جدل الدين والدولة والمجتمع

صدر عن دار نهوض للدراسات والنشر كتاب “إسلام الدولة المصرية: مفتو وفتاوى دار الإفتاء”[2] للباحث الدنماركي جاكوب سكوفجارد بيترسون (1963)، وهو باحث متخصص في الإسلام الحديث وأستاذ الأديان بجامعة كوبنهاجن، وصاحب مؤلفات عديدة عن الفضاء الإسلامي العام ودور العلماء في الدول العربية الحديثة، ومن كتبه: “المدن الشرق أوسطية”، و”أقطاب وسائل الإعلام الجماهيري العربي”. صدر كتاب إسلام الدولة المصرية باللغة الإنجليزية[3] سنة 1997، واليوم تتوفر للقارئ ترجمة عربية من قبل الدكتور السيّد عمر أستاذ النظرية السياسية الإسلامية بجامعة حلوان.

يقع الكتاب في 527 صفحة، موزعة على مقدمة وأحد عشر فصلًا وخاتمة، كالتالي: أولًا: الخلفية المعرفية: التطورات السياسية والتربوية والقانونية والدينية في القرن التاسع عشر.

ثانيًا: دراسة حالة 1: البرق والهلال.

ثالثًا: تشكل دار الإفتاء (1895-1928).

رابعًا: نشأة أجهزة فتوى أخرى: (1928-1945).

خامسًا: المفتون في طور الأفول: (1954-1978).

سادسًا: الأسلمة على جدول الأعمال: (1970-1990).

سابعًا: دار الإفتاء ترد: جاد الحق (1978-1982).

ثامنًا: دار الإفتاء في عهد سيد طنطاوي (1986).

تاسعًا: دراسة حالة 2: فتوى شهادات الاستثمار.

عاشرًا: دراسة حالة 3: حذاري من تغيير النوع في القاهرة.

الحادي عشر: دراسة حالة 4: الدين والمخاطر: فتاوى التأمين.

وأخيرًا خاتمة الكتاب.

1- أهداف الكتاب وإشكاليته: الدين والدولة والمجتمع.

يهدف كتابسكوفجارد بيترسون إلى تناول تاريخ مؤسسة دار الإفتاء المصرية ومن تولوا رئاستها منذ تأسست عام 1895م، وكيف ظلت طيلة القرن العشرين فاعلًا رئيسًا في المنافحة عن دور الإسلام في المجتمع المصري.[4]

لقد اضطلعت المؤسسة بالمهمة الصعبة وهي “تعريف الدولة المصرية بالإسلام، وتوضيح كيف يمكن للجماهير المصرية المسلمة أن تحيا حياة إسلامية في العصر الحديث”[5]. لم تفِ الدراسة بهذه الغاية فحسب، بل إن دراسة مؤسسة دار الإفتاء وما أصدرته من فتاوى كما يقول الباحث: “هو بمثابة دراسة للردود الدينية على تفاعلات وتحولات اجتماعية وعقلية شهدتها مصر خلال المائة سنة الأخيرة”[6]. وأيضًا: “دراسة للبيروقراطية والمأسسة الدينية، والعلاقة بين الدولة والدين في العالم الإسلامي”[7].

وبهذه الغاية، فالكتاب يعمل على دراسة التاريخ الإسلامي لمصر في القرن العشرين من منطلق الفتوى الرسمية؛ بوصفها مصدرًا من مصادر دراسة تاريخ الإسلام المعاصر.

يضع المؤلف على عاتقه في هذا الكتاب استكشاف “تاريخ دار الإفتاء، وعلاقتها بالخطاب السياسي المصري (…) فهي شكيمة الإسلام الرسمي المفضلة للتكييف بين الدولة والدين، والتي تحدد حلولًا داخل إطار عمل قوانين الدولة السارية، ومفتي الديار واحد من كبار المفكرين، يسعى لتقديم النظام القائم على أنه طبيعي وعادل ومعطى رباني”[8].

من هذا المنطلق، ينحو المؤلف إلى افتراض”أن المفتين الرسميين يمثلون مصالح الدولة، فإنهم جميعًا اعتبروا أنفسهم أكثر من مجرد موظفين حكوميين، فقد نظروا إلى أنفسهم على أنهم حماة الشريعة ضد هجمات العلمنة (…) فاجتهدوا من أجل الأسلمة؛ بمعنى: إعادة فتح الفضاءات السلبية ودمجها في مجال المعنى الإسلامي، سواء أكان ذلك في مجال الاقتصاد أم الأخلاق العامة أم غيرها من المجالات، وتمَّ القيام بذلك بالرجوع إلى المصادر التقليدية للفقه. والحقيقة أنّ ذلك تمّ في أغلب الأحوال على الأقل بتطبيق المعرفة والقيم السياسية والحس العام لزمانهم، وأسهم المفتون الرسميون في سياق سعيهم لخدمة الدولة، وتعزيز سلطة كبار العلماء، ومحاربة الإلحاد والعلمنة: في إعادة تشكيل إسلام يتسم بالبساطة والعقلانية والعدالة وسهولة التطبيق، وكان لتلك الرؤية للإسلام تأثيرها البالغ في القرن العشرين”[9].

بهذا الطموح الإشكالي،تتنزل الدراسة- كما يقول المترجم في تقديمه-لتدرس جدلية العلاقة بين الإسلام والسياسة والدولة والمجتمع في عهد الدولة القومية [10]، بوصفها جدلية مركزية في الأزمنة المعاصرة للمجتمعات الإسلامية.

2- دار الإفتاء والمفتون وتحولاتهما خلال قرن:

أثناء قراءة الكتاب، لن يخفى على القارئ الحس الاستدلالي في تتابع فصول الكتاب، فمن رصد المشهد السياسي والاجتماعي العام لمصر في القرن التاسع عشر، وحتى استعادة دار الإفتاء لأدوارها العامة في الثمانينيات، نلاحظ تلاحم الفصول على نحو تدريجي محكم، ولنستعدّ فيما يلي باقتضاب رحلة المؤلف تقديم أفكاره:

في الفصل الأول المعنون بـ: الخلفية المعرفية، التطورات السياسية والتربوية والقانونية والدينية في القرن التاسع عشر. يعمل المؤلف على رصد تاريخي لنشأة دار الإفتاء؛ حيث يقدم صورة عامة لتاريخها، موضحًا أن تطور دور المفتي في مصر القرن التاسع عشر ليس بعدًا من أبعاد عملية مأسسة أكبر فحسب، بل هو أيضًا تحول من مؤسسة إلى أخرى: من المدرسة الفقهية إلى المحكمة[11].

ومن خلال تناول التطور المؤسسي والقانوني والتعليمي، خلص المؤلف إلى سيطرة الدولة المصرية وإدارتها في مجالي التعليم والقانون لتخدم الجهاز البيروقراطي للدولة [12] وأيضًا مع نشوء جمهور قارئ مهتم ولديه تطلع للمشاركة في العملية السياسية بعد ارتفاع نسبة المتعلمين، ومجيء الطباعة والصحف والمجلات، ومع تزامن تهميش العلماء من المجالين التعليمي والقضائي، فقد وفرت الصحافة لهم مخاطبة النخبة المصرية المتعلمة [13] (…) وبهذه الطريقة فإن الإفتاء الذي كان خصوصيًّا بالأساس صار عامًّا.

كل ذلك،ينتهي سكوفجارد بيترسون إلى أن إنشاء منصب مفتي الدولة ارتبط بتعزيز هيمنة الدولة، ثم بالجمهور المسلم القارئ الجديد[14].

يعكف سكوفجارد بيترسون في الفصل الثالث على تناول موضوع دور المفتي وعملية المأسسة التدريجية للمفتي الحنفي طول القرن التاسع عشر [15]، ثم إنشاء دار الإفتاء سنة 1895 في سياق كانت الدولة فيه نشطة للغاية في إنشاء إدارة جديدة للمؤسسات الدينية، وهكذا مع الربع الأول للقرن العشرين، اكتسب المفتي وضعية رسمية بوصفه مفتي الدولة، ويشهد لقبه الجديد (مفتي الديار المصرية) على ارتباطه بدولة وشعب لهما هوية إقليمية[16].

ينتقل سكوفجارد بيترسون إلى تتبع المفتين (وفتاواهم) الذين تعاقبوا على منصب مُفتي الديار المصرية، وبيّن كيف أن كلا منهم رسخ تقاليد عفوية حددت بشكل تدريجي مهام دار الإفتاء [17].

بدأ بمحمد العباسي المهدي الذي شغل هذا المنصب قبل إنشاء دار الإفتاء من سنة 1848 إلى 1897، ثم حسونة النواوي من سنة 1895 إلى سنة 1899 الذي يعد المفتي الأول لدار الإفتاء بكل معنى الكلمة، ويليه محمد عبده من سنة 1899 إلى 1905، ثم محمد بخيت المطيعي من سنة 1914 إلى سنة 1920، ثم بين الفترة بين 1921 و1928 عُيّن كل من محمد إسماعيل البرديسي وعبد الرحمن قراعة؛ إلا أن في فترتهما ليس هناك ما يستحق الذكر من جدل.

يخلص المؤلف في الأخير أن شخصية المفتي هي ما كان يعطي قيمة لدار الإفتاء ودورها في المجتمع المصري، وأهم من جسّد ذلك حسونة النواوي ومحمد عبده اللذين كانا مصلحين كبيرين ويمثلان مشاريع إصلاحية في الحوار العام [18]، ونظرًا لأن الدولة في العشرينيات شعرت بضآلة الحاجة إلى دار الإفتاء لم تُعيّن من يلعب دورًا محوريا على غرار محمد عبده مثلًا.

يرصد المؤلف، في الفصل الرابع، ظهور هيئات جديدة للفتوى داخل الأزهر وخارجه بين عام 1928 و1954. من هذه الهيئات داخل الأزهر هيئة كبار العلماء التي يرأسها شيخ الأزهر [19]، ولجنة الفتوى بالأزهر التي أنشأها مصطفى المراغي لدى مشيخته للأزهر، وهي لجنة هيئة جماعية تصدر الفتوى حسب مذهب المستفتي [20].أيضًا ظهر في هذه الفترة من الثلاثينيات الإخوان المسلمون الذين لم يعترفوا بالمرجعيات التابعة للدولة، ولذلك كانت لهم آراؤهم الدينية المتمايزة[21].

ثم يخصص المؤلف مبحثين اثنين لكل من المفتي عبد المجيد سليم لكونه في الثلاثينيات “نجح في وضع نفسه ودار الإفتاء في بؤرة الاهتمام في العقود الأخيرة من الوجود البريطاني وعهد الليبرالية السياسية في مصر”[22].

ثم عرض لتجربة حسنين محمد حسنين مخلوف الذي تولى المنصب من 1946 إلى 1054 وفتاواه المختلفة، وقد لاحظ المؤلف أن مخلوف “كان حريصًا على أن يكون مناهضًا للحداثة أكثر من أي مفتٍ آخر للديار المصرية”[23]. ويصلُ في آخر الفصل إلى أن المفتين استخدمَا دار الإفتاء لإصدار آلاف الفتاوى وفي الإفصاح عن رأيهما في الحوار العام[24].

وهذه الفترة أيضًا انتبه المؤلف إلى أنها عرفت بداية التوجهات السلفية الجديدة داخل مصر وخارجها، مما جعل رصد الاختلافات بين دار الإفتاء والدولة ضئيل جدًّا، في مقابل اتساع الهوة بين فتاوى دار الإفتاء وجماعة الإخوان المسلمين.

في الفصل الخامس، الذي يغطي الفترة بين عامي و(1952-1978)، يسجل المؤلف أنها كانت مرحلة أفول بالنسبة لدار الإفتاء، فلم يُسمح لمفتي الديار المصرية بلعب دور عامٍّ بعد الثورة، إلا في حال اعتبار ذلك مفيدًا للدعاية الحكومية؛ على غرار تأييد: تحديد النسل، والتأميم، والوحدة العربية.

مع إلغاء المحاكم الشرعية عام 1955م، حدثت زيادة كبيرة في عدد الفتاوى؛ بسبب التباس الموقف الشرعي، كما تمَّ تحويل مهام يسيرة من تلك المحاكم إلى دار الإفتاء، إلا أن تلك التطورات الإيجابية وجهت بتعزيز الدولة لهيئتين أخريين أنيطت بهما مسؤولية إصدار الفتاوى الأكثر أهمية: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ومجمع البحوث الإسلامية؛ ونتيجة لذلك: تقلص دور مفتي الجمهورية في مجرد كونه موظفًا حكوميًّا مدنيًّا، وانخفض عدد الفتاوى إلى نحو (350) فتوى سنويًّا في السبعينيات، واضطر المفتي إلى المصادقة على سياسات الحكومة، بطريقة أكثر سفورًا مما كان عليه الحال قبل الثورة؛ مما أثّر سلبًا على مصداقيته.

أيضًا، أنشأت السعودية رابطة العالم الإسلامي عام 1962، وكانت مجلتها تضم فتاوى لم يكن يخفى ميلها إلى الوهابية[25]، ثم عززت المنظمة دورَها الإفتائي بتأسيس مجمع الفقه الإسلامي هام 1977، وهكذا انضاف منافس آخر لمفتي الديار المصرية.

يخلص المؤلف في هذا الفصل إلى أن المفتين في هذه المرحلة أفل دورهم، وليس مرد ذاك- يقول المؤلف- إلى سلبية أولئك المفتين، بل إلى البنية الجديدة للسياسة المصرية؛ حيث باتت كل السلطات مركزة في يد الجيش والحزب الواحد، وأصبح المفتي مجرد موظف حكومي دون نفوذ سياسي ولا صاحب دور عام[26].

مع وفاة عبد الناصر وتولي أنور السادات الحكمَ وصدور الدستور الجديد سنة 1971،وفي سياق بات كثير من المسلمين يرون أن الإخوان المسلمين هم من يمثلون الموقف الإسلامي إثر تضاؤل دور المفتين في الستينيات والسبعينيات[27].

خصص المؤلف الفصل السادس عن الأسلمة في مصر، حيث وضعت الحكومة الأسلمة على جدول أعمالها من خلال مدونات القوانين، بعدما نُصّ على أن مبادئَ الشريعة الإسلامية مصدرٌ رئيسٌ للتشريع…إلخ.

وعرض المؤلف مختلف التوجهات والجدالات من مسألة تطبيق الشريعة: الحركات الإسلامية، والعلمانيين، والحركات الراديكالية. لقد صعدت موجة الأسلمة السياسية والأسلمة الاجتماعية.

في هذا السياق، فإن الحركات الإسلامية تعتقد بوجود حلول إسلامية في كل مجالات الحياة، وأن الحكومة المصرية والدولة المصرية عقبتان كبيرتان في تحقيق ذلك. وهنا يأتي دور علماء الدولة ومفتي الديار المصرية، الذين لا يشاطرون الإسلاميين كل مواقفهم، ولا ينتقدون سياسات الدولة، ومكلفون بالدفاع عنها، فضلًا عن أنهم يقدمون أنفسهم ممثلون للإسلام [28]، لذلك، لم يكن بوسع مفتي الديار ادعاء الحياد في ظل الأسلمة التي طالت المجتمع المصري[29].

في الفصلين السابع والثامن، يعرض سكوفجارد بيترسون استعادة دار الإفتاء لدورها مع كلٍّ من جاد الحق بين سنة 1972 و1982،وسيد طنطاوي من سنة 1986 إلى 1993؛ لقد أعاد جاد الحق تنظيمَ دار الإفتاء، وشرع في تنظيم فتاويها، ونشر الكثير من الفتاوى، ومعظمها متعلقٌ بشؤون سياسية، موجهة في الغالب ضد مواقف السلفيين الجدد، ودافع جاد الحق- على غرار حسنين مخلوف على سبيل المثال- بحماسعن احتكار العلماء أمرَ تحديد ما هو الإسلام الحق، ورحَّب بعملية الأسلمة العامة للمجتمع المصري، ولكنه أصّر على وجوب أن يكون العلماء هم المسؤولين عنها.

ومع ظهور الإرهاب الإسلامي، أصبح مفتي الديار المصرية لاعبًا محوريًّا في الصراع الإيديولوجي حول شرعية الحكومة المصرية، تلك المعركة التي خاضها أطرافها (…) ودافع جاد الحق عن إسلامية الحكومة، مع تفضيل التطبيق التدريجي للشريعة في الوقت ذاته، وحذا حذوه في ذلك المفتي سيد طنطاوي، الذي تولى المنصب عام (1986م)، ولعب دورًا أكثر بروزًا منه في وسائل الإعلام الجماهيرية، وبات أحد أشهر الشخصيات العامة في مصر (…).

ولوحظ ازدياد عدد فتاوى دار الإفتاء بدرجة كبيرة اعتبارًا من السبعينيات، وثمة توجه ملحوظ إلى البعد عن الفتاوى الثانوية اليسيرة حول المواريث والمسائل الشرعية التقليدية الأخرى، باتجاه فتاوى تتعلق بالظواهر الاجتماعية الجديدة والمهمة في الاقتصاد والطب والسياسة على سبيل المثال[30].

وقد دلّل المؤلف على فرضيته بكون عدد ونوع الفتاوى التي قدمتها الدار تؤكد هذا الدور الفعّال الذي بدأت تضطلع به.

يختم المؤلف هذا الفصل بأن المفتين رسّخوا أقدامهم في الثمانينيات، ونجحوا في توجيه دار الإفتاء للقيام بالدور الذي رسَم معالمه محمد عبده من قبلُ، ألا وهو: تقديم خدمة عامة، وإصدار فتاوى حول كافة أنواع الابتكارات والأحداث المعاصرة”[31].

3- فتاوى دار الإفتاء: دراسة حالات

يسلط سكوفجارد بيترسون الضوءَ على عدد من الفتاوى طوال تاريخ دار الإفتاء، وقصده أنيبيّن اشتباك فتاوى دار الإفتاء بالتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ودلالة ذلك مع صعود أو أفول دور المفتين. وذلك في حالاتٍ أربع:

الحالة الدراسية الأولى، التي يعرضها طول الفصل الثاني، هي فتوى البرق واستطلاع الهلال، وهي تنتمي إلى المرحلة الأولى من عمر دار الإفتاء. في هاتين الحالتين يناقش مسألة دخول البرق إلى العالم الإسلامي[32] محللًا ومناقًشا مختلف الكتب والفتاوى المتعلقة بالبرق، وتشخص شتى التوجهات التي عبّر عنها العلماء في مطلع القرن العشرين بخصوص الابتكارات الفنية الغربية بوجه عام”[33]، ويأتي هذا النقاش ضمن موضوع أكبر لا زال يحتل مكانة هامة في المناظرات بين العلماء والمثقفين، وهو التغريب.

ويعرض المؤلف مجموعة من الكتب في هذا الشأن، بعضها يرفض الواردات (التقنية الجديدة من الغرب)، وبعضها حول البرق واستطلاع هلال رمضان. عرض لإحداها بتفصيل، وهو لجمال الدين القاسمي الموسوم بـ”إرشاد الخلق إلى العمل بخبر البرق” المنشور سنة 1911، وعرض لآخر صادر سنة 1910 لمحمد بخيت-وهو أحد المفتين الذين تعاقبوا على دار الإفتاء- باقتضاب.

ويصل المؤلف بعد نقاش طويل إلى بيان أهمية البرق في عالم العلماء المسلمين في مستهل القرن العشرين، مبيّنًا أن البرق أصبح رمزًا لرؤية حركة الإصلاح السلفية لإسلام عام وعالمي نشيط، حيث يصبح الاتصال أسرع[34]،ويتوحد العالم الإسلامي أكثر.[35] لقد أراد القاسمي أن يبيّن في الأخير–حسب سكوفجارد بيترسون– الكيفية التي تردّ بها الأمة المسلمة على الاختراعات الغربية، (…) وكيف يمكن للإسلام أن يرتبط على نحو أوثق بعصره التكويني الحركي، عبر ممارسة اجتهادية للفتوى الصحيحة والمستقلة”[36].

الحالة الدراسية الثانية، ركز فيها المؤلف بتفصيل كبير على فتوى سيد طنطاوي سنة 1989حول شهادات الاستثمار، وخصص لها الفصل التاسع كاملًا. عرض سكوفجارد بيترسون الفتاوى عن شهادات الاستثمار وما شابهها منذ فتوى محمد عبده سنة 1903 عن دفتر التوفير البريدي، ومُفتين آخرين. ولعل الجدل الذي أثارته يعود إلى أن شهادات الاستثمار تلتبس بالربا المحرم قرآنيًّا من جهة، والجدوى من الاقتصاد الإسلامي من جهة أخرى[37].

وهذا الموضوع كان راهنًا بالنسبة للمجتمع المصري منذ السبعينيات، كما يوضح سكوفجارد بيترسون “فقد ساور المواطنين المصريين كثير من القلق بخصوص أنسب موضع يدخرون فيه أموالهم، ويريدون حكمًا له حجيته بخصوص البنوك المصرية التي تتعامل بالفوائد بالإجابة على سؤال: هل من الجائز الحصول على قروض من تلك المصارف، أو إيداع مدخرات بها؟

وهنا تتجلى الأهمية الخاصة لشهادات الاستثمار، التي هي نوع من السندات الحكومية، مضمونة من بنك حكومي، هو البنك الأهلي، ويستثمرها البنك الوطني للاستثمار، وبوسع أي شخصأن يشتري تلك الشهادات، ويبيعها وقتما شاء، وتلك الشهادات ذات سعرِ فائدةٍ متواضعٍ، (…) والاختلاف بين العلماء بخصوص أحد أنواعها التي تحمل رقمًا ويمكن لصاحبها الدخول في سحب عليها على جائزة قيمتها قرابة عشرة آلاف دولار (…)، والمراد من تلك المدخرات هو استثمارها في مشروعات التنمية عامة والإسكان بوجه خاص”[38].

وقد جاء جواب دار الإفتاء الموقَّع من قِبَل سيد طنطاوي أن “دار الإفتاء المصرية ترى شرعية المعاملات المتعلقة بشهادات الاستثمار وما يشبهها من أدوات تجارية في شركات الاستثمار، وتعتبر الأرباح الناجمة عنها حلالًا”[39].

ثم يعرض المؤلف للجدل الشرس أو الحملة ضد الفتوى من قبل علماء كثيرين؛ مثل محمد متولي الشعراوي، وعمر عبد الرحمن، ويوسف القرضاوي، وجاد الحق، وصلاح أبو إسماعيل…إلخ، وحتى ردود فعل الصحافة غير الإسلامية مثل روز اليوسف.

ويحاول المؤلف وضع الجدل في إطاره الموضوعي المتعلق بعلاقة الدولة بالدين، فالجدل حول الفتوى مرجعه أنه “يُعيق بناءَ بديل إسلامي”، و”لا يخدم إقامة مجتمع إسلامي عادل”، حسب المعترضين، بل ذهبوا إلى ربط الفتوى بالتمويل الدولي والولايات المتحدة والصهيونية وأعداء الإسلام، والديون التي تؤدي للاستعمار[40].

إن المعترضين على فتوى شهادات الاستثمار لم يواجهوا السيد الطنطاوي فحسب، بل دار الإفتاء كمؤسسة ودور الدولة فيما يتعلق بالدين.

أما الحالة الدراسية الثالثة، فهي حول عملية جراحية لتغيير الجنس، وعلى طول الفصل العاشر يعرض المؤلف حالةَ السيد عبد الله الذي أُجريت له عملية تحويل جنسي سنة 1988، والجدل الذي أثارته في مجتمع “اتسم تقليديًّا بالفصل الواضح بين الجنسين”([41]).

ويعرض المؤلف بعد تقديم الحالة إلى أن نقابة الأطباء بالجيزة التي يُسيطر عليها الإسلاميون أجمعت على أنَّ الجرَّاحَ الذي قام بالعملية ارتكب خطأً طبيًّا جسيمًا؛ بكونه لم يوثق حالة المرض قبل إجراء العملية، وكان المفروض أن يكون الإجراء الصحيح وَفْقَ المعالجة بالهرمونات، ومواصلة العلاج النفساني المحض[42].

وعلى إثر إرسال نقابة الأطباء رسالةً إلى مفتي الجمهورية سيد طنطاوي، الذي أفتى أنه إذا شهد الطبيب على أن ذلك هو العلاج الوحيد من ذلك المرض، فإن تلك المعالجة تكون جائزةً حينئذٍ.

بعد ذلك رفع الأمر إلى القضاء لكون العملية سببت للمريض عاهةً مستديمة، وبعد التحري خلص وكيل النيابة إلى أن الحالة كانت تستدعي الجراحة الطبية[43]. ورغم ذلك استمرت نقابة الأطباء في رفض شهادة الطبيب الفاحص. لكن في الأخير أغلق ملف القضية التي سميت بـ”قضية سالي” بحصول سالي (عبد الله سابقًا) بشهادة تفيد أنها أنثى، وأنها يمكن أن تواصل حياتها الطبيعية في مصر.

يقدم المؤلف ردود الفعل في الصحافة سواء المعارضة أم المؤيدة، مع تسجيل أن المعارضين هم الأغلبية، ويواصل عرض الحجج التي يقدمها المعارضون من أساتذة وأطباء وعلماء، ويتوقف عند صحافة الحركة الإسلامية التي اعتبرت “قضية سالي رمزًا مناسبًا لكل شرور المجتمع”[44]، ذلك كما يفسر سكوفجارد بيترسون أن الفارق بين المجتمع الإسلامي وغيره من المجتمعات- وبالأخص المجتمع الغربي- هو النظرة إلى الجنسين، من هنا يصبح شخص سالي هو النموذج الكامل لما هو خطأ في هذا الزمان[45]. فقضية سالي تُحيل على الإفساد الغربي لمصر، وهي التجسيد الحرفي للخصي الغربي للمجتمع المسلم والثقافة الإسلامية[46].

يظهر في الأخير أن قضية التحول الجنسي تعبير عن صراع بين أيديولوجيات داخل المجتمع، وأن فتوى دار الإفتاء المصرية سعت إلى تقديم قول الإسلام في الموضوع في إطار تفاعلها مع قضايا العصر المستجدة، وألا تكون خارج انشغالاته.

ثم أخيرًا الحالة الدراسية الرابعة، وتتعلق بالتأمين. عرض سكوفجارد بيترسون في الفصل الحادي عشر كل الفتاوى حول التأمين على مدار القرن، وبعد أن عرض تاريخ صناعة التأمين في مصر على ضوء التحولات الاقتصادية، بسط آراء العلماء المؤيدين والمعارضين للتأمين، ثم انتقل إلى عرض فتاوى دار الإفتاء حول التأمين خصوصًا في سنوات الثمانينيات والتسعينيات؛ حيث احتل الموضوع أهمية خاصة مع صعود الجدل حول المصارف الإسلامية والاقتصاد الإسلامي.

وقد لاحظ الباحث أن فتاوى دار الإفتاء حول التأمين غلب عليها الطابع السلبي،[47] سوى سيد طنطاوي الذي”يبدو أكثر تسامحًا تجاه التأمين؛ ففي حين شجب قبل عام (1990م) كافة أشكال التأمين غير المتمشية بوضوح مع المواصفات الإسلامية الجديدة، فإنه بات يقرر ببساطة ما له من مزايا ومن عيوب، ويترك للمستفتي أن يختار وفق ما يمليه عليه ضميره”[48].

ويسجل المؤلف أن تلك الفتاوى محدودة، وتختلف نوعية التأمين المعالج فيها، مما يجعل من الصعب اعتماد تلك الفتاوى تعبيرًا عن التوجهات العامة للمفتين إزاء التأمين.

ثم يقوم المؤلف بعرض فتاوى المفتين بناء على عرض موضوعي للحجج التي يدفعون بها،[49] مثل: الميسر، والربا، والغرر، والمخاطرة، والقضاء والقدر، والمسؤولية. ويخلص على أن “كثيرًا من المفتين يعتبرون التأمين جائزًا؛ لأنهم يعتقدون أنه في صالح الطرف الأضعف، وهم يرون أن هذا هو واقع الحال بالنسبة لمختلف مشروعات معاشات التقاعد، التي يحسبون أنها مؤسسة على التكافل”[50].

والجدير بالذكر هنا أن المؤلف أشار إلى الزلزال الذي شهدته مصر عام (1992م)، ودور التأمين الاجتماعي الذي توفره الدولة، وهو ما مكّن من إيواء المشردين، ولذلك كما يقول الباحث خلت المقالات حينها من نسبة الزلزال للمشيئة الإلهية أو ربطه بالعناية الإلهية[51].

لقد طرأ تحوُّلٌ مهمٌّ في فهم المفتين للتأمين يعود إلى تغيُّر مضامين مفاهيم العدالة الاجتماعية والاقتصادية والمسؤولية والصدف والعناية الإلهية[52]. يبدو في هذه الحالة الدراسية أيضًا أن شدة التحولات الاجتماعية في القرن العشرين وعلاقة الدين بالدولة تظهر جلية من خلال الفتوى.

بناءً على كل هذه الحالات، نهج المؤلف طريقتين مختلفتين لتحليل فتاوى دار الإفتاء: الأولى: أن الفتوى لا تَعتمِدُ على النقول من القرآن والفقه وحسب، بل أيضًا المصلحة العامة. والطريقة الثانية: سلطت الضوء على وضع الفتوى في سياق دور الإسلام في مصر، وكانت الفتاوى حججًا على إمكانية التكيف بين الإسلام والمجتمع المصري[53].

يسجل المؤلف-مواصلًا توضيح تحولات أدوار مفتيي دار الإفتاء- أن هناك بعض المفتين الذي أصدروا فتاوى “صغيرة” في لحظات ضعف دار الإفتاء، في الوقت الذي أصدر فيها آخرون فتاوى كبيرة للجمهور المصري مثل جاد الحق وسيد طنطاوي كما في حالة التأمين في فترات القوة.

4- على سبيل الختام

إن ما يعتبر كتابًا يكافئ محاولة جاكوب سكوفجارد بيترسون لدراسة مفصلة لتاريخ دار الإفتاء المصرية، هو كتاب محمد العطاونة[54] عن مؤسسة دار الإفتاء في المملكة العربية السعودية الذي صدر سنة 2010، وواضحٌ أن محمد العطاونة متأثر به، وناسجٌ على منواله؛ لذلك، وعلى الرغم من صدور كتاب سكوفجارد بيترسون سنة 1997م، فإنه لا زال يشكل محطة أساسية للباحثين في دراسة مؤسسة دار الإفتاء المصرية بشكل خاص، وتاريخ الإسلام المعاصر في مصر بوجه عام، وهذا الكتاب نموذجٌ للدراسات التي تبقى مرجعًا للباحثين، ويمكن استلهامها واقتفاء خطتها في دراسة مؤسسات الإفتاء في بلدان أخرى.

بكل تأكيد، نحتاج اليوم بعد عقدين على صدور الكتاب أن يواصل الباحثون دراسة دار الإفتاء المصرية، والتحولات التي لحقتها بعد سنة 1993، وأشكال تفاعلها مع قضايا المجتمع المصري، والتغيرات التي طرأت على كيفية تعريف الدولة المصرية بالإسلام.

وفي الأخير، لابد من التنويه بالتعريب الرفيع الذي تصدى له السيّد عمر، فقدم ترجمة سلسة، وفيَّةً لأفكارِ المؤلف، ونظام اللغة العربية.

الهوامش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[2] سكوفجارد-بيترسون، جاكوب، إسلام الدولة المصرية: مفتو وفتاوى دار الإفتاء، ترجمة السيد عمر، دار نهوض للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، 2017.

[3]Skovgaard-Petersen Jacob, Defining Islam for the Egyption State : Muftis and Fatwas of the Dar al’Ift( Leiden : E.J. Brill, 1997).

 [4] المرجع نفسه، ص 23

 [5] نفسها.

  [6] نفسها.

  [7] نفسها.

  [8] المرجع نفسه، ص 57

 [9] نفسها.

[10] المرجع نفسه، ص 12

[11] المرجع نفسه، ص 66

[12] المرجع نفسه، ص 114

 [13] المرجع نفسه، ص 115

[14]  نفسه.

[15] المرجع نفسه، ص 140

[16] المرجع نفسه، ص 148

[17] المرجع نفسه، ص 147

[18] المرجع نفسه، ص 192

 [19] المرجع نفسه، ص 197

[20] المرجع نفسه، ص 204

[21] المرجع نفسه، ص 207

[22] المرجع نفسه، ص 211

[23] المرجع نفسه، ص 236

[24] المرجع نفسه، ص 235

[25] المرجع نفسه، ص 247

[26] المرجع نفسه، ص 255

[27] المرجع نفسه، ص 478

[28] المرجع نفسه، ص 289

[29] المرجع نفسه، ص 291

[30] المرجع نفسه، ص 479

[31] المرجع نفسه، ص 378

[32] المرجع نفسه، ص 117

[33] نفسه.

[34] المرجع نفسه، ص 133

[35] المرجع نفسه، ص 135

[36] المرجع نفسه، ص 138

[37] المرجع نفسه،  ص 380

[38] المرجع نفسه، ص 381

[39] المرجع نفسه، ص 391

 [40] المرجع نفسه، ص 405

[41] المرجع نفسه، ص 409

[42] المرجع نفسه، ص 411

[43] المرجع نفسه، ص 412

 [44] المرجع نفسه، ص 419

[45] المرجع نفسه، ص 419

[46] نفسها.

[47] المرجع نفسه، ص 453

[48] المرجع نفسه، ص 454

[49]المرجع نفسه، ص 457

[50] المرجع نفسه، ص 469

[51] المرجع نفسه، ص 472

[52] المرجع نفسه، ص 484

[53] نفسها.

[54] Al Atawneh Muhammad,Wahhabi Islam Facing the Challenges of Modernity : Dar al-Ifta in the Modern Saudi State, Koniklijke Brill NV , Liiden, 2010.

وصدرت الترجمة العربية: العطاونة محمد، الإسلام الوهابي في مواجهة تحديات الحداثة، ترجمة أبي بكر باقادر، مراجعة أمين الأيوبي، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى، بيروت، 2014.

image_print
الوسوم: , , ,
أستاذ علم اجتماع مساعد بالمعهد الجامعي للبحث العلمي، جامعة محمد الخامس في الرباط. متخصّص في سوسيولوجيا الإسلام، ويعمل على فهم وتحليل التحولات الاجتماعية في العالم العربي وأثرها على التصورات والممارسات الدينية.

مواد ذات صلة