مقال: في القيمة المعرفية للتأويل

الصورة
التأويل

لقد كان لهذا التقليل من وجاهة التأويل بصورة مكشوفة تارة ومضمرة تارة أخرى أثرٌ واضح في تأخرِ انفتاح الباحثين العرب على التأويليات (الهيرمينوطيقا herméneutique) في الفكر الكوني المعاصر.

على الرغم من الاهتمام المتنامي الذي أصبح يحظى به مفهوم التأويل في عدد من الأوساط البحثية العربية المشتغلة بالفلسفة والأدب والدراسات الثقافية والدينية وغيرها، فإنه ما زال يُنظر إليه مع ذلك في أوساط أخرى على أنه مجرد ضربٍ من "الرأي" الذي يُهتدى إليه من طريق الخواطر والتأملات الذاتية، وليس من طريق إعمال البحث والاستدلال العلمييْن. إنه لا يعدو أن يكون في تصور هذه الأوساط سوى مجالٍ تسود فيه الأهواء، وتطغى عليه الانطباعات والتقويمات غير الموضوعية.

 هذه النظرة التي ما انفكت تُمعن في تجريد التأويل من ملمح "العلمية" (scientificité) وتقضي بأنه امتدادٌ لاعتقادات "الحس المشترك" وآرائه المتضاربة، هي مظهر من مظاهر ترسُّبِ النزعة الوضعية (positivisme) وتحكُّمِها على نحو ساذج في طائفة من الكتابات المشكِّكة في القيمة المعرفية للتأويل. فبفعل التأثيرات المُبكِّرة لهذه النزعة في الخطابات العربية الأولى الداعية إلى الحداثة أصبح العلم (بمعناه الوضعاني) هو ما يمثل لها أكفى نموذج للعقلانية والموضوعية، وتواتر تبعًا لذلك اعتقاد دارجٌ يُسلِّمُ بأن أصدق الحقائق هي الحقائقُ المبلوغةُ في العلم؛ لأنها أوصافٌ وتمثيلات "مشتقة" من الواقع و"متطابقة" معه. بل إن ما راج لاحقًا في السبعينيات وبداية الثمانينيات من مواقف أخرى مضادة للتأويل لم تخل بدورها من ميول وضعانية، ومنها أن المتقدمين من "البنيويين العرب" المتأثرين بالبنيوية في صيغتها الضيقة لمَّا نادوا بوجوب اعتماد الوصف القائم على مبدإ المحايثة (immanence)[1] في دراسة اللغات والنصوص وسائر الموضوعات الإنسانية استبعدوا في مقابل ذلك كلَّ انفتاح على التأويل؛ لكونه يستدعي أبعادًا خارجية تُقوض في اعتقادهم مبدأ المحايثة ، وتُفضي إلى نتائج تخرق متطلبات العلمية وتتعارض معها.

لقد كان لهذا التقليل من وجاهة التأويل بصورة مكشوفة تارة ومضمرة تارة أخرى أثرٌ واضح في تأخرِ انفتاح الباحثين العرب على التأويليات (الهيرمينوطيقا herméneutique) في الفكر الكوني المعاصر، وعدم احتكاكهم المُبكِّر بما صارت إليه من تحولات عميقة ومراجعات جذرية. كما أسهم إلى جانب ذلك في "التشويش" على التقاط الاعتبارات الفكرية التي دفعت بالتأويليات إلى واجهة الاهتمام، وارتقت بها إلى "ثقافة فلسفية" تشترك في الإفادة منها مختلف العلوم النصية، وتنهل من معينها فئةٌ واسعة من العلوم الإنسانية والاجتماعية[2]. ومع وضع كهذا تبددت جملةٌ من المكاسب التي كان بالإمكان تحصيلُها من استلهام ما تتيحه التأويليات من حوافز نقدية وإمكانات قرائية، سواء من جهة تجديد أنظارنا إلى منجزنا التأويلي القديم في مختلف تجلياته الدينية والدنيوية، أو من جهة توسيع تمثُّلاتنا الفهمية لنصوصنا وإبداعاتنا في الحاضر.

 يضاف إلى هذا أن الأعمال والدراسات العربية القليلة، التي كانت قد بدأت تظهر في بداية الثمانينيات مُنصبَّةً على التأويل قديمِه وحديثه، لم تُفض تلقائيًّا إلى التنبُّه من الوهلة الأولى لراهنية المنعطفات المعرفية التي أحدثتها التأويليات في صميم الفكر الإنساني، بل تطلبت امتدادًا من الوقت وتراكمًا من البحث. لذلك يبدو لافتًا اليوم كيف أُدرجت خلال تلك الفترة نظرية جمالية التلقي، التي أخذ عدد من الجامعيين في المغرب وتونس على عاتقهم مهمة تدريسها والتعريف بها، ضمن تخصص نقد النقد وليس ضمن تخصص التأويلية الأدبية. علمًا بأن نظريات التلقي هي من بين النظريات الجمالية المستوحاة من المكاسب التي جاءت بها التأويليات المعاصرة بوجه عام والتأويلية الفلسفية بوجه خاص، كما أنها خرجت من صلب إبدال تصوري جديد هو الإبدال التأويلي (paradigme herméneutique) الذي تشكل بعدما أمست عديد من مبادئ الإبدال البنيوي ومسلماته عرضةً للتأزيم والاستشكال نتيجة فقدانها كفايتَها التصورية، وعجزها عن إيجاد الحلول الملائمة لتعقيدات الظواهر المدروسة وتشعباتها البالغة. وهو الأمر الذي لم تتضح معالمُه إلا في فترات لاحقة، لتباطؤِ وتيرة التعرف إلى التأويليات في مرجعياتها الكونية مثلما ألمحنا إلى ذلك، ولتأخرِ الوعي بأهمية المقترحات والمكاسب الجديدة التي جاء بها الإبدال التأويلي[3].

 علاوة على هذا يبقى لافتًا أيضًا ما كان قد أُثير في بعض الأوساط الجامعية المشرقية من سجالات حادة في أوائل التسعينيات حول عَيِّنةٍ من الأعمال التي اهتمت بالتأويل عند القدماء على وجه الخصوص، وهي السجالات التي أعادت إلى الواجهة ذلك الصراع التقليدي الذي كان يُعلي من قيمة التفسير ويحد من فاعلية التأويل لا استنادًا إلى مسوغات معرفية، وإنما بتغليب مواقف وحسابات أيديولوجية واضحة[4]. وهو ما سنح للشُّبه التي كانت تُشاع حول عدم وجاهة التأويل بمواصلة سطوتها وتأثيرها، وحَجبَ بالموازاة مع ذلك بواعثَ التنبُّهِ لبعض ما يمكن للتأويليات أن تسهم به في تغيير عاداتنا الجارية في قراءة تقاليدنا التأويلية من خلال استكشاف ما تضمره من مكامن الثراء والاستنارة المعرفييْن، وتفكيكِ ما تنطوي عليه من بؤر التشدد والوثوقية.

من هنا ما كان بإمكان ذلك التفاعل المتأخر مع مكاسب التأويليات أن يساعد على سدِّ النقص الحاصل في دراسة المحتويات المعرفية التي تستند إليها برامجُ التأويل وتصوراته القديمة أو الحديثة.

من هنا ما كان بإمكان ذلك التفاعل المتأخر مع مكاسب التأويليات أن يساعد على سدِّ النقص الحاصل في دراسة المحتويات المعرفية التي تستند إليها برامجُ التأويل وتصوراته القديمة أو الحديثة، ولا كان بمقدوره أن يدشن على الأقل إرهاصات إيبستيمولوجيا قطاعية تتعامل مع الممارسات التأويلية على أنها ممارسات علمية تتوسل في الفهوم التي تهتدي إليها بآليات ومسالك إجرائية دقيقة. فعلى الرغم من كوننا ننتسب إلى إحدى أغنى الحضارات التأويلية التي عرفها التاريخ الإنساني، فإن الاختيارات السائدة إلى الآن في أبحاثنا حول التأويل لم تضع في صدارة انشغالها أيًّا من أسئلته الإيبستيمولوجية، ولم تحفل إلا فيما قل وندر بهذه الأسئلة سواء في تجربتنا التأويلية التراثية أو في الأزمنة التأويلية الحالية. هذا مع العلم أن القدماء تركوا لنا من المدونات التفسيرية، ومن المصنفات التي تُعنى بأصول التأويل وقواعده وآدابه ما يشكل أرضيةً خصبة يمكن البناء عليها في اقتراح مقاربات إيبستيمولوجية متجددة لعلومنا التأويلية؛ وهي المقاربات التي نعتقد أن جدواها لا تنحصر في رد الاعتبار لهذه العلوم فحسب، بل تمتد أيضًا إلى مراجعة مجموعة من المسبقات والأحكام الساذجة الملتصقة بماهية التأويل، والقاضية بأنه مجرد أهواءٍ وانطباعات ذاتية.

 ­

لذلك يغدو الوضع مثيرًا حين نلاحظ أن الاهتمام بالأصول المذهبية لتقاليدنا التأويلية هو الذي ما انفك يغلب على دراستها، في حين لم تحظ مرجعياتُها المعرفية بأيِّ قدر كافٍ من البحث والعناية. فإلى الآن لا نملك في المكتبة العربية المعاصرة لا دراسات إيبستيمولوجية عامة تُعنى بالكليات والمبادئ التي تشترك فيها العلوم التأويلية، ولا دراسات إيبستيمولوجية فرعية أو قطاعية تُجرِّدُ الآليات والقواعد الخاصة التي تنتظم كل علم منها على حدة. فالدراسات القليلة المتفرقة التي تدخل في هذا التوجه تبقى محدودة الأثر وغير كافية، إضافة إلى كونها لا ترقى إلى تجريد البنيات المعرفية التي تضمرها ممارساتنا التأويلية القديمة بكيفية شاملة ومنتجة. إننا إلى يومنا هذا لا نملك في الكلاميات أو في الشرعيات أو في التفسيريات وما يتصل بها من علوم قطاعية سوى أبحاثٍ إيبستيمولوجية محدودة جدًّا وجزئية؛ أما الغالب من الأبحاث فهو إما منكب على الجوانب المذهبية والأيديولوجية لهذه العلوم ولما يجاورها من علوم تأويلية أخرى، وإما منصرف إلى التأريخ لبعضها وتعقب تحولاته والتعريف بطائفة من مفهوماته، وإما مهتم بعقد مقارنات "خارجية عامة" بينها وبين بعض العلوم النصية والتأويلية المعاصرة.

  ولئن كان هذا الخصاص البيِّن في إيبستيمولوجيا العلوم التأويلية القديمة يرجع إلى هيمنة مشاغل أخرى عُدَّت ذات أولوية في الفكر العربي المعاصر كالمشاغل التحديثية المتطلعة إلى اقتراح مشاريع قرائية شاملة لتجربتنا التراثية، فإنه من جانب آخر يرجع بالأساس إلى تلكم الاقتناعات النظرية المسبقة التي لازمت أهم هذه المشاريع، ووجَّهت تمثلاتها القرائية المختلفة. فلو عدنا إلى هذه الاقتناعات كما تُعبر عنها القراءات التقليدية للتراث، أو كما تدافع عنها الفيلولوجيا الاستشراقية أو عيِّنة من القراءات التحديثية لوجدناها لا تعير المحتويات المعرفية لممارساتنا التأويلية القديمة أيَّ اهتمام ملموس يكشف عن طبيعة العقل التأويلي الذي أنتجها، ويرصد حدوده وإمكاناته. فالمرحوم محمد عابد الجابري، الذي يُعَدُّ مشروعه القرائي للتراث الأكثر انشغالًا بالنُّظم المعرفية التي يستند إليها العقل العربي، ركز على الفلسفة الإسلامية من جهة، وعلى العقديات والشرعيات والعرفانيات من جهة ثانية، في حين لم يول التفسيريات اهتمامًا واضحًا إلا في فترة متأخرة على مشروعه الأول، وذلك من دون أن تعنيه فيها مرجعياتُها المعرفية، أو أنماط العقول التي توجهها وتستتر فيها[5].

 

جابري
     محمد عابد الجابري

 لكن الأمر الذي يستدعي أيضًا التوقفَ والمساءلة هو ما أشاعه بعضُ الدارسين من أحكامٍ وتقويمات تقضي بأن المحتويات المعرفية لعلوم التأويل ولغيرها من العلوم والمعارف التراثية أمست عبارة عن محتويات استنفذت فاعليتها المِراسية، وآلت إلى "العقم" بعدما فقدت إجرائيتَها و"وظيفتها البحثية"  مع مرور الزمن أولًا، ثم مقارنةً بعلوم الحاضر ومعارفه ثانيًا. ولهذا السبب لم تحظ هذه المحتويات بالتأمل والاستكشاف المطلوبيْن لا عند الحداثييْن الذين يتحدد التأويلُ عندهم متلازمًا على الأغلب مع خلفياته المذهبية و"تشكلاته الأيديولوجية"، ولا عند عموم التقليديين الذين يأبى موقع نظرهم إلى تراثنا التأويلي أن ينفتح على الأسئلة الإيبستيمولوجية الراهنة ويشتبك بها؛ لكونها تربك مسلماتهم وتشوش على ثقتهم في تمثلاتهم الخاصة لماهية التأويل، ولكونها تضعهم إلى جانب ذلك وجهًا لوجه أمام نسبية الفهوم، وأمام تعدد البرامج المعرفية الموصلة إليها. وهو ما يتنافى مع نظرتهم الضيقة إلى فاعلية التأويل، ويتعارض مع اقتناعاتهم المسبقة بصددها[6].

وعلى هذا الأساس نتصور أن علوم التأويل في تجربتنا التراثية تحتاج اليوم إلى اقتراح بدائل قرائية متجددة، كفيلة بتعميق النظر في الأسئلة والمرتكزات التي تصدر عنها، وقادرة على استجلاء الأنساق المعرفية التي تستتر داخلها. فلم يكن التأويل ينحصر عند قدمائنا في مجرد مسلمات واعتقادات مذهبية فحسب، لقد كان أيضًا نشاطًا معرفيًّا منفتحًا على كافة أشكال التفكير العلمي المتاحة في زمن عرف تداخل المعارف وتكاملها. فالكلام والتفسير والفقه والأصول والنحو والبلاغة والتناسب وغيرها من العلوم ما كانت منقطعة فيما بينها، ولا كان المشتغلون بعلم منها يعيشون في عزلة عن المشتغلين بالعلوم الأخرى أو في انفصال عنهم. كانت العلوم العربية الإسلامية تندرج ضمن ما يشبه "أكاديمية علمية" تتجاور فيها العلوم وتتواصل، وتترابط داخلها بوشائج من التفاعل والتكامل.

­3­

لذلك يبدو لنا أنه من الممكن رد الاعتبار إلى العلوم التأويلية في مجالنا العربي الإسلامي القديم، وتجديد النظر إليها من خلال مدخل آخر هو المدخل الإيبستيمولوجي الذي نتصور أنه الأقدر على استكشاف ما تتسع له هذه العلوم من مرجعيات معرفية وآلات فهمية. ذلك أن التأويل في جوهره هو حدث معرفي لا يستقيم من دون توسله بِكَمٍّ وافر من العلوم وإعمالها في الفهم، فلو دققنا البحث في أيِّ مُصنَّفٍ من مصنفاتنا التفسيرية القديمة لوجدناه يسند أهمية خاصة إلى العلوم التي يعتمد عليها المفسر وهو يزاول عملية التفسير. إذ ما من تفسير إلا وينبني على برنامج معرفي[7]  محدد يتضمن مجموع الأدوات العلمية التي اختار المفسر إعمالها في تفسيره. وبهذا لم تتعدد التفاسير ولم تتنوع على أساس تمايزاتها المذهبية فحسب، بل تعددت وتنوعت أيضًا على أساس ما تصدر عنه من برامج معرفية مساعدة على الفهم ومرشدة إليه.

أن البرامج المعرفية التي يتوسل بها المفسرون في فهم النص ليست برامج مغلقة أو محصورة سلفًا يتقيد بها كافةُ المفسرين على نحو مطابق. إنها برامج مرنة قد يضيق حجمُها أو يتسع تبعا لـ"ثقافة المفسر" ولقدرته على استثمار هذا القدر أو ذاك من العلوم عند مزاولته عملية الفهم.

والجدير بالتأكيد إلى جانب هذا أن البرامج المعرفية التي يتوسل بها المفسرون في فهم النص ليست برامج مغلقة أو محصورة سلفًا يتقيد بها كافةُ المفسرين على نحو مطابق. إنها برامج مرنة قد يضيق حجمُها أو يتسع تبعا لـ"ثقافة المفسر" ولقدرته على استثمار هذا القدر أو ذاك من العلوم عند مزاولته عملية الفهم. ذلك أنه إذا قارنا بين هذه البرامج في (جامع البيان) للطبري[8]، أو في (الكشاف) للزمخشري[9]، أو في (المحرر الوجيز) لابن عطية[10]، أو في (البحر المحيط) لأبي حيان[11]، أو في (التسهيل) لابن جزي[12]، أو في غيرها من التفاسير، فإننا نجد مكوناتها العلمية غير متساوية العدد ولا متآلفة الترتيب. فأبو حيان -مثلًا- يعتمد على برنامج من سبعة علوم[13]، بينما يعتمد ابن جزي على برنامج من اثني عشر علمًا[14]. كما أن الأول ينطلق من علوم اللغة والنحو والبلاغة، فيضعها في صدارة برنامجه. أما الثاني فتتصدر برنامجَه علومٌ أخرى هي (القراءات، والأحكام، والنسخ، والحديث، والقصص، وغيرها). الأمر الذي يظهر معه كيف ينهض كلُّ برنامج على مبدإ التوسع في العلوم، وكيف لا يرجع المعيارُ في هذا التوسع إلا إلى ثقافة المفسر ورحابة تكوينه العلمي. أضف إلى ذلك أن تقديم علوم وتأخير أخرى في هذا البرنامج أو ذاك هو مرآة تعكس طبيعة المرجعية المعرفية البارزة التي يصدر عنها المفسر في الفهم، كصدور الطبري عن المرجعية الأثرية القائمة على استحضار الأحداث والمرويات المتعلقة بالنزول، أو صدور أبي حيان عن المرجعية النحوية، والزمخشري عن المرجعية البلاغية، وصدور غيرهم عن مرجعيات أخرى. فبتنوع البرامج المعرفية وتعددها نكون في التفسيريات أمام معرفة موسوعية تتواشج فيها العلوم وتتكامل في تأدية وظيفة الفهم بما يُعضد من أهمية المدخل الإيبستيمولوجي في إعادة بناء هذه المعرفة وتجديد النظر إليها في ضوء مكتسبات العصر وتطلعاته.

ولعل ما يجعل هذا المدخل يكتسي في نظرنا أهمية بالغة، أنه يسمح لنا بإقامة فصل في التفسيريات بين داخلها المعرفي المتصل بمختلف المرجعيات والاختيارات العلمية المشغَّلة فيها، وخارجها الأيديولوجي المرتبط باستعمال النص من قبل هذه الجماعة التأويلية أو تلك في تحقيق أغراض سياسية أو سياقية متباينة. فبمقتضى هذا الفصل تبرز عِلمِيَّةُ التفسيريات وينجلي وجهها العقلاني الذي كانت به عبارة عن خبرات فهمية مفتوحة على مختلف المعارف والعلوم المتاحة في أزمنة القدماء. إذ كثيرًا ما أفضى تغليبُ عدد من الدارسين الاهتمام في المواقف التفسيرية القديمة بخارجها الأيديولوجي إلى عدم الالتفات إلى مكامن الثراء والتنوع التي تلازم دواخلها المعرفية، والتركيز فقط على ما تكون به أنساقًا مغلقة من المصادرات واليقينيات المذهبية المتطابقة.

وعلى هذا الأساس نخلص إلى أن السبيل إلى تجديد العلاقة بالتفسيريات وبسائر علومنا التأويلية، ووصلها على نحو منتج بأسئلة العصر يتوقف على التعمق في محتوياتها المعرفية، واستقصاء وجوه تعددها ومنابع ثرائها، فهذه المحتويات هي ما يدوم ويبقى في كلِّ فكر أو في كلِّ تأويل مضى، وهي التي تملك في ذاتها القدرة على الاستمرار وقابلية التجدد إذا ما قورنت بما لابَسها من خصومات مذهبية أملتها شروط تاريخية واعتبارات سياقية. فما الذي تبقى اليوم، على سبيل المثال، من باطنية القاضي النعمان أو من ظاهرية ابن حزم غير كونهما موقفين تأويلييْن يثيران اهتمامَنا لا بما يطفو على سطحهما أو يلفُّهما من غطاءٍ مذهبي بادٍ ومكشوفٍ، وإنما بالنواة المعرفية الكامنة خلف هذا الغطاء. فبالكشف عن طبيعة هذه النواة في كل موقف تأويلي، واستقراء آلياتها وإجراءاتها الفهمية يتأتى لنا إمكانُ عقدِ مواجهةٍ إيبستيمولوجية منفتحة بين تقاليدنا التأويلية المنحدرة إلينا من الماضي وبين الاجتهادات التأويلية المعاصرة. إذ لن تقود هذه المواجهة إلا إلى ما يبعث على إغناءِ فاعلية التأويل في ذاتها، وتوسيعِ كفايتها ومجالات انطباقها، وجعلها أكثر "تورطًا" في فهم شجوننا وشؤوننا، وأشد التصاقًا بمجريات حياتنا ومناحي وجودنا.

   
[1] منذ أواخر الستينيات من القرن الماضي توالت على مبدأ المحايثة بمعناه البنيوي الضيق مجموعة من الانتقادات والتعديلات في الدراسات اللسانية والنصية والسيمائية، للوقوف على عينة من هذه الانتقادات نحيل على: 
-    C. Kerbrat-Orecchioni, L’énonciation : De la subjectivité dans le langage, A. Colin, 1980.

A. Kharbouch, Le principe d’immanence et la transitivité du langage, in Actes Sémiotiques, n° 118, 2015.[2]  يمكن مراجعة هذا التحول الذي آلت بموجبه التأويليات في أزمنتنا الراهنة إلى ثقافة فلسفية مشتركة أو إلى أفق للفكر الإنساني في:
-    G. Vattimo, La fin de la modernité : Nihilisme et herméneutique dans la culture post-moderne, (1985), tr.fr. Seuil, Paris, 1987.

J. Grondin، L’horizon herméneutique de la pensée contemporaine, Vrin, Paris, 1993.[3] عن الإبدال التأويلي وعلاقته بعلوم النص يراجع:
۔ محمد الحيرش، أخلاقيات التأويل: من أنطولوجيا النص إلى أنطولوجيا الفهم، (طنجة: دار الفاصلة للنشر، ط 2، 2019م)، ص15۔42.
 

[4] نشير هنا إلى ما عُرف في سنة 1993م بقضية "نصر حامد أبو زيد" و"عبد الصبور شاهين" التي أثارت سجالات حادة يعود أساس التنازع فيها إلى الخلاف في الموقف الأيديولوجي (لا المعرفي) من ماهية التفسير والتأويل في ارتباطهما بالوحي. 
 

­[5] يراجع في هذا الخصوص:
-  محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي: دراسة تحليلي نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية، (بيروت، البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط2، 1991م).
- محمد عابد الجابري، مدخل إلى القرآن الكريم، (البيضاء: دار النشر المغربية، ط1، 2006م).
 

­[6] بنسالم حميش، التشكلات الإيديولوجية في الإسلام: الاجتهادات والتاريخ، (بيروت: مركز الإنماء القومي، ط1، 1988م)، ص154.
   

[7] لمزيد من التفصيل حول هذا التحليل واستلزاماته الإيبستيمولوجية في علم التفسير يراجع: 
 محمد الحيرش، النص وآليات الفهم في علوم القرآن: دراسة في ضوء التأويليات المعاصرة، (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2013م)، ص 71۔174.

[8] أبو جعفر الطبري، جامع البيان عن تأويل القرآن، تحقيق: محمود محمد شاكر وأحمد محمد شاكر،(مصر:  دار المعارف، ط 2، 1969م).

[9] أبو القاسم الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، ترتيب وضبط: مصطفى حسين أحمد، (بيروت: دار الكتاب العربي، 1986م).

[10] ابن عطية، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق: المجلس العلمي بفاس، (المغرب: مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1975م).

[11] أبو حيان الغرناطي، تفسير البحر المحيط، تحقيق: أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، (بيروت: دار الكتب العلمية ط1، 1993م).[12] ابن جزي الغرناطي، التسهيل لعلوم التنزيل، تحقيق: محمد اليونسي وإبراهيم عوض، (القاهرة: أم القرى للطباعة والنشر). 

13] أبو حيان، تفسير البحر المحيط، 1/5۔7.

[14] ابن جزي، التسهيل لعلوم التنزيل، 1/11.