قراءة في كتاب «التفكير السياسي والنظرية السياسية والمجتمع المدني»

التفكير السياسي والنظرية السياسية والمجتمع المدني

هل يملك أحدٌ منَّا أن يتوقَّف عن التفكير في السياسة؟ والسياسة هنا بمعناها الواسع، أي سؤال الحكم وطبيعة الأنظمة السياسية الأمثل بالنسبة إلينا، ليتولَّد التساؤل الملازم له: كيف يدير المجتمع علاقته بهذا النظام أو الجهاز، وكيف للمجتمع والدولة أن يتصرفا مع محيطهما؟ إلى غيره من الأسئلة التي لا تنتهي، والتي لا يلوح في الأُفق إمكانية تقديم إجاباتٍ حاسمةٍ لها على أيِّ حال.

يعلِّمنا كتاب "التفكير السياسي والنظرية السياسية والمجتمع المدني" للباحثَيْن ستيفين ديلو وتيموثي ديل، الصادر عن مركز نهوض للدراسات والبحوث، عام 2020، بترجمة ربيع وهبة، يعلِّمنا كيفية التعاطي مع هذا النوع من الأسئلة السياسية، عبر إدراكٍ ذكيٍّ وإلمامٍ واسعٍ بكتابات الذين تفكَّروا في هذه الأسئلة عبر التاريخ، حيث سعى المؤلفان إلى إشراك القارئ المختص والعام في هذا النقاش من خلال إثارة قضايا عربية وعالمية معاصرة باستخدام نظريات الفلاسفة والمفكرين وتصوراتهم، بدءًا من سقراط وتلامذته ومحاوراتهم، مرورًا بالفارابي وابن رشد وابن ميمون، وهوبز وهيغل وماركس ورولز وإدموند بيرك، وصولًا إلى نيتشه وفوكو وأرندت وهابرماس وتايلور والنظريات النسوية، أي كل الإرث الفكري السياسي العالمي تقريبًا. وفي 752 صفحةً هي عدد صفحات الكتاب، و35 فيلسوفًا ومفكرًا يناقشهم الكتاب، هَدَفَ المؤلفان إلى الوصول إلى "فكرة المجتمع المدني"، ومناقشة آراء الفلاسفة والمفكرين حول هذا المجتمع.

إن أساس أفكار هذا الكتاب هو الإجابة على الأسئلة الفلسفية السياسية الأزليَّة: ما العدالة؟ وما الحرية؟ وما السعادة؟ وما الفضيلة؟ وما الأخلاق؟ وما السبيل الأمثل لتحقيق هذا لبني البشر؟ وكل ذلك رهن الإجابة أيضًا على السؤال الذي تأسَّست عليه كافة التصورات الفلسفية والنظريات في العلوم الاجتماعية والإنسانية: هل الإنسان كائن خيّر أم شرير؟
وقبل الشروع في عرض الكتاب نقول: إن استعراض المؤلفَيْن لآراء الفلاسفة ومواقفهم وإشراك كل فيلسوفٍ في نقاشٍ مع فيلسوفٍ آخر يعارضه في الموقف (فقرة في كل فصلٍ تحت عنوان: "الرد والتعقيب")، لهو من أمتع ما يمكن قراءته في هذا الحقل، خاصةً لطلبة العلوم الاجتماعية والإنسانية. ولذا كان من العسير في هذه المراجعة المحدودة المساحة أن نغطي جميع فصول الكتاب أو نناقش آراء كل فيلسوفٍ على حدة؛ ومن ثَمَّ فضَّلنا التنويه بالأفكار الرئيسة التي أراد الكتاب عرضَها.

مقاربات المجتمع المدني

يحدِّد المؤلفان مقصودهما بمصطلح المجتمع المدني بأنَّه يشير إلى "مساحة قائمة بين الحكومة الوطنية والفرد، تشغل هذه المساحة جماعات وروابط متنوِّعة، كل منها مُكرَّس لحفظ قِيَمٍ معيَّنة وتحقيق غاياتٍ خاصَّة"، وهذه الجماعات والروابط عند جين بيثك إلشتين هي: "الجماعات الطوعية، والأُسر، والمنظمات الدينية، والاتحادات التجارية، وجماعات المساعدة الذاتية، والجمعيات الخيرية، ومنظمات الأحياء والنوادي...إلخ"، ولا تعمل هذه الهياكل خارج سلطة الدولة لتشكِّل مجالًا مستقلًّا عن سلطة الدولة المركزية فحسب، بل لتشكِّل مجالًا مستقلًّا أيضًا عن الشركات الكبرى ومنظمات الأعمال التي تهيمن على الأسواق، وتؤثر في الحكومة تأثيرًا كبيرًا وحاسمًا. 

وعادةً ما يُختزل المجتمع المدني في عالمنا العربي إلى منظماتٍ ذات أهدافٍ خدميَّة أو سياسيَّة محدودة، وينبغي التذكير بأنَّ المجتمع المدني في هذا الكتاب هو في سياق "مدنية المجتمعات" بمعناها الأوسع، فإن تناول المؤلفَيْن للمجتمع المدني من زاوية مدنية العلاقات، وحضارية التواصل بين المجتمعات والجماعات، هو ما سمح لهما بتوسيع إطار التنظير الفلسفي فيه ليشمل فلاسفة ومفكرين بعيدين عن التنظير السياسي المعاصر.

وليس أساس المجتمع المدني هو السعي إلى حماية مصالح وقيم جماعاتٍ ضد مصالح وقيم جماعاتٍ أخرى، بل هدفه الأسمى هو احترام قيود الفضيلة المدنية والتزاماتها في الوقت نفسِه، أي القيم والصالح العام، ولبلوغ هذا الهدف ثمة ثلاث مقارباتٍ أساسية ومختلفة: "تطرح الأولى مجتمعًا مدنيًّا ديمقراطيًّا، وتطرح الثانية مجتمعًا مدنيًّا من الجماعات الوسيطة، وتطرح الثالثة رؤيةً ليبراليةً للمجتمع المدني".

المجتمع المدني الديمقراطي

تقيم هذه المقاربة "جسرًا بين الرؤيتَيْن الفردانية والجماعية للمجتمع المدني، ففي هذه الحالة يشترك الناس في المداولات العامَّة باعتبارهم أفرادًا، كل له مصالحه وحاجاته الخاصَّة. ولكن في سياق المداولة يفصح كلُّ شخصٍ عن مصالحه بطريقةٍ تساعد على خلقِ توجُّه سياسي عام ومشترك". وربما يكون الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط أحد أفضل المفكرين الذين أسهموا إسهامًا حقيقيًّا وجادًّا في هذه المقاربة، عبر ما سمَّاه بـ "العقل العام"، الذي يقصد به هنا: "جملة العمليات التي يقوم بها الفرد في سياقٍ اجتماعيٍّ، من تشاورٍ ومناقشاتٍ للتوصل إلى قراراتٍ بخصوص القضايا العامَّة". 

إن الغاية من المجتمع المدني لدى كانط هي تحقيق الحرية للجميع عبر حكم القانون. فالمجتمع المدني يقوم على وجود القوانين التي وُضعت وكُرست بحكم الدستور بغرض تأمين الحقوق لجميع المواطنين، وعلى الدولة -في المجتمع المدني- أن تحفظ القوانين التي تحمي حقوق الناس. وبقبول الأفراد لسلطة الدولة، فإنهم يعطون الإذنَ بالمحافظة على أساس تأمين حقوقهم، وهو ما دخلوا المجتمع المدني أصلًا لأجله. ومنح الحقوق الأساسية يتفق مع المبدأ الكانطي الرئيس القائل بأن على الأفراد أن يعامل بعضهم بعضًا باعتبارهم غاياتٍ. وسبب ذلك هو اعتقاد كانط أن الأفراد في المجتمع المدني لا يعاملون باعتبارهم غاياتٍ إلَّا عندما يتمتَّعون بحُريَّة متساوية، وهو ما لا يتحقَّق ما دام الأفراد لا يملكون حقوقًا أساسية متساوية. وبالنسبة إلى كانط، يتمثل "المبدأ الكلي للحق" في أن "كل فعلٍ -بنفسه أو بالمبدأ الذي يمثله- يمكِّن حرية إرادة كل فردٍ من التعايش مع حرية الآخرين جميعهم، بما يتفق مع قانون عام معيَّن، هو فعل صحيح". 

إلَّا أن المؤلفَيْن يقولان إن الرؤية الديمقراطية للمجتمع المدني "تفرض على جميع الأشخاص ثقافةً ديمقراطيةً، في حين أنهم ليسوا جميعًا ممَّن يودون إنفاق جزءٍ كبيرٍ كهذا من حياتهم في اتخاذ قراراتٍ جماعية، حتى لو كانوا ديمقراطيين".

مجتمع مدني من الجماعات الوسيطة

تقترح هذه الرؤية أن "الأفراد يُنشئون منظماتهم الخاصَّة لتقديم خدماتٍ مهمَّة، كالتعليم أو رعاية المسنين، ويبدي الأفراد داخل هذه الجماعات التزامًا مدنيًّا برعاية حاجات بعضهم البعض، ومن خلالها يخلقون فيما بينهم شعورًا بالانتماء في مجتمعٍ متكاملٍ ومنظَّم جيدًا". 
إلَّا أن المؤلفَيْن وجدا في هذه المقاربة أنه "مع تقلُّص الحاجة إلى الحكومة، قد تفقد المؤسسات القانونية الأوَّليَّة والضروريَّة لحفظ المجتمع المدني أهميتَها الأساسية بالنسبة إلى كثيرٍ من الناس". 

المقاربة الليبرالية للمجتمع المدني

"يتمثَّل الهدف الرئيس في الرؤية الليبرالية للمجتمع المدني في تعزيز احترام تنوُّع القيم وأنماط الحياة في المجتمع. ولا يتحقَّق هذا الهدف إلَّا في مجتمعٍ مُصمَّمٍ على أساس إتاحة الفرص أمام الشخص للتنقل عبر الأُطر الجماعية والانتماءات المختلفة بغرض إمداده بفرصةٍ لاكتشاف نمط الحياة الأنسب له ثمَّ عيشه. ففي الواقع، عندما يكون الناس أحرارًا في الانضمام إلى الجماعات وتركها، فإنهم يجدون طرقًا لتعويض ما لم يتوفَّر في إحدى الجماعات بفرصٍ يجدونها أفضل في جماعة أخرى".

تحديات مجتمع مدني عالمي

يناقش المؤلفان التعدُّدية الثقافية ودورها في تطوير مجتمع مدني عالمي، فالمجتمع متعدِّد الثقافات هو: "مجتمع يحتوي على جماعاتٍ مختلفة، ذات تقاليد وخلفيات متنوِّعة. وفي المجتمعات متعدِّدة الثقافات الناجحة هناك -برغم هذه الاختلافات- ما يكفي من استقرار وأرضية مشتركة ليتيح الازدهار لكل طريقة خاصَّة في الحياة، جنبًا إلى جنب مع الطرق الأخرى. ومصطلح التعدُّدية الثقافية غالبًا ما يُستخدم للإشارة إلى مذهبٍ سياسيٍّ يهدف إلى إقامة مجتمعٍ متعدِّد الثقافات، يكون فيه عددٌ كبيرٌ من الجماعات المختلفة ثقافيًّا قادرًا على الازدهار دون إلحاق الضرر باستقرار المجتمع. وعند استخدام الاختلاف في سياق التعدُّدية الثقافية، فإنه يفسر في الغالب تفسيرًا واسعًا ليشمل العِرق والإثنيَّة والدين والنوع الاجتماعي، والطبقة والتوجُّهات الجنسيَّة والمنطقة الجغرافية والقدرات. ويهدف كثيرٌ من المنظرين المنخرطين في نقاشات التعدُّدية الثقافية إلى توسيع مفاهيم المجتمع المدني، كي تفسِّر على نحوٍ أفضل الكثير من الاختلافات الحقيقية الكامنة فيه". والمثير في هذه المناقشة المطوَّلة باستخدام يورغن هابرماس وتايلور، هو طرح التحديات أمام بناء مجتمع مدني عالمي من خلال أمثلة عربية وشرق أوسطية؛ ذلك أن العجز عن تأمين مجتمع مدني في الشرق الأوسط لا يمثل إشكاليةً أمام تقوية مجتمع مدني عالمي فحسب؛ بل يهدِّد مستقبل المجتمع المدني في مناطق أخرى يشهد فيها طفرة واضحة حاليًّا، ومن الأمثلة على هذا ما يلي:
نجد كثيرًا من المواطنين في أوروبا والولايات المتحدة وكندا "يقاومون قبول اللاجئين السوريين في مجتمعاتهم. ويمثِّل هذا الرفض اختبارًا لاستمرارية المجتمع المدني في البلدان المضيفة؛ لأن المجتمع المدني لو اعتمد على تحقيق حوار أخلاقي يؤدي إلى التسامح وسط الناس المختلفين، فإن رفض الناس بصورة صارخة لاختلافهم يقلِّل من أهمية هذه المنظومة، ويجعل الأمر في الحقيقة يبدو تهديدًا لأمن الأُمَّة".

مخاطر تدهور المجتمع المدني

يخشى المؤلفان من أنَّ تدهور المجتمع المدني سيؤدي إلى خسارة البشرية لسمتَيْن أساسيتَيْن ومهمتَيْن:
الأولى: الاعتدال والقدرة على التوافق؛ إذ إنَّ المجتمع المدني بوصفه مجالًا منفصلًا يعلِّم الناس أهمية التشاور العام، وبانخراط الأفراد في حوارٍ متبادلٍ قوامه الأخذ والرد، فإنهم سيتعلَّمون الاعتدال والتوافق.
والثانية: تراجع تقدير الفضائل المدنية وقِيمها، فإنَّ "المهم في المجتمع المدني، الذي يتمثل محركه بلا شكٍّ في التشاور العام، هو تعليم الفضيلة المدنية بوصفها قيمةً أخلاقيةً رئيسةً تؤكِّد احترام القيم المشتركة، وطرق الحياة التي تمكِّن الناس من البحث عن الصالح العام وتعزيزه. إذ إن هذه الخبرة تُسفر في الغالب عن وصول الأفراد إلى تقدير الفضائل المدنيَّة المهمَّة، ولا سيما التسامح والاحترام المتبادل. هاتان القيمتان اللتان أصبحتا من القضايا المهمَّة في نسيج مادة هذا الكتاب".