البحث عن مداخل جديدة لدراسة الإسلام

كثير من القضايا والأفكار طُرحت منذ إحساس المسلمين بالفوات الحضاري نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، ومن الطبيعي أن يكون لتلك الأحداث والمنعطفات الكبرى المتلاحقة تأثير كبير في تحديد نوع هذه القضايا وطبيعة الردود عليها، ولكن بعد مضي قرن ونيف على ذلك يجدر أن نعيد التفكير ونراجع ما حصدناه خلال تلك السنوات الطويلة، وإجراء تقييم رصين له.

ويصعب بالطبع إجراء تقييم مثل هذا بدون بحوث معمقة وورشات عمل اختصاصية، وعمل مثل هذا ضروري الآن، خصوصًا وأن الباحثين والمختصين بالدراسات الإسلامية لا يزالون يشعرون بوجود مشاكل عميقة في الفكر الإسلامي، في محاولة استجابته للتحدي المطروح عليه في “مواجهة” الحداثة الغربية.

لكن انطلاقًا من الخبرة الخاصة كمختص في هذا المجال وباحث ومتابع لتاريخ الفكر الإسلامي الحديث وحركاته السياسية والفكرية، تبدو لي أن الدراسات والبحوث الإسلامية في الوقت الحاضر تتسم بسمات سلبية عديدة، أبرزها الآتي:

أولاً: تغلب التفكير الهوياتي، في مجمل الدراسات والأفكار والردود، والمقصود هنا التفكير المبني على حراسة الهوية أولًا والخوف المفرط من الآخر، وهو أمر قاد للحفاظ على كل شيء (ما يقبل التغيير وما لا يقبل التغيير، وما هو ملائم وما هو غير ملائم) وحّد من القدرة على التفكير النقدي، وما من شك أن تفكيرًا مثل هذا رسّخ الاعتقاد بنظرية المؤامرة الكونية على الإسلام بدل أن يفتح أفقًا للتعاطي مع الآخرين، وخلق مناخًا لتفكير تبريري حاول أن يسوغ كل شيء.

ما من شك أن هنالك محاولات عديدة للخروج من منطق هذا التفكير والتعاطي الإيجابي مع العالم الحديث، يمكن ملاحظتها عند مالك بن نبي أو طه عبد الرحمن وآخرين، لكن يبقى هذا نادرًا في حين أن التفكير العام منصرف نحو تفكير هوياتي يظهر انعكاسه جليًّا في البحوث الفقهية، التي بدل أن تطور آليات بحثية لفهم القضايا المعقدة التي تتداخل فيها المعطيات وتستوعب أدوات بحثية جديدة لفهمها، لا يزال يعكف الباحثون على دراستها انطلاقًا من أفق ضيق مرتبط إلى حد كبير بمنظور محدد لمصادر التشريع الثانوية.

ومن الواضح أن القلق من أي تغيير يشكل هاجسًا في تلك الدراسات، ويمثل موضوع عدم قدرة الأقليات المسلمة في الغربة على الاندماج والتلاؤم مع المجتمعات الغربية، أحدَ الأمثلة على آثار هذا التفكير الهوياتي.

ثانياً: تبسيط الحداثة الغربية، ففي الوقت الذي تتطور فيه المعرفة البشرية في الغرب بشكل تراكمي ومتسارع، تُظهر الدراسات الإسلامية في الغالب، وخصوصًا في المعاهد والمؤسسات التعليمية المتخصصة، فهمًا مبسطًا ومختزلًا للحداثة الغربية، ويكاد يختصر الحداثة في أمرين: العلمانية، والنهوض التكنولوجي، وفي حين تشكل مواجهة العلمانية هاجسًا لها (على اعتبار الموقف من الدين هو فكرة جوهرية فيها)، فإن الحرص العام على الحصول على نتاج الغرب التكنولوجي أمر صار تقريبًا من مسلمات تلك الدراسات، وفي الواقع معظم الدراسات الإسلامية المتعلقة بالعلمانية هي دراسات ضحلة، تفهم العلمانية انطلاقا من تاريخها السياسي، ولا تنظر للعلاقة بين الدين والسياسة نظرة أعمق على نحو ما نراه في الدراسات الغربية النقدية ذاتها، يمكن مقارنة هذه الدراسات مثلًا بدراسات اللاهوتيين الأمريكيين البروتستانت[1] عن العلمانية لملاحظة الفرق والعمق.

ثالثاً: انغلاق الدراسات الإسلامية على ذاتها، فبالرغم من كثرة القضايا المطروحة والأفكار المستجيبة لها، إلا أن سمة غالبة وواضحة على العموم، وهي أنها تعيد دراسة القضايا نفسها، وتعيد إنتاج الحوار ذاته حولها بفوارق غير ذاته قيمة على الأغلب، وتكاد تكون القضايا محصورة في فقه المستجدات والنوازل (معظمها اقتصادي)، والردود على المستشرقين (معظمهم من القدماء!)، وشرح الموضوعات الصغيرة الدقيقة، والمواجهات البينية العقدية والمذهبية (وهي عمومًا مكرورة وترجع إلى قرون طويلة: الصوفية والسلفية، السنة والشيعة، والتجديد والتقليد)،وأحكام الجهاد، وتكاد لا تطرق موضوعات جديدة إلا في النادر.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى تكاد تكون العلاقة العلمية بين المختصين بالدراسات الإسلامية الغربيين ونظرائهم العرب والمسلمين- معدومةً، والعلاقات الموجودة حاليًّا أقرب ما تكون علاقات من نوع “الخدمات العلمية” المتبادلة، لكن ثمة ندرة في بحوث مشتركة، وثمة شكوك متبادلة في غايات ومؤهلات كل من الطرفين، فمن جهة هنالك شكوك في نوايا الغربيين وطريقة تفكيرهم، يقابله شك من الغربيين في المؤهلات البحثية العلمية والحياد اللازم في البحوث في الدراسات الإسلامية، وإذا كانت ثمة مبادرات في هذا المجال فإنها على الأغلب مبادرات من مؤسسات بحثية غربية.

رابعاً: ضعف في العلوم الاجتماعية الحديثة، وهذا أمر يعود أولًا إلى أن قلة من الباحثين في الدراسات الإسلامية يتقنون اللغات الأجنبية التي تمكنهم من اطلاع علمي جيد على تلك العلوم، وقراءتها من مصادرها الأصلية، وثانيًا إلى أن قلة من هذه القلة ليس لديها موقف مسبق يمنعها من الاطلاع والتعاطي الإيجابي معها ويمنحها الفرصة لكي تستفيد منها بما تراه ملائمًا.

وبالرغم من أن حركة الترجمة توسعت للغاية في العقدين الأخيرين، وهو أمر صار يتيح لمن لا يجيد اللغات الأوربية الأساسية الاطلاعَ على مصادر العلوم الاجتماعية بشكل مباشر، إلا إنه مع ذلك لم يُحدث فرقًا ملحوظًا في تعاطي الباحثين المختصين في الدراسات الإسلامية مع هذه العلوم إلى اليوم.

خامساً: توسع مفرط في النظرة الفقهية والعقدية للعالم مقابل غياب بحوث تتعلق بالجوانب الأخرى، مثل القيم والأخلاق والجوانب النفسية والروحية، وما يُعرف أيضًا بـ”فلسفة الدين” التي يكاد الاهتمام بها ينعدم في الدراسات الإسلامية؛ إذ يمكن مقارنة عدد الباحثين وحجم البحوث المختصة في هذه الموضوعات الأخرى لمعرفة مدى التفاوت في الاهتمام، لا حاجة للتذكير أننا نحن هنا نتحدث عن البحوث العلمية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى.

ثمة سمات عديدة أخرى يمكننا أن نتوقف عندها، لكن برأيي أن هذه السمات الخمسة تبقى هي السمات الأبرز والأهم، وما من شك أن عوامل عديدة أدت إلى ظهورها، على رأسها العاملان السياسي والثقافي، وشرح هذا يطول.

واقع الحال أن هذه السمات تشكل عقبة أمام تطوير الدراسات الإسلامية ذاتها، وتجعلها تدور حول نفسها؛ إذ يحتاج الخروج من هذا الدوران المفرغ نزع الخوف من الحداثة الغربية، وفي سبيل ذلك يجب الكف عن رؤية العلوم الغربية على أنها مجرد نظريات وعقائد علمانية لا قيمة لها أو تعارض الاعتقاد الإسلامي لمجرد أنها غربية أو أنتجها علمانيون.

وإدخال هذه العلوم بشكل علمي ضمن المناهج الدراسية في المؤسسات التعليمية أمر ضروري، كما أن تطوير نقد هذه العلوم الاجتماعية من قبل الباحثين المختصين بالدراسات الإسلامية (ليس من منطلق تفكير هوياتي متوجس من كل شيء) أمر لا بد منه، لكن لا بد أن يكون على أسس علمية ومعرفة علمية عميقة، فما هو موجود الآن يصعب تقييمه كنقد علمي رصين.

تتيح لنا في الواقع العلوم الاجتماعية مخرجًا من الدائرة المغلقة التي تدور فيها الدراسات الإسلامية، وتسمح بخلق منظور جديد وتطوير أدوات بحثية جديدة أيضًا، هنالك مجالات عديدة تمثل مجالًا حيويًّا لهذه الدراسات مثل:

أولاً: المناهج البحثية، حيث تتيح الدراسات المتخصصة بالمناهج فرصةً جديدة لتطوير البحوث والدراسات الإسلامية، يأتي في مقدمتها البحوث اللغوية (الألسنية) وتحليل الخطاب، والتي تطورت بشكل مذهل خلال مائة عام، وقدمت أدوات بحثية تتوافق إلى حد كبير مع الإنجازات الإسلامية في هذا الخصوص، صحيح أن كثيرًا من الدراسات التي تزعم الاعتماد على الألسنية (وبشكل خاص الدراسات القرآنية) في العالم العربي والإسلامي تثير الشك في قيمة وجدوى هذه المناهج الحديثة، إلا إن الطريف أن الدراسات الألسنية الغربية المطبقة على الدراسات الإسلامية أثبتت العكس.

لنأخذ مثلًا بحوث دانيال ماديغان وتوشيهيكو إيزوتسو؛ هذه بحوث حظيت باحتفاء خاص في العالم الإسلامي بالرغم من أنها تعتمد بالكامل منهجية ألسنية! وكون القرآن الكريم والنصوص النبوية الشريفة هي المرجعَ الرئيس لكل ما يتعلق بالإسلام، فإن كان من المفترض أن تحظى المنهجية الألسنية باهتمام أكبر، إلا أن ما يجري هو العكس تمامًا لسوء الحظ.

ثانياً: موضوعات العلوم الاجتماعية والفلسفة الدينية ذاتها يمكن أن تمثل أساسًا لموضوعات لبحوث ودراسات إسلامية جديدة ولا متناهية، لنأخذ مثالًا البحوث الأنثربولوجية (الإناسية)[2] حيث نجد موضوعات مثل الضبط الديني، والزمن الديني، وعلاقة الدين بالسلطة العامة، وعلاقة ذلك بالسياسة، ومفهوم الدين، وعلاقة اللغة بالثقافة والدين، ورؤية العالم، ونظام الشعائر والطقوس الدينية ومدلولها، والسلطة الدينية، والجغرافيا الدينية، والألم، والعقاب، والتسامح.

ومفهوم الزمن وهو موضوع يتعلق من جهة بمفهوم القضاء والقدر (أحد أصول العقائد الإسلامية)، ويتعلق بمفهوم التاريخ (فلسفة التاريخ)، كلها موضوعات حية وجديدة، وما تم تناوله منها في الدراسات العربية والإسلامية تم تناوله بطريقة مختلة كثيرًا ومبسطة. جدير الآن بهذا الاتجاه النظر إلى مثل تلك الموضوعات بعمق أكبر لفهم الدين كنظام لمجموعة أنظمة شاملة، وهو أمر سيساعد بالتأكيد على فهم العالم الحديث والتعاطي معه بشكل أفضل بكثير.

ثالثاً: الدراسات المقارنة للسلوك الديني، أي دراسة التدين المقارن (وليس دراسة الأديان المقارنة)؛ إذ سيتيح هذا المجال الخصب إلى التمييز العلمي بين العنصر البشري في الدين والدين ذاته، وفهم مجموعة الأنظمة المتعلقة بالممارسات الدينية وكيفية عملها، وأسس الاختلاف في السلوك الديني وبواعثه.

ثمة مجالات أخرى يمكن أن تشكل مدخلًا لموضوعات جديدة في الدراسات والبحوث الإسلامية، وما ذُكر أعلاه هو مجرد أمثلة يمكن أن تقود إلى خلق دينامية جديدة فيها.

الهوامش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر مثلًا دراسات اللاهوتي الأمريكي وليام ت. كافانو، وبشكل خاص: أسطورة العنف الديني: الأيديولوجيا العلمانية وجذور الصراع الحديث، ترجمة أسامة غاوجي (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1، 2017)

[2] يمكن الرجوع إلى كتابات طلال أسد للاطلاع على مثل هذه الموضوعات، وبشكل خاص كتابه: جينالوجيا الدين: الضبط وأسباب القوة في المسيحية والإسلام، ترجمة: محمد عصفور، (بيروت: دار المدار الإسلامي، ط1، 2017).

image_print
أستاذ في جامعة أنقرة للعلوم الاجتماعية. وهو باحث متخصص في دراسة العلاقة بين الدين والسياسية والمجتمع. من مؤلفاته: الخطاب السياسي في القرآن: السلطة والجماعة ومنظومة القيم، 2012؛ الدولة والجماعة: التطلعات السياسية للجماعات الدينية في سوريا (2000-2010)، 2011؛ والبعث الشيعي في سوريا (1918-2007)، 2008. كما نشر العديد من البحوث العلمية، وشارك في عدة مؤتمرات دولية.

أضف تعليقك

avatar