ما بعد الحداثة  دراسات في التحولات الاجتماعية والثقافية في الغرب

 

استُعمل مصطلح “ما بعد الحداثة” لأول مرة في سبعينيات القرن التاسع عشر، في مجالات مختلفة؛ كالفن، العمارة، والأدب. ثم استعمل في الفلسفة وتحليل المجتمع والثقافة، فانتشر بشكل واسع. واستعمل بمعاني مختلفة، تشكو أحيانًا من التناقض والتنافر.

وما يجمع دعاة ما بعد الحداثة، هو نقد إنجازات الحداثة الغربية وميراثها التنويري، والانقلاب عليها، بحجة فشلها في تحقيق الوعود التي نادت بها. هكذا أصبحت في نظرهم وعود كل من الليبرالية والاشتراكية ومفاهيم الحرية والتقدم والتحديث والعقلنة، مجردَ أوهام كبرى، وما نتج من وعودها هو ظهور مآسي النازية والفاشية ومخاطر السلاح النووي وآليات مختلفة للتدجين الثقافي والسياسي لمكونات المجتمع الغربي.

في مقابل هذا النقد اللاذع للحداثة، والقول باستنفادها لكل إمكانياتها في تطوير البنيات المجتمعية، لم يقدم فكر ما بعد الحداثة أية رؤى واضحة للمرحلة التي يتحدثون عنها، وكأنها فقط دعوة للقفز على مكتسبات الحداثة نحو المجهول.

يتمحور محتوى كتاب “ما بعد الحداثة دراسة في التحولات الاجتماعية والثقافية في الغرب[1] ضمن هذا السياق الفكري العام.

ضم مجموعة نصوص ترجمها كل من د. حارث محمد حسن، و د. باسم علي خريسان، وكتب تقديمَ الكتاب الدكتور علي عبود المحمداوي. وصدرت طبعته الأولى أخيرًا (2018) عن دار ابن النديم للنشر والتوزيع، ودار الروافد الثقافية– ناشرون. ألف الكتاب في 284 صفحة، ويضم إلى جانب التقديم والمقدمة أربعة عشر مقالًا.

يقدم هذا الإصدار للقارئ العربي فرصةَ الإطلال من شرفته على جزء من السجالات الفكرية في الغرب، مع استحضار – في نفس الآن – المشاريع الثقافية العربية، خصوصًا في الثلاثين سنة الأخيرة، سواء تلك التي تملك مَنحًا تأصيليًّا يستلهم قبليةَ مفاهيم الهوية والتفرد والخصوصية في استنبات مكتسبات الفكر الكوني، أو مشاريع استئصالية تقفز على المكونات التاريخية المحلية أثناء استيرادها لنماذج غربية في شكل قوالب نظرية جاهزة.

حمل التقديم عنوان “حفريات في ما بعد الحداثة أو ما بعد الحداثية“. يقترح فيه الدكتور علي عبود المحمداوي استبدالَ مصطلح “ما بعد الحداثة بـ”ما بعد الحداثية“، لا لشيء إلا لكون مضمون المصطلح الأول “لا يشير في نظره إلى فترة دقيقة بعينيها، ويتسم بخاصية نسقية وبديناميكية متواصلة تلتهم ما يلي بعدها. أما المصطلح الثاني فيشير إلى جل الخطابات الفلسفية الذي انتقدت في بداية النزعة الذاتية التي تعلي من قيمة الإنسان، وانتقلت إلى نقد أسس العقلانية والعلموية بمعاول وأدوات نظرية مستلهمة أحيانًا من الفلسفة التحليلية.

وأخيرًا فخاصية التضاد تكمن في كون منطق الحداثة قائمًا على ما هو جديد وموحد ومتعقل، وما بعد الحداثة قائمًا على ما هو زائل ومتشذر وفوضوي.

أما في مقدمة الكتاب، يشير المترجمان، د. حارث محمد حسن، و د. باسم علي خريسان، إلى أهمية فهم “ما بعد الحداثة” والتحولات الكبرى التي شهدتها المجتمعات الغربية، وهو المبتغى من ترجمة مقالات منتقاة ومتدرجة في تبويبها حسب محتوياتها، تبتدئ بتعريفات أولية وتنتقل تدريجيًّا في معالجة إشكاليات الحداثة وما بعدها، وهمت مجالات علم الاجتماع، الاقتصاد، الدين، الثقافة، علم النفس، القانون، السياسة والفلسفة.

1-المفاهيم الأساسية لما بعد الحداثة

حمل المقال الأول عنوان “المفاهيم الأساسية لما بعد الحداثة“، يشير فيه ماري كليجز إلى صعوبة تعريف مفهوم “ما بعد الحداثة“، وهو الذي لم يظهر كمبحث أكاديمي وتشمله مجالات واسعة من الدراسات الأكاديمية، إلا بعد منتصف الثمانينيات.

ولتسهيل الفهم يجب تناول “الحداثة” كحقبة انبثقت منها “ما بعد الحداثة“، وهما متجاورتان كثيرًا رغم اختلافهما في المواقف تجاه بعض القضايا، كما هو واضح في الحركة الأدبية أثناء فترة ازدهارها، ما بين سنتي 1910 و1930، التي شكلت مسرحًا لهذا الاختلاف؛ إذ لوحظ أنه في الوقت الذي تميل فيه الحداثة الأدبية إلى تقديم ذاتية الإنسان وتاريخه بمنظور تفكيكي تراجيدي، يثير الحزن والألم، فإن ما بعد الحداثة الأدبية تحتفي بهذه المظاهر، تتغنى بها وترى أن العلم أصبح معرفةً جافة أو “شيئًا بلا معنى“.

هذا، ويرى الكاتب أن حقبة الحداثة ابتدأت منذ سنة 1750 مع عصر التنوير، وانتشار السرديات الكبرى التي اعتنقت قيمها المدرسة الإنسانية وأشاعت قيم الديمقراطية، الأخلاق والجمال.

واهتمت حقبة ما بعد الحداثة بنقد السرديات الكبرى وبالعقلنة التي تقود إلى التنظيم؛ لكونه الحقيقي والعقلاني والجيد، وتستبعد اللانظام الذي يبدو في نظرها فوضويًّا وسيئًا، كما “تفضل السرديات المصغرة التي تشرح التطبيقات الصغيرة، والأحداث المحلية، وليس المفاهيم الكونية أو العالمية الواسعة”[2].

وللتعبير عن هذه المواقف الجديدة، أفرغت حقائق الدلالات اللغوية إلى نسخ، والمعرفة التي كانت مماثلة للعلم تحولت من معرفة “جيدة بذاتها” إلى “جيدة بفائدتها“، “فأنت تتعلم الأشياءَ ليس لتعرفها، بل لتستغل هذه المعرفة[3].

2- ما بعد الحداثة وفرضيات التحول الاجتماعي

حمل المقال الثاني عنوان “ما بعد الحداثة وفرضيات التحول الاجتماعي” للأكاديمي باري بيرك – يرسم من خلاله ثلاث خصائص رئيسة للحداثة: هيمنة سلطة العقل على الجهل، هيمنة النظام على اللانظام، وهيمنة سلطة العلم على الخرافة – مشكلة بذلك الأسلحة الفكرية التي سرعت باندحار النظام القديم، وانتصار ثقافة الأنوار بانتصار الثورة الفرنسية وانطلاق مسلسل تطور الرأسمالية.

لكن هذه الانتصارات ما لبثت أن أصبحت موضوعًا للتشكيك، خصوصًا مع كوارث الحرب النازية والهيمنة الإستالينية وتهديدات الحرب النووية، أضف إلى ذلك فضائح الاستعمار والمجاعات والنزعات العنصرية، وغيرها من الكوارث التي لحقت بالإنسانية، مما فتح المجال أمام دعوات فكرية تشكيكية تبشر بدخول المجتمع الغربي حقبةً جديدة، هي حقبة سُميت “بما بعد الحداثة“، فما المقصود بهذه الأخيرة؟

يرى الكاتب أن تعريف “ما بعد الحداثة” يتسم بالصعوبة والتشابك، وأحيانًا بالتعارض. ولفهمه، على الدارس تناوُل الاتجاهات الفكرية المختلفة في مجالات الفن المعماري والإعلام والاتصال، والموسيقى، التي أطلق العنان فيها للخيال والصورة وإعلاء وظيفة العلم لتتداخل الحقائق الواقعية مع الوقائع المتخيلة.

أما في المجال الفلسفي، فقد تأثر أغلب المثقفين، وخصوصًا أولئك الذين شكلوا وقودًا أيديولوجيًّا لليسار، بالأحداث التي عرفتها أوروبا الغربية آنذاك، والولايات المتحدة الأمريكية في نهاية الستينيات، كأحداث 1968 في فرنسا ونتائج الحرب الأمريكية في فيتنام، وبداية ظهور إخفاقات في التطبيقات الاجتماعية للماركسية.

وبدأت الأطروحات الشمولية والسرديات الكبرى كالليبرالية والفاشية والشيوعية تفقد بريقَها النظري، ومصداقيتها الاجتماعية والسياسية، وحلت محلَّها قناعات جديدة تتسم بـ”الطابع المتعدد والمجزأ للحقيقة“.

ويرى الكاتب أن التحولات الكبرى التي عرفتها المجتمعات الغربية أدت إلى التساؤل حول طبيعة؟ وهي التي أفضت إلى بزوغ عصر جديد “وجوهر هذا العصر الجديد هو التحول من الاقتصاد القديم القائم على كثافة الإنتاج، إلى نمط أكثر مرونة يعتمد على الكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات[4].

ولتفسير ذلك التحول، اعتمد كثيرون على كتاب مشهور لدانيال بيل (قدوم المجتمع ما بعد الصناعي)، والقائل بـ”تحول من المجتمع التقليدي القائم على الزراعة، إلى المجتمع الصناعي القائم على الإنتاج الصناعي الحديث، ثم إلى المجتمع ما بعد الصناعي حيث يتراجع التأكيد على إنتاج السلع لصالح اقتصاد الخدمات.”[5].

لكن طبيعة المتغيرات التي حدثت آنذاك في إنجلترا والعالم الثالث، تظهر أنه ليس هناك ما يؤكد ذلك التحوُّلَ الكلي للمجتمع بهذه الطريقة، ولا تفسير بشكل جلي مفهوم ما بعد الحداثة.

كما أن تفسير ما بعد الحداثة بالرأسمالية ما بعد الفوردية، يتناسى أو يتغاضى عن الكثير من أشكال التنافر والإقصاء الاجتماعي. ففي نهاية الستينيات وبداية السبعينيات لما أخذ النظام الفوردي في الانهيار، وبدأ تشكل ما يطلق عليه الكثيرون “ما بعد الفوردية”، ارتفعت وتيرة الإقصاء الاجتماعي لشرائح اجتماعية واسعة؛ بحصولها على الأجور والخدمات المتدنية، وبات “على كل سلعة أن تنتج موديلات متعددة يمكن للمستهلك أن يختار من بينها، ولم تعد السلع تشترى ببساطة لقيمتها الاستعمالية، وإنما أيضًا لنمط الحياة الذي يعكسه تصميمها.”[6].

أما الفكرة القائلة بأن ظهور ما بعد الحداثة يتجلى في تحول المجتمعات الغربية من وضعية “رأسمالية منظمة” إلى “الرأسمالية غير المنظمة”. من وضعية تتسم بالتمدُّن وانتشار اقتصاد قائم على الصناعة الإنتاجية والتعاون بين الشركات، وفصل الملكية عن السيطرة إلى تلك التي تطبع مجتمع اليوم بالتحوُّل السياسي وتوسع الأسواق الخاضعة لهيمنة الشركات متعددة الجنسيات، ونمو الإنتاج الصناعي خارج نطاق البلدان الصناعية الكبرى. بالإضافة إلى نمو الطبقة الخدمية وتعدد تجزؤ الحياة الثقافية.

لكن هذه الآلية من التفسير غير كافية وتطرح إشكالياتٍ كبرى، تتعلق بمسألة الهوية الاجتماعية والثقافية، وبالعلاقة بين الفرد والجماعة وفاعلية كلٍّ منهما.

3-  ما بعد الحداثة وظهور المجتمع المعلوماتي

لكي نفهم ما بعد الحداثة، علينا أن نفهم الحداثة“، تلك هي القناعة المنهجية التي يبتدئ بها المقال الثالث “ما بعد الحداثة وظهور المجتمع المعلوماتي” (مقتطفات من ديفيد هارفي ومانويل كاسيلز). أن نفهم هذه المفارقة العظيمة لبيئة الحداثة التي تجمع في نفس الآن بينَ وعودها بالتقدم والنمو وبين الرغبة في تغيير وتدمير مكاسبها المادية منها والثقافية.

لقد تشكلت الحداثة حاملة معها أشكالًا من التنظيمات العقلانية البسيطة مثل فن العمارة والإنتاج الاقتصادي المنظم والوفير، والمساهم في ولادة طبقات وفئات اجتماعية جديدة.

أما ما بعد الحداثة فقد جاءت فقط بالكيفية التي تتواجد وتتفاعل فيه عناصر سياسية، إنتاجية وثقافية بطرق “تشطوية” “وبدون أي علاقات سردية هرمية أو تعاقبية“.

ويلاحظ الكاتب أن هذا الفهم يقودنا إلى القولِ برأسماليةٍ أكثر كفاءة على المستوى الاقتصادي، ودولة شمولية بتعددها الثقافي، ونزعتها المركزية القوية على المستوى التنظيمي، أكثر من الدولة الأحادية.

4-  الدبلوماسية ما بعد الحداثية والإعلام الجديد

المقال الرابع حمل عنوان “الدبلوماسية ما بعد الحداثية والإعلام الجديد” للكاتب هو وارد سينكوتا، يركز فيه على أربع ثورات أساسية شهدتها الدبلوماسية الحديثة:

ابتدأت الأولى مع نهاية الحرب الباردة، ووجه اهتمامات الدبلوماسية نحو إكراهات الشكل الجديد للعلاقات الدولية.

وتجلت الثورة الثانية في صعود وتعاظم دور المنظمات والمؤسسات غير التقليدية، التي أصبحت تمتلك أدوارًا مهمةً داخل شبكة المصالح الدولية، وتحولت بعد الحرب الباردة إلى لاعب أساسي، على السفراء والحكومات الانفتاحُ عليها.

وتمثلت الثورةُ الثالثة في الأجندة الجديدة للسياسات الخارجية بتعدُّد الأقطاب الدولية وتعقُّد المصالح وتعدُّد منطق اشتغالها.

وتجلَّت الثورة الرابعة في التأثير الهائل لتقنيات المعلومات على العمل الدبلوماسي الحديث، وأصبح الإنترنت يوفر للعمل الدبلوماسي معلوماتٍ وفيرةً لاتخاذ القرارات المناسبة في الميدان الاقتصادي والتجارة والثقافة والصحة ومحاربة المخدرات والبيئة، وغيرها من الانشغالات والتحديات الدولية.

5- ما بعد الحداثة وعلم النفس الإنساني

في المقال الخامس يكتب أريك دورسون عن “ما بعد الحداثة وعلم النفس الإنساني” ويسرد القيم والأفكار التي يراها “أكثر قدسية” لدى الأفراد والجماعات، والتي تتحكم في نظرتهم إلى أنفسهم وأفعالهم.

ومنها على التوالي قدسية الذاتية للفرد كجزء من الحقيقة الإنسانية، قدسية المعنى الذي ينتجه الأفراد أثناء علاقاتهم، قدسية التجربة المتسامية التي تُعلي من تفوق الأحاسيس وتدفق الهواجس والعواطف الشخصية، القدسية العملياتية التي بموجبها يصبح الإنسان إنسانًا ما أن يصبح جزءًا من عملية معينة، قدسية الانعتاق كأفق تحرري، وأخيرًا قدسية الانفتاح على تحولات التجربة الإنسانية.

وفي النهاية يُسائل الكاتب – وبنفحة إبستمولوجية – نظراءه من علماء النفس الإنساني: “ألسنا ننظر إلى النفس الإنسانية من خلال هذه المفاهيم بقدر ما ننظر إلى الواقع الإنساني من خلال هذه المفاهيم؟”[7].

ولابد لعلم النفس الإنساني من الوقوف إلى جانب الفلسفات التشكيكية لمجابهة النزعة السلوكية؛ لأن القيم التي يقف عليها الفعل الإنساني أصبحت محلَّ تشكيك وتفكيك، وتدعوه إلى التصرف بطرق مغايرة.

 6- بعض التحديات التي تواجه القانون في الفكر ما بعد الحداثي

بعض التحديات التي تواجه القانون في الفكر ما بعد الحداثي” هو عنوان المقال السادس لأندريه – جان أرنود، يتحدث فيه عن المآلات المستقبلية للقانون؛ من خلال طبيعة تحدياته الآنية، ويوظف النظرة الإبستمولوجية ذات الطبيعة الاستنتاجية التي ستؤدي إلى “استكشاف طرق قانونية جديدة في المستقبل ما لم ننجح في الجمع بين التشكيل القانوني للذات من جانب وتشكيل المجتمع عن طريق المعرفة من جانب آخر”[8]. والفكر الذي ينظم العالم ينظم في الآن نفسه بنفسه، وتبدو المعرفة “كنوع من السلوك والتفكير“.

ويقترح الكاتب طرقًا ثلاثة للتعامل مع ما بعد الحداثة في المجال القانوني:

– طريقة فلسفية تقوم على أفكار “نهاية السرديات الكُبرى“، وتبني نزعتي التشظي والتفكيك باستلهام أعمال جاك دريدا وجان فرانسوا ليوتار.

– طريقة ذات أسس سوسيولوجية تنحو نحوَ رفض الثنائيات التقليدية كثنائية الدولة/المجتمع، والإيمان بالجدليات القائمة بين الفكر والممارسات الاجتماعية.

طريقة انتقائية متشبثة بالمسلمات القديمة التي تأسس عليها القانون كمفاهيم “الذاتية“، “العقد الاجتماعي“، “الإجماع” و”بساطة العقل الطبيعي“.

7- كيف يمكن للمسيحية ادعاءَ الحقيقة المطلقة في العالم ما بعد الحداثي

جاء المقال السابع تحت عنوان: “كيف يمكن للمسيحية ادعاءَ الحقيقة المطلقة في العالم ما بعد الحداثي“، يسائل فيه فنست ماك كان التحدياتِ الجديدة التي باتت تواجهها المسيحيةُ في المجتمع ما بعد الحداثي، وهي التي لم تتوقف من ادعائها بامتلاك الحقيقة المطلقة.

وفي ظل التحولات الاجتماعية والثقافية الغربية الجديدة، صار من الصعب على المجتمع تقبل ذلك الادعاء، وأصبح مثارًا للسخرية، حتى بين طلاب دارسي اللاهوت أنفسهم، وعائقًا أمام إقناع مجتمع ما بعد الحداثة المتشبث بنسبية القيم وتعددية الحقيقة والتجارب الفردية، وأصبح الفكر المسيحي مطالبًا بالتأقلم مع مجتمع تحول فيه الإنسان إلى “جزء من مجتمع إنساني محلي“.

وأكثر من ذلك، بات من البديهي تقبل المعادلة القائلة بـ “ما دام هناك الكثير من المجتمعات المحلية المختلفة، هناك الكثير من الحقائق المختلفة التي يمكن أن تتواجد مع بعضها“.

هكذا يتحدى فكر “ما بعد الحداثة” السرديات الكبرى، سواء كانت سياسية، اجتماعية، أو دينية. “وبالنتيجة فإن المسيحية باعتبارها إحدى هذه السرديات، تعتبر طريقة غير مقبولة في تفسير العالم.”[9].

لذلك، الاستفادة من مناخ ما بعد الحداثة الذي لا يؤمن بصدق أو خطأ هذا المفهوم أو ذاك، بل بما إذا كان قابلًا للتطبيق، وتحترم فيه المشاعر الفردية في إطار الجماعة، لتصبح كل “تفسيرات الحقيقة بما فيها المنظور المسيحي، هي صحيحةً بذات القدر الذي تكون فيه غير صحيحة”.[10]

 8- الهوية الإسلامية وأمريكا ما بعد الحداثة

المقال الثامن حمل عنوان “الهوية الإسلامية وأمريكا ما بعد الحداثة“، وهي دراسة قيمة لمؤسسة دار الإسلام تناولت إشكاليةَ الهوية الإسلامية في ظل المتغيرات الكبرى التي يعيشها المجتمع الأمريكي. وكيفية الحفاظ على الممارسات الإسلامية والعناية بها، في ظرف حداثي يتميز بسيادة المفارقات والتمرد على القيم والانصياع للأيديولوجيات المغرية بالتعددية، ووهم الحرية ومختلف تلاوين الحياة الثقافية الأمريكية التي تحاول أن تهدم خطوطَ دفاع الأفراد وتحولهم من أفراد فاعلين إلى كائنات مفعول بها.

وتبين الدراسة كيف أن التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعيشها المجتمع الأمريكي، تجبر الإنسان على معالجة تدفق متسارع للمعلومات التي تخاطبه، بما سماه الإمام الغزالي رحمه الله “بالنفس الأمارة”. مما يترك آثارًا سلبية على اهتمامات وحاجيات الإنسان المسلم الأساسية، متحملًا آثارها الفيزيائية، النفسية والسلوكية السلبية، محاولة منها لتشكيل مفهوم جديد للذات الإسلامية.

لقد أضافت حقبة ما بعد الحداثة معنًى جديدًا للذات، فالتطورات التكنولوجية الكبرى ووسائل الاتصال عملت على توطيدِ علاقات مسلمي أمريكا الشمالية مع غيرهم – غير المسلمين – أكثر من آبائهم وأجدادهم، وأسكنتهم أشباح جديدة وخلقت لهم وضعًا اجتماعيًّا وثقافيًّا “تتنافس فيه الأصوات المختلفة لكينونتهم المتشعبة اجتماعيًّا، وتشتغل تلك الأصوات جاهدة لتقويض أي خطوة تتخذ نحو تشكيل هويتهم.

هكذا تواجه عملية تشكيل الهوية الإسلامية صعوباتٍ جمة، في مجتمع أصبحت فيه “النفس اللوامة” تعدديةً، وتحول فيه الشك إلى عقيدة أمريكية جديدة، تتربص بالقدرات الداخلية للشباب وتمس قدرتهم على معرفة حدود الهوية الإسلامية وأهمية الحفاظ عليها.

ورغم تعدد الإكراهات المذكورة، فإن مجرد إدراك الشباب المسلم لأهمية العبادة، وتحويله لها إلى أولوية وهدف أساسي في وجوده الإنساني، سيواجه بقوة آليات الإدماج.

وكلما زادت المعرفة بالفقه الإسلامي وامتلاك مضامينه، زاد اليقين بأهمية العبادة وجدواها في الممارسة اليومية. لكن الكثير من الشباب المسلم في أمريكا في حاجة إلى التغذية الذاتية لمعرفتهم لدينهم، لربطه الحياةَ بإيقاع حياتهم اليومية.

 9- الكونية الأحادية والخيال ما بعد الحداثي

المقال التاسع جاء تحت عنوان “الكونية الأحادية والخيال ما بعد الحداثي” لسوزان ماير، يدرس مكانة “التخيل” الإنساني في مجتمع ما بعد الحداثة. والمفارقات التي تصاحب عملية التخيل، وكذلك المخاوف الناتجة عنها، والتي ما لبثت أن طبعت الحياة المعاصرة بمختلف تحدياتها وإكراهاتها.

فالتخيل في التصور الشائع والمتداول يقود معناه للدلالة على الأشياء غير الحقيقية، وتبدو لنا الأشياء حقيقية، منطقية وعقلانية، لا لشيء سوى لأننا متفقين ضمنيًّا على اعتبارها كذلك، وما يقع خارج حدود عالم أذهاننا فهو غير صادق.

إنه عالم من اللايَقِين، يتسع لانتشار الفكر التشكيكي ليشمل الكثيرَ من المؤسسات الدينية منها، والاجتماعية والسياسية. فبعدما نشأ المجتمعُ الغربي في عالم آلي أنجب العلمَ والثورة الصناعية وحاربَ الخرافة، وحول القيم الدينية إلى قيمٍ للتسامح، وساهم هذا النموذج الثقافي إلى الانتقال به من نموذج مجتمعي حداثي حيث التاريخ يبدو واقعيًّا والأحداث حتمية وواضحة.

الآن يجد هذا المجتمع ما بعد الحداثي نفسه في عالم متخيل تسكنه المخاوف، لأن التاريخ لم يبق موضوعيًّا وواقعيًّا، وسياقه الثقافي مخالف تمامًا لواقعيَّته، وكأن الأمر يتعلق بمحاولة لإفراغ محتويات الحداثة وإبراز انحيازاتها الخفية وافتراضاتها غير الواعية التي ترفض النموذج الميكانيكي للعالم الطبيعي، لتسافر إلى عالم لا تعيش فيه النماذج البديهية طويلًا.

والسؤال الذي يطرح الآن، حسب الكاتبة، “ليس ذلك المتعلق بالكيفية التي سيؤثر بها الخيال ما بعد الحداثة على الدين الليبرالي، بل كيف تهز ما بعد الحداثة أسسَ الكنيسة الليبرالية”[11].

10- ما بعد الحداثة وإحياء التقليد الفلسفي

ما بعد الحداثة وإحياء التقليد الفلسفي” لف. ل. جاكسون، هو عنوان المقال العاشر من سلسلة المقالات التي أسست محتويات هذا الكتاب. يلامس فيه الكاتب مكانةَ الفلسفة والتقاليد الفلسفية اليوم، التي تواجه اعتقادًا شعبيًّا يقول بنهايتها، ويتوافق مع رأي الفيلسوف نيتشه القائل بأن “الفلسفة قد ظلت، بل وأفسدت، سواء في نظرتها أم في روحيَّتها”[12].

وخلافًا لذلك القول، يدعو الكاتب إلى الاعتراف بأن عصر ما بعد الحداثة هو عصر الحرية الفكرية، مما حوله إلى عصر أكثر فلسفية، و”… التحدي الحقيقي هو فهم هذا التقليد ما فوق الحداثي في تدمير الفلسفة ودوافعه” [13].

علمًا بأن القرن العشرين قد شهد عودةً قويةً إلى الفلسفة؛ نظرًا لكون التقليد الفلسفي بأكمله ينطوي على ” تشكيك ذاتي” تستند إليه في تشييد تلك العودة، لا لشيء إلا لكونِه يساير اهتماماتها الفلسفية من جهة، ويتوافق مع ادعاء ما بعد الحداثة القائل: “إنه لا يوجد اعتقاد جازم يضع حدًّا للفكر؛ لأن كل هذه الاعتقادات هي أيضًا نوعٌ من التفكير”[14].

أما الأصوات التي تشبثت كليةً بفكرة “موت الفلسفة”، قد وجدت صعوبة في إثبات ادعاءاتها، فهي في حاجة ماسة إلى المنطق الفلسفي وإلى الفلسفة ذاتها للقول بذلك.

11- تفكيك عالم ما بعد الحداثة

المقال الحادي عشر للكاتب حيدر عيد عنونه بـ”تفكيك عالم ما بعد الحداثة“. يلامس هو الآخر سمات عالم تؤسسه تحولات عميقة شهدها المجتمع الغربي، شككت بسردياته الكبرى وفتحت الباب لما بعد البنيوية ولنزعات تشكيكية وتفكيكية للحقيقة والقيم، وأفرغتها من مضامينها السابقة، وأصبحت الوقائع مجرَّدَ لغةٍ ونصٍّ قائمٍ بذاته يُمكن تفكيكُه، ولم يعد هناك معنى ثابت، فكل شيء قابل للتفكيك بما في ذلك السلط الإبستمولوجية والسياسية.

وتقف مقابل هذا التصور أطروحةٌ معارضة ترى أن كلَّ الدلالات مجالٌ للصراع الطبقي، وأن النزعات التشكيكية والتفكيكية المناهضة لثقافة الأنوار “تتبع بدون دراية قضايا ميتافيزيقية وما فوق بنيوية بدلًا من حصر قضاياها في الرأسمالية الصناعية والاستهلاكية”[15]. وبدت لها ما بعد البنيوية كتيار يفتقد إلى الوعي التاريخي والبرنامج السياسي والرؤية الاجتماعية النقدية وعجزها عن تحديد بديل لمكتسبات الحداثة.

12- ما بعد الحداثة والأبعاد السياسية لعلم النفس النسوي

يسائل المقالُ الأخير “ما بعد الحداثة والأبعاد السياسية لعلم النفس النسوي” لإليكسا هيبورن مدَى إمكانية استفادة علم النفس النسوي من الأعمال الفلسفية لما بعد الحداثة؛ خصوصًا أعمال الفيلسوف الفرنسي جان فرانسو ليوتار، باعتباره أول من أدخل ما بعد الحداثة إلى الفلسفة والعلوم، وعبَّر عنها منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين، وكذلك أعمال جاك دريدا حول أهمية اللغة في تحليل وفهم البِنى اللغوية التي تخدم المصالحَ الأيديولوجية الأبوية. وكذلك لبناء فرضيات جديدة بعيدًا عن الطروحات الكلاسيكية.

 13- ما بعد الحداثة وتفكيك التفسير الاجتماعي: الصراخ المرتقب للطفل

ما بعد الحداثة وتفكيك التفسير الاجتماعي: الصراخ المرتقب للطفل“، هو عنوان المقال الثالث عشر دون ذكر اسم الكاتب. وينصبُّ على نقد ما بعد الحداثة كنظرية قائمة “على أنطولوجيا الاختلاف” وكمنهج للتفكيكِ بغية إعلاء الخصوصية والقيمة الفردية، كل ذلك مصاغٌ في لغة متدفقة يملؤها التعميمُ والتناقضُ والغموضُ.

والغاية من كل ذلك، حسب الكاتب، هو نقدُ التنوير والانتقام منه، وكان فكرُ ما بعد الحداثة هو “طفلًا لقيطًا له أفق عدمي، تجاويفه في كنه فلسفة فردريك نيتشه[16]. حيث اليأس والإحساس “بالخذلان” لعدم تحقق التقدم الموعود الذي وعدت به فلسفات التنوير.

يبدو فكر ما بعد الحداثة للكاتب سواء في بعده النظري أو في شكله المنهجي، كفكر يعفي نفسه من فرص التعلم والتأمل، ويحصر نفسه في العناية بمبدأ يعتبره عبارةً عن محتوى لغوي. وكان فكر ما بعد الحداثة عبارة عن سيمفونية غير منتهية، أو مجرد خيال متدفق من شدة اليأس والحرمان.

13- الأرثوذكس في مجتمعات ما بعد الحداثة المتعددة

الأرثوذكس في مجتمعات ما بعد الحداثة المتعددة” لتوماس هوبكو، يفسر تأثير التحولات الاجتماعية لما بعد الحداثة على حياة الأرثوذكس، ويلاحظ أن التعددية الفكرية التي سادت في أمريكا المعاصرة لا زالت موجودةً الآن كقيمٍ تخدم التسامحَ الدينيَّ والمساواة وحقوق الأقليات العرقية.

لكن بعض القضايا الأُخرى مسَّها التغيير كالعلاقة بين الإيمان والعلم، بين الحرية والسلطة، وسادت قناعات جديدة حوَّلت المسيحية إلى مجرد ديانة شخصية، ورغم أن الطقوس الدينية للمسيحية الكلاسيكية لا زالت قائمةً، إلا إن محتوياتها قد تغيرت متأثرةً بالتفكيكية وقيمِ الاستهلاك.

14- التوبة الإبستمولوجية استجابة لما بعد الحداثة

التوبة الإبستمولوجية استجابة لما بعد الحداثة” هو عنوانُ المقال الأخير، يقترح فيه جيري شيرمان تفعيلَ ما أسماه “بالتوبة الحيادية” في ميدان الإبستمولوجيا كبديل متاحٍ للباحث الأكاديمي المسيحي؛ قصد الاستجابة الإيجابية لتأثيرات أفكار ما بعد الحداثة واستدراجها، خصوصًا فكرة ما سماه بـ”الفهم الوثني” للعالم القائم على السيطرة والمعرفة التكنولوجية، وتوظيفها بطريقة حيادية خدمة للتقاليد الإنجيلية، لمواجهة تحديات الجوانب التشكيكية في فكر ما بعد الحداثة المعادية للمنظور المسيحي العالمي وقيمه التقليدية.

وادعاء ما بعد الحداثة بكون العدالة هي القوةَ فقط وليست شيئًا آخر، وأن الحقيقة ليست سوى رؤية ذاتية متفردة ومتشظية.

الهوامش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  – د. حارث محمد حسن، ود. باسم علي خريسان، ما بعد الحداثة دراسة في التحولات الاجتماعية والثقافية في الغرب، دار ابن النديم للنشر والتوزيع ودار الروافد الثقافية – ناشرون، 2018.

[2] – د. حارث محمد حسن ود. باسم علي خريسان، ما بعد الحداثة دراسة في التحولات الاجتماعية والثقافية في الغرب، دار ابن النديم للنشر والتوزيع ودار الروافد الثقافية – ناشرون، 2018، ص 29.

[3] – المرجع السابق، ص 30.

[4] – المرجع السابق، ص 38.

[5] – المرجع السابق، ص 38.

[6] – المرجع السابق، ص 4.

[7] – المرجع السابق، ص 66.

[8] – المرجع السابق، ص 76.

[9] – المرجع السابق، ص 88.

[10] – المرجع السابق، ص 89.

[11] – المرجع السابق، ص 122.

[12] – المرجع السابق، ص 130.

[13] – المرجع السابق، ص 130.

[14] – المرجع السابق، ص 133.

[15] – المرجع السابق، ص 168.

[16] – المرجع السابق، ص 190.

image_print
الوسوم: , , ,
باحث مغربي مهتم بالمقاربات المعاصرة للبحث وسوسيولوجيا المهن.

مواد ذات صلة

أضف تعليقك

avatar