قراءة في كتاب: التأسيس الائتماني لعلم المقاصد

تأسيس

هذا الكتاب جهد فلسفي متميز، ويُمثِّل امتدادًا لجهود كبار المقاصديين في «تخليق الشريعة» وترسيخ «وحدتها الأخلاقية والأمرية»، في مخاطبة وإصلاح الإنسان ظاهرًا وباطنًا.

كتاب الدكتور طه عبد الرحمن الجديد «التأسيس الائتماني لعلم المقاصد» الذي صدر عن مركز نهوض للدراسات والبحوث عام 2022م، كتاب غزير ومتدفّق لا يكاد القارئ يلتقط أنفاسه وهو يتتبع بناءه المدهش، إنه تواشج قِيمي إيماني لُغوي أصولي منطقي فلسفي فريد، وهو -ككل أعمال المؤلف- لن يُدلّ على مضمونه إلّا من خلال دراسته بتأنٍّ وطول تأمل، وقد قرأتُ هذا الكتاب أوّل صدوره قُبيل رمضان، ثم قرَّرتُ إعادة قراءته لأكتب عنه هذا التقديم المتواضع، لكن ضيق وقت رمضان لم يسمح لي إلّا بمراجعة عاجلة.

افتتح المؤلِّف كتابَه بسؤال تجديدي لافت أسماه (سؤال المشروعية: هل علم المقاصد علم مشروع؟)، إذ لم يكن ليخطر على بال الباحث المقاصدي الشك في مشروعية عمله، لكن الفيلسوف المنطقي يأبى إلّا تتميم عمله وإغلاق كل منافذ التشكك التي قد تتطرق إليه. ولا يخفى على القرّاء أن المؤلف يرفع مستوى البحث ليُلامس البعد التأسيسي، مُتعاليًا على أزمة الأسس التي ضربت بعمق في أنحاء الأفق المعرفي الغربي الحديث. وسؤال المشروعية هو مساءلة لأساس حق الفقيه المقاصدي في الحديث عن المقاصد الشرعية، فتقرير المقاصدي لـ«مُراد الشارع» «ينزل رُتبةً غير رتبة حكم الشارع، أمرًا أو نهيًا أو إباحة، إذ هو حكم على حكم الشارع»، وإذا كان المقاصدي يُعلِّل حكم الشارع، فحاجة حكم المقاصدي إلى التعليل تصير من باب الأَوْلى.

يذهب المؤلف في بنائه للإجابة عن معضلة الأسس المقاصدية إلى التفرقة بين «البلاغ النبويّ» (الذي تتأسس عليه الأحكام المُنزلة) و«الخطاب الإلهي قبل ورُود التبليغ»، فيجعل لصلة الإنسان بالإله بهذه التفرقة طَوْرَيْن مُتعاقبَيْن، حيث يكون التبليغ النبوي عبارة عن تذكير بالخطاب الإلهي السابق. ويبني المؤلف كتابَه على ثلاث صِلات بين «الشريعة» (التبليغ النبوي) و«الخطاب الإلهي» (صلة الشريعة بالفطرة: ميثاق الإشهاد) و(صلة الشريعة بالإرادة: ميثاق الاستئمان) و(صلة الشريعة بالتّزكية: ميثاق الإرسال). فـ«الفطرة» و«الإرادة» و«التزكية» هي أركان حاكمية الفقيه المقاصدي، وهي مؤسسة على المَواثيق الثلاثة المذكورة.

في الفصل الأول، اشتغل المؤلف بتأسيس «الفطرة» على «ميثاق الإشهاد»، وفي طريقه إليه ميّز بين مفهوم «الفطرة» ومفهوم «الغريزة»، مناقشًا العلّامة «ابن عاشور» والعلّامة «علال الفاسي» في تأويلهما لمفهوم «الفطرة» وتمييزه عن مفهوم «الغريزة». وقد بيّن المؤلف بعض الأصول الفلسفية التي دخلت على منظور «الطاهر ابن عاشور» (وسنجد صدى هذا التفريق بين «الفطرة» و«الغريزة» يتردّد طوال الكتاب). وفي تبيينه للمضمون القيمي الفطريّ، بيَّن الأساس الأسمائيّ لهذه «القيم» و«المعاني» (صلتها بالأسماء الحسنى). وتقدّم المؤلِّف في الفصل الثاني بتأسيس مفهوم «القيمة» تأسيسًا لافتًا، حيث بيّن أنه مفهوم قرآني أصيل، وأنه ضروريّ لأيّ علمٍ شرعي فضلًا عن علم المقاصد، مُؤاخذًا المَقاصديّين بكونهم لم يجدوا حاجةً إلى استثمار مفهوم «القيمة» والارتقاء به إلى أفق «الحكمة» و«المعنى»، وقد أتى هذا الفصل متميزًا بتحريره وإبداعه.  

التأيس غلاف
                                            كتاب التأسيس الائتماني

في الفصل الثالث، يُحلِّل المؤلف تأسيس «الائتمار» على «الإشهاد»، فلئن كانت «الفطرة» أساس «الائتمار»، فإن «الإشهاد» هو الأساس الائتماني لـ«الفطرة»؛ إذ «الفطرة ميثاقيّة» فيكون تأسيس الشريعة على «ميثاق الإشهاد» تأسيسًا لوَجْهها الائتماري. وبظنّي أن المؤلف يفتح آفاقًا بحثيّة بالغة الأهمية في التأسيس الشرعي، سيكون لها أثرُها في التفكير الديني الائتماني.

وكعادة المؤلف في الاعتراض على نفسه، والإجابة عن الاعتراضات المُحتملة، أورد اعتراضات وبيَّن إجابته عنها، وقد قرّر هنا أمرًا جليلًا حيث اعتبر الفطرة بمنزلة «المَحلّ الذي يُواصل فيه الإنسان تَلقّي السؤال الأول وشُهود الاتّصال الأوّل» (كأنّ أخذ «ميثاق الإشهاد» ما يزال مُستمرًّا ومُلازمًا له على مدى حياته). وهكذا، فحقيقة «الفطرة» هي أنها خطاب الله في وجدان الإنسان سؤالًا واتّصالا، وذلك في مقابل «الشريعة» التي هي بلاغُه إلينا بيانًا وبيْنًا، وهو هنا يستدلّ بقول «ابن تيمية»: «الكمال يحصل بالفطرة المُكمَّلة بالشِّرعة المُنزلة».

وبعد هذا، سيتعمق المؤلف في بيان كيف تستمدّ «الفطرة» من «ميثاق الإشهاد»؟ وسيُتمّم هذا -لاحقًا- ببحث كيف تُمدّ الفطرةُ الشريعةَ؟ ولذا سيتوغّل الفيلسوف في تحليله مُستثمرًا فكرته المدهشة عن أن «السؤال الإشهادي ما يزال يتردّد في الفطرة بغير انقطاع»، وكذلك أن «الاتصال الإشهادي قائمٌ بغير انفصال». ولا يمكن الإتيان هنا على الخيط الدقيق الذي تتبّعه المؤلف بحذاقة تميَّز بها قلمُه المبدع، ولا بُدَّ للقارئ المهتمّ أن يأخذ بتتبع هذا الخيط بانتباهٍ عالٍ، لئلّا تفوته فقرة قد تقطع تسلسُل المعنى المستمدّ وترابطه.

خصص المؤلف الفصل الرابع للأسماء الحسنى والقيم الأسمائية، وبتحليل متسلسل يصل المؤلف إلى نتيجتَيْن:

- أن «القيم» عبارة عن الآثار التي أحدثتها «الأسماء الحسنى» في «الفطرة»، هذه الأسماء التي تَعرَّف الربُّ بها إلى ذُرّية آدم عند إشهادهم على رُبوبيّته.

- أن هذه الآثار مُؤثِّرة وليست مجرد انفعالات معنوية؛ لأن الانفعال بالأسماء يعني تلقّي هذه الفاعلية عنها، ومن هنا تنكشف لنا فاعلية القيم على الإنسان.

«ميثاق الإشهاد» هو الذي علَّم الإنسان كيف يتوسط بالقيم الأسمائية في تكوين عقله، في حين أن «ميثاق الاستئمان» سيُعلّم الإنسان قدرةً أخرى غير «العقل»، وهي «الإرادة».

وسيُخصّص المؤلف عديد الصفحات لتحريرات مهمة وثمينة حول وظيفة «القيم» وأثرها في المعرفة والإدراك والتجربة لدى الإنسان، ثم أنواع العلاقات بين «القيم الأسمائية»، ليصل إلى نماذج تطبيقية للعلاقات الأسمائية على «المقاصد»، حيث سيتّضح في تحليله لهذه الموضوعات السّامية أن «ميثاق الإشهاد» هو الذي علَّم الإنسان كيف يتوسط بالقيم الأسمائية في تكوين عقله، في حين أن «ميثاق الاستئمان» سيُعلّم الإنسان قدرةً أخرى غير «العقل»، وهي «الإرادة» («العقل» و«الإرادة» هما الخاصيّتان اللّتان بهما قِوام الإنسانية).

أما الباب الثاني، فخصّصه المؤلف لبناء «الإرادة» على «الاستئمان»، واشتبك مُطوّلًا مع «ابن عاشور» في عدّة نقاط تتعلّق بـ«ميثاق الاستئمان»، ثم إن تأسيس مفهوم «الإرادة» على «ميثاق الاستئمان» أفضى إلى تناول مفهوم «الإرادة» من خلال «القصد» -موضوع الفصل السادس- الذي ينقسم إلى لغوي وشعوري، وفيه نازع المؤلف موقف «الشاطبي» من تفريق «الإرادة الإلهية»، وأورد عليه اعتراضات مُتعدِّدة، مُميِّزًا بين «الأمر في عالم التواثُق» و«الأمر في عالم التّعامُل»، ثم يُورد اعتراضات على استعمال مفهوم «القصد» بوصفه عنوانًا لهذا العلم المسمى بـ«علم المقاصد»، فنراه يستبدل مكان «القصد» مصطلحَ «الفهم»، وهنا تظهر مراجعة المؤلف لاجتهاداته السابقة المنشورة في كتاب «سؤال المنهج» بخصوص التقسيم المعروف عنه الذي فرّق فيه بين «القُصود» و«المقصودات» و«المقاصد»، وقد حافظ المؤلف على القضايا الأساسية نفسها وأجرى تغييرًا في الأسماء، فحافظ على مصطلح «القصد» (وجمعُه «القُصود») للدلالة على المعنى الشعوريّ، وأما مصطلح «المقصود» (وجمعُه «المقصودات») وهو المعنى الدلالي، فقد ارتأى أن مصطلح «المفهوم» (وهو من «الفهم» أو «المُراد») أنسب وأقرب لعدم الجَزْم بـ«المُراد الإلهي»، وأيضًا لما تتضمّنه عبارة «مقصود الإله» من تشبيه، (ويمكن أيضًا مراجعة ما وجّهه المؤلف في كتابه «المفاهيم الأخلاقية» من نقد للنظرية القصدية للفيلسوف الأمريكي فيليب كوين، فقد تناول وقوع نظرية هذه المدرسة الأخلاقية في آفة التشبيه النفسي)، وأما مصطلح «المقصد» (وجمعُه «المَقاصد») فهو يدل على «المضمون القِيمي»، وأيضًا استبدل به المؤلف مصطلح «القيمة»، بحيث يكون «علم المقاصد» هو «علم القِيم».

وفي الفصل السابع، يدخل المؤلف في القسم الثاني من معاني «القصد» (الذي يُجمع على «القُصود») وهو «المعنى الشعوري»، وقد احتفظ الأستاذ بهذه التسمية خلافًا لما فعل مع الاسمَيْن الآخرَيْن، فتناول بالتحليل مفاهيم «الباعث» و«العزم» و«النية» و«الإخلاص»، وافتتح هذا الفصل بتحليل خصائص «القصد الشعوري»، ثم تناول خاصية «الوجدان» وخاصية «التَّغْيِيَة» التي هي «إنشاء الغايات»، كما تناول مفهوم «القلب» فاعترض على مبدأ أن «النِّية» محلّها «القلب»، وجعل «الرُّوح» تقوم مكانها، وأفرد لمفهوم «الروح» حيّزًا واسعًا من البحث، ثم تناول مفهوم «السِّرّ» بوصفه محلّ «الإخلاص» الذي وصفه بـ«الأصليّة» و«اللّانهائيّة».

وفي الباب الثالث، يقوم المؤلف بتأسيس «التزكية» على «ميثاق الإرسال»، آخذًا في بيان مفهوم «التزكية» وناقدًا إهمال المَقاصديّين له رغم تردّده في «القرآن الكريم»، ممّا يُشير إلى إهمالهم للمُكوّن الأخلاقي من «المقاصد»، كما أظهر مُفارقةً وقع فيها أهل المقاصد، وهي أن «علم المَقاصد» يبدو من اسمه أنه يُضادّ مضمونه، فاسمه يُفيد معنى «علم الأخلاق الإسلامية»، في حين أن موضوعه يدور على «الأحكام القانونية» من الدين، وقد نتجت عن هذه المفارقة مفارقةٌ أُخرى، وهي أن «القيم» لا تُطلَب لذاتها كما يقتضي الواجب، وإنّما تُطلب من «الأحكام» تعليلًا لها، بحيث تبدو «القيم» خادمة لـ«الأحكام»، ممّا يعود على أصالتها بالنّسيان.

شرع المؤلف بعد ذلك في بيان انبناء «التزكية» على خطاب التبليغ في «ميثاق الإرسال» الذي يختصّ بالوصل بين «الحالة التّواثُقيّة» و«الحالة التّعامُليّة»، إذ تجلّت الإرادة الإلهية بالمصالح الدنيوية والأُخروية التي يُراد بها تزكية الإنسان، فتناول «عالميّة التّزكية»، ومن هنا تناول الأستاذ مفهوم «المصلحة» متوسعًا في التحليل ومُجدّدًا النظر في كثير من موضوعاتها، مُتحاورًا مع «الغزالي» و«العز ابن عبد السلام»، ثم مع «ابن تيمية» و«الطوفي» الحنبليّ.

وفي الفصل العاشر، عمل الأستاذ البصير منطقيًّا على نقد التوسُّل بالاستقراء لمعرفة المصالح والمقاصد مُبيّنًا أخطاره على الفقه، فجاء بتحقيقاتٍ ثمينة وجوهرية وهو من أخصب المواضع الإبداعية في الكتاب، ثم تناول تأسيس علل الأحكام الشرعية على وجود الشريعة، فالتوحيد الإشهادي هو العلة العقدية لوجود الشريعة، والمسؤولية الائتمانية هي العلة التكليفية لوجود الشريعة، والتزكية العالمية هي العلة التبليغية لوجود الشريعة. وفي هذا الفصل عمل المؤلف على إعادة النظر بشكل جذري في التقسيم المعهود للمصالح؛ تمهيدًا لوضع تقسيم ائتماني جديد، كما تناول فيه مفهوم المصلحة وعلاقته بمفهوم القيم، وأيضًا العديد من المفاهيم، مثل الإحسان عند «العز ابن عبد السلام»، ومفاهيم الصلاح والنور والمصلحة والمفسدة واللّذة.

وفي الفصل الثاني عشر والأخير، تناول التقسيم الائتماني لأصول القيم مؤسسًا مبادئ هذا التقسيم على أربعة أُسس: مبدأ الفرق بين «العبدية التسخيرية» و«العبدية التخييرية»، ومبدأ قيميّة كل شيء، ومبدأ أخلاقية كل شيء، ومبدأ تقديم «القيم الغائيّة» على «القيم الوَسَليّة». وبِناءً على هذه المبادئ قام بتقسيم القيم الأخلاقية إلى «قيم فطرية» أو قل «أسمائية»، و«قيم غريزية» أو قل «أشيائية»، مقسمًّا «القيم الغريزية» إلى «قيم حيوية» و«قيم مادية»، ومقسمًا «القيم الفطرية» إلى «قيم التوحيد الإشهادي» و«قيم المسؤولية الائتمانية»، ثم مقسّمًا «قيم التوحيد الإشهادي» إلى «قيم عقدية» تشمل «قيم الإيمان» و«قيم العزم»، و«قيم روحية» تشمل «قيم النية» و«قيم الإخلاص» و«قيم الإحسان»، ومقسّمًا «قيم المسؤولية الائتمانية» إلى «قيم عقلية» و«قيم عملية»، ولا يخفى تميّز هذا التقسيم وشموله ودقته. وبيَّن المؤلف فيما بعد بعض الاعتراضات السابقة على التقسيم المعهود، فبدأ بـ«ابن تيمية»، ثم أعقبه بـ«العز ابن عبد السلام»، ثم أورد الاعتراضات المحتملة على التقسيم الائتماني وأجاب عنها.

وفي الخاتمة يُعطي المؤلف تصورًا جامعًا عن عمله في الكتاب نقدًا وبناء. وتبقى ملاحظة عامة يمكن الإشارة إليها وهي أن المؤلف في كتابه هذا بدا أقرب إلى ثلاثة من المقاصديّين أكثر من غيرهم، وهم «ابن تيمية» و«ابن القيّم» و«العز ابن عبد السلام»، في حين سيلمح القارئ أنه اتّخذ مسافةً نقديةً مع «أبي إسحاق الشاطبي» و«الطاهر ابن عاشور»؛ ولهذا بيّن في نهاية خاتمته أنه في نقده لبعض العلماء قد تحرّى ألّا يتحامل على أحد منهم؛ إذ يقول عن كل منقود: «بل لم يكن نقدُنا له إلّا إبرازًا لدوره الاجتهادي الكبير، بل غالبًا ما كان نقدُنا لدعاوى بعضهم مصحوبًا بتأييدنا لدعاوى أخرى له، حتى كأننا لم ننقُده قط، بل كأنّنا ننحاز إليه، وما ذاك إلّا لأن هدفنا من هذا العمل لم يكن إلّا الإسهام في بناء «علم المقاصد» على أُسُس عالمية لا تتزلزل، أُسس تُسنِد مشروعيته وتُبرِز معقوليته وتُوطِّد مقبوليته في العالم».

روح الدين
                      كتاب روح الدين للدكتور طه عبد الرحمن

وهنا نجد من المناسب استحضار مقولة المؤلف في كتابه «روح الدين»: «إن هذا لا يعني أننا لم نحفظ لمن انتقدناهم أَقْدارَهم وأَفْضالهم، حتى ولو عَدَّنا بعضُهم خصمًا لهم، مع أننا لا نُخاصم إلّا الباطل ولو التبس علينا من غفلةٍ من أمرنا؛ لا جَرَمَ أننا نَكْره الخصومة، لكن الباطل أكرَهُ إلينا؛ وفي المقابل، فإنَّ فيمَن انتقدناهم مَن يَعدُّنا نصيرًا لهم، مع أننا لا نناصر إلا الحق ولو ظهر على يد خصمنا؛ لا جَرَمَ أننا نحب النصرة، لكن الحق أحبّ إلينا» .وبلا ريب، فهذا العمل الفكريّ سيُلقي بظلاله على حوارات «المقاصد» و»الأخلاق» كليْهما، حيث حسم المؤلف علاقة الأخلاق بالمقاصد ورسّخها ترسيخًا من خلال استبدال وصف «القيم» مكان «المَقاصد»، فـ«المَقاصد» عند فيلسوفنا إنما هي «القيم» و«الأخلاق».

هذا الكتاب جهد فلسفي متميز، ويُمثِّل امتدادًا لجهود كبار المقاصديين في «تخليق الشريعة» وترسيخ «وحدتها الأخلاقية والأمرية»، في مخاطبة وإصلاح الإنسان ظاهرًا وباطنًا.