“سياسة العلم”: في أدب الخطاب وأخلاقيات الكتابة

تُعَدُّ الكتابة الوسيلة الأهمَّ للجدل العلمي وتبليغ المعرفة، ولها فنونٌ وطرائقُ وأساليبُ تتفاوت باختلاف حقولها وموضوعاتها وأهدافها، والكتاب الناجح هو الذي يترك أثره في السياق الذي وضع فيه، ويحقِّق المقصد منه، ولا تختلف عن ذلك أساليب الخطاب الأخرى، حتى كان التنبيه إليها من صلب موضوعات البلاغة، ينقل الجاحظ (ت: 255هـ) في كتابه البيان والتبيين (1/131) عن بشر بن المعتمر (ت: 210هـ ) قوله: “ينبغي للمتكلِّم أن يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين وبين أقدار الحالات، فيجعل لكلِّ طبقة من ذلك كلامًا ولكلِّ حالة من ذلك مقامًا، حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني، ويقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات”، فما ينطبق على المتكلِّم ينطبق على الكاتب أيضًا من حيث أهمية ضبط ما يكتبه موازيًا بين حال مَن يقصده بالكتابة، وما يقصد تبليغه بها، وبين المعاني وما تقتضيه من ألفاظ وأحوال القراء في تلقيها، وقد تابع بشر بن المعتمر نصيحته ببيان ما ينبغي أن يستخدمه المتكلِّم من الألفاظ بحسب أحوال المخاطَبين، ودركهم لمعانيها وفهمهم لها، وكذلك الكاتب كي يُفهم قصده ينبغي أن يستخدم اصطلاحات العلم الذي ينتسب إليه اختصاصه، ويتقن لغته وأسلوبه، هذا فضلًا عن أهمية إتقان علوم العربية التي هي قانون الكتابة والخطاب، ومن دونها يصبح الكلام أعرجَ حرجًا لا يبلغ منتهاه، وربما تدلى إلى مستوياتٍ من الغرابة والقبح بحيث يبعد المتلقي من حيث ابتغى الكاتب الوصول إليه.

 وأستطيع القول في هذا السياق إن جُلَّ موضوعات علم البلاغة هي من قبيل توصيف أخلاقيات الكلام والكتابة، لِما فيها من مبادئ تحقِّق غاية العلم تبليغًا وتمكينًا على أحسن وجه، فبها يتم اقتصاد الكلمات على قدرٍ ما يحقِّق الغرض بحسب حال المخاطبين أو القراء، فيحترم المتكلِّمُ السامعَ والكاتبُ القارئ فلا يضيع وقته في تبليغه ما يعرفه وما لم يُقصد إليه، ويُقَدِّرُ المخاطَب فيبلغه المعنى بأجمل أسلوب،  وألطف كلام، وأبلغ دلالة، فيتلقى المعنى وزيادة جمالًا في المبنى.

هذا وليتمكَّن المتكلِّم أو الكاتب من تحقيق قصده ينبغي أن يراعي من أحوال المخاطبين ما يحفزهم للاستماع  أو القراءة، فيحترم عقولهم فلا يصادرها، ويقدِّم لهم المعرفة بوثوقية لا تلغي طبيعتها النظرية القابلة للمناقشة والمراجعة، ويحيطها بمحسناتٍ تبقيها في حيّز النسبية ولا تتألَّه على السامع والقارئ بتوظيفٍ خاطئ لبلاغة اللفظ وحسن السَّبْكِ فتفرض عليه ما شأنه أن يكون محلَّ نظرٍ وتأمل وقبول أو رفض، كما تترك حيزًا لما يخالفها ليزاحمها وينافسها فيعزِّز صدقها بضعفه أمامها. إلى قائمة طويلة من الأدبيات المدونة في أخلاقيات الخطاب والبيان والكتابة والحوار.

وقد أدى غياب هذه الأخلاقيات الفنية والتواصلية إلى تردٍّ سحيق في المنتج المسموع والمقروء عربيًّا وفي حقول المعرفة الإسلامية بشكل أخص، فتحول خطاب الناس والكتابة لهم من وسيلةٍ لتبليغ العلم ومداولته إلى هوايةٍ مرتجلة تَستَخِدم العلمَ وتهوي به إلى مدارك الجهالات، فتحول معظم المتكلِّمين في مختلف منابر الكلام إلى قُصَّاص مملين لا يتقنون حتى فنَّ القصِّ والحكاية، فلا المتكلِّم قد ضبط ما يقصد إيصاله إلى السامع ولا السامع يعي ما يقصده المتكلِّم، وينتهي التواصل إلى أشتاتٍ من الأفكار والكلمات لا يُقبَض منها ما يفيد، ومع تحول النشر إلى مهنة غير علمية أصبحت الكتابة شغلَ مَن لا همَّ له، يتسلَّق ميادينها متأبطًا من الألقاب من لا يحوز حقَّها، أو من حاز اللقب العلميَّ بجدارة دون أن يحوز ملكةَ مراس الكتابة مع استهوائها، فيسطو هذا المتأكتب على ما يقع بين يديه بعزوٍ أو من دونه، سطوًا كليًّا أو جزئيًّا ليملأ ما أمكنه من صفحات، فيضيف النقولات إلى النقولات ليخرج كتابًا قد حُشرت فيه أخلاط من المعلومات، منها ما هو مهمٌّ ومنها وما ليس كذلك، وغالبًا ما تنفخ بما لا يحتاجه القارئ، حتى إن الكتاب من أحجام المئين التي ينوء المرء بحملها لا يكاد القارئ يعود منها بفكرٍ يعادل عبء عنائه فضلًا عن استحقاق ثمنه، وفي ذلك أيما انتهاك لأخلاق الكتابة وخيانة لأمانتها وتسلُّق على شرفها من غير جدارة أو علم.

وهذه الظاهرة قديمة وليست بجديدة، وقد اشتكى منها إمام الحرمين الجويني (ت: 478هـ) معتذرًا عن التوسُّع في تقرير مسألةٍ أفاض فيها الماضون، بخلاف من وصفهم من أبناء عصره بقوله: “ومعظم المتلقبين بالتصنيف في هذا الزمان السخيف يكتفون بتبويب أبواب، وترتيب كتاب، متضمنه كلام من مضى، وعلوم من تصرَّم وانقضى(الغياثي، ص39)[1]، وعلَّل في موضعٍ آخر عدم الخوض في تفاصيل مسألة أخرى بخصلتين يخافهما: “إحداهما: خصلة أحاذرها في مصنفاتي وأتقيها، وتعافها نفسي الأبيَّة وتجتويها، وهي سرد فصل منقول، عن كلام المتقدمين مقول. وهذا عندي يتنزل منزلة الاختزال والانتحال، والتشييع بعلوم الأوائل، والإغارة على مصنفات الأفاضل، وحق على كل من تتقاضاه قريحته تأليفًا، وجمعًا، وترصيفًا، أن يجعل مضمون كتابه أمرًا لا يُلفَى في مجموع، وغرضًا لا يُصادف في تصنيف، ثم إن لم يجد بدًّا من ذكرها أتى به في معرض التذرُّع والتطلُّع إلى ما هو المقصود والمعمود، فهذه واحدة. والخصلة الثانية: اجتناب الإطناب، وتنكب الإسهاب في غير مقصود الكتاب[2]، هذه الخصال التي نوَّه بها الجويني من أخلاقيات الكتابة والتصنيف، والتي التزم بها فجعلت من كتبه مراجعَ معتمدة لا يمكن تجاوزها في موضوعها، فيما طوى النسيان مصنفات كثيرة لم ترقَ إلى هذا المستوى من أخلاقيات الكتابة وصرامتها.

ومن العوامل التي طوت بعض الكتب بالنسيان أو الهجر لقرونٍ: أسلوب الخطاب وأدبه، لا سيما فيما يخص احترام القارئ وعدم التعالي عليه، وبالعكس فقد تحمل أخلاق الكتابة الكتابَ إلى مصاف لم يطمح إليها الكاتب وربما لا يستحقها الكتاب بنفسه، إلا أن ما أسماه بعض المتقدِّمين “سياسة العلم” حضورًا أو فقدًا تلعب دورًا مهمًّا في ذلك، فقد تناقلت كتبُ التراجم مثلًا لذلك ابنَ حزم الأندلسي  (ت: ‏456 هـ)، فهو على جلالة قدره وعلوِّ كعبه في علومٍ عدَّة إلا أنه كان يجهل “سياسة العلم” لحدَّةٍ فيه وشدَّة عارضته في الردِّ على الخصوم، وعدم الاعتماد على التلميح والتعريض، والأناة في التوجيه، فوصفه أبو مروان ابن حيان (ت: 469هـ) بقوله: “وأكثر معايبه فيما زعموا – عند المنصف له – جهله بسياسة العلم التي هي أعوص من إتقانه[3]، هذا رغم وصفه له بأنه “كمل من مصنفاته وقر بعير لم يجاوز أكثرها عتبة باديته”، وتناقل هذا الوصف له كثيرون منهم الذهبي.

وفي المقابل يعلِّل بعض الباحثين (أنور الزعبي، مسالة المعرفة ومنهج البحث عند الغزالي، ط:1، دار الفكر 2000هـ) شهرة الإمام الغزالي وانتشار كتبه بإتقانه ومراعاته بكثافةٍ “سياسة العلم” بوصفها “مسألة تهتم أساسًا بتدبر كيفية استيعاب وتشغيل الخطاب في الأوساط المختلفة”[4]، فبينما اتسم خطاب ابن حزم بالقطعية والوثوقية واستخفافه بالفقهاء والمتكلمين والساسة وعامة الناس، كان خطاب الغزالي مترفقًا قاصدًا الجانب التبليغي الإقناعي التداولي.

وأرى أن الإمام الشافعي (ت: 204ه) كان النموذج الأبرز لإتقان “سياسة العلم”، من خلال جمعه بين بلاغة النظم، وأدب الخطاب، واحترام المخالف، والتواضع في التعبير عن وجهة نظره، ورجوعه عن رأيه إلى ما يراه صوابًا، فورد في كتابه (جماع العلم) قوله: “وليست تدخلني أنفة من إظهار الانتقال: عما كنت أرى إلى غيره إذا بانت الحجَّة فيه، بل أتدين بأن عليَّ الرجوع عما كنت أرى إلى ما رأيت الحق“، ونقل عنه تلميذه البويطي: “سمعت الشافعي يقول: قد ألفت هذه الكتب ولم آل منها، ولا بدَّ أن يوجد فيها الخطأ؛ لأن الله تعالى يقول: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا}، فما وجدتم في كتبي هذه مما يخالف الكتاب أو السُّنة فقد رجعت عنه”، ويكفي القارئ أن يطالع مدونة الشافعي ليلحظ كثافة ما يدل على تواضع الشافعي، حتى في التعبير عما خالف فيه غيره، ولا تخطئ القارئ أهم عبارة تدل على الإقرار بنسبية المعرفة “والله أعلم”، يفتتح أو يختتم بها اختياراته: ” قلت: الله أعلم”، “ويشبه والله تعالى أعلم أن يكون أراد…”، وقد يكرِّرها كقوله: “فإن قال قائل فما معناه؟ قيل الله أعلم ما معناه أما الذي يشبه معناه – والله أعلم – فـ…”. ولا غرو بعد مراس الشافعي “سياسة العلم” هذه، أن تحظى مبادرته لضبط الاختلاف الفقهي بالقبول والانتشار، في بيئة غلب عليها التشنُّج والتجاذبُ والتفرُّق، وأن يصبح كتابه “الرسالة” أساسَ علم أصول الفقه، فكان الشافعي – بخلاف نظرة الحداثويين – رائدًا في ضبط قواعد للاختلاف والتنوع، ولا يمكن بحالٍ أن يُفهم من عمله أنه ينفي الاختلاف أو يرفض التسامح مع المختلفين، لا سيما إذا لاحظنا أنه كان أشهر أئمة المذاهب تغييرًا لآرائه، فالرسالة نفسها أعاد تصنيفها مرتين، واختلفت آراؤه مع تنقله بين الأقاليم، فعُرِف بالمذهب القديم والمذهب الجديد.

إذن، “سياسة العلم” هي مفتاح القبول والإقناع والانتشار، وهي سُمو ورِقَّة وأدب وجمال في الكتابة وتبليغ المعرفة، قد يفتقدها العالم النحرير فيقضي فقدها على إثمار ما صنّف وبلوغه ما يستحق، وقد يتقنها متواضع العلم فتسمو بضاعته إلى مكانة مصاف العلماء، ومن أتقن سياسة العلم مع إتقانه كانت له الريادة بحقٍّ واقتدار. وما ينطبق على الكتابة ينطبق على الكلام أيضًا، لا سيما في خطاب الناس كحال الدعاة والمتحدثين إلى العامة من ساسة أو صحافيين أو غيرهم. وهذه الإضاءة على هذه النافذة الناقدة في التراث “سياسة العلم” جديرة بأن تُتبع في رصد أخلاقيات الكتابة وآداب الخطاب في حقول العلم تحديدًا.


الهوامش: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  الغياثي، ص39

[2]  الغياثي، ص 164-165

[3]  ابن بسام الشنتريني (ت: 542هـ) الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، ج 1 ص169

[4]  أنور الزعبي، مسالة المعرفة ومنهج البحث عند الغزالي، ط:1، دار الفكر 2000هـ الزعبي، ص35-36

image_print
الوسوم: , , ,
كاتب وأستاذ جامعي سوري مقيم في ألمانيا، محاضر في جامعة فرانكفورت، ومتخصص في الدراسات القرآنية، له عدد من الدراسات والمقالات المنشورة في دوريات ومجلات دولية وعربية..

مواد ذات صلة

1
أضف تعليقك

avatar
1 Comment threads
0 Thread replies
0 Followers
 
Most reacted comment
Hottest comment thread
1 Comment authors
أبو محمود Recent comment authors
الأحدث الأقدم الأكثر تصويتاً
أبو محمود
ضيف
أبو محمود

جزاكم الله خيرا يا دكتور
حبذا لو لخصتم لنا أصول ما سميتموه (سياسة العلم) فيما يخص الكتابة.