في معنى أن يكون الإسلام منتميًا لأوروبا: ألمانيا نموذجًا

 

لم يعد خافيًا أن “الإسلام” أصبح موضوعًا جذابًا في السجالات السياسية الغربية الداخلية، لا سيما في المواسم الانتخابية، فالأحزاب والسياسيون يستهدفون شريحة من ناخبيهم من خلال ما يبدونه من مواقف تجاه الإسلام أو المسلمين سلبًا أو إيجابًا، أو بين بين، ولئن لم تكن هذه الظاهرة بجديدة، إلا إنها وجدت في السنوات الأخيرة ما يحفزها، وهو الموقف من قضية إنسانية تحميها القوانين الغربية والأممية، وهي قضية اللاجئين (المسلمين)، والتي أصبحت مشكلةً بسبب أعدادها الكبيرة، فلم يعد سببُ اللجوء هو موضوع النقاش، إنما هوية اللاجئ، ومدى خضوعه لمنظومة الاندماج المفروضة عليه كي يتمَّ قبول بقائه في المجتمع الجديد، والتي تمتد أحيانًا إلى ما قد يراه البعض تعديًا على الخصوصيات الثقافية أو الدينية.

من جهة أخرى أصبح من الواضح أن تصرفات المسلمين في الغرب كأفراد وجماعات وعلى امتداد عقود لم تكن بالمستوى الذي يُمكِّنهم من ترسيخ انتمائهم في تلك الدول، وبما يسمح بتكوينِ نظرة اجتماعية أو سياسية متوازنة نحوهم، ولذلك أسباب متعددة ومختلفة، ولا ينفرد المسلمون وحدَهم بالمسؤولية عنها وعن الفشل في اندماجهم، وهو بكل الأحوال فشلٌ مبالغٌ فيه ولا يرجع لأسباب دينية، إلا إنه يدفع بالإسلام إلى الواجهة بجريرةِ ظاهرةِ التطرُّف الإسلاموي الذي يُتَوَهَّم أنه رديفٌ أو نتيجة للتديُّن، أو يراد له أن يكون كذلك.

في ظل قصور المسلمين أمامَ تحديات تنظيم أمورهم في الغرب مع العقبات التي تفرضها قوانين بعض الدول، يصبحُ التركيز على الإسلام في السجال السياسي ميدانًا سهلًا للتنافس، وهو- كما تلاحظ رئيسة تحرير DW الألمانية- دليلٌ إضافي على العجز في مواجهة قضايا أهم، منها النقاش حول هوية ألمانيا كبلدِ هجرةٍ.

فتشهد ألمانيا- كنموذج للدول الأوربية- جدلًا متناميًا حول الإسلام، ومنذ استخدام وزير الداخلية الألماني الأسبق- رئيس البرلمان الاتحادي حاليًّا- فولفغانغ شويبله (Wolfgang Schäuble)، عام 2006 عبارة “الإسلام جزء من ألمانیا وأوروبا”، “Der Islam istTeilDeutschlands und Europas”, وتأكيد الرئيس الألماني الأسبق “كریستیان فولف/ Christian Wulff” عام 2010، أن الإسلام ينتمي لألمانيا “der Islam gehörtzu Deutschland “ ، وكررت نفس العبارة غير مرة المستشارة الألمانية وبعض السياسيين، فيما عارض هذه العبارة آخرون.

واحتدَّ النقاشُ حول الموضوع بعد صعود اليمين الشعبوي، حتى أصبحت تلك العبارة شعارًا يعبر عن الموقف من الإسلام، ويبدو أن جملة “الإسلام ينتمي إلى ألمانيا” أصبحت خدعة لغوية (Sprachtrick)-كما وصفتها بعضُ الصحف – تُخفي وراءها سؤالًا أعمق ما يزال مثارًا: من هو الألماني؟ ومن الطبيعي عندما يثار سؤال الهوية أن تستحضر مكانة الدين منها ماضيًا وحاضرًا، وبالأخص الإسلام، مع ملاحظة الصورة التي يقدمها عنه المسلمون أو وسائل الإعلام أو الدول الإسلامية.

إن فهمَ الجملة الملتبسة “الإسلام ينتمي لألمانيا” يحتاج إلى تفكيك وتحليل لتحديد مدلولاتها بدقة، والتمييز بين أهدافها السياسية وأبعادها الدينية والثقافية، والتي تعكس رؤيةً إستراتيجيةً أبعد من المدلول السياسي العاجل. فيمكن تلخيص المواقف من الإسلام في ألمانيا إلى ثلاثة اتجاهات رئيسة:

الأول: الإسلام والمسلمون جزءٌ من ألمانيا بما لا يتعارض مع دستور البلاد. مع التأكيد على التاريخ المسيحي، أو المسيحي- اليهودي، لألمانيا.

الثاني: الإسلام لا يخص ألمانيا أو لا ينتمي لها، لكن المسلمين جزءٌ منها طالما هم مندمجون ويحترمون الدستور. مع التأكيد على التاريخ المسيحي أو المسيحي- اليهودي، لألمانيا.

الثالث: الإسلام “لا ينتمي إلى ألمانيا”. مع المطالبة بمنع المظاهر التي تعبر عن الإسلام في الخدمة العامة والمؤسسات التعليمية كالحجاب، ومنع تدريس الإسلام في المؤسسات الحكومية.

فثمة عناصر مركزية تسفر عنها جميع التصريحات تجاه الإسلام والمسلمين، وهي:

-التفريق بين الإسلام كدين وبين المسلمين كأفرادٍ يعيشون في المجتمع الألماني.

-التأكيد على أن الخضوعَ للدستور والاندماجَ شرطٌ أساسي للقبول بالمسلمين كأفراد، أو للإسلام كدين عند من يقبل عدَّه جزءًا من ألمانيا.

-التأكيد على الهوية الدينية المسيحية، أو اليهودية- المسيحية الخاصة لألمانيا، حتى وإن قبل الإسلام أو المسلمون كجزء منها.

هذه المحاور في التصريحات المتصلة بالإسلام تطرح تساؤلاتٍ مركزية وعميقة تتصل بدور الدولة ودور الدين في المجتمع العلماني الغربي الحديث، وحول التصورات الدينية التي يتم تداولها تجاه الأديان، سأركز على أهم هذه التساؤلات.

التعريف الديني للدولة العلمانية:

يبدو أن ثمة تناقضًا حادًّا في هذه التصريحات من ناحيتين، الأولى تعريف الدولة العلمانية بهُويَّة دينية في الوقت الذي يخلو فيه الدستور من هذا التعريف الديني ويقرُّ بحرية التدين من غير تحديد، والناحية الثانية هي تحجيم الدين إلى تصنيفات جغرافية أو إقليمية لا تخضع لها الأديان ولا الأفكار، والتي لا تبحث عن انتماء جغرافي، فهي تخترق العقول والقلوب عابرةً الحدود وينتمي إليها الناس، ولو افتُرض من وجهٍ تقرير هذا الانتماء الجغرافي فإن اليهودية والمسيحية نفسها دخيلة تاريخيًّا على أوروبا كما هو شأن الإسلام، وعليه فأي حديث عن الإسلام من حيث صلته بألمانيا جغرافيًّا أو تاريخيًّا أو هوياتيًّا، ينبغي أن تخضع لها الأديان الأخرى.

فتخصيص قبول الإسلام كدين بشروطٍ دون غيره هو تمييز ضده، طالما لا تشمل هذه الشروط الأديان الأخرى، والتي لا تخضع للتعريف المشروط للدين الذي يقبله السياسيون، فهل من شروط قبول اليهودية والمسيحية أن تخضع للدستور والقانون؟ وبأي معنى يكون هذا الخضوع؟

فالأديان ليست اختياراتٍ حزبيةً يمكن تكييفها وفق لوائح تنظيمية، فهل عدَّلت اليهودية والمسيحية من منظوراتها الدينية كي تتواءم مع المجتمع أو الدستور الألماني الحديث؟ وهل الكنائس المسيحية لها موقف موحد من القضايا التي تُثار فيما يخص موقف الإسلام منها؟ وهل استمرار ممثلي تلك الأديان على مواقفهم يخرج دينهم من كونه جزءًا من ألمانيا؟ هل من المنطقي إخضاعُ الأديان لآلية التغيير التي تخضع لها الدساتير والقوانين؟

إن التفريق بين المسلمين وبين الإسلام تفريقٌ مهمٌّ؛ من حيث إمكان إخضاع المسلمين كأفرادٍ لأنظمة وقوانين يتوافق عليها المجتمع الذي يخضع له الجميع بمن فيهم المسلمون، لكن الإسلام كغيرِه من الأديان منظومة فكرية تحكمها نصوصٌ وقيمٌ واجتهادات تتغير وتتكيف مع التطورات ببطء، وضمن نظام داخلي يضمن تماسكَه كدينٍ، ولا تتوقف بالضرورة سيرورة المجتمع ومنظومة القوانين التي تحكمه على تغير الدين، بل وحتى الفلسفات التي يؤمن بها الأفراد، فأن يلتزم الإنسانُ بقانون ما لا يعني بالضرورة أن يقتنع به أو يؤمن بعدالته، وربما يناضل من أجل تغييره، لتعارضه مع قناعاته الشخصية سواء أكانت دينيةً أو إلحاديةً أو مصلحية، فالاشتراط على قبول الإسلام أن يغير أتباعُه تعاليمه حتى يمكن قبوله، أمرٌ فيه تمييز وتحكم، ولا يستقيم مع آلية تطور الأفكار والإصلاح الديني الذي يمكن أن يقوم به المجتهدون في كل دين.

ربما كان المصدرُ الأساسي لهذه المشروطية هي وَهْمَ التطابق بين الإسلام كدين والتطرف الإسلاموي، أو المطابقة بين التديُّن والتطرف حالًا أو مآلًا، والحكم المسبق بذلك، مع رفض تصريحات المعنيين بالشأن الديني الإسلامي بأن التطرف لا ينتمي إلى الإسلام، لكن هذا العنصر ليس الوحيدَ الذي يتم الإلحاح عليه، بل تتبعه كلُّ القضايا التي لا يألف المجتمع تصور خلافها.

إن هذه التصريحات حول الصلة بين الإسلام وألمانيا تقول بلسان الحال، وتحمل رسالة خفيَّة تطارد كلَّ مسلم ألماني، ما دمت مسلمًا ينبغي أن تثبت أنك ألمانيًّا، حتى وإن كنت ألمانيًّا قبل أن تكون مسلمًا، أو حتى إن كان المسلم في ألمانيا لا يعرف من الإسلام إلا الانتماء لأبوين مسلمين، هذا ما تقوله مشروطية الاندماج المعلنة بالنسبة للمسلمين، والتي تفترض أن العكس هو الأصل حتى يثبت خلافه، مع ملاحظة أن مشكلات الاندماج الكبرى لا تتصل بالدين و لا تخص المسلمين، وربما تكون لدى غيرهم أشد، فأهم عوائق الاندماج هي مشكلات اللغة والتعليم والعمل.

وتعاليم الإسلام تحث على السعي في طلبها والنجاح فيها، والفاشلون فيها لا يرجع فشلهم لعوامل دينية، لذا فتخصيص المسلمين باشتراط الاندماج دون غيرهم- وهم بعض المهاجرين- يحمل دلالةً على تخوف مسبق على نمط الهوية التي هي بصدد التغير نتيجةَ القدر الذي تحصده أوروبا من التحديث، والذي جعلها قارةً عجوزًا غير مكتفية بكثافتها السكانية.

الهوية الأوربية والدين:

هل صحيح أن الجذور المسيحية أو المسیحیة- الیھودیة وحدها هي التي تحدد هوية أوروبا أو ألمانيا؟

يمكن أن يكون هذا الكلام صحيحًا إذا نظرنا إلى التقاليد والعادات والأعياد التي يحتفل بها غالبية أفراد المجتمع- من متدينين أو غير متدينين أو ملحدين- أو الطقوس الكنسیة التي يمارسها المتدينون المسيحيون أو اليهود، وبالتالي فهي هوية ثقافية ذات أصول دينية، أو هوية دينية لدى المتدينين، لكن هذا المستوى من الهوية لا يُعبِّر عن الهوية الحقيقية لأوروبا الحديثة والعلمانية والتي عُرِفت بها تاريخيًّا.

بل لا يمكن من منظور علماني أن تحصر هوية الدولة بدين معين، وما كان لهذه الهوية الأوربية الحديثة أن تكون كذلك لو كانت من منظور ديني فقط، مسيحي أو يهودي- مسيحي.

بل إن كتب التاریخ- كما يؤكد شتیفان شراینر أستاذ العلوم الدینیة والدراسات الیھودیة في جامعة إیبرھارد كارلز – توبینغن[1]– تدحض ھذه الفرضیة الكاذبة، وتعلِّمنا أنَّ الإسلام یُشكل منذ قرونٍ جزءًا من تاریخ أوروبا، وأن “أولئك الذین یطلقون أعلى الأصوات التي تنادي بالتقالید المسیحیة- الیھودیة في أوروبا، یقومون بذلك عادةً لتحقیق ھدفٍ واحدٍ ھو استبعاد الإسلام والتأكید على عدم انتمائه إلى أوروبا عبر تأصیل الأمر بالتعریف”.

ويرى أن نتائج ذلك خطیرة من الناحیة السیاسیة، عندما یُنظر إلى الإسلام على الدوام باعتباره دینَ المھاجرین فقط.

ويتابع: «یصعب تصوُّر أوروبا “المسیحیة” دون جذورھا الیھودیة والإسلامیة بجانب الجذور الكلاسیكیة الیونانیة- الرومانیة القدیمة، ولسوف تبقى أوروبا المسیحیة بالمعنى المتداول الیوم وبالمصطلح الذي یجري فھمه واستخدامه على نحو واسع، مجرد افتراض خیالي، كما كان الأمر دائمًا. وكما كانت أوروبا في الماضي تتشكل وتتأثر بشكلٍ متبادلٍ، وتتسم بشكلٍ مستدام بالنقاشات الخلّاقة عبر الدیانات السماویة الثلاث».

ويمكن أن نضيف تأكيدًا لما ذكره شتیفان شراینر: أن التراث اليوناني ما كان له أن يجد امتداده في أوروبا لولا وساطة الفلسفة الإسلامية التي شرحته ونقدته، وكذلك الإصلاح الديني اللوثري إن لم يكن تأثرًا بالدين الإسلامي الرافض للوساطة الكنسية- كما يتهمه نُقَّاده في عصره حتى وصف أتباع لوثر بالمحمديين- فهو توافق مع الإسلام في أهم أسسه التي خالف فيها الأديان، والفلسفة الألمانية الحديثة ما هي إلا حصيلة جدل ونقد ديني لم يستثن الإسلام من مسيرة الأفكار التي خضعت للجدل.

يُقَدَّم الأديب الألماني يوهان فولفغانغ فون غوته (Johann Wolfgang von Goethe) (ت: 1832م) على أنه عنوان الثقافة واللغة الألمانية ورسولها في شتى أنحاء العالم، وأن تراثه الفكري والأدبي يُعدُّ نموذجًا للهوية الألمانية التي تفاعلت مع الإسلام والثقافة العربية والشرقية، وتأثرت بها، كما يؤكد دارسوه. وعليه لا يمكن لمن يستبعد الإسلام من تاريخه وثقافته أن يتمسك بغوته كممثل لهويته وتاريخه الذي يطمح إلى الحفاظ عليه.

ومن المفارقات أن مفكري أوروبا عندما لم تكن تفتقر للمهاجرين، تفاعلوا مع ثقافات العالم وأفادوا من الأدب والفكر والثقافة غير الأوربية بل والأديان، وعندما اضطرت أن تستقدمهم أو أن تستضيفهم عجزت عن أن تستوعب مخزونهم الثقافي والديني وأقامت الحواجز التي تحول دون تطوير الهوية الأوربية.

هذا التلاقح الفكري والنقدي التاريخي والمتعاقب بين التراث الفلسفي اليوناني والتراث اليهودي والمسيحي والتراث الإسلامي، هو الذي أنتج الفكر الفلسفي والديني الحديث، وهو الذي سينتج أفكارَ المستقبل، وهذا ما تُدركه الأكاديميات العلمية التي تُعنى بالدراسات العابرة للأديان والأقاليم واللغات، فالتفاعل الثقافي والفكري والديني هو قدر المستقبل.

ولقد عبر بدقة مؤخرًا عن هذا المعنى رئيسُ البرلمان الحالي شويبله “لا يمكننا أن نوقف مسار التاريخ، وعلى الجميع أن يتعامل مع حقيقة أن الإسلام أصبح جزءًا من بلادنا”، وهو الذي كان أطلق عام 2006 “مؤتمر الإسلام في ألمانيا” والذي يرى أن هدفه هو “تطوير الإسلام في البلاد بحيث يعتبر ألمانيا وطنًا له”.

الهوامش: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]http://ar.qantara.de/content/qr-nqdy-fy-mfhwm-wrwb-lmsyhy-lhwy-lyhwdy-lmsyhy-mjrd-whm-wlslm-jz-mn-wrwb 

image_print
الوسوم: , , ,
كاتب وأستاذ جامعي سوري مقيم في ألمانيا، محاضر في جامعة فرانكفورت، ومتخصص في الدراسات القرآنية، له عدد من الدراسات والمقالات المنشورة في دوريات ومجلات دولية وعربية..

مواد ذات صلة

أضف تعليقك

avatar