تنويعات التجربة الدينية: دين الفَرْد في مواجهة دين الجماعة

تنويعات التجربة الدينية

توطئة

في عام 1876م افتتح الفيلسوف الألماني «إدوارد دو هارتمان Edouard De Hartman » (1842 – 1906) كتابه «دين المستقبل» بالعبارة المُشْكِلة التي يقول فيها: «لا يوجد عصر أقلّ دينيةً من عصرنا هذا الذي نحن فيه، ومع ذلك يعسُر علينا أن نجد عصرًا آخر طُرِحت فيه الأسئلة الدينية بهذا الزخم وبذاك العمق».

وفي 18 يناير من عام 1914م ألقَى عالم الاجتماع الفرنسي الشهير «إميل دوركايم Emile Durkheim» (1858 – 1917) – بجمعية «اتحاد المفكرين الأحرار والمؤمنين الأحرار من أجل الثقافة الأخلاقية» – محاضرةً تحت عنوان «مستقبل الدين»، وقد انتهى فيها إلى القول: «إنّ المُثُل والآلهة القديمة تُحتضر؛ لأنها ما أمستْ تستجيب استجابة كافيةً إلى التطلُّعات الجديدة التي ظهرت، ولأنَّ المثُل الجديدة التي بمُكْنتِها أن تستهديَ بها حياتنا لمَّا تنشأ بعدُ نشأَتَها».

ويلاحظ دوركايم أنَّ التثاقلَ والتلكؤَ الذي أصاب الحياة الدينية ليس ناجمًا عن إعراض الناس عن هذه العقيدة الدّينية أو تلك؛ ولكن لأنّ مقدرةَ البشر اليوم على خَلْق قيم دينيّة مثالية قد وَهَنَتْ. وهذه المجتمعات – حسَب رأيه – أمستْ مُلزَمة بأن تجدِّد نفسها، وبأن تبحث بحثًا شاقًّا ومؤلمًا عن معنًى جديد لوجودِها.

وفي هذه الحقبة التاريخية نفسِها، صدر في التاسع من يونيو عام 1902م كتابُ «تنويعات التجربة الدينية» للفيلسوف وعالم النفس الأمريكي «ويليام جيمس William James» (1842 – 1910) استنادًا إلى سلسلة محاضرات غيفورد Gifford في اللاهوت الطبيعي، في جامعة إدنبره Edinburgh في إسكتلندا. وخلافًا لكلِّ دين مؤسَّسي/إكليريكي، ولكل تأليه سكولائي، يدعو «ويليام جيمس» إلى تحريرِ الأديان من كل نَزعةٍ تسلّطية، واحدِيّة، احتكارية، استحواذية، ويقول: «لنكن قدّيسِين إذن، ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، سواء نجحنا في ذلك بشكلٍ جليٍّ وفوريٍّ أم لا. لكن في بيتِ أبي منازِلُ كثيرةٌ (إنجيل يوحنا: 14/ 2)، ويجبُ على كل واحد منّا أن يكتشف لنفسه نوعَ الدين ومقدارَ القداسة التي تتوافق بالشكل الأفضل مع قدراته، ومع ما يشعُر أنه نداؤه الباطنيُّ ومهمَّته الحقيقية».

إنّنا اليوم أمام وضعٍ جديد لفلسفة الدين «يقطع مع البراديغم الأنواري المُعادي – في جملتِه – للدين عداءً مُستَحكِمًا ومُستفحِلاً»، ممّا يعني التخلُّص من مُسَلّمات التاريخ الوضعاني «التي أطلَقَها الاجتماعيون الكلاسيكيون عن التلازُم العكسي بين التطور وحُضور الظاهرة الدينية، وتجاوز فكرة النظَر إلى علاقةِ الدين بالحداثة كمعركة بينه وبين العلم ستنتهي حَتمًا بزوال الدين»، إلى «الاعتراف للقناعات الدينية بمنزلة إبستيميّة مختلفة، والكفّ عن نعتِها باللاعقلانية».