مفهوم الشريعة في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر ..

مفهوم الشريعة في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر ..

بين المنظور السلفي المقاصدي والمنظور السلفي النصي.

 

مفهوم الشريعة في المجال التداولي العربي الإسلامي:

الشريعة، في المجال التداولي العربي الإسلامي، مفهوم حمَّالُ أوجهٍ، بل ومن أكثر المفاهيم قابليةً للتأويل. فعلى الرغم من الإيهام بوضوح المفهوم، لغةً واصطلاحًا، فإن هذا الوضوح المفتعل سرعان ما ينجلي عن غموض يفتح المجال واسعًا أمامَ المرجعيات الأيديولوجية المختلفة، لشحن المفهوم بشحنات دلالية قد تصل أحيانًا إلى حدود التضارب.

وفي علاقة بالفكر الإسلامي الحديث، نجد هذه الممارسة التأويلية، لمفهوم الشريعة، تؤثِّر على مستوى الممارسة العملية، بحيث ساهمت في تشكيل جماعات أيديولوجية مختلفة، تدّعي جميعها تمثيلَ المرجعية الإسلامية التي تقوم على أساس تطبيق الشريعة، لكن عندما نعود إلى تصوُّر هذه الجماعات لمفهوم الشريعة نجد تضاربًا واضحًا، فمثلًا هناك اختلافٌ جذريٌّ بين التصوُّر السلفي النهضوي، ذي التوجه المقاصدي، الذي يقوم على أساس الكليات الخمس من منظورِ قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد، وبين التوجُّهِ السلفي النصي الذي يكتفي بظاهر النص ويسعَى إلى تنزيله على أرض الواقع على شكل توجيهات قانونية شكلانية ترتبط بتطبيق الحدود.

وإذا عُدنا إلى تجربة الفكر السياسي الإسلامي الحديث، باعتباره وليدَ توجه عام نحو تطبيق الشريعة، فإننا نجد هذا المتنَ الفكريَّ جزءًا من التصورات السائدة عن مفهومِ الشريعة ذاتِه، ولذلك فإن المتنَ الفكري الإسلامي الحديث لا يخرج عن سياقين مختلفين لمفهوم الشريعة:

السياق السلفي المقاصدي، وقد ارتبط بالفكر النهضوي، خلال مرحلة القرن التاسع عشر، وهو سياق ذو طابعٍ تأسيسيٍّ؛ لأنه كان سبّاقًا إلى طرح مفهوم الشريعة في السياق التداولي العربي الإسلامي الحديث، من منظورٍ مغايرٍ لما كان سائدًا خلال مرحلة الانحطاط، التي امتدت من القرن الخامس عشر إلى حدود القرن التاسع عشر الميلادي؛ وذلك لأنه دشن عودة مبدعة إلى المتن الأصولي (علم أصول الفقه) الذي أسّسه الشاطبي.

وقد شكل إحياء المنهج الأصولي المقاصدي، خلال هذه المرحلة التاريخية، بدايةَ تأسيس تصور فكري وسياسي جديد؛ كاستجابة للتحديات المفروضة من طرف الحركة الاستعمارية التي قلبت التوازنات السائدة، ومثلت تهديدًا وجوديًّا للامتداد الحضاري العربي الإسلامي، لذلك كان سلاح المواجهة يرتبط بالعودة إلى الأصول الأولى للإسلام باعتماد أدوات منهجية جديدة، وضمن هذا السياق حضر مفهوم الشريعة، بقوة، وشكل مكونًا أساسيًّا ضمن المتن الاجتهادي النهضوي.

السياق السلفي النصي، ويشكل امتدادًا للنسق الفكري الإسلامي ما-قبل النهضوي، في علاقة بمرحلة الانحطاط. وقد حاول مفكرو النهضة تجاوزَه عبر العودة إلى الأصول الأولى للاجتهاد الإسلامي، في علاقة بعلم أصول الفقه. لكن إجهاض المشروع النهضوي فتَح الباب واسعًا أمام عودة المكبوت السلفي النصي ليكتسح الفضاءَ الفكريَّ والسياسيَّ، من جديد.

وقد تمَّ تدشينُ هذه العودة من خارج المجال التداولي العربي؛ حيث يُعتبر أبو الأعلى المودودي (مؤسس الجماعة الإسلامية في الهند) من أوائل المفكرين الإسلاميين، الذين سعوا إلى القفز على المشروع النهضوي، ذي الأبعاد المقاصدية، والعودة إلى المقاربة النصية للمتن الديني الإسلامي، وبعد ذلك تم نقلُ التجربة إلى العالم العربي من خلال أدبيات جماعة الإخوان المسلمين، التي بدأ صياغتُها الشيخ حسن البنا، واكتمل المشروع، بعد ذلك، مع سيد قطب الذي تَمكّن من نقل تصوُّر المودودي ونشره، تنظيرًا وممارسةً.

التصور السلفي المقاصدي:

لعل أبرز خاصية ميزت الفكر السلفي المقاصدي، خلال القرن التاسع عشر، هي طبيعته الإبستمولوجية التي ربطت الخللَ السياسي والاقتصادي والاجتماعي، في الواقع العربي الإسلامي، بالخلل الذي أصاب آليات التفكير؛ وذلك من منظور أن نوعية الممارسة في الواقع العملي تُشكل امتدادًا مباشرًا لآليات معينة في التفكير والتصور, ولذلك فقد ركز النهضويون، في ممارستهم الفكرية، على محاولة إحداث اختراق في البنية الفكرية السائدة، عبر محاربة كل خصائص مرحلة الانحطاط السابقة، القائمة على أساس التقليد والاجترار، مع الدعوة إلى الاجتهاد، في قراءة النص الديني، كمدخل أساسي لخلق بنيةٍ فكريةٍ جديدة، تكون بمثابة الأرضية اللازمة لبناء تصور سياسي واجتماعي جديد.

ولعل هذا التوجه الإبستمولوجي هو الذي وجَّه، من قبل، الإمامَ الشاطبي في تأسيسه لعلم أصول الفقه، ولذلك يمكن اعتبار أن الأساس النظري للفكر السلفي النهضوي يستمد قوتَه من التصور المقاصدي، فقد كان توجُّه الإمام الشاطبي، في عصره، نحوَ تحقيق تحول نظري من عقلية التلقين والتقليد والجمود، التي سيطرت على القرن الثامن الهجري وساهمت في زعزعة الأسس الحضارية العربية الإسلامية، إلى عقلية التفكير والاستنتاج والاستدلال والاستقراء والتحليل والنقد والموازنة والاستشراف المستقبلي، وهي آليات بإمكانها أن تُساهم في  إحداث تحوُّلٍ فكريٍّ سرعان ما يترجم على شكل تحول سياسي واجتماعي.

لقد كان الإمام الشاطبي، وهو يؤسس علم أصول الفقه،  يُعبِّر عن موقف فكري ذي طبيعة علمية تجاه عصره، ولذلك لم ينشغل بتفاصيل الأحداث الجارية بقدر ما انشغل بالآليات الفكرية المتحكمة في هذه الأحداث.

إن الإمام الشاطبي، وهو يوظف هذه المقاربة الإبستمولوجية، لم يتعامل مع المتن الديني الإسلامي كنصوصٍ مفكَّكة يُوجِّه كلَّ نص منها جانبًا من جوانب الحياة الواقعية، كما هو الشأن مع المقاربة السلفية النصية، ولكنه ركَّز في المتن الديني على المقاصد الكبرى المرجو تحقيقها لخدمة الوجود الإنساني على الأرض، وذلك من منظور قاعدة توجيهية، في غاية الأهمية، هي قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد، وتمثل هذه القاعدة جوهرَ المشروع المقاصدي عند الشاطبي، وهذا ما نجده يؤكد عليه بقوله: “إن استقراءنا لأحكام الله تعالى ولجزئيات تشريعه جعلنا نقتنع، لا محالة،  بمراعاة الله لمصالح عباده لوجود هذه المصالح بارزةً في كثير من الآيات القرآنية”.[1]

وهكذا نجد الإمامَ الشاطبي، وهو يستقرئ أحكامَ الله تعالى وجزئيات تشريعه، لا يسعى إلى مقاربة معطيات واقعية يتحكم فيها النصُّ ويوجهها، مما يجعل الحركية الإنسانية في الواقع العملي نسخةً عن واقع سابق قاربه النص القرآني من منظور أسباب النزول، ولكنه يركز على استخلاص مبدأ تشريعي عام يتحكم في جزئيات التشريع ويوجهها، وهو مبدأ “مراعاة الله لمصالح عباده” مما جعل الفكر المقاصدي يذهب إلى أنه حيثما كانت مصالح العباد فثمة شرع الله.

ولعل ذلك هو ما يؤكده الشيخ الطاهر بن عاشور، حينما يعتبر أن المقاصد هي حصولُ المصالح أو درء المفاسد لمناسبة الأحكام لتلك المقاصد الشرعية.[2]

إن هذه الروح المقاصدية هي التي وجَّهت الفكر السلفي الإصلاحي، خلال مرحلة القرن التاسع عشر، وتحكمت في  رواده وهم يقاربون مجموعةً من القضايا السياسية والاجتماعية لعصرهم، فقد  تعاملوا مع النص الديني من منظور التركيزِ على روح الشريعة وليس من منظور ظاهر النص، وذلك ما يعبِّر عنه مفهوم ” الاجتهاد” الذي هو نظر في الفكر والشريعة بغية تقديم الحلول والأجوبة الشرعية على المستجدات التي تحدث في المجتمع الإسلامي”.

لكن مفهوم الاجتهاد، الذي يركز على النظر في الفكر والشريعة، ليس إلا مدخلًا لتأسيس مفهوم آخر، يعتبر امتدادًا لسابقه، وهو مفهوم التحديث الذي “يتعلق بالوجود الاجتماعي وما يرتبط به من أنماط الوجود السياسي والاقتصادي والقانوني والفكري”.[3]

هكذا يبدو أن التوجهَ المقاصدي، الذي اخترق المشروعَ الإصلاحي من الداخل، قد نجح في توظيف رُوح الشريعة الإسلامية، في مقاربة قضايا الاجتماع والسياسة من منظور تحديثيٍّ يتعامل مع المتن الديني كنصٍّ مفتوح على المستجدات التي تغزو الواقعَ السياسي والاجتماعي. ولذلك يبقى الواقع المتحرك هو أساسَ المقاربة المقاصدية، بينما يحضر النصُّ الديني كمُوجِّه لهذا الواقع. وبذلك تمَّ تجاوز المقاربة السلفية النصية التي تنظر إلى النص الديني كنص مكتمل الدلالة يتم استنساخه ولصقه في الواقع.

إن الشريعة، بهذا المعنى المقاصدي، لا تُقدم حقائقَ تامَّةً ونهائية، بل إن المتلقي المؤوِّل (المجتهد) هو الذي يِؤسِّس سيرورة الدلالة، عبر توظيف مؤهلاته القرائية في الاجتهاد، وعبر البحث في المتن الديني عن مسوِّغات قضايا الواقع المتحرك، وكل ذلك من منظور ربط الواقع المتغير والمُتحوِّل بأحكام دينية جديدة تنسجم مع سيرورة التغيير السياسي والاجتماعي.

وتبدو آثارُ هذه المقاربة المقاصدية واضحةً في المتن الفكري، الذي خلفه رواد الفكر السلفي النهضوي، فعلى المستوى السياسي، مثلًا،  قاد الشيخ علي عبد الرازق ثورة على الاستبداد السياسي الذي كان يلتحف عباءةَ الدين، و ذلك حينما وظّف قراءته المقاصدية، لروح الشريعة الإسلامية، في كشف عورة ما كان يُسمى بنظام “الخلافة”.

فبعد استقرائه للنصوص الدينية، يصرح  بكل موضوعية علمية، أن الدين الإسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون، وبريء من كل ما هيأوا حولها من رغبة ورهبة، ومن عزة وقوة، والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلا ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة[4].

ولعل نفس هذه المنهجية المقاصدية هي التي قادت مجموعةً أخرى من رواد الفكر السلفي النهضوي، في المشرق والمغرب، إلى التأسيس لعهد جديد قوامه الاجتهاد في قراءة النص الديني من أجل الاستجابة للتحديات التي فرضتها التوازنات الجديدة في العالم، وهذا ما مكَّنهم من تدشين البوادر الأولى للحركة التحديثية الجديدة في العالم العربي، وهي حركة استطاعت تحقيق التوازن بين الاستجابة لتحديات العصر الحديث من جهة، والالتزام بروح التشريع الإسلامي من جهة أخرى.

التصور السلفي النصي:

ارتبط التصور السلفي النصي، في التاريخ العربي الإسلامي، بالتراجع الحضاري الذي عاشه العرب المسلمون، خلال فترات تاريخية متعددة، فكلما توقفت الحركية السياسية والاجتماعية، إلا وتزامن ذلك مع جمود في حركية الفكر. ومن الثابت، تاريخيًّا، أن الفكر الإسلامي قد تمحوَر حول النص الديني ” فالقراءات والتفسير والنحو والبلاغة وعلم الكلام والفقه وأصوله…علوم نشأت لفهم النص القرآني، ولتأويله بما يخدم الأهداف المسطرة فيه، بوصفه دستورًا ودليلًا للعبادات والمعاملات والسلوك والعلاقات بين الأفراد والجماعات داخل الأمة”[5]. وهذا ما جعل جمودَ الحركية الفكرية ينعكس، بشكلٍ مباشر، على تلقِّي النص الديني، حيث غلب التلقي النصي كتعويضٍ عن تراجع الكفاية المنهجية اللازمة للتلقي العلمي.

إن حديثنا، هنا، يتعلق بالمرحلة اللاحقة لإجهاض المشروع النهضوي، ذي التوجه المقاصدي، وهذه المرحلة لا تختلف عن مرحلة الانحطاط السابقة عليها، والتي تميزت بجمود في حركية الفكر؛ مما انعكس، بشكل مباشر، على منهجية تلقي النص الديني، حيث سيطرت المقاربة النصية التبسيطية التي تتعامل مع الشريعة الإسلامية كأحكام قانونية جاهزة للتطبيق بنفس المنهجية، بغض النظر عن تحولات الزمان والمكان.

وقد تم تدشين هذه المرحلة، ضمن التاريخ الإسلامي الحديث، خارج المجال التداولي العربي، وذلك مع تجربة الجماعة الإسلامية، في الهند، والتي قادها أبو الأعلى المودودي منطلقًا، في ذلك، من تصور سلفي نصيٍّ لا يمتُّ بصلة إلى التراث النهضوي، بل يُؤسِّس لنكوص فكري إلى تراث عصر الانحطاط.

في تصوره للخلافة الإسلامية، ينطلق أبو الأعلى المودودي من تصوُّر سلفي نصي، يعتبر أن الحكومة الإسلامية موجودةً “بالقوة” بين ثنايا المتن الديني، أما المطلوب، راهنًا، فهو إخراجها إلى حَيِّز الفعل، ولذلك نجد المجهود النظري الذي قام به المودودي يقتصر على جميع كافة آيات المتن القرآني التي تلقي الضوء على مسائل السياسة الأساسية، ثم قام بترتيبها لتظهر صورة الحكومة الإسلامية التي يريد كتاب الله إقامتها[6].

ولعل تمحيص النظر في تصور المودودي لمفهوم الحكومة الإسلامية، ليشي بأن الفكر السلفي النصي قد تجاوز، بجرة قلم، كل التراث المقاصدي، سواء في صيغته التأسيسية مع الشاطبي أو في صيغته الحديثة مع الفكر السلفي النهضوي، وهذا ما كان يؤسس لعودة جديدة إلى تصور عصر الانحطاط لمفهوم الشريعة الإسلامية، باعتبارها مجموعةً من النصوص الدينية المصفوفة إلى جنب بعضها، حيث يستدعى منها عند الحاجة النصوصَ التي تُجيب على الواقعة لفظًا وشكلًا أكثر ما تستوعب أبعادها ومقاصدها.

وضمن هذا السياق نجد المودودي يؤسس لمفهوم “الحاكمية الإلهية”، الذي يَنفُذ إليه باعتماد مقدمة منطقية ذات طبيعة استقرائية، وظَّف خلالها المودودي قراءةً انتقائية لمجموعة من الآيات القرآنية التي ساعدته على بناء تصوره النظري حول مفهوم “الحاكمية الإلهية”.  ينطلق المودودي، في البداية، من مسلمة أنطولوجية؛ هي أن الله تعالى هو خالق الكون كله، وخالق الإنسان وسائر الأشياء، وهذه المسلمة قادته إلى بناء مسلمة جديدة، هي أن الله هو مالك هذا الخلق وحاكمه ومدبر أمره. وفي الأخير يعلن المودودي عن النتيجة، وهي أن الحاكمية في هذا الكون ليست لأحدٍ غير الله[7].

وكما يبدو، فإن المودودي يخلط بين مرجعيات مختلفة، في تأسيسه لمفهوم الحاكمية الإلهية، فهو ينطلق من مقدمة منطقية تقوم على أساس مسلمة أنطولوجية يجمع عليها كل المؤمنين من جميع الديانات، ليصل إلى تأسيسِ نتيجة ليست من جنس المقدمة، وهي نتيجة ذات طابع سياسي عملي يرتبط بالحكومة الإسلامية، رغم أن المودودي يستبدل “الحكومة” المقصودة في التحليل بـ”الكون” كمفهوم مجرَّد وهلامي يُخفي أكثر مما يعلن.

إن هذا الطابع السياسي لمفهوم “الحاكمية الإلهية” هو ما يكشف عنه المودودي، بعد ذلك، بشكلٍ صريحٍ. وهو يؤكد أن “الحاكم الحقيقي للإنسان هو نفسه حاكم الكون”[8]. وهذا ما ينتج عنه أن “حق الحكم والقضاء ليس لأحد غير الله”[9]؛ فالله هو حاكم الكون وفي نفس الآن هو حاكم الدولة، وذلك ضمن ما يُسمِّيه المودودي بـ”حاكمية الله القانونية”.

إن المودودي، وهو ينتقل من الحاكمية الكونية إلى الحاكمية القانونية، يؤسس لمفهوم الدولة الدينية الكهنوتية، التي يقوم فيها الفقيه بدورِ المنظِّر الديني الذي يستنبط الأحكامَ الشرعية المتحكمة في الحركية الإنسانية على أرض الواقع، وبذلك يكون قد تجاوزَ وظيفة التنظير لينخرط، بشكلٍ فعليٍّ، في الإنابة عن سلطة السماء لتأسيس حكم مطلق على الأرض.

إن التنظير لمفهوم “الحاكمية الإلهية” لم يتوقف عندَ المتن الفكري الذي خلفه أبو الأعلى المودودي، بل إن الأمر قد تجاوز ذلك عندما تم استنساخ أفكار المودودي في المجال التداولي العربي، في علاقة بجماعة الإخوان المسلمين، وخصوصًا مع منظرها “سيد قطب” الذي تجاوزت أفكارُه حدودَ جماعة الإخوان في مصر، لتتحول إلى مُوَجِّه أيديولوجي لحركات الإسلام السياسي، ذات التوجه السلفي النصي، عبر العالم.

يتميز المتن الفكري، الذي خلَّفه سيد قطب، بقدرةٍ خارقة على الاستقطاب الأيديولوجي؛ وذلك لأنه ينطلق من تصور تراجيدي للمصير الإنساني على الأرض. فالعالم كله، في رأي سيد قطب،  يعيش إفلاسًا شاملًا، فالبشرية تقف على حافة الهاوية بسبب إفلاسها في عالم القيم، سواء في العالم الغربي الذي لم يعد له ما يعطيه للبشرية من القيم، أو في المعسكر الشرقي حيث تراجعت فيه الماركسية كفكرة، مما أدى إلى تراجع في مختلف مجالات الحياة[10].

وبعد وصفه لحالة الإفلاس الشامل، الذي توجد عليه البشرية، يخلص سيد قطب إلى أن العالم يعيش، اليوم،  كله في “جاهلية”، وما أدى إلى هذه الجاهلية، حسب سيد قطب، هو الاعتداء على سلطان الله في الأرض، وعلى أخصِّ خصائص الألوهية وهي ” الحاكمية”[11].

وهكذا نجد سيد قطب ينحو نفس منحى أبي الأعلى المودودي، بل ويستنسخ أفكارَه حرفيًّا، ولعل ما يجمعهما هو مبدأ “الحاكمية الإلهية”، التي انطلق كلٌّ منهما من ربطها بالبُعد الكوني، من منظورٍ أنطولوجي عامٍّ، لينتهيا معًا إلى ربطها ببعدٍ سياسي وقانوني، ذي صبغة سوسيولوجية عملية خاصة.

لذلك نجد سيد قطب ينسج على منوال المودودي، وهو يقدم تصوره السلفي النصي للخروج من حالة الجاهلية، والأمر في اعتباره لا يعدو أن يكون عودةً إلى نموذج السلف، عبر نسخه ولصقه في الواقع الراهن.

بل إن سيد قطب يتجاوز التبشير بالنموذج السلفي النصي، إلى العمل على صياغة نموذج خاص للتجربة السلفية، وهو بالتأكيد نموذج خارج سياق المشروع الإسلامي التقدمي، الذي بدأ صياغته الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، وأَتمَّه من بعده ثلة من العلماء المجتهـدين، ليستوي كنموذج متكامل، في الاجتهاد الإسلامي، مع علم أصول الفقه الذي أسسه الشاطبي.

لكن، سيد قطب لا يعترف بكل هذا التراث التقدمي، في الاجتهاد الإسلامي، ويحاول صياغة نموذج سلفي نصي يعبر عن طموحاته الأيديولوجية، أكثر ما يعبر عن حقيقة المشروع الحضاري الإسلامي. يعتبر سيد قطب أنَّ الحقيقة الدينية توجد في النبع الأول للإسلام، أما ما تلا ذلك فيعتبر دخيلًا على هذا النبع الأصلي، وهذا ما أدى، في رأيه، إلى اختلاط الينابيع، من فلسفة الإغريق ومنطقهم، وأساطير الفرس وتصوراتهم، وإسرائيليات اليهود، ولاهوت النصارى (…). واختلط هذا كله بتفسير القرآن الكريم، وعلم الكلام، كما اختلط بالفقه والأصول أيضًا[12].

وهكذا نجد سيد قطب يتعامل مع النص الديني خارج أي سياق تأويلي، باعتبار أن الحقيقة الدينية توجد في ظاهر النص وشكله، ولا تحتاج إلى القراءة التأويلية (الاجتهاد)، ولذلك فهو يُدخِل مجموعة من العلوم الإسلامية، المساعدة على قراءة وفهم النص الديني، ضمن الينابيع الدخيلة على النبع الأول. فكل من علوم التفسير، والكلام، والفقه، وأصول الفقه، قد تأثرت بالدخيل من الثقافات غير الإسلامية، وهذا ما يؤثر على قراءة النص الديني وفهمه.

إن ظاهر كلام المودودي، وهو يدافع عن أصالة النص القرآني، غير باطنه؛ وذلك لأن المقصود من هذا المجهود التنظيري، هو محاولة عزل النص الديني عن التلقي العلمي، من أجل الاستفراد به وتوظيفه في السياق الأيديولوجي المخطط له، باعتباره أوامر إلهية عليا يوجهها خليفة الله في الأرض إلى عامة الناس لتحقيق المشروع الإسلامي المنشود، وهذا المشروع لا يتجاوز، طبعًا، حدود الدولة الدينية في طابعها الكهنوتي الشمولي.

وذلك ما يعبر عنه سيد قطب، بشكل صريح، وهو يستعيد نموذجَ الجيل الإسلامي الأول كحالة قابلة لإعادة الإنتاج في الزمن العربي الإسلامي الراهن.

“إن الجيل الأول كان يتلقى القرآن ليتلقَّى أمر الله في خاصة شأنه وشأن الجماعة التي يعيش فيها، وشأن الحياة التي يحياها هو وجماعته، يتلقى ذلك الأمر ليعمل به فور سماعه، كما يتلقى الجندي في الميدان “الأمر اليومي” ليعمل به فور تلقيه”![13].

في الحاجة إلى الموضوعية العلمية:

إذا كنا قد انطلقنا، في البداية، من فكرة أن مفهوم الشريعة حمّال أوجُهٍ، فإن مقاربتنا لنموذجين فكريين، ضمن الفكر الإسلامي الحديث، يثبت أن استحضار الشريعة الإسلامية، كمدخل للإصلاح، ليست فقط دعوة سلفية نصية، ولكنها أيضًا دعوة سلفية مقاصدية.  فإذا كان التصور النصي يتعامل مع الشريعة من خلال ظاهر النصوص التي يسعى إلى ربطها، بشكل ميكانيكي، بالواقع العملي، فإن التصور المقاصدي يسعى إلى التركيز على روح التشريع الإسلامي، من منظور قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد، هذه القاعدة التي ربطت الشريعة بحماية الكليات الخمس من منظور أن الشَّرع يوجد حيثما وجدت مصلحة الأفراد والجماعات.

لذلك، يجب على الباحث الموضوعي أن يمارس، في علاقته بموضوع الشريعة، نقدًا مُزدَوَجًا على تيارين فكريين/أيديولوجيين، في المجال التداولي العربي الإسلامي. من جهة أولى يجب نقد وتفكيك الأطروحة الإسلاموية التي تسعى إلى توظيف قراءتها الشكلية/الظاهرية لنصوص الشريعة الإسلامية، بهدف تكريس الاستبداد السياسي باسم الدين.

ومن جهة ثانية يجب نقد وتفكيك الأطروحة العلمانوية (laïcisme)؛ سواء في لباسها الليبرالوي أو في لباسها اليساروي، هذه الأطروحة التي تضرب عرض الحائط بكل منجزات التفكير الإبستمولوجي الحديث، حينما تدعو إلى اجتثاث واستئصال مكونات الخصوصية الحضارية العربية الإسلامية، في مجال القيم والتشريع.

وفي مقابل ذلك، يجب توظيف آليات المنهج العلمي كمصفاة لعزل مكونات التصور الأيديولوجي عن مكونات التصور العلمي؛ لأن الحضارة العربية الإسلامية لم تُخلِّف، فقط، تراثًا أيديولوجيا يجب نقده وتفكيكه؛ للكشف عما يعتريه من خلل على مستوى التفكير والممارسة، ولكنها خلفت كذلك تراثًا علميًّا، يجب التعامل معه بأخلاقيات البحث العلمي، القائمة على أساس الاعتراف، وتأسيس اللاحق بناء على السابق.

الهوامش: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]– أبو إسحاق الشاطبي، “الموافقات”، تحقيق عبد الله دراز ، ط:2- 1975م، ج: 2، ص: 2

[2] – محمد الطاهر بن عاشور، “مقاصد الشريعة الإسلامية”، الشركة التونسية للنشر والتوزيع – تونس، ط: 3 ،1988م، ص.17.

[3] – سعيد بنسعيد العلوي، “الاجتهاد والتحديث: دراسة في أصول الفكر السلفي في المغرب”، سلسلة الفكر العربي المعاصر ، منشورات، مركز دراسات العالم الإسلامي، ع: 3، ص: 16.

[4]– علي عبد الرازق، “الإسلام وأصول الحكم”، الهيئة المصرية العامة للكتاب- ص: 103.

[5]– سالم يفوت، “حفريات المعرفة العربية الإسلامية، التحليل الفقهي”، دار الطليعة – بيروت، 1990م، ص:5.

[6]  – أبو الأعلى المودودي، “الخلافة والملك”، تعريب: أحمد إدريس، دار القلم، ط: 1- 1978م، ص: 7.

[7] – نفس المرجع، ص: 9-12.

[8] – نفس المرجع، ص: 13.

[9]– نفس المرجع، ص: 14.

[10]– سيد قطب، “معالم في الطريق”، دار الشروق، ط:6- 1979م، ص: 3-4.

[11]– نفس المرجع ، ص: 8.

[12]– نفس المرجع ، ص: 14.

[13]– نفس المرجع ، ص: 14-15.