الدين والهجرة تحديات ورهانات

 

أولًا: مدخل إشكالي (الدين والهجرة في أرقام):

تشكل ظاهرة الهجرة والمهاجرين أحدَ المواضيع التي استأثرت بالنقاش العام، سواء بين صناع القرار على المستوى العالمي، أو من خلال مؤسسات البحث العلمي أو مستودعات التفكير (Think Thanks)، أو من خلال الإعلام وما يتصل به من شبكات اجتماعية ومجتمع افتراضي.

ولعل حجم هذا الاهتمام، إنما يعكس بشكلٍ جليٍّ حجمَ التحديات التي تطرحها مسألةُ تدبير ملف الهجرة والمهاجرين في البلدان المستقبِلَة أو بلدان العبور أو البلدان الأصلية.

بيد أن العديد من الباحثين وصناع القرار، غالبًا ما يتوقَّفون عند رصدِ علاقة الهجرة بالتنمية وبالأمن وبالرفاه الاجتماعي وبالاندماج واللاندماج، أو بما يسائل السياسات العمومية في ضمان حقوق المواطنين المهاجرين في علاقتهم ببلدان المهجر، لكنهم يتغاضون عن سؤال الأسئلة، وهو علاقة الهجرة بالدين، وكيف تتشكل البناءات الدينية في مسارات حياة المهاجرين؟ وكيف يتم بناء حياة دينية – من طرف المهاجرين – وسط مجتمعات مختلفة معهم دينيًّا؟ وما هي التحديات التي تطرحها علاقة الدين بالاندماج واللاندماج؟ وماذا عن الجهود التنظيمية والمؤسساتية والقانونية والثقافية التي بذلت طوال السنوات الأخيرة؟ وكيف يمكن تفسير بروز موجة الكراهية ضد المسلمين، أو ما أصبح يعرف في الأدبيات البحثية بمفهوم “الإسلاموفوبيا” (xénophobie, islamophobie)؟ وأخيرًا ما هي التفسيرات التي يمكن تقديمها لفهم ظاهرة الردكلة والدين والهجرة، وبروز اليمين المتطرف في أوروبا وأمريكا؟

قبل الإجابة عن هذه الأسئلة، لا بأس من تقديم صورة إحصائية عن عدد المهاجرين في العالم، وعن انتماءاتهم الدينية، وبشكل خاص، كيف سيؤثر العامل الديني في المعطى الديمغرافي، وتأثير ذلك على البنية السكانية لأوروبا وأمريكا وكندا تحديدًا؟

حسب المعطيات الأخيرة التي كشف عنها تقرير الأمم المتحدة (إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة 2017)[1]، فإن عدد المهاجرين في العالم ارتفع إلى 258 مليون مهاجر، ما يمثل 3.4 من سكان العالم، هذا بعدما كان العدد لا يتجاوز 214 مليون، سنة 2010[2]. وهذا يعني أن أعداد المهاجرين في تزايد، جراء الاضطرابات التي تشهدها العديد من الدول، خصوصًا منطقة الشرق الأوسط، والتي تدفع بمواطنيها للبحث عن مناطق آمنة وحياة رغيدة.

من جهة أخرى، فإن المعطيات التي كشفت عنها الإحصائيات المتعلقة بالانتماء الديني للمهاجرين في العالم، تبين هي الأخرى، أمورًا جدَّ هامة، تساعدنا على فهم أبعاد الظاهرة المركبة والتي تجمع بين الدين والهجرة. وعليه، فعدد “المسيحيين، يقدر بـ 105.670.000 بنسبة 49%، بينما عدد المسلمين يقدر بـ 58.580.000 بنسبة (27%)، وهي النسبة المتوقع أن تتزايد في السنوات المقبلة (2030) خصوصًا في أوروبا حسب توقعات بعض المؤسسات ( PewResearch Center, Washington, 2011)).

في حين أن غير المنتمين (Unaffiliated) يقدرون بحوالي 19.330.000 بنسبة (9%). أما الهندوس بـ 10.700.000 بنسبة (5%). ديانات أخرى 9.110.000 (4%) البوديون بـ 7.310.00 (3%). اليهود بـ 3.650.000 بنسبة (2%)“. (Peter Kivisto، 2014).

أما في ما يخص العشر دول الأكثر استقبالًا للمهاجرين، فإننا نقرأ في الإحصائيات الأخيرة، أن (الولايات المتحدة الأمريكية، يقدر عدد المهاجرين بـ 49 مليونًا)، وروسيا وألمانيا والمملكة العربية السعودية بـ 12 مليونًا متبوعة بفرنسا بـ(6.685.000)، وبريطانيا بعدد يماثل أعداد المهاجرين بفرنسا، بـ( 6.452.000)، وإسبانيا بـ(6.378.000) والهند، بـ(5.436.000)، وأخيرًا، أكرانيا بـ(5.258000) (Peter Kivisto، 2014).

وللإشارة، فقد تعرف هذه الأرقام بعض الاختلافات، حسب آخر تقرير صدر سنة 2017، لكن ما يمكن استخلاصه هو أن الهجرة تتركز في دول أوروبا الغربية، وأمريكا الشمالية.

ونحن لا يهمنا في هذا المقال رصد أعداد المهاجرين بقدر ما يشغلنا التركيز على الانتماء الديني في علاقته بالهجرة؛ لذلك فإن الأرقام التالية، تعتبر في نظرنا جد معبرة عن واقع الحضور الديني في أوروبا، إذ يبلغ عدد المهاجرين، من ديانة مسيحية لأوروبا (13.170.000)، في حين أن عدد المسلمين يقدر بـ(12.290.000) وهو ما يعني أن الأعداد متقاربة.

صحيح أن المعطيات السابقة، تُظهر حضورًا كبيرًا للمهاجرين من منتسبي الديانة المسيحية، على حساب بقية الأديان، بما فيها الإسلام، لكن ذلك لا يعني قراءةَ هذه الأرقام بشكل اختزالي وسطحي، فحسب الدراسات الاستشرافية والإسقاطات الديمغرافية، فإن الوضع قد ينقلب لصالح الديانة الإسلامية، خصوصًا في أوروبا، والتي تشهد موجة غير مسبوقة من التدفُّق الإسلامي، سواء كمهاجرين أو كمتحولين من أصول أوربية، غيروا ديانتهم المتوارثة إلى الإسلام[3].

ولا يمكن قراءة هذه الأرقام بدون التوقف مليًّا عند نتائجها وتبعاتها، بل مستتبعاتها، خصوصًا ما يتعلق بحضور الإسلام كديانةٍ مرشحة لأن تكون سائدةً في أوروبا في مستقبل الأيام.

لذا نتساءل: ما هي أهم التحديات التي تطرح في هذا السياق؟ وما هي مختلف المقاربات التي تتفاعل لتدبير مسألة الدين والهجرة في العالم، وتحديدًا في أوروبا؟

ثانيًا: المهاجرون المسلمون وظاهرة الإسلاموفوبيا:

بداية وجب الاعترافُ أنه مع وقوع أي حدث إرهابي في العالم، وخصوصًا في أوروبا وأمريكا، إلا وتتصاعد معه موجة من النقاشات والجدالات والتوترات، سواء عند صناع القرار، أو في الأوساط الإعلامية أو حتى عند المواطن العادي؛ مما يؤدي إلى وجود توتر وكراهية وإسلاموفوبيا (xénophobie, islamophobie)، ضد المهاجرين بشكل عام، وبشكل خاص ذلك الموجَّه للمسلمين، على اعتبار أن منفذي الهجوم الإرهابي، هم من المسلمين.

والجدير بالذكر أن حضور قيم الكراهية ضد المسلمين، قوية في إسبانيا، حيث إنه في الإحصاء الذي أنجز في بعض دول أوروبا حول (ربيع، 2014) (spring 2014 global attitudes survey )، يبين أن إسبانيا فيها نسبة الكره للمسلمين تصل إلى 46 بالمائة.

وهكذا، فإن أغلب الأحداث الإرهابية التي وقعت في السنوات الأخيرة، إلا وتُجدد نفس النقاش، لدرجة أنه أصبح من المسلم به أنه بعد كل حدث إرهابي في دول أوروبا أو أمريكا، إلا ويقع أن تحضر نفس ردود الفعل القوية والغاضبة؛ ففي حالات ما بعد الأحداث postattentat، نجد أن الباحثين في العديد من مراكز التفكير يطلقون استطلاعاتٍ للرأي لقياس مدى حضور مستوى هذه المشاعر؛ حيث سجل أحد هذه المراكز في فرنسا، أن (58 بالمائة) من الفرنسيين أعلنوا أنهم عبروا عن ردود فعل، تتسم بالكراهية للأجانب، وخصوصًا المسلمين، ما داموا يقعون في أحداث إرهابية عنيفة[4].

إن هذا الواقع أصبح مؤرقًا للجميع، وعلى رأسهم المهاجرون المسلمون الذين يقعون ضحية الأحكام الجاهزة والنمطية (les stéréotypes) والتعميمية؛ حيث إن كل المسلمين متهمون حتى تثبت براءتهم.

وربما قد لا نأتي بجديد، إذا ما تحدثنا عن أكبر تحدٍّ بدأ يهدد وجودَ المهاجرين ذوي الديانة الإسلامية، وهو صعود موجة “الإسلاموفوبيا”؛ إذ إنه مع كل حدث إرهابي، إلا ويعاد النقاش من أوله، حول وضعية المهاجرين في بلاد المهجر، وبالتالي حقوقهم وواجباتهم ومدى اندماجهم في هذه الدول. وكأن العالم ينقلب رأسًا على عقب بعد كل حدثٍ إرهابي.

ولعل ذلك ما يسمح لنا بالحديثِ عن نسف كلِّ الجهود المؤسساتية والتنظيمية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية، التي بذلت على مدى السنوات الأخيرة لإدماج المهاجرين. وكأننا أمام حالة الضياع كما عبرت عن ذلك الفيلسوفة “حنا أرنت” (Hannah Arendt) (la migration comme l’expérience de la perte).

وربما لا نأتي بجديد، إذا ما وقفنا عند وجود مجموعة من المؤشرات التي أصبحت تلازم الكره للأجانب (xénophobie)، وهي الصعود القوي للأحزاب اليمينية المتطرفة، وبشكل أكبر منه بروز الخطابات الشعبوية والتبسيطية والاختزالية، والتي تُعيدنا لسنوات غابرة، حيث يتمُّ تغذية سلوك المواطنين بالعنف والتمييز العنصري على أساس العرق والدين واللغة والانتماء السوسيومجالي.

وقد عبرت الفيلسوفة الفرنسية (Fabienne Brugère) عن ذلك بالقول: “ليس الهجرات هي التي تغذي التمييز العنصري، بل هي الطريقة التي تصنع بها أيديولوجيا قيم العنف والتمييز والوصم في وجدان وشعور المواطنين الأوروبيين، من قبل الخطابات الشعبوية-اليمنية المتطرفة[5]“.

فهل معنى ذلك أن مستقبل المهاجرين أصبح في خطر؟ وهل يعني ذلك أن لا مستقبل للتعايش بين الشعوب والأقليات والأجناس والأديان واللغات والعرقيات في دول أوروبا وأمريكا؟

هل سنشهد حالةً من النكوص والتراجع الدراماتيكي للترسانات القانونية والمؤسساتية والتنظيمية والاجتماعية والاقتصادية والسوسيوثقافية التي بلورها الذكاء الجماعي للأوروبيين والأمريكيين والمهاجرين من كافة الأجناس والشعوب؟ أو على العكس من ذلك، كلما تصاعدت حدة الكراهية والتمييز العنصري للأجانب، كلما بلور المجتمع آليات للمواجهة، كما قال بذلك (فرونسوا ديبي François Dubet). فما هي السياسات العمومية التي بلورها العقل الغربي؟ وهل أصبحت محطَّ مساءلة؟ ومن ثم هل هناك تبلور لنظريات جديدة؟ ذلك ما سنكشف عنه في المحور الثالث من هذه المساهمة.

ثالثًا: وقفة مع أهم خصائص السياسات الإدماجية للمهاجرين؟

من خلال تفحص بعض الأدبيات في سوسيولوجيا الهجرة، يتبين أن هناك مقاربتين أساسيتين في سياسة الإدماج:

الأولى: تتخذ من التعدد الثقافي منطلقًا لها في رسم برامج وسياسات تحترم الإثنيات المختلفة والأديان المتعددة، وتقر لها بحقها في التعبير عن ذاتها، بل توفر لها من الإمكانات العمومية ما يجعلها تمارس حقوقَها الثقافية والدينية واللغوية وغيرها، بكل حرية ومساواة مع المواطنين الأصليين. وهذه المقاربة نجدها في الدول ذات التقاليد الأنجلوساكسونية.

بينما المقاربة الثانية، تنهل من القيم الكونية والموحدة على الجميع، وهذه المقاربة تنحو نحو تنميط السلوكات والمواقف والاتجاهات في بوتقة واحدة وموحدة، على اعتبار أننا نعيش في فضاء اجتماعي واحد، وأن الذي يحكمها هي قيم مواطناتية عامة، تحت شعار “الوطن للجميع”، ويمكن أن نأخذ كمثال على ذلك، تجربة فرنسا؛ حيث القيم العلمانية والمواطناتية هي التي تؤطر سياسةَ الهجرة والمهاجرين، رغم أنه ظهرت عيوب لهذا النموذج.

(وجبت الإشارة أننا استفدنا من مقال “مود نافار/ Maud Navarre”، في المجلة الآنفة الذكر). ولعل من خلال هذين المقاربتين، استخلص الباحث الأيرلاندي (EntzingerHan) ستَّ نماذج لسياسات الإدماج للأقليات، عبر دراسته للتجارب العالمية في هذا المجال.

1- مقاربة المساواة في الحقوق الكونية:

وهي المقاربة التي تُعطي للجميع (مواطنين أصليين وغيرهم) نفس الحقوق في إطار احترام القوانين المعمول بها في البلد.

ويمكن فهم سياسة منح الجنسية للأجانب في هذا السياق، هذا على الرغم من النقاش في الفقه القانوني، لا زال ينظر بنوع من الشك للولاء الفردي، هل هو للوطن الأم أم للوطن المهاجر إليه؟

2- مقاربة سياسة منح حقوق الأقليات الإثنية:

أو ما يسمى حقوق الأقليات، والتي تعترف، بل ترسخ قوانين وسياسات عمومية تمنح للمهاجرين حقوقَهم الدينية واللغوية، بدون إكراههم لكي ينخرطوا في قيم وثقافة بلد الهجرة.

مثلًا: تجد في كندا، أقليات دينية وإثنية هندية، تقوم بطقوس “البوتلاش” (الطقس الخاص بالهندية). إلا إن هذه المقاربة، تبقى لها مخاطر عدم الاندماج في بلد الهجرة، وهي ترسخ نوعًا من الانغلاق الحضاري.

3- مقاربة التعددية الليبرالية (سياسة تعزيز القيم الثقافية الفردية):

وهذه السياسية الإدماجية تقوم على مسلمة أن القيمَ الثقافية هي فردية خاصة، والدولة لا تتدخل في ذلك، وتنتهج سياسةَ الحياد. ويمكن اعتبار تجربة اللائكية الفرنسية نموذجًا بنوع من التحفُّظ؛ لأنه ظهر في لحظات معينة تحيُّـز بعض الأجهزة في الدولة (الشرطة مثلًا) ضدَّ بعض الاختيارات الفردية، (حالة منع لباس البوركيني في البحر في السنة الماضية).

4- مقاربة التعدُّد الثقافي التي تُعزِّز من الاختلافات بين الأقليات والإثنيات:

وهذه السياسة تقوم على حقِّ الاعتراف بكل الاختلافات السوسيوثقافية المتواجدة بين المواطنين الأصليين أو المهاجرين، بل أكثر من ذلك، فهذه السياسات تمنح الشرعية لانتعاش ثقافة الآخر داخلَ بلد الهجرة، وكمثال على ذلك، يستعرض السوسيولوجي الأيرلاندي “Entzinger” تعليم لغة الأم في بلد الهجرة للمهاجرين، وحق إنشاء الجمعيات والنوادي والتجمعات. ورغم أن هذه المقاربة تبقى مهمة في ضمان الحقوق الدينية واللغوية للمهاجرين، لكنها تمنع الاندماج السريع لهؤلاء المهاجرين، وتُعيق التفاهم العلائقي، لكنه يبقى نموذجًا مغريًا للتعايش.

5- مقاربة السياسات العمومية القائمة على ضمان تكافؤ الفرص للجميع:

وهي مقاربة تقوم على ترسيخ قيمِ المساواة بين المواطنين، خصوصًا الذين يعيشون في ظروف هامشية وهشة، ولعلَّ الدول التي تقوم بذلك، (نموذج دول الرعاية الاجتماعية) تسعى لكي لا يحصل لها توترات اجتماعية وسياسية واقتصادية، خصوصًا في حالات ارتفاع البطالة في صفوف المهاجرين. وبالتالي فكون هذه الدول تنهج هذه السياسة، إنما بغرض الحفاظ على تماسك المجتمع ووحدته.

6- مقاربة السياسات العمومية القائمة على الإنصاف:

وهي مقاربة تنحو نحوَ تمليك الأقليات الإثنية والدينية والعرقية من حقوقها، عندما لا تتحقق لها ذلك في ظلِّ وجود سياسات تكافؤية للجميع، وبالتالي، فإن الأكفأ والأقدر هو من يحصل على تلك الحقوق، ولهذا تمَّ التفكير في آلية بديلة تقوم على مبدأ المناصفة عبر اللجوء للكوتا، لكي يتم الاستفادة المثلى من جميع الحقوق. وبالمناسبة فهي آلية تم اعتمادها لتمكين النساء من حقوقهن السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

طبعا كل هذه المقاربات التي تمت دراستُها، تحبل بالعديد من المزايا للمهاجرين ولحقوقهم الدينية والإثنية واللغوية، بل وحتى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لكنها في نفس الوقت تطرح العديد من الإشكالات والتناقضات. ولعل من بين هذه التناقضات هو أنه في حالات كثيرة لا يتحقق الاندماجُ السلس والطبيعي للمهاجرين، وهو ما يعرضهم لنوع من التفكك والتصدُّع الهوياتي والعلائقي والمواطناتي.

إلا إنه بالرغم من كل ذلك، فإن هذه التجارب تسمح بالقول أنه إذا ما كان من درس يمكن أن يستفيد منه صناع القرار وصانعو السياسات العمومية في بلدان أوروبا وأمريكا، فهو التفكير في مقاربات أكثر مرونة وأكثر انسيابية بالشكل الذي يوازن بين جدلية الحقوق والواجبات للمهاجرين، وبما يحقق التعايش المشترك، وبما يقلل من حدة التوترات والصراعات؛ إلا إن ذلك لا يستقيم إلا إذا استحضرنا شرطًا موضوعيًّا آخر، هو المتعلق بواجبات المهاجرين تجاه بلدان المهجر، وهو ما سنفصله في المحور الرابع من هذا المقال.

رابعًا: جدلية الدين والهجرة، آفاق للتحاور والنقاش والاستشراف:

لا شك أن معالجة هذا الموضوع، تبقى شائكة وعصية؛ لأن مسألة تمليك قيم مواطناتية عالمية للمهاجرين، ليس بالأمر الهين أو السهل؛ لأن الموضوع مرتبط بانخراط دول المهجر ودول الاستقبال، وذلك بالتفكير في سياسات التقائية مرنة ومحكومة الأهداف والغايات والنواتج. فكون المهاجر المغربي أو التونسي أو الجزائري أو غيره، يقوم بعملية إرهابية في دولة مثل إسبانيا أو فرنسا أو ألمانيا أو إنجلترا، فذلك ما يعني أن هناك مسؤوليةً مشتركةً بين البلدين.

صحيح أنه يصعب في حالات بعينها أن نحمل البلد المستقبل نتائج الإفلاس التنموي بالبلد الأصلي. ولعل الشبان الذين قاموا بالعمل الإرهابي الأخير ببرشلونة، يعبرون عن ذلك؛ إذ إن أغلبهم – حسب ما تم تداوله في وسائل الإعلام – لا يتوفرون على مؤهلات علمية وليس لهم ثقافة دينية منفتحة، ويعيشون في أوضاع الهشاشة والفقر في بلدانهم.

وعندما التحقوا بالتجارة الإسبانية، حصلوا على عمل، لكنهم لم يؤطروا بطريقة سوية على قيم المواطنة العالمية، وبقوا منشدين لقيم دينية موغلة في التطرف، ووجدوا من يستغلهم عبر غسيل الأدمغة لكي يتحولوا إلى إرهابيين ينفذون عمليات خطيرة، اعتقادًا منهم أنهم يقومون “بالجهاد في سبيل الله، لتحرير البلد من الكفر والكفار”، وهذا لعمري أكبر جريمة يتم ارتكابها في بلاد المهجر؛ إذ كيف يُمكن تصور شخص يحظى بكافة حقوقه ويتم توفير العمل له، لكنه يقوم بعملية انتحارية ضد هذا البلد؟

هذا نموذج للطريقة السريعة لاستقطاب المهاجرين دونما المرورُ بعملية تنشئة اجتماعية ومؤسساتية صارمة، وبالتنسيق مع بلدان العبور لكي يتم إعادة التنشئة وفق القيم المواطناتية العالمية، وليس فقط وفق المنظور الضيق للوطن وللقيم المواطناتية.

فكون الشخص يتواجد في فرنسا أو إسبانيا أو إنجلترا، فذلك ما يحتم عليه التقيد التام بكل الواجبات التي تقرها القوانين والدساتير. بيد أنه في ظل غياب هذه التنشئة، ما العمل، هل هو سدُّ الباب في وجه المهاجرين؟ هل يعتبر هذا الحل ناجعًا؟ ألم نشاهد حالات لإرهابيين من أصول فرنسية أو بلجيكية قاوموا بأبشع الجرائم؟

لا يمكن الاعتمادُ على سياسة سد الباب في وجه المهاجرين؛ لأن المسألةَ تتجاوز سن سياسة احترازية في زمن العولمة والانفتاح، وبالتالي وجب التفكير في سياسات أكثر ذكاء وأقدر على خلق بيئة تحصينية لقيم المواطنة، ولحق الاعتراف بالآخر، وهو ليس بشيء جديد على العقل الأوربي، فقد تم تجريبه عبر العديد من السياسات، والتي وقفنا على جزء من نماذجها، لكن اليوم نعيد التذكير بذلك؛ لأن أصوات العقل بدأت تتوارى ليحلَّ محلها صوت العاطفة، وصوت الضغينة وصوت الانتقام، وصوت إلغاء الآخر.

وكما قال المتخصص في المسألة الدينية (أوليفيروا)، أن “طرد ما هو ديني من المجال العام يسمح للإرهابيين أن يبدوا كالمدافعين الوحيدين عن إسلام مقهور”[6].

وربما تشكل هذه الفكرة وحدةً من الأفكار النوعية التي ستعيد النظر في العديد من المقاربات والمنهجيات التي تتعاطى مع المسألة الدينية؛ فإذا كان أغلب الباحثين، (جيل كيبل وغيرهم) ممن يعتبرون أن تفسير الفعل الإرهابي، يقوم على فرضية أن القراءة النصية والحرفية لبعض النصوص الدينية (القرآنية والحديثية)، هي التي تغذي مقولات العنف والإرهاب؛ وذلك بربطهما بشكل متسرع وبدون إعمال القراءة السياقية والمقاصدية، بمفهوم الجهاد.

وقد برزت هذه القراءات في سياق متحول في العالم العربي والإسلامي، لعل من بين خصائصها الكبرى، هو تراجُع دور المؤسسات التقليدية الدينية، في تأطير المجتمع بقيم دينية منسجمة مع روح الإسلام ومبادئه السمحة.

هذا علاوة على تواتر فقدان الثقة في هذه المؤسسات الدينية التقليدية، وعدم قدرتها على تجديد ذاتها، وبالتالي وقعت شبه قطيعة بين المجتمع وبين هذه المؤسسات؛ إلا إن هناك عاملًا محدًدا في بروز الفكر المتطرف المستند إلى القراءات التأويلية للنصوص الدينية، تفجَّر مع الفورة الإعلامية التي عرفها العالم بأسره، والتي استغلت المعطَى الدينيَّ في تغذية الفكر الإرهابي والعنفي، خصوصًا في ظل تراجع المعرفة الدينية، سواء للأجيال المتعاقبة للمسلمين، أو من خلال فئة المتحولين إلى الدين الإسلامي في بقية مناطق العالم.

وعلى العكس من ذلك، فإن “أوليفيرو” يرى أن “استبعاد ما هو ديني من المجال العام يؤثر في كافة الأديان ويسهم في خلق خواء روحي لا تستطيع العلمانية أن تشغله بما أنها تبدو ليست كمثل نظام من القيم، لكن كمثل كل من القواعد المنظمة من دون بعد روحي. ولا شيءَ يُجدي في معارضة “الهوية” المسيحية، بما أن هذه الهوية علاوة على ذلك وكما يذكر البابا- ليست حاملةً لروحانية، وإلا كيفَ نُفسر واقع أنها تستوعب جيدًا العلمانية كما نراها لدى مارين لوبين[7].

نخلص مما سبق عرضه، أن ظاهرة الدين والهجرة، أصبحت ظاهرةً عالمية، ومركبة في الآن نفسه، وهي تحتاج إلى مزيدٍ من تعميق النظر العلمي والمعرفي والبحثي لفهم خباياها.

ومن جهة أخرى، فنحن نعتقد أن المسألة يمكن أن تطور نظرنا لبلورة براديغمات جديدة، تؤطر السياسات العمومية في مجال إدماج المهاجرين، إدماجًا يضمن لهم حقوقهم الإنسانية، بما فيها حقهم في التدين، كما أنهم – أي المهاجرين – مدعوون، أكثر من أي وقت مضى، لفهم مختلف التعقيدات التي تلف موضوع الإرهاب؛ لأن هذا العدو، لا يهدد بلدان المهجر وحدهم، بل يشمل حتى المهاجرين، ولا يستثني أحدًا.

لذا نعتقد أننا بحاجة إلى تطوير آليات مستعرضة وتهم جميعَ الدول؛ للتفكير في بلورة رؤية إستراتيجية لمواجهة هذا الخطر الداهم، والابتعاد عن إسقاط الأحكام الجاهزة والكليشيهات البليدة والساذجة، والتي تربط بين الدين والإرهاب وبين المسلمين والعنف.

فالأديان كلها متسامحة حتى يثبت العكس، والمتدينون مسالمون حتى يثبت العكس، والأهم من ذلك، هو التفكير في البنيات الاجتماعية والثقافية (بما فيها مسألة تمثل الدين) والسيواقتصادية التي تصنع الإرهاب والعنف، وليس العكس.

الهوامش: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]https://refugeesmigrants.un.org/sites/default/files/sg_report_fr.pdf, date de consultation :30-08-2018.

[2]Peter Kivisto, Religion and Immigration, Migrant Faith in NorthAmerica and Western Europe, 2014, PolityPress,Cambridge, UK).

[3]  انظر أوليفيرو، 2016 Géraldine, 2013). أو انظر إلى موقع مركز بيو ريشيرش ((2011, Pew ResearchCenter,op, cit.

[4] Revue, Sciences Humaines, n°292-Mai,2017

[5]Revue, Sciences Humaines, n°292-Mai, 2017. (Dossier sur le Racisme), Paris, France.

[6]حوار إميليا كابتن مع أوليفيروا، ترجمة محمد عثمان، مجلة الفيصل، عدد 501- 502، يوليو، أغسطس، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض، المملكة العربية السعودية، ص، 112.

[7]  نفس المرجع السابق، ص، 114.

image_print
الوسوم: , , ,
باحث مغربي يعمل أستاذا لعلم الاجتماع الديني بجامعة مولاي إسماعيل، مكناس، المغرب.

مواد ذات صلة

أضف تعليقك

avatar