظر بوضوحٍ إلى التمييز بين السياسة والدين من دون فصل بينهما. وتاليًا، بنى نظريةً بأن العقل الدعوي مختلفٌ عن العقل السياسي: “الدِّين حاضِرٌ في السِّياسة كمبادِئَ موجَّهةٍ، وروحٍ دافِقةٍ دافِعةٍ، وقوَّةٍ للأمَّةِ جامعةٍ، لكنَّ الممارَسة السِّياسية مستقِلَّةٌ عن أيِّ سُلطة بِاسم الدِّين أو سلطة دينية”. (العثماني 2009, 113) وأن السياسي يتبع منطقًا له علاقةٌ ببناء التحالفات وخَلقِ أكثرية، وعلاقة البلدان ذي الأكثرية المسلمة بالنظام العالمي. وبذلك يُصبح السياسيُّ ذا استقلالٍ نوعيٍّ عن الفضاء الدعوي.

وبتعبير الباحث سلمان بونعمان، قام العثماني بتدنيس (أي دنيوية) العمل السياسي؛ من خلال فك ارتباطه بالأنشطة الدعوية، واستبدال شعار “الإسلام هو الحل” بـ“الإسلام هو حركةُ حقٍّ وهدى”، والتركيز على إقامة الدين في مقابل تطبيق الشريعة، والانتقال من منطق الهوية إلى منطق التدبير[6].

كتاب رضوان السيد جذابٌ وشيقٌ، رغم وُجودِ بعضٍ من التداخل حينًا والتكرار أحيانًا أخرى. نعم لقد نجح بتوصيف نصِّه بأنه “سجالي” لأنه ساجَل ببراعة بعضَ الإسلاميين في أصولهم الفكرية، ودوافعهم وتياراتهم وتحويلاتهم للمفاهيم الدينية خلال القرن الماضي، من إنتاجهم للمفاهيم وتأويلاتها وأطرها المرجعية. وكذلك في وصفه بأنه نصٌّ نضاليٌّ؛ حيث قدم بدائل لإخراج الدرس الديني والممارسة الدينية، من الأفق المسدود للعلائق بين الدين والجماعة، وبين الدين والدولة، وبين الإسلام والعالم.

لم يكن من الممكن أن يفيض رضوان السيد في أطروحاته لولا مسيرته الفريدة، فقد نشأ أزهريًّا؛ حيث حصل على الإجازة العالية من كلية أصول الدين، قبل تكوينه في ألمانيا ليحصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة توبنغن سنة 1977. ومنذ ذلك الوقت عمل أستاذًا للدراسات الإسلامية بالجامعة اللبنانية، ومن ثم في الجامعة الأمريكية في بيروت (الأستاذ الزائر في كرسي الشيخ زايد للدراسات العربية والإسلامية)، حيث لعب دورًا أحدث تغييرًا لطلابنا، في تركيزه على سردية جديدة في الدين. هذه السردية المبنية على مفاهيم ثلاثة: الرحمة بوصفها الأساس في علاقة الله بعباده، والتعارف بوصفه أساس العلاقة بين بني البشر، ومقاصد الشريعة بوصفها التزام المسلمين فيما بينهم وفي علاقاتهم بالعالم.

ولا عجب في ذلك، فقد تأثرت كثيرًا في صِبَاي بفكره ومقالاته الغزيرة، خاصة في مجلَّتَي: الاجتهاد والوحدة.

الهوامش: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  رضوان السيد، «أزمنة التغيير: الدين والدولة والإسلام السياسيّ»، دار الكتب الوطنية، أبو ظبي، 2014م

[2]  نفسه، ص 308

[3]  رضوان السيد، «أزمنة التغيير: الدين والدولة والإسلام السياسيّ»، ص 25

[4]  نفسه، ص 51.

[5] أكد الأزهر ، في بيان، “تأييده ودعمه للموقف العربي المشترك في قراره بمقاطعة الأنظمة التي تقوم بدعم الإرهاب، وتأوي كيانات العُنف وجماعات التطرف، وتتدخل بشكلٍ سافر في شؤون الدول المجاورة واستقرارها وأمن شعوبها”. كما أكد الأزهر “دعمه لكافة الإجراءات التي اتخذها القادة العرب لضمان وحدة الأمة العربية، والتصدي بكل حزم وقوة لمخططات ضرب استقرارها، والعبث بأمن أوطانها”. ودعا الأزهر إلى “مضاعفة جهود الأمة العربية لوقف المحاولات المغرضة التي تمارسها الأنظمة الشاردة، بما يشكل خطرًا على أمن الإقليم العربي واستقراره، آملًا أن تفيق هذه الأنظمة من غفلتها، وأن تعود إلى رشدها وإلى أهلها وبيتها”. https://arabic.cnn.com/middle-east/2017/06/08/iums-azhar-qatar

[6] سلمان بونعمان في مؤتمر التجديد الإسلامي من الداخل: تكوينات جديدة في الجامعة الأمريكية في بيروت يوم الخميس، 13 أكتوبر 2016.

image_print
الوسوم: , , ,
أستاذ في علم الاجتماع في الجامعة الأميركية في بيروت ورئيس تحرير المجلة العربية لعلم الاجتماع "إضافات". وهو رئيس الجمعية الدولية لعلم الاجتماع منذ 2018. هو متخصص في السوسيولوجيا السياسية، سوسيولوجيا المعرفة، سوسيولوجيا الدين، سوسيولوجيا الهجرة واللاجئين والعدالة الانتقالية. لديه عدد كبير من المقالات وإحدى عشر كتابًا مؤلفًا أو محررًا والتي جعلته يفوز بجائزة عبد الحميد شومان 2015 عن دور التكنولوجيا في التغير الاجتماعي وجائزة الكويت لعام 2015 في مجال العلوم الاجتماعية.آخر كتاب له هو البحث العربي ومجتمع المعرفة: نظرة نقدية جديدة (مع ر. أرفانيتس) (صدر بالعربي مع مركز دراسات الوحدة العربية وبالإنكليزي مع راوتلج).

مواد ذات صلة

أضف تعليقك

avatar