[إصلاح الحداثة: الأخلاق والإنسان الجديد في فلسفة طه عبد الرحمن] حوار مع المفكر وائل حلاق

حوار مع المفكر وائل حلاق


مقدمة

يُعَدُّ الفيلسوف طه عبد الرحمن أحد كبار الفلاسفة على الصعيد العربي والإسلامي، والصعيد العالمي كذلك، ذلك أن مشروعه الفلسفي الثري قد شمل أسئلة الفلسفة الكبرى، من الأنطولوجيا وفلسفة اللغة والمنطق، إلى الفلسفة الأخلاقية وفلسفة الدين، ثم إن كتبه عالجت مباحث الواقع وأسئلة النهضة، فقدَّمت مشاريع في الحداثة البديلة، ونقودًا عميقة للحداثة الغربية، واستلهمت كتبه من التراث الإسلامي وتراثه الروحي والأخلاقي إجابات عن تحديات العصر والمستقبل الإنساني.

ويُعَدُّ وائل حلاق أبرز من تفاعل مع أطروحة الفيلسوف طه عبد الرحمن في السياقِ الغربي، وهو المفكر العمومي والعالم الكبير في تاريخ النظريات الفقهية وتراث الشريعة الإسلامية بجامعة كولومبيا بأمريكا. وقد اشتهر اسم وائل حلاق مع أعماله الفكرية العامة التي استثمر فيها عمله التاريخي المتخصِّص في التراث الفقهي، لتقديم رؤى نقدية لمشروع الحداثة والدولة الحديثة كما جاء في كتابهِ المهم «الدولة المستحيلة» THE IMPOSSIBLE STATE، ولتوسيع وتعميق إرث نقد الاستشراق، وذلك في كتابهِ «قصور الاستشراق» RESTATING ORIENTALISM. إلا أننا في هذا الحوار الذي خصَّ به المفكر الكبير وائل حلاق مركز نهوض، سنتفاعل معه حول مضامين كتابه الأخير عن فلسفة طه عبد الرحمن، الذي جاء بعنوان «إصلاح الحداثة: الأخلاق والإنسان الجديد في فلسفة طه عبد الرحمن» REFORMING MODERNITY :Ethics and the New Human in the Philosophy of Abdurrahman Taha الصادر عن مطبعة جامعة كولومبيا سنة 2019.

إصلاح الحداثة

فعلى ضوء الكتاب يرى وائل حلاق أن فهم فلسفة طه عبد الرحمن، وفهم مكانته في مسار الفكر العربي الإسلامي وتفاعلاته مع الحداثة، مشروطٌ أولًا بفهم الشروط التاريخية للإمكانية التي تجعل مشروعه مفهومًا. لأجلِ ذلك نترككم لقراءة الحوار.

1. نرى استخدام طه عبد الرحمن لمفهوم «روح» بشكل واضح في فلسفته: «روح الحداثة» و«روح الدين» وغيرها. فما المقصود بالروح في فلسفة طه؟ هل الروح هنا امتداد لطرحِ فكر كانط، أم أنها امتداد للطرح الصوفي؟

حلاق: لفهم ما يعنيه طه بـ«الروح»، ربما يُسْتَحسن وضع المفهوم في سياق فلسفته الشاملة. فمشروع طه يرتكز على عدد من المسلمات. أولًا: بسبب الافتقار إلى منهجية مناسبة وبنية فكرية مستقلة، فشل الفكر الإسلامي المعاصر في التعامل مع التراث. ثانيًا: مردُ هذا الفشل عائد إلى اعتماد المسلمين المطلق وقبولهم غير المسائِل للتطبيق الغربي الخاطئ لروح الحداثة. ثالثًا: صلاحية هذه الروح كونية، ومن ثمَّ فهي عابرة للتاريخ، وهو ما يعني أن روح الحداثة لديها القدرة على إنتاج حداثات متعددة، والتمثل الإسلامي لها هو إحدى صيغِ تجسيد هذه الروح على الأقل. رابعًا: تختلف الحداثة الإسلامية عن نظيرتها الغربية -على وجه التحديد- بحكم أن الصيغة الإسلامية للحداثة ترى أن الأخلاق قيمة مركزية، وهي قيمة لا يمكن فصلها عن الدين والسياسة.

سنلاحظ أن طه يُميز بين روح الحداثة من جهة، وتجسيدها على أرض الواقع من جهة أخرى. اللافت في فكر طه هو الادعاء بأن روح الحداثة ملك للإنسانية كلها، حيث نجد أن هذه الروح متأصلة في تاريخ كل الحضارات. وهو ما يعني كذلك أن الحداثة ممكنة التحقق منذ قرون أو آلاف السنين. لذا فإن هذا الادعاء بالتحديد ليس صوفيًّا؛ لأسباب ليس أقلها أن الصوفية لم تنخرط أبدًا في الخطاب الإصلاحي المرتبط بالحداثة بوصفها مشروعًا أخلاقيًّا محتملًا. في الواقع لا أعرف أي شخص آخر غير طه يعتقدُ أن مشروع الحداثة قابلٌ للتحقق في أي وقت وفي أي مكان، حتى وإن كان ذلك قبل ألفي عام. ولقد أظهرتُ في كتابي اختلافي مع طه بخصوص هذا الموضوع.

طه عبد الرحمن

لا يوافقُ ما نادى به طه عبد الرحمن من دعوى عابرة للتاريخ طرح إمانويل كانط. في الواقع، كان خطاب كانط في هذا الصدد منتبهًا بشكل خاص للخصوصية التاريخية، وكان دائمًا يتحدث عن الظاهرة الأوروبية على وجه التحديد. حتى فيما يتعلق بمبدأ الشمول -الذي استعاره طه من كانط كأحد أسس «روح الحداثة» الثلاثة- لم يكن كانط معممًا هنا، لكنه بدلًا من ذلك كان يصف «اللحظة الآنية»، «الآن» لأوروبا ولا شيء سوى أوروبا.

 لأُجِيب -إذن- عن سؤالك في بضع كلمات: فإن مفهوم طه عن روح الحداثة هو مفهومه الخاص به، وليس مدينًا في صياغتهِ لأحد على وجه الخصوص. وهو بذلك صكَّ مفهومًا جديدًا، ولكن في المقابل أجد أن هذا المفهوم -بالتحديد- هو الأكثر إشكالية في فكر طه بشكل عام. وأعتقد أن طه لم يرغب في الظهور على أنه يرفض الحداثة تمامًا لأسباب استراتيجية، ربما مردها لخوفه من أن يُرفَض مشروعه الفكري بوصفه مشروعًا غربيًّا. لكن حقيقة الأمر هي أن اقتحامه للحيز النظري لروح الحداثة جعله في مأزق أكبر، مقارنةً بما كان سيواجهه لو جادله -ببساطة- بالقول إن مشروع الحداثة [الغربية] هو مجموع نواياه وادعاءاته وممارساته كذلك.

يجادل العديد من المراقبين بأن التنوير -على سبيل المثال- كان يعي جيدًا ويطمح أن يكون أخلاقيًّا، لكن دراسة أفكار معظم صانعي أطروحة التنوير تكشف لنا أنهم -في الواقع- وافقوا على الاستعمار وروَّجوا له، بل وروَّجوا للاستبداد وتدمير الطبيعة والعبودية والأشكال الجشعة للرأسمالية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للمرء أن يقول إن عصر التنوير لم يكن ممكنًا لولا ظروف الاستعمار والإقصاء واستعباد الإنسان والطبيعة.

2. أشار طه عبد الرحمن إلى ما أسماه بـ«روح الحداثة» وجعلها منفصلة عن تمثُّل الحداثة، واعتبر أن الحداثة الغربية ما هي إلا أحد تطبيقات روح الحداثة على أرض الواقع، لكنها تجسُّد مليء بالثغرات. وفي الوقت نفسه ربط روح الحداثة بمبدأ النقد الذي يسكن الحداثة الغربية. ألا ترى أن مبدأ النقد يساعد الحداثة الغربية على تصحيح مساراتها؟ وفي السياق نفسه، ألا ترى أن مبدأ النقد كان غائبًا في الحضارة الإسلامية، بدعوى إغلاق باب الاجتهاد؟

حلاق: هذا صحيح. كما قلتُ، قام طه بوضع تمييز حاد بين ما أسماه روح الحداثة وتطبيقاتها، بُغيةَ إعادة تشكيل هذه الروح بطريقة جديدة، وفق منهج إسلامي يحافظ فيه على البعد الأخلاقي للمشروع. وهو يفترضُ هنا أن روح الحداثة أخلاقية وقد فشل الغربُ في تطبيقها على الواقع. أعتقد أنه تغاضى هنا عن خاصية أساسية للحداثة ذكرتها أعلاه، ومفادها أنه لا شيء من قيم مشروع الحداثة المركزية كان مدفوعًا بالأخلاق، سواء من الناحية النظرية (الروح) أو من الناحية الواقعية (التطبيق). من الأمور المثيرة للسخرية -على سبيل المثال- أنه في الوقت الذي استحكمت فيه مبادئ الحرية (liberté) والمساواة (égalité) والإخاء (fraternité) المفترضة في أوروبا، بدأ الأوروبيون أحد أكثر المشاريع التدميرية القائمة على الاحتلال واستعباد الناس في جميع أنحاء العالم.

الهيمنة الأمريكية-الأوروبية

إن إصرار طه على التمييز بين الروح والتطبيق مُحيِّر؛ لأنه فهم جيدًا خطورة التمييز بين الحقيقة والقيمة، وبين الموجود والواجب، وبين ما هو كائن وما يجبُ أن يكون، وهكذا قام صعود مشروع الحداثة بشكل كامل وعميق على إبعاد الأخلاق عمَّا أسميته بالمجالات المركزية للحياة الحديثة المتجسدة في الدولة، والاقتصاد الرأسمالي، والمادية، والتقنية، والبيروقراطية، والنفعية، والمنطق الأداتي، وما إلى ذلك. لكن هل صِيغ كل هذا على أنه رؤية إيجابية وموثوقة عن الذات، أي إن كلًّا من أوروبا وأمريكا -بوصفهما الكيانيْن المهيمنيْن والمُتنمريْن على العالم خلال المئتي عام الماضية- قاما بكتابة تاريخهِما الخاص وقُدِّم لنا عبر عبارات ملطفة وخارقة حول طرق العيش الأورو-أمريكي في العالم (أو ينبغي أن أقول العيش فوق العالم)؟ لهذا السبب أصِرُ دائمًا على أن التاريخ الأوروبي لم يُكتب بعد، لأن ما نعرفه حتى الآن عن تاريخ أوروبا هو سرد أسطوري.

أعتقد أن إعادة كتابة التاريخ الأوروبي -الذي يجب على العلماء المسلمين والعرب الانخراط فيه- يجب أن تبدأ بالنظرِ لهذا التاريخ على أنه عملية تصادم. لم يكن مشروع الحداثة -بما في ذلك التنوير- تقدمًا في «الحضارة» -وهو مصطلح قبيح في حد ذاته- الإنسانية، وهو أمرٌ نعيهِ الآن جيدًا مهما كانت سرعة الإدراك بطيئة. انظر فقط إلى الدمار الذي ألحقناه بكل شيء لمسناه. نعم، أصبحت حياتنا مريحة أكثر مقارنة بأي وقت مضى. ونعم، راكم المرء في المعدل أمورًا عديدة ومالًا أكثر مما كان يمكن لأي شخص أن يحلم به منذ مئتي عام فقط، ولكن ما لا يمكن إنكاره هو وجود مشاكل متراكمة في الصحة العقلية والجسدية، وكذا التآكل العام المدمر الذي يعتري المجالات النفسية والروحية الداخلية للذات الحديثة.

لا شك أن مفهوم النقد الكانطي أساسي لكونه جزءًا من ردود أفعال أوروبا على صدمة الإساءات والقمع المفرط النابعيْن من الكنيسة والملِك. فقد صاغ كانط ما كان يُعدُّ فكرة ثورية عن النقد في ذلك الوقت. لا يتعلق النقد وفقَ المنهجِ الكانطي بتفعيل أو عدم تفعيل العقل أو التفكير العقلاني. لا أكادُ أعرف وجود ثقافة واحدة حُرمت من التفكير العقلاني، السؤال هو ما نوع العقلانية التي يستخدمها الناس، وما النمطُ الذي نفكر فيه عندما نتحدث عنها؟ بالنسبة لكانط استخدم النقد كمَلَكَة عقلانية من نوع معين، كمفهوم للعقل يقلب البنى القائمة للفكر والأمور المرتبطة به أو بتجلياته.

النقد عند كانط يحمل معنى ثوريًّا إلى حد ما. إنه يُسائِل الأسس الهيكلية والمبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام بوصفه نظامًا ثقافيًّا. هذا هو سبب إصراري على وجود فرق بين النقد (criticism) والنقض (critique). تعمل آليات النقد داخل نسق النظام، حيث تُقْبل أسسه وفرضياته، وعلى ضوء هذا القبول يحاول النقدُ تحسين هذا النظام. فيما يسعى النقضُ في إزاحتة واستحضار أنموذج آخر له. وفي هذا الصدد يركزُ النقض على افتراضات ومقدمات وأسس مختلفة. أعتقد أنني وطه منخرطان في النقض بدل النقد.

وهكذا كان نقضُ التنوير الأوروبي قائمًا على فصل الأخلاق عن كل شيء،  وهي خطوة هائلة لإبعاد أوروبا عن انتهاكات الكنيسة والمُلكِ المطلق، معتقدين أن الهندسة التشريعية (التقنينية) الجديدة للدولة والمجتمع قادرة على حلِ المشكلة. ولكن منذ أن قام ماكس فيبر Max Weber بتشخيص البيروقراطية بأبعادها المنطقية والأنطولوجية، فإننا نعلم جيدًا أن الحل الذي يقدمهُ التنوير للمشاكل الأوروبية التاريخية أصبح بحد ذاته مشكلة تحتاج إلى حل. الإجابة التي قدمها طه -التي تتوافق مع ما قدمتهُ كذلك- قائمة على إعادة إدخال الأخلاق كآلية حاكمة للتكوين الاجتماعي والذاتي. يجب أن يكون التجسيد الأخلاقي الذي يُعبر عن التكوين المنهجي للذات الأخلاقية -وهو ما أسميتهُ في موضعٍ آخر بتقنيات الذات عند فوكو- هو الحل؛ لأن كلينا -أفترض نيابة عن طه- لم يجد أي مسار آخر بديل. في هذا الصدد، يجب أن أقول إننا لسنا وحدنا من يحمل هذا التوجه، أعتقد أن فوكو نفسه -وغيره كثيرين- قدَّر هذا الأمر وثمَّنه على نحوٍ كبير، حيث بدأ يدرك أهمية هذه الخطوة الحاسمة خلال السنوات الأخيرة من حياته، لكنني أعتقدُ أن هذا بدأ يتشكَّل في ذهنه قبل ذلك بكثير عندما ألقى المحاضرات المنشورة الآن في الكوليج دو فرانس Collège de France. ومن بين مجموعة دروسه ومحاضراته، يُمكن القول بأن درسه المعنون بـ«تأويل الذات» شاهد على هذا المسعى. كل ذلك يعني أن إعادة ضخِّ جرعة كبيرة من الأخلاق في تشكل الذاتية الحديثة -نظرًا لأن هذا هو ما نتحدث عنه- يتطلب نقضًا آخر، ولحظة ثورية أخرى، وهو ما يتعارض إلى حد ما مع التشخيص الذي قدمه كانط، أقول «إلى حد ما» لأن كل هذا يعتمد على كيفية تفسير المرء لكانط فيما يتعلق بالعقل المستقل.

أما بالنسبة للمقاربة الإسلامية للنقض فلا أرى ارتباطها بأي شكل من الأشكال، سواء بجودة الاجتهاد أو بأي شكل من أشكال التفكير العقلاني الذي تمتع به المسلمون على مر القرون إلى حدود القرن التاسع عشر. بالطبع لم يكن هناك إغلاق لباب الاجتهاد، والأهم من ذلك لم يكن هناك إغلاق للفكر العقلاني الملتزم أخلاقيًّا. وهو أمرٌ ليس حكرًا على الإسلام فقط، بل هو أمرٌ موجودٌ أيضًا عند كل الثقافات المركبةِ الأخرى، سواء كانت هندية أو صينية أو غير ذلك.

الاستثناء الوحيد في تاريخ العالم هي أوروبا فقط، نظرًا لكون تاريخها مؤلمًا ومتصادمًا، فقد بدأت أوروبا بالتفكير في الثورة والمفهوم الثوري للنقض؛ لأنها لم تعد قادرة على العيش مع نفسها بعد الآن. في الحقبة ما بين سقوط الإمبراطورية الرومانية والقرن الخامس عشر عانت أوروبا ببساطة الكثيرَ من كل شيء تقريبًا، فقد عانت المجاعات والحروب التي لا نهاية لها والعنف المتفشي على جميع المستويات، وقمع الكنيسة ومحاكم التفتيش الوحشية، وما إلى ذلك. وبمجرد خروجها من هذا المأزق خلقت الحلولُ الخاصة بها قدرًا كبيرًا من المشاكل. الآن تحتاج أوروبا وأمريكا إلى إيجاد حل آخر، لكنني أعتقد أنه في هذه المرحلة من التفاعل والتواصل البشري العالمي المكثف، من المحتمل أن يأتي الحل من مكان آخر، أو كجهد تعاوني من مناطق مختلفة من الأرض. مهما كانت الحالة، فإن النقض لا يحتاج إلى الظهور في أي مكان آخر، سواء العالم الإسلامي أو في أي مكان آخر. عاشت هذه المجتمعات بشكل عام أفضل بكثير مما كانت عليه أوروبا قبل نهاية القرن السابع عشر، وكانت أنظمتها -بشكل عام- تعمل بشكل جيد إلى حد ما، ومن ثمَّ لم تكن بحاجة إلى قلب ثقافتها. بصيغة أخرى، لماذا نصلحُ شيئًا ما إذا كان يعمل بشكل جيد؟

 3. يرى طه عبد الرحمن أن الحداثة الإسلامية حداثة أخلاقية. أي إنها قائمة على الأخلاق بوصفها نموذجًا تفسيريًّا، فهل الحداثة الإسلامية هي الوحيدة المؤهلة للعب هذا الدور الأخلاقي، أم أن الحداثة الغربية قادرة أيضًا على أن تكون حداثة أخلاقية؟ وفي السياق نفسه، ألا ترى أن حداثة طه الإسلامية «الأخلاقية» هي بالضرورة حداثة صوفية؟ ألا يأخذنا هذا لاختزال الإسلام في التصور الصوفي؟

حلاق: هناك عدة أسئلة هنا. لا أعتقد أن طه استبعد احتمال أن تتوصَّل الثقافات الأخرى إلى مفاهيمها أو أفكارها عن الحداثة الأخلاقية. من حيث المبدأ، يبدو لي أنه يعتقد أنه من الممكن تصور وجود «حداثات أخلاقية متعددة». فيما يتعلق بإمكانية تحويل الحداثة الغربية إلى حداثة مدفوعة أخلاقيًّا، أعتقد أن طه لا يؤمن بذلك. أعتقدُ أنه يجب أن تُجبِر ثقافة أخرى الغربَ على إعادة النظر في طريقته في العيش فوق العالم. لسوء الحظ، هذا غير مرجح في المستقبل القريب، لكن في ظل احتمال عدم إمكانية تغير الوضع الحالي، فأنا مقتنع بأن هذا النموذج محكومٌ عليه بالفشل.

أما بالنسبة للصوفية فأنا أوافق على أن طه يركز بشدة عليها، سواء في كتاباته وكذا في تقديمهِ للحلول. لكن هذا في رأيي لا ينبغي أن يكون مشكلة. لسوء الحظ، ونظرًا للطريقة التي قمنا فيها بتسييس كل شيء تقريبًا وأدلجته، فقد أصبحت الأشياء التي تُقبل أو تُحارب مبنية على أساس نظر المرء إليها من جهة كونها «الصديق» أو «العدو» - أنا هنا أشيرُ إلى الرؤية التي قدمها كارل شميث حول الصديق والعدو. سواء كنا نسميهِ تصوفًا أو أي شيء آخر، فهناك محتوى أخلاقي مهم في الصوفية تشترك فيه مع العديد من المحاولات الأخرى لإصلاح الحداثة أو استبدالها. أود أن أقول إن هذا المحتوى متوافقٌ مع الشريعة الإسلامية، وبطرق عديدة -في الأمور التأسيسية- اشتركت فيه ثقافات أخرى مثل الإغريقية والرومانية والهندوسية والكونفوشيوسية وغيرها من الثقافات. لا يتعين على المرء أن يذهب إلى أبعد مما ذهب إليه طه في تركيزه ودعوته على الصوفية من أجل الحفاظ على الالتزام بالإصلاح الأخلاقي.

4. قلتم إن طه يؤكد أن الواقع الإسلامي الحالي بعيد عن الإبداع ولا يلبي متطلباته. لأن الواقع منخرطٌ في تقليد التطبيق الغربي لمبادئ روح الحداثة، ومن ثَمَّ فهو تطبيق من الدرجة الثانية. إن التقليد يتناقض مع الحداثة، لكننا نجد في الوقت نفسه أن طه عبد الرحمن يؤسس لنموذج حداثة قائم على تقليد «للتراث الإسلامي» ويستخدم مبدأ الوصل لربط نموذجه الحداثي بالتراث. ألا تمنع العودة إلى التراث عملية الإبداع؟ أم أن الإبداع عند طه لا يأتي إلا من التراث؟

حلاق: لا أعتقد أن طه عبد الرحمن كان يعني أن الإبداع والأصالة غاية في حد ذاتهما. ما قيمة الشر الأصيل أو المُبتكر؟ هل يريده أحد أو يسعى لتحقيقه؟ لا أعتقد أن هناك من يرغب بذلك، بدلًا من هذا الطرح لا يُقدَّر الإبداع والأصالة إلا عندما يكونان وسيلة لتحقيق غاية تُسهم في توليد الخير بوصفه مقصدًا نهائيًّا. فالغاية والمقصدُ هنا تكمنُ في أن يعيش المرء حياة أخلاقية وإنسانية. علاوة على ذلك، لا ينبغي أن يقترن التراث بالجمود أو التكلُّس، فالتراث يتغير، وإلا لكان -مثل أي شيء آخر- محكومًا عليه بالاندثار. السؤال هو ما هو نوع التغيير الصحي ومن ثمَّ المرغوب فيه. نحن نفهم الآن أن وتيرة التغيير الجنونية في حياتنا لها آثارها الضارة للغاية. لا ينبغي تثمينُ التغيير في ذاته. لا يحتاجُ التراث الجيد إلى أن يكون مبتكرًا وأصيلًا ليكون المرء تحت كنفهِ سعيدًا أو أن يعيش حياة كريمة. الإبداعُ ضروري عندما تريد إعادة اختراع شيء ما، تقومُ بتغيير شيء ما بشكل جذري لأنك لست سعيدًا به، شيء لا يرتقي لتطلعاتك. أعتقد أن الناس عمومًا لا يفهمون أن الوتيرة الاستثنائية والجنونية للتغيير الذي نمر به، لا ترتبط بكوننا  «تقدميين» و «متقدمين». إنَّ حجم التغيير في عصرنا مرتبط ارتباطًا مباشرًا بجشع الشركات والرأسمالية، ذلك السعي الذي لا ينتهي من أجل كسب المزيد من المال بمنطق كسب المال من أجل المال.

5. في كتابه «الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري»، يتحدث طه عبد الرحمن عمَّا أسماه «السؤال المسؤول»، وهنا يربط السؤال بالمساءلة وكذلك بالمسؤولية، فهل الذي ينقص الحداثة الغربية هي المسؤولية والمساءلة (تجاه نفسها والإنسانية والعالم)؟

حلاق: نعم أعتقد ذلك. خلقت الحداثةُ الشخصيةَ الأنانيةَ النرجسيةَ، لدرجة أن الشخصية السيكوباتية والنفسية أصبحت الآن أكثر الأشياء المرغوب فيها في عالم الشركات. لقد أصبحنا أكثر مرضًا، وبهذا أمسينا أكثر فأكثر أنانية ونرجسية، وهذا يعني أننا لم نعد نهتم حقًّا ببعضنا. وعندما أقول (نحن) فإنني أعني بشكل عام كل واحد فينا، غربيَّا كان أو غير غربي. فلسوء الحظ أصبحت الحداثة الآن ملكًا للجميع وليس للغرب فقط، كلنا ورثة لهذا التراث المريض. إن الافتقار الشديد للمسؤولية والمساءلة هو بالتحديد السبب وراء كل الدمار الذي يحيط بنا. لهذا السبب من المهم أن نستجيب لنداء طه بجعل الفلسفة الائتمانية جزءًا لا يتجزأ من الإنسان الجديد، المسؤول والمسائِل.

الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري

 

6. أنت تتفق مع أولئك الذين يرون أن مشروع طه الشامل هو انعكاس جذري لرواية الجابري الثلاثية للعقلانية. يبني الجابري روايته على مركزية «عقل البرهان»، بينما يركز طه عبد الرحمن على «عقل مسدد» لبناء روايته عن الحداثة الإسلامية. إذا كان «سبب البرهان» يعبر عن عيوب الحداثة الغربية، ألا يمكن أن يكون «العقل المسدد» تعبيرًا عن عيوب الحداثة الإسلامية أيضًا؟

حلاق: أعتقد أن أي شخص قرأ «الدولة المستحيلة» و«قصور الاستشراق» سيعرف إجابتي عن هذا السؤال. وأعتقد أن إجابة طه ستكون متناغمة معها كذلك. لأوضحها بإيجاز وكما أشرت أعلاه، نعتقد أن المشاكل الأساسية للحداثة تنبع من عملية العلمنة التي تعني أيضًا فصلَ الأخلاق عن كل شيء آخر (الحقيقة/القيمة، الكائن/الذي يجبُ أن يكون). لا أعتقد أن هناك طريقة لإصلاح الحداثة دون استعادة التوازن الأخلاقي، بطريقة مشابهة لما كان موجودًا عليه منذ آلاف السنين. إن إعادة بناء العقل المُسدد هي بالضبط الإجابة عن المشاكل التي يولدها العقل البرهاني، وهو ما تعانيه كذلك العقلانية الأداتية. هذا ليس طرحي وطه فقط، ولكن هو بالضبط ما دافعت عنه من قبل مدرسة فرانكفورت والعديد من المدارس الأخرى بقدر كبير من المصداقية. نحن البشر لا يمكن أن نعيش ونزدهر دون سبب أخلاقي.

7. العلمانية عند طه عبد الرحمن درجات. إن فصل الدين عن السياسة صورة دنيا من العلمانية، أما أعلى صور العلمانية عند طه فهي فصل الأخلاق عن الدين (الدهرانية)، وفي هذا الصدد قدم طه عبد الرحمن نقدًا أخلاقيًّا للعلمانية، هل يمكنك شرح هذه الفكرة أكثر؟

حلاق: أعتقد أن طه يرى أن العلمانية تجسيد لصفة واحدة في الأساس، قد تجسدُ العلمانية نفسها بصورة معتدلة أو حازمة، متسامحة أو أقل تسامحًا -كما في الولايات المتحدة وفرنسا، على سبيل المثال- ولكن العلمانية صفة متكاملة مثل الدولة. قد تصبح الدول في أزمنة الرخاء أقل قمعًا من غيرها، ولكن الدولة ستبقى دولة وستتصرف في نهاية الأمر بالطريقة نفسها إن وجدت نفسها في ظروف متشابهة. الأمر نفسه ينطبق على العلمانية، فهي جزء لا يتجزأ من تكوين الدولة الحديثة. إن فصل الأخلاق عن الدين ليس صفة منفصلة بل هو نتيجة مترتبة عن فصل الدين عن السياسة. إن إصرار طه على أنه لا يمكن أن تكون هناك أخلاق بدون دين ولا دين بدون أخلاق يهدف إلى نفي صحة ما وصفه رينيه جينو Rene Guenon بـ«الأخلاقوية»، فهذه الأخيرة هي الأخلاق الجديدة المعلنة ذاتيًّا وهي تتغير حسب الرغبة. أعتقد أن نقض طه في هذا الصدد يهدفُ إلى دحض الأخلاق العلمانية بجرأة، وإلى إعادة حقن الدين كتراث صوفي معتدل داخل مشروعه الذي يَحُوم حول «الحداثة الأخلاقية».

8. يرى طه أن حضارة الكلام تتميز بالمعرفة والتكنولوجيا. من الناحية الوجودية، أصبح الاثنان متكامليْن ومعتمدًا بعضهما على بعض، لدرجة أن السعي وراء المعرفة يُحدَّد ويُقيَّد حصريًّا بالتكنولوجيا. كانت ذروة العملية التي تطور النموذجان بها منذ أوائل القرن السابع عشر أيضًا واحدة، وقد أدت إلى أزمات في الأشكال الحالية للمعرفة، مما أفسح المجال لسيادة التكنولوجيا. هل نعيش اليوم في عصر التكنولوجيا، وهل يمكن أن تكون التكنولوجيا أخلاقية؟

حلاق: للإجابة عن سؤالك بإيجاز، أعتقد أنه من الواضح أننا نعيش في عصر تكنولوجي مكثف، أصبحت التقنية والتكنولوجيا نموذجيْن محورييْن، يهندسان أجندة مجالات الحياة الأخرى. أصبحت التقنية والتكنولوجيا حالة ذهنية واستعدادًا ثقافيًّا. أعتقد أنني وطه نؤيد بشكل كامل النتائج التي توصل إليها الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي جاك إلول Jacques Ellul. الأمر الأقلّ وضوحًا الذي لا يمكن الحسم فيه هو ما أثارهُ الجزء الأخير من سؤالك. هل يمكن أن تكون التكنولوجيا أخلاقية؟ لقد جادلت في «قصور الاستشراق» في أن التقية وكل الأمور المادية في العالم تُقيَّم بطريقة أو بأخرى وفقًا للقيم التي نعطيها إياها. فالمطرقة في يد مختل عقليًّا هي سلاح قاتل. لكنها في يد مايكل أنجلو أداة فنية ووسيلة لتحقيق الجمال. نتائج حيازة رجل عنيف للسكين ليست هي نفس نتائج حيازة طاهٍ ماهرٍ له. بالطبع يمكن أن يصبح الوضع أكثر تعقيدًا لكن المبدأ يظل ثابتًا.

يمكن أن تكون هناك تقنيات أو أدوات أو كيانات غير أخلاقية بطبيعتها، مثل القنبلة النووية أو الشركة [الرأسمالية]، ومن المهم التأكيد على أنهما نتاج الحداثة كما جادلت في ذلك الكتاب، يمكن للعقول غير الأخلاقية فقط أن تبتكر مثل هذه الاختراعات المدمرة. إن تخلّق الذات والعقل والقلب من شأنه أن يمنع مثل هذه الاحتمالات تلقائيًّا؛ لأن الذات الأخلاقية لا يمكنها أن تتسلَّى أو تفكِّر في مثل هذه الأمور. إذا رغب القارئ في قراءة عرض أكثر تفصيلًا لهذا السؤال المهم، فإنني تناولت هذه المسألة باستفاضة في «قصور الاستشراق».

9. هل نموذج طه للحداثة الإسلامية المبنية على الأخلاق يحل مشاكل العولمة أم يرسخ مشاكلها لأنه يدعم رواية «الآخر» التي تؤدي إلى الصراع؟

حلاق: أود أن أقول بأن الطرح الطهائي حول العولمة في أسوأ الأحوال يمكنه أن يُحسن تجليات المفهوم التي نعيشها اليوم. بالطبع يمكن للمرء أن ينتقد بعض ما يقوله طه في هذا الصدد، لكن أفكاره في الواقع تمثل تقدمًا هائلًا. كما أنني لا أعتقد أن فلسفته حول العولمة أو أي جانب آخر تخلق مشكلة «الآخر». الآخر كمعضلة ليس بالأمر الجديد. لقد كان دائمًا معنا منذ أن أصبحنا بشرًا، وأظن أن مملكة الحيوان تبني نفسها وفقًا لمنطلق «الآخر».

لطالما كنا نحمل معنا تصورات عن «الآخر» أينما ذهبنا. لكن الحداثة أبرزت هذه المشكلة بسبب القومية ونظريات العنصرية غير المسبوقة التي تحملها في داخلها، كما أثبتت الحداثة أيضًا أنها عنيفة بشكل استثنائي، وهو أمر سيتعين على أي شخص أن يعترف به عندما يراجع تاريخ القرن العشرين وتاريخ أوروبا عمومًا بالمقارنة مع التواريخ والثقافات الأخرى. في الواقع «العنف» هو واحد من تسعة وتسعين اسمًا قبيحًا للحداثة. أخلاقيات الحب والمحبة، أخلاقيات التعاطف والشفقة مع البشر وجميع المخلوقات الأخرى من شأنها أن تقلل من الآثار السلبية «للآخر الحديث». ويجب أن أضيف هنا أن مشكلة الآخر في الحداثة لا ينبغي فصلها أو عزلها عن مشكلة الطبيعة الأكبر. الطريقة التي نتعامل بها مع الطبيعة هي امتداد للطريقة التي نتعاملُ بها بعضنا مع بعض؛ لأننا في النهاية جزء من الطبيعة. لذا فأنا لست مهتمًّا فقط بكيفية تعامل بعضنا مع بعض، ولكن أيضًا بشأن كيفية تعاملنا مع الطبيعة منذ القرن السابع عشر. فكما يمكنُ أن يكونَ الآخر امرأة أو طفلًا أو رجلًا، فيمكن أيضًا أن يكون شجرة أو نمرًا أو نهرًا آخر.

10. ذكرت في الفصل الأخير أن طه يقدم مفهومًا جديدًا للإنسان، فكيف نتخيل مفهومًا جديدًا للإنسان في حين أن الحداثة الغربية شكلت بالفعل الإنسان الحديث؟

حلاق: دعني أبدأ بالإجابة عن سؤالك بالقول إنه لا يوجد معنى أو مكان للفلسفة ما لم يتمحور البحث حول الإجابة عن سؤال «ما نحن؟»، أو بصيغة أخرى، «ما نوع ذواتنا»؟ كان هذا السؤال -حتى القرن السادس عشر- الشغل الشاغل للفلسفة لآلاف السنين، ويجب أن يظل كذلك. يجب على كل عصر أن يسأل نفسه هذا السؤال، ويجب أن تصب طاقاته في الإجابة عليه ومعالجة المشاكل التي يكشفها تشخيص الذات. فكما جادل ميشيل فوكو وبيير هادو وآخرون بشكل مقنع في العديد من الكتب، وكما يَعْرِفُ العلماء المسلمون جيدًا، فإن الاهتمام بتكوين الذات وتقنياتها كان ممارسة حاضرة عند جميع الثقافات، باستثناء الثقافات الحديثة. هذا الإهمال للذات/الذاتية الحديثة مفهوم بالطبع تمامًا؛ لأن الاهتمام برفاهية الهياكل الداخلية للذات يتناقض مع النزعة الاستهلاكية البنيوية العميقة والمادية للحداثة. للإجابة عن سؤالك بوضوح: نعم، هذا بالضبط لأن الحداثة الغربية خلقت ذاتًا مريضة نحتاج معها إلى إعادة تصور وإعادة تصميم وإعادة خلق نوع آخر من الذات. إن خلق الذاتية مسألة تحتاجُ لتدريب، لكن التحدي يكمن في توافر الظروف اللازمة التي تسمح لهذا المشروع الإصلاحي بالنجاح. لقد أثبتت ذاتيتنا في الوقت الحاضر وعلى مدى القرون الثلاثة الماضية أنها مفلسة.

11. هل نموذج الفلسفة الائتمانية عند طه عبد الرحمن فوق النقد، وإذا كان الجواب بالنفي ما هي انتقاداتك للفلسفة الائتمانية ؟

حلاق: ليس هناك ما هو فوق النقد، لكن انتقاد المشروع لا يعني دائمًا أن هذا المشروع ضعيف أو غير صالح. في الواقع -كما أوضحت سابقًا- يعمل النقد دائمًا من داخل النظام الذي يُنتَقد، ومن ثمَّ فهو يهدف إلى تحسينه وتقويته. لكن النقض شيء آخر؛ لأنه يهدد أسس النظام بوصفه نقضًا. ليس لدي نقض لمشروع طه، وأنا أتفق معه إلى حد كبير. لكن لدي انتقادات.

خلاصة القول في فلسفة الائتمانية لطه أننا مخلوقات أخلاقية، والأخلاق هي التي تحددنا وتميزنا عن المخلوقات الأخرى. إلى هذا الحد أنا أتفق مع طرح طه. الخطوة التالية في مشروعه هي الافتراض أنه بصفتنا كائنات أخلاقية، فنحن ملزمون بالارتقاء إلى مستوى الثقة التي ألقيت علينا. هذا مبدأ قرآني من الدرجة الأولى، لقد خُلِقَ الإنسان خلقًا خاصًّا لينعم بثمار الأرض، لكن هذا يأتي مع عبء ثقيل من المسؤولية، حقنا هو الاستمتاع ولكن واجبنا هو إصلاحُ كل شيء من حولنا، أن نعامل أنفسنا وأجسادنا وعقولنا بالطريقة نفسها التي يعتني بها الله بكل هذه الأشياء. هذا هو السبب في أننا كجنس بشري قد جُعلنا خلفاء الله على الأرض. طه ببساطة يُحمِّل كل الأفعال البشرية إحساسًا كبيرًا بالمسؤولية؛ لأننا لا نستطيع أن نأخذ أي شيء على أنه أمر مُسَلَّم به، ولا يمكننا التعامل مع الأشياء على أنها وسائل لتحقيق الغاية. لا مكان هنا للأداتية والعقل الأداتي.

المفاهيم الائتمانية

 

أتفق مع كل اقتراح رئيس ضمن هذا المشروع، وفي الواقع كان تفكيري حوله متطابقًا تقريبًا لفترة طويلة. بعض العلماء المسلمين الشباب الذين علقوا على فلسفة طه -الائتمانية وغيرها بشكل عام أيضًا- اتهموه بتضييق دائرة الفلسفة بدلًا من توسيعها؛ لأنهم يفترضون أن العلمانية شاملة بينما لا يرون الدين كذلك. أعتقد أن هؤلاء العلماء لم يفكروا في العلمانية والحداثة بشكلٍ كافٍ. نعم، فلسفة طه إسلامية، وفي الحقيقة لم يدّعِ قط تأسيسه لرؤية عالمية لحداثة مُصلّحة. حتى إنه يسمح بأكثر من حداثة إسلامية. باسم التعددية والعديد من الافتراضات الإشكالية الأخرى، كانت العلمانية غير متسامحة وغير شاملة، ومن ثمَّ فهي لا تقل دوغمائية عن التفسيرات الدوغمائية للدين. إذا كان لكل مجتمع أو ثقافة أن تطور ممارسة الفلسفة الائتمانية (العلم والعمل في أسلوب وجود واحد)، أعتقد أن العديد من المشاكل التي نواجهها اليوم سوف تتلاشى، وسنكون جميعًا أفضل بها.