كلمة مركز نهوض:

نقصد من ترجمة النصوص والمقالات الأجنبية المتناولة للظاهرة الإسلامية،الاطلاع على وجهة نظر الآخر إلى معتقدنا وثقافتنا وتاريخنا الحضاري، ولكن هذا لا يعني أننا نتبنَّى أفكارَ تلك المقالات، بل في بعض الأحيان قد تكون تلك المقالات حاملةً لأحكام قدحية غير موضوعية، ولكننا على الرغم من ذلك نرى أن تقديمها للقارئ العربي يسهم في فهم كيف ينظر الآخر إلينا، والاطلاع على مستوى فهمه لتاريخنا الحضاري.

بطاقة بيضاء:

هل الإسلام يتغير؟[1]

تأليف فديدي ديسترمو[2]

ترجمة الزواوي بغوره[3]

للحديث عن الإسلام، الديانة الكبرى التي تضمُّ اليوم أكثر من مليارين من المسلمين في العالم، وهي في حالة نمو مؤكدة، فإن بعضَهم يفضل بلا شك استعمالَ اسم الفاعل «مُتغيِّر»، بدلًا من فعل «يَتغيَّر».

وإن بروز كيان، يكشف عن قدراته، يعد مكسبًا في ظلِّ هذه التغيرات الأساسية التي تحدث أمام أعيننا. وبالنسبة لهم، فإن هذا يُعتبر بمثابة حُجة على تقدم مقنَّع منذ قرون، استطاع من خلاله الإسلام أن يعلن أخيرًا عن موقفه، بعد أن تأكد من قوته، ومن فرصته التاريخية المتاحة للانتصار في حرب دينية، بل وفي صراع حضاري.

ليست هذه هي زاوية الهجوم المعتمدة؛ لأن فعل تغير بحسب قاموس لاروس (Larousse) يمكن أن يدل أيضًا على: التحول، والتطور، والتبدل، والتجدد،…وهو مؤشر إيجابي لإرادة في التحسن.

من جهتنا، فإننا لا نشبه الإسلام بثعبان سام تخلى عن جلده القديم بين الأدغال،ثم خرج يلمع تحت أشعة الشمس، وهو مغطى بجلباب النيميزس [4] (Nemesis).

إننا نميل أكثر إلى أطروحة، لا يُدافع عنها مع الأسف إلا قليلٌ، وهي أن الإسلام ديانة في تغيُّرٍ، وأنها تمرُّ بأزمة وجودية مثلما هو حال المراهق الذي ينتقل من مرحلة (الطفل) إلى مرحلة البالغ. وأعراض البلوغ، كظهور حَبِّ الشباب،تعرفها وتحياها الكائنات البشرية عندما تبلغ سنَّ الخامسة عشرة. فهل تعاني منها الديانات التوحيدية الكبرى عندما تبلغ قرنها الخامس عشر؟

يمكننا قول ذلك، إذا قرأنا الاضطرابات التي عرفتها المسيحية منذ نحو خمسة أو ستة قرون.

الإسلام أمام منعطف في طريقه:

إذا جازَفْنَا بمقارنة المسيحية بالإسلام، فإننا نستطيع التأكيد أن هذا الأخير يعرف اليوم ما عرفته المسيحية في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، بمعنى في نهاية العصر الوسيط، ونهاية الحقبة الجديدة من التنصير. ويجب أن نتذكر أيضًا أن عملية الاسترداد [Reconquista) [5) كانت قائمةً في إسبانيا في هذه المرحلة، وسيتم أيضًا فتح وتنصير أمريكا بعد (اكتشافها).

لقد كانت الكنيسة مقاتلة، وفي حالة انتشار كامل، وتحارب ضد الانقسامات الطائفية، وتهاجم البروتستانتية بضراوة، وتصارع بلا هوادة ضد كل انشقاق يمكن أن يضعها في خطر، أو يكسرقوتها، أو يحدُّ من قدرتها الكلية.

وحتى إذا كانت المقارنة غير مسوغة، أفلا يمكن لنا أن نشبه هذه المواجهات الدينية داخل المسيحية مع تلك المواجهة القائمة بين السنة والشيعة وجهًا لوجه والمشتعلة في وقتنا الحالي؟

انحطاط لا يحتمل:

ولكن التفسير الأكثر إقناعًا وجدارة يكمن في مكان آخر: منذ سقوط العباسيين في عام 1258م، وما تبعه من انحطاط متدرج للإمبراطورية العثمانية، وما لحق به في المرحلة الاستعمارية الطويلة التي صدمت بقوة العالم الإسلامي الذي لم يعد يتسابق مع الأوائل.

لقد فرض الغرب المسيحي قواعدَه على مجموع أجزاء المعمورة، وفرض هيمنته وربما حطّم؛ بحيث أصبح العالم الإسلامي يشعر بإذلال عميق جرَّاء تجاوزه وتهميشه، الذي زادته حدة الانقسامات المميتة بين الأمم الإسلامية.

وليس هذا الضعفُ والانقسام سياسيًّا فقط، وإنما هو عسكريٌّ في بعض الأحيان، وكلها تنسب إلى الغرب المسيحي، الذي تحوَّل إلى كبش الفداء المفضل والـمُدان بتأجيجه للانقسامات المؤسفة.

إن هذا الشعور بالانحطاط غير المحتمل يزداد أكثر عندما يقارن بالحالة التي يوجد فيها في مؤخرة العالم، وسواء كان هذا العالم غربيًّا أو أسيويًّا، فإن العالم الإسلامي لا يخترع شيئًا، ولا يقرر في أي شيء، ولا يؤدي إلى أي شيء؛ إنه يخضع، ويساير التيار، ويُعامَل معاملةً سيئة، وليست له ردود فعل شعبية إلا بنوع من العنف المؤقت الذي يشبه نوبات الحمى.

إن هذا الوعي بانحطاطه، قد تغذى بأزمات عديدة ومتعاقبة كأزمة البوسنة، وأفغانستان، والجزائر (1992)، والعراق (2003-2011)… إلخ.

وتؤول مختلف الاحتفالات الكبرى بعظمة الإسلام على أنها عقوبات إلـهيَّة: الاستياء من التخلي عن الإيمان الحقيقي من أجل قشور الحضارة الغربية، والغضب من خيانة المسلمين الذين رموا إلى الأشواك إيمانَ أسلافهم، وانحرفوا وضلوا؛ لذا فإن الله قد قلب أمورهم، وهزمهم.

ولا يتوقف الدعاة عن ترديد الرسالة القائلة: إن الإنسان المسلم، والأمم الإسلامية لن يحققوا مجدهم إلا إذا تطابقت أعمالهم وتصرفاتهم مع تصرفات وأعمال أسلافهم (salafs)، وعاد الجميع إلى الطريق الذي رسمه الرسول صلى الله عليه وسلم.

السلفية وطريقها المزدوج:

بالنسبة لبعض أنصار التجديد، فإن السلفية بما أنها هي الوريث المباشر للوهابية، هي التي ستعيد بعث الإسلام، وتقدم له رسالته النبيلة، وتضعه على سكة شعوب العالم، ولم لا؟ ستُبيِّن له الطريق، وتهيمن عليه.

لنذكر، بأن الوهابية هي إيديولوجية أصولية أسسها تاجر متداول في الجزيرة العربية يُدعى محمد بن عبد الوهاب، وذلك في حدود1745م، قام باستعادة النص الحنبلي القديم الذي يعود إلى القرن التاسع [6].

ولقد عمل ابن عبد الوهاب على العودة إلى الإسلام السُّني في نقائه الأول، معتمدًا في ذلك على القرآن فقط، رافضًا أي سنة مكتوبة أو منطوقة، بمعنى الأحاديث[7]، وحارب كل ما لم يؤمر به، كالتقرُّب إلى الأولياء الصالحين، والحج إلى مختلف المزارات (باستثناء الحج إلى مكة)، كما منع هذا الداعية المراسيم الجنائزية، ودعا إلى منع تزيين المساجد، وهدم أضرحة الأولياء، وأدان اللباس غير المحتشم، والتدخين، والمشروبات الروحية، والألعاب، وكل أشكال الفساد. وفرض احترام الصيام، وقيام الصلوات اليومية، وممتلكات الجماعة، وشرع في هدي المخالفين بالقوة.

وبعد أن أُبعِد من مكة، أَوْكَل عبد الوهاب السلطة الزمنية إلى رئيس قريته سعودًا، الذي استطاع أن يخضع الجزيرة العربية (نجد)، وأن ينتصر على شريف مكة عام 1790م، وكذلك على سليمان باشا بغداد.

ولقد نهب الوهابيون الذين كانوا معززين بقوة 120000 رجل، كربلاء في عام 1801م، واحتلوا مكة مرات عديدة[8].

يشتمل هذا الإسلام الذي يتغير، والذي يحتفظ بمميزاته الأساسية المتمثلة في ربط الديني بالسياسي وتكوين الفرد في الجماعة، على اتجاهين أساسيين على الأقل: (المحايدون)[9]، الذين يكتفون بدعم انتشار الإسلام وتمويله ماليًّا ومساعدته دبلوماسيًّا، وتمثلهم الحركة الوهابية التي هي لسوء الحظ، لها توجه أكثر فأكثر نحو ندب وتفويض استراتيجية الغزو إلى حركات عدوانية. والتيار الآخر، المرئي أكثر،هو التيار الجهادي الذي يؤمن بأنه صَلبٌ كالحديد، ولا يرى سبيلًا للانتصار إلا بالمعركة والعنف.

فهل يؤدي هذا إلى إعادة النظر في الإسلام؟

من البيِّن أن النص القرآني بقي ثابتًا، ولا يزال الماضي يُعظَّم، لذا فإنه من المشكوك فيه أن تهيمن بعض الأصوات النادرة الداعية للإصلاح، وإعادة النظر في المذهب من الوجهة الحداثية. وذلك، بحكم سعة مجال تأويل السور القرآنية على ضوء الإسهامات الحديثة للتفسير التاريخي، الذي يعيد النظر في فهم القدماء للنصوص المقدسة!

وأما بالنسبة للأحاديث (hadiths)؛ حيث تبدو أصالتها غير مقنعة كثيرًا، فإنه من المحتمل أن لا تخضع للتحليل الصارم الذي سينير أولئك الذين يتلقونها بكثير من الشك، وهو أمر يؤسف له؛ وذلك لأن هذه المدونة التي خضعت للتنقية، والتي ازدادت مع مرور السنين والقرون بكثير من الأوامر والمراسيم والأفعال المضافة بحسب الحاجات الظرفية، فإنها تستعيد صرامتها، وتسمح بالتأكيد بإدماج عالم المسلمين في عالم اليوم.

الإيديولوجية الجامعة للإخوان المسلمين:

إذن بأي شيء سيكون الإسلام في حالة تغيُّر؛ لأنه لا يمكن لنا إلا أن نستخلص أن الإسلام الذي عرفه آباؤنا لم يعد هو نفسه اليوم؟ وإذا بسّطنا الأمور، فإنه يمكننا أن نلمح في الأثر الذي عمل على تغيير الممارسة الإسلامية الحالية، وأن نجمله في اتجاهين، كلاهما يأملان بالطبع في رفع العالم الإسلامي إلى حركة مجيدة، إن لم تكن ظافرة، وحدة الطريق مختلفة، أما الهدف فواحد إجمالًا.

يُدعَّم الاتجاه الأول من قبل أيديولوجيا الإخوان المسلمين، وهو ما يلاحظ في المساجد؛ حيث يقوم الأئمة الدعاة الذين طوَّروا لغةَ مواعظهم، وتحليل عدد من هذه المواعظ، أو مجموعة المواعظ (القابلة للوعظ)، لها مغزاها ودلالتها.

إن تأثير حركة الإخوان المسلمين أساسيٌّ، ويقوم مذهبها على قالب أيديولوجي، أسَّس عليه عددٌ من التنظيمات الإسلامية حركاتها وتصورها للإسلام، في حين أن السلفيين قد اعتمدوا ممارسةً دينية فردية، واضعين مسافة بينهم وبين العمل السياسي.

ولقد ردَّ على ذلك حسن البنا [10] مؤسس حركة الإخوان المسلمين بقوله: «بعضهم يعتقد خطأ أن الإسلام يكتفي بالعبادة الروحية والتقوى، أما نحن، فإن الإسلام عندنا يتضمن الزمني والروحي معا»[11].

وبالنسبة لهؤلاء الإخوان[Ikhwans) [12)، الإسلام ليس دينًا بالمعنى الحصري للكلمة (strictosensu)، ولكنه نظامٌ شامل يحكم جميع مجالات الحياة، ويقوم على ثلاثة عناصر هي «الدين، الدنيا، الدولة»[13].

الإسلام في هذا القرن:

هناك مُكَوِّن آخر في إيديولوجيا الإخوان المسلمين، ويتعلق بتصورهم لإسلام إصلاحي يُعدُّ شرطًا للتحديث الديني للمذهب. ولقد استمدوا ذلك من النهضة، ومن الحركة الإصلاحية في بداية القرن العشرين؛ تلك الحركة التي أرادت تجديدَ الإسلام من خلال قراءة متجددة لنصوصه الأساسية، وإعادة تحديد حدود ممارسة الإسلام، وذلك بالأخذ بعين الاعتبار الوقائعَ الاجتماعية القائمة، ولكن من دون إعادة النظر في السنة الإسلامية، وفي المعنى الأولي للوحي القرآني، وإنما (بوضع الدين في سياقه) مع تنقية الممارسة الدينية من العناصر التي تُعتبر ثانوية أو زائدة.

ولكن لا يجب لهذه الإرادة المتمثلة في إعادة قراءة الإسلام على أساس الحداثة الإسلامية أن تؤديَ إلى ثورة في الممارسة الدينية، وإنما إلى شيء من التغيير أو قدر من التغيير على المستوى القانوني أو الفقهي.

والحركة الثانية القائمة، بالطبع، هي تلك المتعلقة بالسلفيين، والتي ترى في العودة إلى الممارسات الأولى قاعدةً وأساسًا للتجديد. يتعلق الأمر بإحداث تأثير زمني بواسطة عملية (تطهير) روحية وعميقة، قادرة على استعمال الإكراه إذا لزم الأمر، وذلك بحكم منظورها إلى الإنسان بأنه كائن ضعيف بالأساس.

ولأن الإنسان المؤمن يخضع لمحاولات عدة، إما ناتجة عن طبيعته المتكاسلة أو عن الأمثلة المنحرفة التي تزداد من حوله، وتبعده عن التعاليم الأساسية التي يتوجب عليه أن يعود إليها، وأن يحيَا في بيئة تقية تدفع المترددين إلى أن يتصرفوا كمسلمين حقيقيين.

إن هذه السلفية (المحايدة) والقائمة على فكرة الـمُثل والقدوة المؤثرة، غير عنيفة سلفًا، وتحولت إلى أقلية أمام المقاومات التي انبثقت من جديد. ومع الصعود القوي للتشيع، الذي يُمثل انشقاقًا خطيرًا، والمعتمد من قبل الفُرس الذي تحول إلى إيران الحالية، أثار توترًا من قبل الإسلام السني (يمثل الإسلام السُّني الأغلبية)، الذي أصبح يشعر بأنه مهدد ومحاصر.

وبالنسبة لأهل السنة الذين قرروا أن يستعيدوا بسرعةٍ مجال المبادرة، فإن استراتيجية (الحياد) قد أخفقت، ولذا وجب اللجوء إلى العنف.ثم أضف إلى ذلك أن استظهار القوة والانتصارات الكبرى في المجتمعات الإنسانية، يضاعف من عدد المنتمين إلى الإسلام؛ لأننا نلتحق بسهولة أكبر بالمنتصرين أكثر مما نلتحق بالخاسرين والمهزومين.

مثال جماعة موحدة:

يتنامى انتشارُ الدين من توسع سلطته وهالته على الأمم الإسلامية الحاضرة. وضمن هذا التصور نفسه، فإن للانقسامات أثرها السيء، لذا وجب التطلع إلى الوحدة. وعلى هذا الأساس عاد بعنف مفهوم الخلافة الذي يجذب المسلمين المنهكين والثائرين على عدم قدرة حكوماتهم على قيادتهم بمهارة صوب أهدافهم، حتى لا نقول أكثر من ذلك.

إن الإخفاق الجلي (للثورات العربية)، والركود في مستوى المعيشة، والانسداد على مستوى المؤسسات، وأشكال القمع الممارسة في كثير من البلدان، جعلت ملايين المؤمنين يعتقدون أن الخليفة المجهز بسلطات روحية وزمنية هو المخرج الوحيد من حالة الفاقة والعوز.

وسيستسلم أعداء الإسلام تحت أوامر وضربات القائد الكارزماتيكي [charismatique)[14)؛ سواء تعلق الأمر بأعداء الداخل (المسلمون الفاسدون، والشيعة وبقية المنشقين كالعلويين، والدروز، والإسماعيليين)، أو أعداء الخارج في جملتهم، وبشكل جماعي (الأمم التي هي في حالة حرب) ضد هذا الدين، أو على المستوى الفردي.

إذن، ستظهر الأمة المسلمة من جديد، وستواصل فتوحاتها التي تخلى عنها العباسيون في القرن الثامن.

وهناك اتجاه ثالث متعلق بالصوفية، منطوٍ على نفسه، ويرفض التصوُّرَ الديني القائل بأن الإسلام ديانة شاملة، ويدفع بمُريدِيه وأنصاره إلى أن لا يهتموا إلا بعلاقتهم الشخصية والحيوية مع الله، وإذا كان هذا التوجه حاضرًا ومتناميًا، فإن لمقاربته شروطًا كثيرة، ولها نزعة فردية لا تسمح له بفرض نفسه.

مستقبل، مقاربة، روحية:

بعضهم يرى أننا لم ننظر في هذه الأسطر إلا في الجانب السياسي للإسلام، وأن الأمرَ لا يتعلق بالتغير الديني الحقيقي[15]، وتعليقنا على ذلك هو أن الإسلام أكثر من دين بالمعنى الغربي لهذه الكلمة، فلا يمكن تقسيم الإسلام بشكل اصطناعي إلى قسمين، بما أن الجانب السياسي يُعد جزءًا أساسيًّا في الدين الإسلامي.

ومع أن احتمالَ قيام خلافة دائمة، مستقرَّة ومنتصرة، يبدو غير قابل للتصديق في المنظورين القريب والبعيد، فإنه في المقابل، من الممكن، بل ومن المرجح أن غالبية المسلمين الذين يعيشون في أمم غير إسلامية راضية عن حالتها، المحددة، وذلك من خلال فرض فكرة المشاركة.

وها هنا يتغير الإسلام بالتأكيد، ويبدو جليًّا أنه قابل للتعايش، ليس فقط مع الطوائف الدينية الأخرى، وإنما مع نُظُم اجتماعية وسياسية لا تعتمد على منظور الرسول وخلفائه.

يُبين هؤلاء المؤمنون المتغربون (occidentaliser) الطريقَ، وذلك بعيدًا عن التشنجات الحاضرة (لإسلام قديم) لا يترك مكانًا لمقاربة روحية، تتميز بطابعها القائم على الإجماع، والتسامح، وبخاصة ما تعلق بالمفهوم الديني غير المنافس.

إن ما نعرفه من عنف، وحرب طائفية في القرن الواحد والعشرين ما هو إلا بقايا تشنجات لمثال يحتضر، ويسارع بلا جدوى ضدَّ حتفه وموته الذي يشعر بأنه يدنو منه.

الهوامش: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] Didier Destremau, L’Islam, un mutant ? in Les Cahiers de l’Orient, n125,1/2017,p.103-111.

[2] مستعرب، خريج جامعة السوربون والعلوم السياسية بباريس، اهتم دائمًا بالعالم العربي والإسلامي، تلقى تكوينًا دبلوماسيًّا شرقيًّا، وعمل سفيرًا لفرنسا، وبخاصة في أفريقيا. ومن أعماله المنشورة مؤخرًا:

La Fabuleuse histoire du Liban(Editions du Rocher,2011), Le Roman de la Syrie (avec Christian Sambin, Editions du Rocher,2012) &Syrie, carrefour des civilisations et convoitises(avec Christian Sambin, Indes savantes,2016).

[3] أستاذ الفلسفة المعاصرة، بقسم الفلسفة، جامعة الكويت.

[4] كلمة يونانية تُفيد غضب الآلهة، وتشير في الأساطير اليونانية إلى المأساة التي ترسلها الآلهة إلى الإنسان من أجل الانتقام، والتعبير عن غضب الآلهة وإدانتهم عمومًا.(م).

[5] حروب الاسترداد أو الروكنكيستا شنتها الإمارات المسيحية على الأندلس وطردهم للمسلمين إلى المغرب الأدنى والأوسط والأقصى. (م).

[6] الحنبلية إحدى المذاهب الفقهية الأربعة للإسلام السني، وينتسب إليه قلة من شعوب العالم الإسلامي(حوالي 8%). أسسه الإمام أحمد بن حنبل (780-855)، يتبع مذهبًا محافظًا يقوم على أولوية القرآن بوصفه مصدرًا إلهيًّا في التشريع لكل الحالات والأوضاع، تتبعه السنة، ويرفض بشكل عام الإجماع والقياس.

[7] من الواضح هنا أن كاتب المقال أخطأ فهم موقف المذهب الحنبلي من الأحاديث، (تعليق نهوض).

[8] إنه التحالف بين السيف والدين، بين الأمير عبد العزيز آل سعود والإمام محمد بن عبد الوهاب، والذي تمكن من فرض الوهابية على كامل منطقة الحجاز، وذلك في نهاية القرن الثامن عشر.

[9] استعمل المؤلف لفظ(quiétiste) الذي يعني حرفيًّا الـمُطمَئِن، ويشير إلى حركة صوفية تتبع طريقًا يتميز بسلبية كبيرة تجاه الله. ولقد ظهرت هذه الحركة في إسبانيا بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، واستقت أفكارها من القس ميغال دو مولينوس، وفي تقديرنا، فإن سياق استعمال هذا اللفظ المقرون بالسلفية يجعله بعيدًا كلية عن التصوف، ويفيد الحياد وعدم التدخل المباشر في الشأن السياسي الذي اشتهرت به السلفية ولو ظاهريًّا.(م).

[10] حسن البنا (1906-1949) معلم مصري، ومؤسس الحركة في عام 1928، بدأ حركته سريًّا، استقى اسمها من الخلفاء الأوائل، اعتمد على فكرة الثورة الإسلامية،عارض مفهوم العلمانية الغربية، ودعا إلى الجهاد باعتباره حربًا هجومية، وهو جَدُّ الداعية السويسري طارق رمضان. أخوه جمال البنا (1920-2013) يدافع بالعكس على رؤية تقديمِه للإسلام.انظر: تعليم جمال البنا، لموني الكوري.

[11] لم يوثق الكاتب هذا النص، ويبدو لنا أنه مأخوذٌ من رسائل حسن البنا، حيث نقرأ نصًّا قريبًا من النص المذكور يقول فيه: «فهم بعض الناس خطأ أن الإسلام مصور على ضروب من العبادات أو الأوضاع الروحية،وحصروا أنفسهم وأفهامهم في هذه الدوائر الضيقة من دوائر الفهم المحصور، ولكنا نفهم الإسلام على غير هذا الوجه فهمًا فسيحًا واسعًا ينتظم شؤون الدنيا والآخرة». الرسائل، دار الدعوة، ص 22.(م).

[12] هكذا وردت في النص الأصلي.

[13] هكذا وردت في النص الأصلي.(م).

[14] الشخصية الكارزماتية تعني حرفيًّا الشخصية الجذابة ذات الحضور الطاغي. ويعتبر عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر أول من أعطاها معنى سياسيًّا عندما استعملها للإشارة إلى القدرة التي يتمتع بها شخص معين للتأثير في الآخرين، إلى الحد الذي يجعله في مركز قوة بالنسبة لهم، بحيث يمنحه الواقعون تحت تأثيره حقوقًا تسلطية عليهم كنتيجة لقدراته التأثيرية هذه. (م).

[15] أنظر حول هذا الموضوع المقال الآتي:

Ghalebe Bencheikh, Fondamentalisme et modernité

وذلك في الزاوية الخاصة باللاهوت في هذا العدد من المجلة.

image_print
الوسوم: ,
باحث وأكاديمي جزائري، يعمل أستاذا للفلسفة المعاصرة، بقسم الفلسفة، كلية الآداب، جامعة الكويت.

مواد ذات صلة

أضف تعليقك

avatar