الميلاد الخلدونيّ الممكن للسُّوسيولوجيا

لماذا العودة إلى ابن خلدون، ما دام ميلاد السوسيولوجيا محسومًا، على الأقل غربيًّا ولدى الحداثيين العرب، أم أننا نسعى إلى أبوة عربية إسلامية مفقودة تقول بعروبة السوسيولوجيا وأسلمتها، ترمي بظلالها إلى ماضٍ مهجور؟

عودتنا إلى ابن خلدون ليست بريئةً ولا مدانةً في نفس الوقت؛ لأنها ليست عودةً تراثويةً عروبيةً، أو هي سلفية تتغيَّى إعادة إنتاج النموذج الأول عربيًّا وإسلاميًّا في المجال الإبيستيمولوجي للسوسيولوجيا. وهي أيضًا لا تهدف إلى إثبات الطرح الخلدوني: القول بالميلاد الخلدوني للسوسيولوجيا أو نفيه عند غيره من المفكرين المستحدثين، كما هو الشأن مع أوغست كونت (Comte.A).

إنها عودة من أجل فلاحة النص الخلدوني أو لنقلِ وضع أسس لهذه الفلاحة، من خلال السؤال ولا شيء غير السؤال، لفتح آفاق جديدة أمام إشكاليتنا المقصودة. ما من شأنه أن يجعل من عودتنا هذه تتجاوز كونَها مجرد طقس ديني واستجابة لبطريركية منحرفة يُنادي بها العديدُ من المفكرين العرب للتَّسَتُّر على القصور النظري الذي نتنفسه: «قد يتساءل بعضهم: هل أصبح الرجوعُ إلى ابن خلدون مجرَّد طقسٍ ديني؟ وهل الأبوة التي يطالب بها المفكرون العرب ليست سوى محاولة يقومون بها للتستر على القصور النظري؟»[1]. كما من شأنه أن يجعل من هذه العودة أكثر من كونها تعبيرًا وحشيًّا عن إثبات الهوية: «أليست كثرة الكتابات التي تناولته تعبيرًا وحشيًّا عن إثبات الهوية»[2].

هل الميلاد الممكن للسوسيولوجيا ميلاد خلدونيٌّ بالفعل؟ إذا كان الميلاد خلدونيًّا بالفعل، فهذا يفترض التسليمَ بسوسيولوجيا خلدونية على نحو ما. هل هناك فعلًا سوسيولوجيا خلدونية؟ إذا كانت كذلك فما علاقتها بالسوسيولوجيا الكونتية، هل هي – هذه الأخيرة – امتدادٌ لها، أم أنها تلويث لدمها الخلدوني، وانحراف عن أبوتها المفقودة؟ فلن يكون أمامنا حينها سوى رد الاعتبار للأبوة  الخلدونية وتطهير دمها، على اعتبار أننا سليلو ابن خلدون. ما هذا المنطق؟ إنه منطق القبيلة. وهل لنا أن نجعل من السوسيولوجيا قبيلة خلدونية؟

السؤال هو: هل هناك سوسيولوجيا في النص الخلدوني، أو بصيغة أدق هل بإمكاننا استشفاف حس سوسيولوجي، أو مفعولات سوسيولوجية في المتن الخلدوني؟

لعل التفاعل الإيجابي مع هذا السؤال قد يفتح المجالَ لأجوبة جاهزة لا تنفكُّ ألسنة الإبيستيمولوجيا الوضعانية عن لوكها، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار الشروط الإبيستيمولوجية الرسمية لنشأة العلوم الإنسانية، كما هو الشأن بالنسبة للسبق الزمني للعلوم الطبيعية، كنشأة لاحقة على متن  كتابات ابن خلدون، وغيرها كثير.

كما قد يفتح أمامنا المجال لاكتشاف فعالية النص الخلدوني، إذا ما نحن تحررنا من أسر الطروحات والقوالب الجاهزة، خاصة الوضعية- الوضعانية منها، وضعانية كونت تحديدًا. وهل السوسيولوجيا يراد لها أن تكون وضعيةً- وضعانية كونتية؟ ولنا في المقدمة[3]، مقدمة ابن خلدون في ذلك دليلٌ أو أكثر.

لا نحتاج في هذا المقام إلى استدعاء آراء ومواقف مؤرخين، سوسيولوجيين، مفكرين عرب وغير عرب كأرنولد توينبي (Toynbee .A)... وغيره للتدليل على أهمية مقدمة ابن خلدون[4] وقيمتها ومكانتها الثقافية والرمزية والفكرية عربيًّا وعالميًّا؛ وذلك نظرًا لأصالتها وفعاليتها الإبداعية والتجديدية، نظرًا لمنظومة المعارف التي كانت سائدة في عصرها.

و إن كان يبدو للقارئ في الوهلة التي يتصفح فيها مقدمتنا أن الأمرَ لا يتعلق إلا بعلم واحد هو التاريخ، أو بعلمين لا ثالث لهما بإضافة العمران البشري. فإنه لمجرد ترحلنا في دروب النص الخلدوني، بين دفتيه طولًا وعرضًا، بابًا بابًا، فصلًا فصلًا، بل فكرة فكرة – سيتبين لنا بأنه يتجاوز بكثير الكتابةَ المعهودة في عصره؛ سواء من حيث التصنيف المنهجي أو من حيث بنية النص.

كما يتجاوز المجال الإبيستيمولوجي الذي يسجن فيه عادة – عن علم التاريخ نتحدث – إلى مجالات معرفية عديدة ومتعددة، أوسع. يتعلق الأمر بما سيسمى لاحقًا بالعلوم الإنسانية والاجتماعية؛ من تاريخ، جغرافيا، اقتصاد سياسي، أنثروبولوجيا إلى سوسيولوجيا. هل يتعلق الأمر بمقدمة في العلوم الإنسانية؟

لم يكن ممكنًا بالنسبة لعالمنا أن يسمي المجالَ الإبيستيمولوجي، الذي نحن بصدده، بالعلوم الإنسانية؛ لأن ذلك كان يفرض بالضرورة وجودَ علوم غير إنسانية، أو طبيعية كما هو الأمر بالنسبة للفيزياء والكيمياء والبيولوجيا الحديثة، على سبيل المثال. لكن لا يمكننا في نفس الآن، أن نجعل من أنفسنا سجيني تعبير إيتيمولوجي معين أو في تصور إبيستيمولوجي ضيق يُعطي الأولوية الأنطولوجية والتاريخية للعلوم الطبيعية.

يعلن ابن خلدون منذ البداية بأن نصَّه المنشود هو بمثابة نص في التاريخ بوصفه فنًّا (علمًا) للفنون (للعلوم): «ولما طالعت كتب القوم وسبرت غور الأمس واليوم، نبهت عين القريحة من سنة الغفلة والنوم وسمت التصنيف من نفسي، وأنا المفلس أحسن السوم، فأنشأت في التاريخ كتابًا»[5].

 نعم، هو كتاب في التاريخ. في أي تاريخ؟ إنه تاريخ مغاير للتاريخ المعهود في الثقافة العربية الإسلامية وغير ما في القرون الوسطى. ترجع مغايرته تلك إلى كونه تجاوز التاريخ التقليدي، التاريخ العربي الإسلامي، بوصفه  علمًا نقليًّا وشرعيًّا، إن لم نقل سياسيًّا وسلطانيًّا، كجزء لا يتجزأ من العلوم الشرعية التي تشتمل على ما اصطلح عليه بالشرعيات:  علوم اللسان، علم التفسير، علم القراءات، علوم الحديث، أصول الفقه، وعلم الكلام. وهي علوم مختصة بالملة الإسلامية وأهلها، على عكس العلوم العقلية أو العلوم الحكمية الفلسفية التي لا تختصُّ بملة بعينها، فهي علوم الملل البشرية كلها، ألا وهي: علم المنطق، علم الهندسة، علم التعاليم، علم الأرتماطيقي، علم الهيئة، علم الموسيقا، والطبيعيات فالإلهيات. دون أن يعني ذلك فصلًا قطعيًّا بينهما، بين الصنفين من العلوم الآنفة الذكر[6].

ومن ناحية أخرى، لا تقل أهميةً عن الأولى، فإن مجاوزته – ابن خلدون – للتقليد التاريخي المعاصر له، ولنسق المعارف المساوقة له، يكمن في وقوفِه عند مغالط المؤرخين، تمحيصًا وانتقادًا؛ من التشيعات للآراء والمذاهب، مرورًا من الثقة بالناقلين، الذهول عن المقاصد، توهم الصدق، تقرب الناس أكثر لأصحاب التجلة والمراتب بالثناء والمدح، وصولًا إلى أس المغالط وأهمها، مبدأها التفسيري: الجهل بطبائع الأحوال والعمران.

هنا بالضبط ستبرز الحاجة إلى إبداع علم جديد بطبائع الأحوال والعمران، إنه علم العمران كما سماه صاحبه. ما سيجعل من كتاب المقدمة، بالإضافة إلى كونه كتابًا في التاريخ، كتابًا في علم العمران أيضًا. كتب صاحبه واصفًا كتابه: «شرحت فيه من أحوال العمران والتمدن وما يعرض في الاجتماع الإنساني من العوارض الذاتية ما يمتعك بعلل الكوائن وأسبابها»[7].

إن العلم بطبائع الأحوال في العمران، يمكِّن المؤرخ ويعينه على تمحيص الخبر وعلى تمييز الصدق من الكذب، وهذا أبلغ في التمحيص من كلِّ وجه يعرض. فالمعرفة العلمية بطبائع العمران هي أحسنُ الوجوه وأوثقها في تمحيص الأخبار وتمييز صدقها من كذبها[8]. علم العمران وحده قادرٌ على خلخلة مغالطات التأريخ التقليدي، تاريخ الملة الواحدة، ملة العرب والمسلمين، تاريخ السلاطين والملوك. إنه قادر على فتح آفاق جديدة أمام المؤرخين، آفاق النوع الإنساني، في اجتماعه وعمرانه. هل يعني ذلك أن العلم الجديد الذي نحن بصدده، ليس سوى ملحق من ملاحق علم التاريخ وأداة منهجية لمجاوزته لذاته؟ لا أبدًا، إنه علم مستقل قائم بالذات.

صحيح أن صاحب علم العمران، اكتشف علمه هذا من خلال التجديد والتثوير الذي قام به في علم التاريخ. لكن ذلك لا يعطينا الحقَّ في تصنيفه كملحق من ملاحق علم التاريخ. والحال أن هذا التثوير لم يكن ممكنًا بدون علم العمران الذي ساهم هو الآخر بشكلٍ نشيط وفعال في هذا التثوير والتجديد.

إننا إذا بصدد علمين لا بعلم واحد، قد يكون صاحبهما هيَّأ أحدهما ليكون علمًا إنسانيًّا بعينه، كما هو الحال بالنسبة لعلم التاريخ، أو السوسيولوجيا بالنسبة لعلم العمران، أو هيأهما ليكونا العلوم الإنسانية برمتها كما هو الحال بالنسبة لكلاهما، معًا.

وإن كان من اليسير علينا نسبيًّا، إبعاد التاريخ عن المجال الإبيستيمولوجي للسوسيولوجيا، فإن الأمر لن يكون كذلك مع علم العمران. لهذا يحق لنا أن نتساءل فيما إذا كان ابن خلدون قد هيأ لعلم العمران لكي يكون السوسيولوجيا، أو سوسيولوجيا ما بعينها، قبل السوسيولوجيا الكونتية.

ما موقع علم العمران ضمن منظومة المعارف السائدة؟ إذا كان ابنُ خلدون قد محص وفنَّد التاريخ اللاهوتي، بوصفه علمًا نقليًّا وضعيًّا (نسبة إلى الواضع الأول أو الشارع الأول: للكتاب والسنة) أو ملحقًا للشرعيات، فإنه لم يضمنه لا في الصنف الأخير أو في صنف العلوم العقلية التي يعمل فيها الإنسان فكره كلية.

وإن نحن فتشنا في تصنيف ابن خلدون للعلوم فإننا لن نجد أيَّ أثر لعلمَي التاريخ والعمران، لا في هذا الصنف أو ذاك. قد يكون الأمر مفهومًا بالنسبة للعلوم اللاهوتية، لكنه ليس كذلك بالنسبة للعلوم الفلسفية. فلماذا، لم يقم بتصنيف العلمين في العلوم الحكمية؟

من بين ما يمكن أن يعنيه ذلك، أننا مع ابن خلدون والحالة هذه، بصدد مجال إبستمولوجي جديد ومستقل نسبيًّا عن المجالين السائدين (العلوم العقلية، العلوم النقلية)، لم يتسنى له تسميته. والحال أن العلومَ الشرعية أمرها محسوم (لأنها تختص بملة المسلمين وحدها)، أما العلوم الفلسفية حينها لم تكن لتنظر إلى الإنسان إلا بوصفه ذاتًا منتجة للمعرفة أكثر منها موضوعًا للمعرفة نفسها، كما أنها كانت مغرقةً في التجريد والبحث عن العلل الميتافيزيقية. على عكس علم التاريخ- التأريخ الخلدوني، بما هو «خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال»[9].

لما كان علمُ العمران هو أسَّ التأريخ الذي يدعونا له صاحب المقدمة، فهل يعني ذلك بأن علمَ العمران أشمل من علم التاريخ؟ لاشك في أن علم العمران يحظى بمكانة بارزة، وبأولية بالغة في المتن الخلدوني، هذا إن لم يكن يهيمن على مجمله، على مجمل الكتاب الأول بفصوله الستة، إلى درجة يمكن القول فيها بأن المقدمة هي بمثابة كتاب لهذا العلم الجديد – مقدمة في العمران البشري – دونما حاجة للإشارة إلى الضرورة الإبيستيمولوجية، التي لا محيد عنها لهذا الحقل المعرفي لكل المعارف والعلوم والحكم، أولها التاريخ وغيرها كثير.

رغم كل ما تقدمنا به بخصوص مكانة علم العمران في المتن الخلدوني، فإنه لا يحق لنا اختزالُ علم التاريخ في علم العمران لسبب بسيط، وهو أن علم العمران علم مستقل: «و كأن هذا علم مستقل بنفسه، فإنه ذو موضوع هو العمران البشري والاجتماع الإنساني، وذو مسائل وهي بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته واحدةً بعد أخرى»[10]. وهذا توضيحٌ آخر لعلم العمران، الذي يعود الفضل في اكتشافه لابن خلدون ولا أحد غيره. إنه علم خلدوني.

يؤكد مفكرنا بأنه كان سباقًا في اكتشاف علم جديد، العمران البشري، وله كلُّ الفضل في تعيين موضوعه والكشف عن مسائله وطرقه، وإن كان قد اعترف بفضل ما قدمه بعض الحكماء والفلاسفة، كأرسطو في كتابه “في السياسة”، … وغيره، في هذا الشأن، فإنهم لم يبرحوا فني الخطابة والسياسة مما حال دون استيفائهم وإدراكهم لهذا علم[11].

بهذا يكون المشروع الخلدوني يتمتع بأصالة لا نظير لها مقارنةً بنمط معارف عصره، نظرًا لمجهوداته القيمة، سواء تعلق الأمر بالقطيعة الإبيستمولوجية التي أحدثها لعلم التاريخ، أو ما نجم عنها من اكتشاف لعلم جديد، أو تعلق الأمر بإنشاء مجال معرفي جديد يعنى بالإنسان في تاريخه، عمرانه واجتماعه، كما هو في ذاته لما يلحقه من العوارض والأحوال، وليس لما دونه من العلل ميتافيزيقية كانت أو لاهوتية، مجاوزًا بذلك نسقَ المعارف العربية الإسلامية وبنيتَها التي كانت سائدةً.

سؤالنا هاهنا هو: لماذا لم يعمل المفكرين العرب وغير العرب على تطوير هذا العلم؟ لنترك هذا السؤال مفتوحًا إلى حين.

 ألا يجعل هذا من علمنا أن يكون ما ينعت اليوم بالعلوم الإنسانية عامة، والسوسيولوجيا بخاصة؟ إن أي تفاعل فعال مع هذا السؤال قد يقلب الطاولة إن لم يهمشها، بما تحمله من قوالب جاهزة لتصنيف العلوم، بل لتصور النموذج المنهجي للعلمية والموضوعية، وللمراتب والتصنيفات الإبستمولوجية المعهودة للعلوم، خاصة الوضعية والوضعانية منها.


الهوامش: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الخطيبي، ع.(2000، فبراير).النقد المزدوج ( الكتاني الإدريسي، م، وأدونيس، وبنعبد العالي، ع، وبورحيل، ز، وبرادة، م.)، الرباط: منشورات عكاظ. ص.200.

[2]  نفسه، ص.201

[3]  اعتمدنا في هذا المقال، فيما يخص مقدمة ابن خلدون، على المرجع التالي: ابن خلدون.(د.ت).المقدمة. بيروت: دار القلم

[4]  تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن كتاب المقدمة، هو بمثابة مقدمة عامة لكتاب أشمل سماه صاحبه بـكتاب “العبر وديوان المبتدأ والخبر”.

[5]  ابن خلدون، سبق ذكره، ص 6

[6]  للتوسع أكثر في تصنيف ابن خلدون للمعارف والعلوم، يمكن الرجوع إلى الفصل السادس من الكتاب الأول (المقدمة)، نفسه. ص 429-588.

[7]  ابن خلدون، ص.6.

[8]  المرجع نفسه، ص 36-37.

[9] نفسه، ص 35.

[10]  نفسه، ص 38.

[11] أنظر نفس المرجع، ص 37-41.

image_print
الوسوم: , , ,
باحث مغربي، متخصص في الفلسفة والسوسيولوجيا. يهتم بالفلسفة والعلوم الإنسانية وفكر الاختلاف. له العديد من المقالات، ‏منشورة في عدة مجلات وصحف ومنابر عربية، ورقية منها وإلكترونية. من بينها: "الفلسفة والأدب والسوسيولوجيا: ‏الترحال الممكن"، "الحداثة على نحو مغاير"، "ثقافة الواجهة"، "على هامش الفلسفة: شذرات في جرح الميتافيزيقا".‏

مواد ذات صلة

أضف تعليقك

avatar