ما الإسلام؟

في مغزى أن تكون منتميًا إلى الإسلام[1]

كتاب ما الإسلام؟ What is Islam?  الذي يحمل عنوانًا فرعيًّا: في مغزى أن تكون منتميًا إلى الإسلام (The Importance of Being Islamic)، هو الكتاب الرئيس للمفكِّر الإسلامي الباكستاني الأصل شهاب أحمد. صدر الكتاب في عام 2015 عن دار نشر برينستون  (Princeton) في 609 صفحات. وقد عاش شهاب أحمد حياةً حافلة عريضة وثرية، بدأت من أقصى الشرق وانتهت في أقصى الغرب. فقد ولد في سنغافورة في 11 كانون الأول (ديسمبر) 1966 لأبوين باكستانيين مهاجرين، ثمَّ نشأ وترعرع في ماليزيا. ولكنَّ أبويه فضَّلا أن يدرس في مدرسة داخلية بريطانية، فسافر إلى بريطانيا حيث حصَّل تعليمه المدرسي. وحين عاد إلى ماليزيا، حصل على شهادة في القانون من الجامعة الإسلامية العالمية. وخلال سنوات تعليمه المبكِّر، استطاع شهاب أن يتقن الأوردو، والألمانية، والفرنسية، إلى جانب الإنجليزية. وأحبَّ أن يدرس العربية ليعمق دراسته للإسلام، فسافر إلى القاهرة، حيث التحق بالجامعة الأميركية، ليحصل على شهادة الماجستير في الدراسات العربية عام 1991. ثم استكمل دراسته العليا في جامعة برينستون، حيث حصل على الدكتوراه في الدراسات الإسلامية عام 1999. وبعد الدكتوراه، تقلَّد شهاب مناصبَ تدريسية رفيعة.

بدأ شهاب أحمد مساره أستاذًا مساعدًا للدراسات الإسلامية في الجامعة الأميركية في القاهرة (1998-2000)، ثمَّ زميلًا باحثًا في هارفارد، (2000-2003) ثمَّ محاضرًا زائرًا في برينستون (2004-2005)، ثمَّ أستاذًا مشاركًا في هارفارد (2005-2015). وحاضر كذلك بوصفه أستاذًا زائرًا في وطنه الأم، باكستان، في الجامعة الإسلامية العالمية (2007-2008). خلال هذه الرحلة العلمية الرفيعة، حصل أحمد على العديد من الأوسمة، والزمالات، والجوائز. بالإضافة إلى عددٍ من الأوراق البحثية المهمَّة المنشورة في المجلات العلمية المحكمة. كان عمل شهاب الوحيد هو كتابه “ما الإسلام؟”، الذي لم يقدَّر له أن يراه وقت ظهوره للنور، حيث ظهر بعد ثلاثة أشهر من وفاته.

يقسم شهاب الكتابَ إلى ثلاثة أقسام: يأتي القسم الأول تحت عنوان “التساؤلات” ويتضمَّن فصلًا واحدًا، في حين يحمل الثاني عنوان “التصورات” ويشمل ثلاثة فصول، أما الثالث فعنوانه “إعادة صياغة التصورات” ويندرج تحته فصلان. ويبدأ الكتاب بتوطئة يقول فيها المؤلف: “عكفت على كتابة المسودة الأولى من هذا الكتاب في الفترة بين يناير 2012 وسبتمبر 2013، حين كنت أعمل أستاذًا مشاركًا للدراسات الإسلامية بجامعة هارفارد. وأتاح لي العمل محاضرًا زائرًا في القانون وزميلًا باحثًا في برنامج الدراسات القانونية الإسلامية، في كلية الحقوق بجامعة هارفارد خلال العام الدراسي 2014-2015، مراجعةَ نصِّ الكتاب بين يوليو 2014 ونوفمبر 2014م. يلي ذلك مقدمة مختصرة يعرض فيها لبعض المواقف الحياتية التي مرَّ بها، ليؤكِّد على أن الأُفق الذي يشمله الإسلام هو من الاتساع بحيث يشمل ما قد يبدو للبعض متعارضًا. ويقتبس المؤلف من وايت والتمان قوله: “هل أناقض نفسي؟ حسنًا إذن، أنا أناقض نفسي. (أنا كبير، وأشتمل على الكثير)، ليؤكِّد على المعنى السابق.

تساؤلات

في القسم الأول من الكتاب يعرض شهاب ستةَ أسئلة ستشكِّل مجتمعةً النواةَ التي تدور حولها الفصول اللاحقة. وقبل أن يطرح الأسئلة، يوضِّح هدفه قائلًا: “ما أسعى إليه هو أن يعكس منطوق كلمة “إسلام” الظاهرةَ التاريخية والبشرية التي يمثِّلها الإسلام في ثراء معناه وتعقيده. وفي معرض تصور الإسلام كظاهرة إنسانية وتاريخية، فإنني لا أرمي تحديدًا إلى تعريف القارئ بماهية الإسلام بوصفه تشريعًا إلهيًّا، وبالتالي لا أهدف إلى توصيف كيفية اتباع الدين الإسلامي كوسيلةٍ للخلاص الوجودي. ولكنني أريد أن أعرف القارئ بما مثَّله الإسلام باعتباره حقيقةً إنسانية في مجرى التاريخ، وبالتالي أقترح الكيفية الأمثل لتصور الإسلام بغية التوصل إلى فهم المغزى الأعمق له داخل التجربة الإنسانية، ومن ثمَّ دوره في التجربة الإنسانية في عمومها”[2]. يتمثَّل السؤال الأول في: ما هو الإسلامي في الفلسفة الإسلامية؟ بأيِّ معنى نستخدم مصطلح “إسلامي” عند الإشارة إلي الفلسفة التي سادت إبَّان الفترة الذهبية للإسلام؟ هذا السؤال يتجاوز ما هو ظاهر منه إلى الدلالات التي يقصدها شهاب منه، والمتعلِّقة بالتباين الواضح بين الطرح الفلسفي والديني في معالجة بعض القضايا، ومع ذلك ظلَّت الفلسفة المرتبطة بالحضارة الإسلامية محتفظةً بوصف “إسلامي”. السؤال الثاني الذي يطرحه شهاب يصيغه كالتالي: عندما يقدِّم الصوفيون تأكيدهم على أن “أولياء الله” أصحاب الكرامات الذين هم في وحدةٍ متعايشة مع الحقيقة، لم يعودوا ملزَمين بأداء عبادات الشريعة الإسلامية ومناسكها وطقوسها، التي تلزم النفوس الأدنى في الوجود الروحاني، فهل نحن هنا إزاء ادعاء إسلاميٍّ أم غير إسلاميٍّ؟ المقصد هنا يتشابه مع المقصد الأول، فالسؤال الذي يطرحه شهاب لا يتعلَّق بالرأي الفقهي إزاء ممارسات الصوفية وتصوراتهم، بل يتعلَّق في الأساس بتيار ضخمٍ يوصف أصحابه بـ”المتصوفة المسلمين”، ومع ذلك فإن لهم تصوراتهم الخاصَّة جدًّا التي تختلف جذريًّا عن التصورات الدينية الأصولية.

يرتبط السؤال الثالث بالأول والثاني ويصيغه شهاب كالتالي: إن اثنين من أكثر نماذج الفكر الاجتماعي انتشارًا في تاريخ مجتمعات المسلمين هما: الفلسفة الإشراقية (حكمة الإشراق) لشهاب الدين السهروردي (ت 1191)، ووحدة الوجود التي قال بها محيي الدين بن عربي (الذي ولد في الأندلس عام 1165، وتوفي في سوريا عام 1240). وكلاهما ينطلق من تناضح فلسفة ابن سينا والصوفية، وكلاهما يرتكز على رؤية هرمية للكون، وبالتالي رؤية هرمية للبشرية؛ وكلاهما ملتبس في تناولهما للعلاقة بين اللاهوت والعالم المادي، والحد الفاصل بين التعالي الإلهي والمحايثة، ومن ثمَّ فإنهما يقولان بمفاهيم وحدة الوجود والحلول والاتحاد. فهل تُعَدُّ هذه الأفكار إسلاميةً؟ يشير شهاب بالطبع هنا إلى أفكار بعض كبار الصوفية التي تصطدم صراحةً مع التصورات العقائدية الراسخة، ومع ذلك تظل محتفظةً بصفة “إسلامية”.

ينتقل شهاب في سؤاله الرابع من عالمي الفلسفة والتصوف إلى عالم الفن، فيقول: “عندما تقوم الفكرة الأساسية لأكثر كتابٍ شعريٍّ في التاريخ الإسلامي نسخًا، وتوزيعًا، وقراءةً، وحفظًا، وتلاوةً، وذكرًا، وشيوعًا؛ كتابٍ يُعَدُّ تعريفًا وتمثيلًا لمُثُل مفهوم الذات وأنماط التعبير الذاتي وآلياته في القسم الأكبر من التاريخ الإسلامي، أي لخمسمئة عام – على سبرٍ غامض لأغوار شرب الخمر، والعشق، وأيضًا السلوك المذموم للمعتقد الديني المتشدِّد المحافظ؛ تُرى هل يُعَدُّ هذا العمل إسلاميًّا؟”. يقصد شهاب هنا الإشارة إلى الديوان الشهير (القصائد الكاملة) لشمس الدين محمد حافظ الشيرازي (1320-139)؛ وهو الديوان الذي سيكون حاضرًا على طول الكتاب بعد ذلك. كان ديوان حافظ، في الفترة ما بين القرن الخامس عشر ونهاية القرن التاسع عشر، عملًا شعريًّا منتشرًا ذا حضور فكريٍّ ولفظيٍّ في نصوص المسلمين المثقفين في نطاقٍ جغرافيٍّ واسع يمتدُّ من البلقان عبر الأناضول وإيران وآسيا الوسطى جنوبًا إلى أفغانستان وشمال الهند إلى خليج البنغال؛ الذي كان موطنًا للأغلبية الديمغرافية الكاسحة للمسلمين في العالم.

يحيلنا شهاب في سؤاله الخامس إلى صفة الإسلامية التي تُنسب إلى الفن الإسلامي، فيقول: هل هناك ما يُطلق عليه “الفن الإسلامي”، وإن كان كذلك، فما علاقته بالإسلام إذن؟ ما الفن الإسلامي بالضبط؟ وكيف تخدم هذه الفئة فهمَ المادة؟ وهل يساعدنا التصنيف القائم على أساسٍ دينيٍّ أكثر من التصنيفات القائمة على أسسٍ جغرافية أو لغوية؟ بينما هناك بعض الفنون الإسلامية التي أبدعها أصحابها المسلمون للقيام بوظيفة دينية، حقَّق الكثير منها أهدافًا أخرى. تتناسب عمارة المساجد أو زخارف المصاحف مع تعريف المرء للفن الإسلامي جيدًا، ولكن ماذا عن المقصف السوري العائد إلى القرن الثاني عشر المزخرف بنقوشٍ عربية ورسمٍ مسيحي؟ يقبل أغلب الدارسين أن مصطلح “إسلامي” المناسب – إن لم يكن خطأً – لا يشير فقط إلى الدين الإسلامي، ولكن إلى الثقافة الأكبر التي يسيطر عليها الإسلام، على عدم تفرُّده بهذا وحده. وعليه، فإن “الفن الإسلامي” لا تجوز مقارنته بالفن “المسيحي” أو “البوذي” اللذين ينتميان إلى الفن الديني بشكل خاص.

سادسًا وأخيرًا، يشير شهاب إلى مسألة شرب الخمر. فشرب الخمر المصنوع من العنب محرَّم بإجماع كل المذاهب الفقهية الإسلامية، التي تحرِّم شرب ما هو مُسكر بناءً على ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية. وعلى الرغم من ذلك، فمن ضمن العلامات البارزة في تاريخ المسلمين كان التقييم البديل المُحافظ عليه بشدَّة، والمكرَّر بكثرة، للخمر في النصوص غير التشريعية، التي يتمتَّع فيها الخمر وشربه بمعنى إيجابيٍّ ذي قيمةٍ عالية روحانية، بل وتأكدت هذه الإيجابية في المجتمع، وذلك من حيث الحضور الأدبي والشرب الفعلي للخمر في المجالس الاجتماعية. فكيف حدث هذا التباين بين التحريم القطعي لشرب الخمر وبين بعض النصوص التي تحدثت عن فوائد شربه في المجالس وأهميته للروح؟

يختم شهاب هذا القسم الخاص بالتساؤلات بقوله: “يتوجَّب التأكيد على أن الأمثلة الموضحة في الأسئلة الستة السابقة ليست بالهيّنة ولا الهامشية، بل تسلِّط الضوء على ظواهر تاريخية كانت – ولمدة زمنية طويلة – محوريةً وتغطي مساحةً مكانية وجغرافية وديمُغرافية كبرى للمجتمعات الإسلامية. وبصورةٍ نموذجية، فإن كافة الأفكار والقيم والسلوكيات المبيَّنة أعلاه كانت – في الفترة العصيبة من 1350 إلى 1850 – متوطنةً في المجتمعات التي عاشت في المساحة الشاسعة الممتدَّة من البلقان إلى الأناضول وإيران وآسيا الوسطى وصولًا في الجنوب إلى أفغانستان وشمال الهند حتى خليج البنغال. وقد عُرف منذ زمنٍ طويل أن مجتمعات تلك المساحة الجغرافية والمكانية والديمُغرافية التي أطلق عليها اسم العالم الممتد من البلقان إلى البنغال (انظر الشكل 3)، على الرغم من التنوع المحلي في اللغة والعرق والدين – اشتملت على عالمٍ مميزٍ نسبيًّا ومتكامل (يُطلق عليه أحيانًا “حضارة” أو “منطقة ثقافية” ضمن الحضارة الإسلامية)”.

تصورات

في القسم الثاني من كتابه الذي يقسمه إلى ثلاثة فصولٍ، يناقش شهاب التصورات والمفاهيم المرتبطة بالإسلام في علاقته بالثقافة والتاريخ؛ الإسلام كظاهرة تاريخية وإنسانية وليست فقط عقائدية. وهو يؤكِّد في فرضيته التي يسعى لإثباتها أن الإسلام – كدينٍ – ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالشكل الثقافي السائد في المجتمعات التي انتشر فيها وتحول إلى دين رسميٍّ بها. بمعنى أنه لم تكن ثمة صورة ثابتة أو شكل محدَّد للإسلام عبر التاريخ. وكما يستشهد هو بمقولة كارل بيكر: “إن مفهوم الإسلام ليس بالبساطة التي يتصورها الكثيرون. ويصعب تصحيح هذا الخطأ، بل يكاد يكون مستحيلًا، لدى هؤلاء الذين انحصر لديهم تعريف الإسلام الصحيح وشرحه الوافي في القرآن وحياة النبي محمد”.

في الفصول الثلاثة المكونة للقسم الثاني من الكتاب، يوضِّح شهاب أن التصورات التي قُدمت عن الإسلام – على اختلافها – ينبع قصورها من اتجاهين رئيسين: الأول هو الاتجاه نحو المبالغة في تعريف مصطلح الإسلام تعريفًا مقيدًا ومحددًا، حيث يعمد تصور الإسلام إلى التكثيف أو التركيز على بعض الظواهر داخل جوهر الإسلام أو نواته، فيما يعرف باسم “أرثوذكسية الإسلام” orthodoxy. يُعَرِّف هذا الاتجاه، أو يعطي الأولوية – لجزءٍ بعينه فقط من الظاهرة الإنسانية والتاريخية وينظر إليه بوصفه الجزء الإسلامي الصحيح بشكل أو بآخر، وبالتالي يصبح هذا الجزء معبرًا عن الإسلام القويم. وعادةً ما يكون هذا الجزء هو الشريعة الإسلامية، مما يؤدي بالتالي إلى تهميش أو إقصاء باقي أجزاء الظاهرة. وهنا، تبدو مساواة مفهوم الإسلام الصحيح بعنصرٍ محدود ومقيِّد كأحد خصائص مفهوم العقيدة السليمة، يخدم هدف هذا الاتجاه لتقييد مفهوم “التطبيق الصحيح للدين”. لكن في الواقع، كما يذهب إلى ذلك شهاب، يُعَدُّ هذا التعريف انتقائيًّا بدرجة كبيرة: حيث بإمكاننا القول هنا إن بإمكان الملاحظ استنباط نمطٍ واحد بعينه من التنوع الهائل للإسلام تاريخيًّا وإنسانيًّا ثم تعميمه كنموذجٍ أوحدَ للظاهرة جمعاء. وقد يكون هذا النمط هو الأوضح أو الأكثر صخبًا، أو أكثر الأنماط التي يتفاعل معها على المستوى الشخصي من يحاول إبرازها، أو حتى أكثر الأنماط التي يمقتها.

         الوجه الآخر لهذا المفهوم، أو بالأحرى الثورة المضادة على هذا الاتجاه التعريفي للإسلام، هو الاتجاه المعاكس: أي تصور مفهوم الإسلام على نطاقٍ واسع من الانتشار الظاهري دون جوهرٍ يمكن على أساسه تعريف المفهوم المقترح، متجهًا بالظاهرة موضع الدراسة اتجاهًا لا رجعة فيه إلى تعدُّدية منتشرة بدلًا من التركيز على جوهر موضوعيٍّ واحد، داحضًا مفهوم التصور كمبدأ غير متجزئ. مما يوجب النقاش حول مفهوم الإسلام بوصفه مكونًا من تصورات متعدِّدة مختلفة. إنه هذا الميل نحو تأسيسٍ غير محدَّد بدقَّة ودون تحديدٍ لمصطلح “الإسلام”، والذي يجعل الكلمة في حدِّ ذاتها بلا معنًى كمؤشر لأيِّ ظاهرة محدَّدة، والذي يؤدي في نهاية المطاف إلى التخلي عن “الإسلام” كفئة تحليلية (يمكننا القول إن دعاة وجهة النظر هذه قد تراجعوا عند النظر الدقيق للإسلام التاريخي والإنساني وتوصلوا إلى نتيجة مفادها أنه لا يوجد نموذج أو آلية أو ناطق باسم الإسلام، لكن في أفضل الأحوال مجرَّد تصنيفٍ لأنماطٍ وأصواتٍ محلية). والاتجاه الثاني لهذا القصور هو التوجُّه نحو صياغة مفهوم الإسلام في إطار الدين فقط. حيث يتم تصور الإسلام في إطار التمييز بين الدين والعلمانية، أو بين الدين والثقافة، حيث تعني الثقافة هنا في أفضل الأحوال عدم استقامة التدين، والعلمانية في أسوئها (عدم التدين على الإطلاق). وانطلاقًا من ذلك، فباستطاعتي أن أجادل بأن الظاهرة الإنسانية والتاريخية للإسلام مجالٌ واسعٌ لمعنًى يمكن في ضوئه تشكيل الحقيقة ومعايشتها لا وفقًا لشروط الفئات التي يشكِّلها الإقصاء المتبادل، بل فئات الاندماج والتفاهم المتبادل القائم، والذي يبطل بدوره التقسيم على أساس الدين والعلمانية أو الدين والثقافة. وعلى هذا النحو، فإن استخدام المفردات التي تسعى – في المقام الأول – إلى تنظيم الظواهر وفهمها من خلال التمييز القاطع بين الدين والعلمانية، أو بين الدين والثقافة؛ لا يساعدنا على رؤية الظاهرة الإنسانية والتاريخية للإسلام بوضوحٍ كافٍ، ولا ينبغي لنا أن نتخيل أن الخروج من هذا المأزق سيكون من خلال الادعاء بأن كل شيء في الإسلام هو محض “دين” – أو أن كل شيء هو محض “ثقافة”.

يجادل شهاب في القسم الثاني من كتابه بأن جميع أنماط تصور الإسلام التي تدور حول هذه المحاور المفاهيمية قاصرةٌ، وفشلت ببساطة في التعامل مع الظاهرة قيد الدراسة. ولهذه الانتقادات هدفان: الأول هو توضيح كيف ولماذا وإلى أيِّ مدى تفشل التصورات الحالية للإسلام في التعامل مع الظاهرة قيد الدراسة؟ أي إظهار سبب وكيفية ومدى قصور المفاهيم الحالية، مما يوجب تنحيتها جانبًا واستبدال تصور جديد بها. لكن شهاب يؤكِّد على أن نقده هذا لا يعني استبعاد كافة التصورات الأخرى أو اعتبارها خاطئةً على نحوٍ مطلق، بل على العكس – كما يقول هو – فإن العديد من هذه المفاهيم صحيحةٌ جزئيًّا بشكل مهمٍّ ودقيقٍ في بعض الأحيان، وحتى تلك التصورات الكثيرة الخاطئة فهي – على خطئها الفادح – مفيدة. وتحتوي العديد من هذه الحجج على أفكارٍ قيمة وعميقة. ومع ذلك، فغالبًا ما تضيع قيمتها الإنتاجية في السياق الأكبر للمفردات المفترضة المرتبكة للخطاب الذي يتم تضمينها فيه. فعلى سبيل المثال، فإن أحد المفاهيم التصحيحية الأكثر أهميةً التي ظهرت في المؤلفات العلمية هو الاقتراح النظري الذي ينبغي أن نسعى إليه لتصور الإسلام كعملية. وهو – على الأرجح – نهجٌ عميق ومُثمر. لكن تبقى كيفية تصور الإسلام كعملية تحديًا لا يبدو أن أحدًا قد واجهه بعدُ.

وبالتالي، فإن الهدف الثاني من الجزء الثاني – كما يحدِّده شهاب – هو الاسترشاد بالأطروحات نفسها التي تخضع للنقد، حتى عندما ينتقدها المرء، ليأخذ ما هو مفيد فيها، ويخرجها من السياق المحيط بها إلى اتجاه أكثر إنتاجية، وبالتالي وضع الأساس لإعادة تصور المفاهيم في الجزء الثالث.

إعادة صياغة للتصورات

في القسم الثالث والأخير من كتابه، يؤكِّد شهاب على أهمية الذات وصناعتها للمعنى من أجل وضع تصورٍ للإسلام من الناحيتين الإنسانية والتاريخية. وهو يقدِّم تصوره الخاص للإسلام اعتمادًا على ثلاثة عناصر رئيسة يراها مكونةً للوحي (مقدمات النص، والنص، والسياق). ويرى أن تجاهل عنصرٍ من هذه العناصر يفضي إلى تصوراتٍ مجتزئة ومشوهة عن الظاهرة التاريخية والإنسانية للإسلام. إن تصور الإسلام الذي يقترحه شهاب، والإمكانات التحليلية الناتجة عنه تجعل بمقدورنا – كما يؤكِّد – استخدام مصطلح إسلامي بطريقة واضحة ودالة: إن كون الشيء إسلاميًّا يظل قائمًا للمدى الذي يظل فيه واضحًا وفقًا للمقاربة التأويلية في تلك العملية من الوحي إلى محمد بعناصرها الثلاثة: ما هو سابق على النص، والنص، والسياق.

يستدعي شهاب في الفصل الأخير من كتابه الأسئلةَ التي بدأ بها الفصل الأول، والمتمثِّلة في: ما الإسلامي في الفلسفة الإسلامية؟ وما الإسلامي فيما يتعلَّق بالصوفية؟ وما الإسلامي فيما يتعلَّق بمجتمعٍ ما متشبِّع بأشكالٍ من المزيج الصوفي الفلسفي؟ ما الإسلامي في شعر حافظ الشيرازي؟ ما الإسلامي في الفن الإسلامي؟ ما الإسلامي في شرب الخمر؟ يربط شهاب في محاولة إجابته عن هذه الأسئلة – بما تحمله من دلالاتٍ عميقة – بين تلك الظواهر التي تشير إليها وبين المكونات الثلاثة للوحي. فيذهب إلى أن ما هو إسلامي في الفلسفة والتصوف يكْمُن في أن لديهما تفاعلات تأويلية مع الشكل السابق على النص للوحي (وتطابق الفلسفة بين الشكل السابق على النص والعقل، بينما تطابق الصوفية بينه وبين الوجود). إن مجتمعًا متشبِّعًا باللحمة الصوفية والفلسفية – مثل المجتمع الممتد من البلقان إلى البنغال – هو مجتمعٌ تكون فيه فكرة بلوغ المعنى المباشر لما يسبق النص معياريةً بكل بساطة: بمعنى أن الفكرة القائلة بأن ما هو سابق على النص قابلٌ للمعرفة بشكل مباشر تمثِّل فكرةً كامنة في عقول أفراد المجتمع ويتعايشون معها بصورة طبيعية. إن مجتمعًا تكون فيه الأولوية لفكرة التفاعل مع الحقائق السابقة على النص على المعايير السائدة، يكون مجتمعًا مكونًا من أفراد على وعيٍ في حياتهم اليومية بمكانية الوحي، كما يتضح على نحو تفصيليٍّ في التراتبية الخطابية والاجتماعية، وفي علاقة الداخل-الخارج الخطابية والاجتماعية. وهو مجتمع تكون فيه واقعة الوحي/الإسلام بمثابة حقيقة غير مؤطرة، وتكون معانيها قابلةً ومتاحةً للاستكشاف، وليس مجرَّد حقيقة شرعية محدودة ومحدِّدَة. كما أنه مجتمعٌ يكون فيه تشريع مبدأ صناعة المعنى متجاوزًا للحرفي أو يتجاوز الشكل القائم ليس فحسب في أنماط الكلام، ولكن في كافة الأعمال الإبداعية والاستكشافية المتنوِّعة؛ كما يتمثَّل في جمهور الرسم التصويري خاصةً الذين “يتطلعون للمعنى في الوجه أو السطح الخارجي”، أو من قبل شارب الخمر الذي يمثِّل “العالم بالإشارات، سواء الحقيقية أم المجازية”. وهو مجتمعٌ تكون فيه الحقيقة المجازية لهذا العالم متصورةً كجسرٍ نحو الحقيقة الفعلية: وهو جسر يمرُّ عليه المرء ذهابًا وإيابًا إلى الأبد في فعل صنع المعنى. إن المجتمع الذي تتوفَّر فيه المشاركة التأويلية مع الوحي بعناصره الثلاثة لهو مجتمعٌ يستكشف فيها الناس ويعبِّرون عن المعاني المحتملة لحقيقة الإسلام من خلال آلياتٍ وأبنيةٍ صريحة تدعم الإنتاج المترابط وتحافظ على التوتر والتناقض الضرورين: وتحديدًا المجاز والتناقض، كما هو ممثل في الأدب الحافظي (وإن لم تكن قاصرةً عليه) ونمط حديثه المحدد، وهو الغزل. وكذلك فإنه مجتمعٌ يستكشف فيه الناس ويعبِّرون عن المعاني المحتملة للحقيقة من خلال آلياتٍ وأبنيةٍ اجتماعية تدعم الإنتاج المترابط وتحافظ على التوتر والتناقض الضرورين، مثل الاختلاف التراتبي الصريح بين النخبة والعامة، والخاص والعام. إن الموضوع الخاص بالأسئلة موضوع الفصل الأول – يقول شهاب – التي ترصد علامات الظاهرة موضوع المناقشة، يظهر الآن ليس كمثالٍ على مشكلة غريبة عن الإسلام، لكن كتعبيرٍ عن المعنى التأسيسي والتعريفي للإسلام.

أخيرًا، استطاع هذا الكتاب أن يقدِّم طرحًا مميزًا للعلاقة التأسيسية بين الإسلام والمسلمين وركَّز عليها: كيف يصنع الإسلام المسلمين بقدر ما يصنع المسلمون الإسلام؟ ويُصوَّر الإسلام هنا باعتباره تفاعلًا تأويليًّا مع الوحي بعناصره الثلاثة: فعل صنع المعنى للفرد و/ أو الذات الجماعية من عناصر الوحي المختلفة. إن تغيير مصطلحات اللغة التي نتصور بها الإسلام يمكِّننا من رؤية الحيز البنيوي المتأصل للوحي كتسلسل هرميٍّ وكداخل/ خارج، أو فراغ مكاني يُعبَّر عنه في مصادر مختلفة للحقيقة، أو طرق إنتاجٍ مختلفة للحقيقة، أو أساليب وإدراكات متعدِّدة، أو معانٍ وقيم متباينة للحقيقة، أو مواقع ومسارح اجتماعية مغايرة لتفعيل الحقيقة والمعنى والقيمة، ومختلف السجلات التعبيرية للحقيقة والمعنى وخطاب القيم، أو أنواع مختلفة من اللغة المستخدمة لتوصيل أنواعٍ مختلفة من الحقيقة والمعنى والقيمة؛ يتمايز كل منها حسب تسلسل هرميٍّ داخلي وخارجي. إن تصور الإسلام تفاعلًا تأويليًّا مع الوحي بعناصره الثلاثة، يسلِّط الضوء على حقيقة أن الغموض البنَّاء والتعارض الهادف متأصلان، وينشآن مباشرةً عن الفضاء البنيوي لظاهرة الوحي ذاتها. وهذا بدوره يلفت انتباهنا إلى أهمية الوسائل الاجتماعية والخطابية التي يحافظ بها المسلمون على الاختلاف.

كان الهدف الرئيس من هذا الكتاب تقديم وسيلةٍ يمكن أن نتصوَّر بها الظاهرة الإنسانية والتاريخية للإسلام دون أن يلحق به “إفقار” أو تشويه أو كسر أو إبهام أو سوء تقدير أو اختزال أو تفكيك؛ وبالتالي – ومن المنطلق نفسه – استطاع شهاب تقديم وسيلةٍ لتحديد تصورٍ معيَّن للإسلام يستوعب كافة الأشكال والرموز والمعايير والتعبيرات التي تمثله، بينما لم يسعَ هذا الكتاب إلى تعريف الإسلام – من أجل التعريف – أو توضيحه وتمييزه؛ في حدود المعنى الاصطلاحي. فالإسلام يشكِّل معنًى لذواتٍ ما تربو عن خُمس البشرية، إنه الإسلام – وليس أي شيء آخر – ويجب أن يتمَّ فهمه وتقديره على هذا النحو؛ بمصطلحاتٍ تتسق مع معانيه وبها تتسق تلك المعاني مع بعضها. ومع الوضع في الاعتبار المخاطر الناتجة عن عدم استخدام لغةٍ مناسبة للمعنى، وما يترتب على ذلك من عدم إدراك ماهية الإسلام على حقيقتها، فإننا – مسلمين وغير مسلمين – نسيء في أحسن الأحوال أو نرتكب ظلمًا فادحًا في أسوأ الأحوال، بحقِّ وجودنا ومساعينا الإنسانية والتاريخية لقطاعٍ يمثل خُمس البشرية. كما أننا نلحق الظلم بأنفسنا لعدم استيعابنا واستفادتنا من تلك التعدُّدية الوجودية التي نكون عليها نحن المسلمين وما يمكن أن تقدِّمه لنا من خلال فهم المأزق البشري الراهن، الذي يمسنا، والعمل على معالجته، وكذلك عبر إحاطتنا بما يجب أن تقدِّمه تلك التعدُّدية الوجودية لنا، والجهود التي بذلت، والعمل على الاستفادة منها، عن طريق صنع معنًى لذواتنا. لذا، دعونا نفهم، ونقيّم، ونستفيد، من مغزى كوننا “إسلاميين”.


الهوامش: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] Shahab Ahmed, What is Islam? The Importance of Being Islamic (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2016), xvii + 609 pp.

[2] Ibid, 15.

image_print
الوسوم: , , ,
أستاذ.م الجماليات والفلسفة المعاصرة- كلية الآداب- جامعة القاهرة. له العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في مصر والكويت والأردن وسلطنة عُمَان والجزائر وتونس والمغرب والمملكة العربية السعودية. كما شارك في العديد من المؤتمرات الدولية. له ثلاث كتب مؤلفة، وشارك في تأليف كتابين، كما ترجم منفردًا وبالاشتراك ما يقرب من عشرين عمل في الفلسفة والنقد الأدبي والبلاغة والجغرافيا والثقافة البصرية. من أحدث أعماله في مجال التأليف"دروب ما بعد الحداثة، القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2018" وفي مجال الترجمة "بيونج تشول هان، مجتمع الشفافية، الرباط: مؤسسة مؤمنون بلا حدود، 2019).

مواد ذات صلة

أضف تعليقك

avatar