قراءة في كتاب: ميلاد مجتمع (شبكة العلاقات الاجتماعية)

ميلاد مجتمع

يُعَدُّ هذا الكتاب صغير الحجم مرآةً كاشفةً لجميع أفكاره في بقية كتبه، فلا يُقرأ بمعزِلٍ عنها

هذه قراءة في كتاب «ميلاد مجتمع» للأستاذ مالك بن نبي[1]، أحد أعظم وأشهر روَّاد فكر النهضة في العصر الحديث، ويُعَدُّ هذا الكتاب صغير الحجم مرآةً كاشفةً لجميع أفكاره في بقية كتبه، فلا يُقرأ بمعزِلٍ عنها، وهذا ما حاولت فعله؛ إذ استدعيت في حاشية القراءة إضاءاتٍ من كتابه «شروط النهضة»، خاصةً فيما يتعلق بأثر الفكرة الدينية، وقد اعتمدت في هذه القراءة على تحليل نص المؤلف وإعادة هيكلته بوضع عناوين فرعية تزيد من إضاءة الفكرة وقدح زناد تأمُّلها، ما ساعدني في ترصد أدوات الكتاب التي قام عليها بناؤه، ومنها مصطلحات مثل: المجتمع، والروح، والحضارة، والثقافة.         

وكان الهدف أولًا هو عرض أفكار الكتاب، ثم التعرف إلى أدواته التي قام عليها بناؤه التحليلي، وكذا التعرف إلى نظرية فلسفية تاريخية كامنة فيما ورائيات هذا النص، وبعد التثبُّت من هذا المطلب ألمحتُ إلى أصالتها من عدمه، وانتهيت منها إلى أن مالك بن نبي كان يؤسِّس فلسفة تاريخية خاصة به، لكنه في الوقت نفسِه لم يبعد في أصل فكرته عن ابن خلدون وغيره كما أشرت في أثناء القراءة.

وتهدف هذه القراءة إلى استكشاف المعالم الرئيسة للمشروع الإصلاحي عنده، التي تُعنى أصالةً بمعالجة مشكلة التخلُّف، وقد انبثقت تلك الغاية من مشروعه الأكبر حول النهضة الحضارية ودورتها ومشكلتها، وهو ما تمثَّل في عنايته بأدوات علم فلسفة التاريخ وروَّاده بوصفهم أدوات قراءة للمشهد الحالي في مسرح تاريخ العرب، وخاصةً الحالة الجزائرية[2].

أهم قضايا الكتاب

أراد مالك بن نبي أن يؤسس في هذا الكتاب نظريةً تاريخيةً أو لنقل فلسفة تاريخية خاصة به، طوَّر خلالها عدَّة أقوال ونظريات، وصك مصطلحات عدَّة، لم تكن شديدة الأصالة، ولم تكن كلها من بنائه النظري، بل أعاد ترتيبها ونظمها، ثم صقلها بالتحرير والتنظير، وهو تنظير غلبت عليه أحيانًا لغة هندسية صارمة، لصورة قد تبدو غير واقعية بناها على مثال أفكاره، ونشرها تحت عنوان ميلاد مجتمع أو «شبكة العلاقات الاجتماعية»، ويفسر مالك هذا العنوان فيقول: «وهي تشمل في الواقع بمقتضى هذا العنوان وبصورة منهجية المفاهيمَ النظرية التي ترجع إليها العناصر التاريخية الخاصة بميلاد مجتمع»[3.

مفهوم «المجتمع» عماد النظرية

يُعَدُّ مفهوم «المجتمع» أبرز مفهوم أعمل مالك فيه فكره في هذا الكتاب؛ إذ أفرد له صفحات عدَّة، لبيان مقصده منه، بل يُعَدُّ هذا المصطلح هو روح فكرة الميلاد ككل، وروح أفكاره كلها في هذا الكتاب، وإعماله إعمال لها وإبطاله إبطال لفلسفته كلها، وغايته من هذا كله فيما يقول:

«إننا نريد أن نعطي للقارئ العربي والمسلم فرصة التأمُّل في هذه المرحلة من تاريخ المجتمع، حين يولد، أو حين ينهض، وذلك بأن نريه أن النهضة الحقَّة تقع في ظاهرة اجتماعية عبَّر عنها النبي صلى الله عليه وسلم بقول: «لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها»[4].

أ- فما المجتمع عند مالك؟

لم يبعد كثيرًا في تقسيمه للمجتمع عن ابن خلدون، فقد قسَّم المجتمع إلى طبيعي/بدائي وتاريخي، والفرق الجوهري بينهما أن: «المجتمع الطبيعي أو البدائي لم يعدّل بطريقة مُحسَّة المعالم التي تُجدد شخصيته منذ كان، وأن المجتمع التاريخي الذي وُلِدَ في ظروف معيَّنة قد عدَّل من بعد صفاته الجذرية ابتداءً من هذه الحالة الأولية طبقًا لقانون تصوره»[5].

ويمثِّل للنوع الأول: وهو المجتمع الطبيعي الساكن ذو المعالم الثابتة- بمستعمرات النحل والقَبَلية الإفريقية في عصر ما قبل الاستعمار، والقَبَلية العربية في العصر الجاهلي. وهو ما يؤكِّد تأثُّره بتسميات ابن خلدون وتصوره لمرحلة البداوة.

أما النوع الثاني : وهو المجتمع التاريخي المتحرك الخاضع لقانون التغيُّر- فله عنده عدَّة صور، فيرى أن هذا النوع ليس وحيد الصورة، وأنه يتنوع في تركيبه من حيثُ طريقة نشأته، ومن حيثُ تشكُّل بنائه.

ب- ينشأ المجتمع التاريخي بطريقتَيْن:

إما أن يتركب من مواد جديدة، مواد -كما يقول المؤلف- لم تعرض لتغيُّر تاريخي سابق، وإما من عناصر ومواد استخدمت في مجتمع تاريخي سابق: «تحولت عناصره المكونة له بسبب تقادمه أو انبساط رقعته إلى عناصر مهيأة للاستخدام، إما في صورة هجرة، أو إعادة بناء لأنقاض مجتمع مختفٍ»[6].

 لكن أهم ما في هذا التصور لعملية التكوين هو استنباط مالك لقوانين هذا التغيُّر والتكوين، وهو ما يضاف إلى ما يمكن أن نطلق عليه «فلسفة مالك التاريخية»، فهو يرى أن عملية استعارة المواد والعناصر من المجتمعات السابقة تُستعمل كالتالي[7]:

أولًا: المصدر التاريخي لعملية التغيير المطردة.

ثانيًا: المواد التي تمر بتأثير هذا التغيُّر من حالتها قبل الاجتماعية، مرورًا يمكن معه أن تحوزها اليد المغيرة إلى حالتها الاجتماعية الجديدة.

ثم حلَّل مالك المجتمعات حسب عوامل التغيير الثلاثة، فالمجتمع التاريخي بالنسبة للزاوية الأولى فيه نوعان من المجتمعات:

الأول: هو المجتمع الذي شكَّلته حتمية طبيعية كونية، سواء كانت بطريقة مفاجئة أم بخط سير طبيعي، وهو ما يطلق عليه مالك «المجتمع الجغرافي»، وإليه ينتمي المجتمع الأمريكي؛ إذ هو ثمرة هجرة أوروبية.

الثاني: هو المجتمع الذي قدحت زناده فكرة، فأنارت له طريقة ميلاده، وإلى هذا النموذج ينتمي المجتمع الإسلامي، كما ينتمي إليه المجتمع الأوروبي الأصلي الذي يُعَدُّ ثمرةً للفكرة المسيحية.

 الجوهر أصل بقاء المجتمعات

بعد أن بيَّن مالك رؤيته العامة لنشأة المجتمعات، وقوانين هذه النشأة، فرَّق تفرقةً عبقريةً بين جوهر المجتمع -وإن صحَّ أن نقول عالم أفكار المجتمع- وبين أفراده أو عالم الأشخاص، وهو ما يعبر عنه بـ«شخصية المجتمع»، فقد يفقد المجتمع شخصيته ويُمحى من التاريخ مع بقاء أعداد شعبه كاملة، ومع ذلك يصبحون بلا هوية ومستعدين للدخول في رحاب مجتمعٍ آخر، ولعله هنا يقترب من معنى حديث النبي ﷺ: «ولكنكم غثاء كغثاء السيل»، ويضرب مثالًا لذلك بالمجتمع الغالي الذي اندمج أفراده في المجتمع الروماني الجديد. وعلى العكس من ذلك قد يذهب أفراد مجتمعٍ ما عن آخرهم ويبقى المجتمع محتفظًا بشخصيته وعالم أفكاره، بل ويفرضها على القادمين الجدد والوافدين إليه، ويضرب لذلك مثلًا بالمجتمع الصيني وقبائل المانشو والمغول حين غزوا مملكة الصين. يقول مالك: «فالمجتمع يحمل في داخله الصفات الذاتية التي تضمن استمراره وتحفظ شخصيته ودوره عبر التاريخ».

هذا الجوهر الثابت من وجهة نظر مالك هو ما يحدِّد عمر المجتمع ويُشكِّل عامل استقراره، ثم يصل أول الأمر بآخره، فيقول: «وهو الذي يتجسد في نهاية الأمر في شبكة العلاقات الاجتماعية التي تربط أفراد المجتمع فيما بينهم، وتوجه ألوان نشاطهم المختلفة في اتجاه وظيفة عامة، وهي رسالة المجتمع الخاصة به»[8].

وما سبق هو استكمال لاستكشاف رؤية مالك لفلسفة التاريخ أو علم عمرانه الخاص، وهي في معظمها أقوال يمكن أن تُرد للأقوال المؤسسة في علم فلسفة التاريخ

وما سبق هو استكمال لاستكشاف رؤية مالك لفلسفة التاريخ أو علم عمرانه الخاص، وهي في معظمها أقوال يمكن أن تُرد للأقوال المؤسسة في علم فلسفة التاريخ. وهو ما دعاه بعدها لصك تعريف زمني/علمي لمصطلح «المجتمع»، وهو الجماعة الإنسانية التي تتطور ابتداءً من نقطة يمكن أن يطلق عليها مصطلح «ميلاد»[9]، ثم يعرِّف لحظة الميلاد بقوله: «ولكن حين نتحدَّث عن ميلاد معيَّن فإننا نعرِّفه ضمنًا بوصفه (حدثًا) يسجل ظهور شكل من أشكال من أشكال الحياة المشتركة[10]، كما يسجل نقطة انطلاق لحركة التغيير التي تتعرض لها الحياة»[11]. وهذا الحدث الجديد المؤثر يتمثَّل في صورة نظام جديد للعلاقات بين أفراد جماعة معيَّنة.

 الحركة بوصفها فاعلًا في الاعتراف بالمجتمعات

رغم الموقع التأسيسي الذي تحتله حركة العلاقات الاجتماعية ومن قبلها المجتمع، فإن مصطلح الحركة هو الذي يعطي لهما هذه الأهمية في فكر مالك بن نبي، فالمجتمع من هذه الزاوية هو الجماعة التي تُغيِّر دائمًا خصائصها الاجتماعية بإنتاج وسائل التغيير، مع علمها بالهدف الذي تسعى إليه من وراء هذا التغيير[12].

وهو هنا يؤكِّد هوية المجتمع أو جوهره الذي يشكِّل عامل ثباته ضد عوامل الزمن، وما يعضد تلك الرؤية هو تأكيده على الفصل بين مجموع الأفراد وشخصية المجتمع بوصفهما عالمًا مستقلًّا: «فالمجتمع ليس مجرَّد مجموعة من الأفراد، بل هو تنظيم معيَّن ذو طابع إنساني يتم طبقًا لنظام معيَّن». وهذا النظام الذي ذكره ينبني على عناصر ثلاثة:

- حركة يتم بها المجموع الإنساني.

- إنتاج لأسباب هذه الحركة.

- تحديد لاتجاهها.

وبعد أن ظهر معنا مصطلح الحركة، نرى مالكًا يُبيِّن طريقة إعماله ونتيجته التي يؤدي إليها، فيقول إن فكرة الحركة تُعَدُّ عنصرًا جوهريًّا في التعريف في علم الاجتماع، وهي نفسها ستساعد على التفرقة بين المجتمع وبين سائر أشكال الجماعات الإنسانية، وأما عن شخصيتها فيقول: «ومع ذلك، فإن الحركة في علم الاجتماع تستتبع فكرة ذات قيمتَيْن، فإن تطور الجماعة يؤدي بها إما إلى شكل راقٍ من أشكال الحياة الاجتماعية، وإما أن يسوقها ذلك إلى وضع متخلف».

وهو هنا يعي جيدًا أن الحركة تعني الدخول في حيز المجتمعات بالمعنى النظري الذي حدَّده في بداية بحثه، ولكنه يعي أيضًا أن الحركة لا تضمن نتيجة حتمية للمجتمعات، فإما إلى نهضة وإما إلى سقوط وانهيار! وهو ما يفتح بابًا كبيرًا للقلق والحيرة والبحث عن إجابة؛ إذ هو هنا وكأنه أعطى خارطة لبحيرة الذهب وأوجب السير عليها، ولكنه أيضًا يقول إنه قد تصل ولا تجد بحيرة ولا ذهبًا، وهو ما يُصعّب من عملية البناء الفعلي لنظريته تلك. ولعله إشكال قائم ربما نجد إجابته في نتيجة القراءة.

ثم استعرض مالك بعد ذلك أنماط الحركة الاجتماعية تلك، والحقيقة أنه لم يأت فيها بجديد؛ إذ استعرض فلسفة هيجل وتوينبي التاريخية، ولم يزد شيئًا على هذا، وقد استوقفني هذا الأمر؛ إذ يبدو الأمر وكأنه حيرة في تفسير نتيجة تلك الحركة التاريخية، ولكنه لم يجد بُدًّا من الإحالة إلى الفلسفات السابقة، ثم راح يطبقها لاستخراج ما يقابلها في النص القرآني، وهو ما يبدو في استعماله لمبدأ التحدي والاستجابة في نظرية توينبي، وأنا هنا أضع نقلًا طويلًا من كلامه لبيان محل الإشكال الذي أشرتُ إليه:

«ونحن يمكننا إلى حد ما أن نصوغ هذا الرأي الذي ذهب إليه المؤرخ صياغة جديدة في ضوء القرآن الكريم، فقد نستطيع -ما دمنا لم نصل بهذه الطريقة إلى تفسير واضح لمنشأ الحركة التي ولدت المجتمع الإسلامي وغايته التاريخية- أن نفسِّر هذه الحركة بالعوامل النفسية التي حفزت القوة الروحية في هذا المجتمع، أعني شروط حركته عبر القرون.

والواقع أن القرآن قد وضع الضمير المسلم بين حدَّين هما: الوعد والوعيد

والواقع أن القرآن قد وضع الضمير المسلم بين حدَّين هما: الوعد والوعيد، ومعنى ذلك أنه قد وضعه في أنسب الظروف التي يتسنَّى له فيها أن يجيب عن تحدٍّ روحيٍّ في أساسه. فالوعيد هو الحد الأدنى الذي لا يوجد دونه جهد مؤثر، والوعد هو الحد الأعلى الذي يصبح الجهد من ورائه مستحيلًا، وذلك حين تطغى قساوة التحدي على القوة الروحية التي منحها الإنسان.

وبذلك نجد أن الضمير المسلم قد وُضع بين حدي العمل المؤثر، وهما الحدان اللذان ينطبقان على مفهوم الآيتين الكريمتين:

 {فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99].

{إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87]. وبين هذيْن الحديْن تقف القوة الروحية متناسبة مع الجهد الفعَّال، الذي يبذله مجتمع يعمل طبقًا لأوامر رسالة، أعني طبقًا لغايته».

 الروح بوصفها عاملًا محركًا

بعد أن أصَّل مالك فكرة المجتمع النشط، وحدَّ له حدودًا معرفية لكي يستطيع أن يفسِّر ظواهره من خلالها، التي أرجعها كلها لأصل واحد، وهو شبكة العلاقات الاجتماعية، تلك الشبكة التي ارتبطت بمفهوم حيوي هو «الحركة»، وهو المفهوم الحاكم والناظم لعقد فلسفة مالك التاريخية في هذا الكتاب، فإن مالكًا يتحدث عن أصل آلية تلك الحركة؛ إذ يرجعها جميعها إلى «مجموع من العوامل النفسية الذي يُعَدَّ ناتجًا عن بعض القوى الروحية، وهذه القوى الروحية هي التي تجعل من النفس المُحرِّك الجوهري للتاريخ الإنساني»[13].

وهذه الروح[14] التي سيتحدث عنها مالك فيما بعد هي الأصل المحرك والفاعل لطوائف اجتماعية ثلاث يراها مالك مؤثرة في صناعة التاريخ، وهي:

تأثير «عالم الأشخاص».

 تأثير «عالم الأفكار».

 تأثير «عالم الأشياء».

وتفاعل هذه العوامل الثلاثة ينشأ عنه العامل الرابع، وهو صلب رؤيته الفلسفية «شبكة العلاقات الاجتماعية».

 الفرد والشخص: كيف يفرِّق العمل المجتمعي بينهما؟

إن الفلسفة النشطة عند مالك بن نبي لم تتوقف فقط عند رصد الملامح الخاصة بتطور المجتمعات، والتفرقة بين المجتمع التاريخي والبدائي، بل ما زال ماضيًا في رصد عامل التغيُّر والحركة حتى على العامل البشري وفق رؤيته العامة لتفاعل العناصر الثلاثة، فالفرد من وجهة نظره في حالة العزلة شيء وفي حالة التغيُّر شيء آخر، فالعمل الاجتماعي «هو العمل الذي يُغيِّر الفرد من كونه (فردًا) إلى أن يصبح شخصًا، وذلك بتغيير صفاته البدائية التي تربطه بالنوع إلى نزعات اجتماعية تربطه بالمجتمع».

وهذه المقولة السابقة تضاف إلى أقواله المؤسِّسة لفلسفته التاريخية الخاصة، فرؤيته التاريخية لمركزية الحركة جعلته يُميِّز تمييزًا غاية الطرافة بين الفردية/الفرد وبين الشخصي/الاجتماعي، وهو ما ينبئ عن رصد دقيق لمفهوم السعي بالمعنى القرآني؛ إذ ربما يدلُّ هنا على الفعل الاجتماعي الغائي الذي قصده مالك، أكثر من دلالة فعل التغيُّر والحركة.

 البُعْد الثقافي في العلاقات الإنسانية

يرى مالك أن الحركة الفاعلة بين العوامل الأربعة هي في أصلها علاقات ثقافية، «أي إنها تخضع لأصول ثقافية، تمثِّل المحيط الذي يصوغ كيان الفرد، بالإضافة إلى أنها مجموع من القواعد الأخلاقية والجمالية...إلخ»[15].

ويقرر مالك قاعدة عامَّة: «أن كل ما يكون صلة من أي نوع في نطاق العوالم الثلاثة أو بينها، هو في الحقيقة علاقة مشروطة بوجود ثقافة، ومن ثَمَّ تكون جميع أشكال الاتصال الفكري كالفن أو اللغة من باب أولى علاقة اجتماعية»[16].

 الدين بوصفه حاملًا لإمكانية الميلاد وعناصر القوة

بالرغم من إقرار قوة شبكة العلاقات الاجتماعية بوصفها عاملًا رئيسًا في فلسفة مالك التاريخية، ووضع ما قبل بناء تلك الشبكة على أنه مراحل أساسية ومكونة لها، خاصةً عامل الحركة والنشاط الاجتماعي، فإن مالكًا هنا يولي الدين أهمية كبرى بوصفه حاملًا لإمكانية الميلاد كلها، بل إنه يجعله حالة الاستثناء التاريخية التي يولد فيها المجتمع، وهو يسمي حالة الاستثناء بـ«ظرف استثنائي»، ولكني آثرتُ استعمال «حالة الاستثناء» لقدرتها على حمل مكنون الحالة التاريخية تلك.

إذن، فهو يرى أن تعريفه للمجتمع التاريخي، وغرسه لعامل الحركة، وتفاعل العناصر الثلاثة (عالم الأشخاص والأفكار والأشياء)، وما ينتج عنها (شبكة العلاقات)، لا تستطيع أن تُمثِّل عامل ميلاد لأي مجتمع، بل إن الدين وحده هو الذي يمنح كلَّ هذه العوامل لحظة الميلاد الحضاري: «فسواء كنا بصدد المجتمع الإسلامي أو المجتمع المسيحي، أم كنا بصدد المجتمعات التي تحجرت اليوم أو اختفت تمامًا من الوجود، نستطيع أن نقرر أن الفكرة التي غرست بذرتها في حقل التاريخ هي فكرة دينية. ومعنى هذا أن (الظرف الاستثنائي) الذي يلد مجتمعًا يتفق في الواقع مع الفكرة الدينية التي تحمل مقاديره. كما تحمل النطفة جميع عناصر الكائن الذي سيخرج فيما بعد إلى الوجود»[17].

ومعنى هذا أيضًا أن شبكة العلاقات بكل ما تحتويه من خيوط وأطراف، والتي سيتسنَّى للمجتمع بفضلها أن يؤدي عمله التاريخي، هي ذاتها تُعد في حيز القوة، داخل البذرة التي تشتمل جميع أقدارها[18].

 الهجرة ظرف استثنائي لحالة الاستثناء

يمضي مالك في بيان عمل الفكرة الدينية في بناء لحظة الميلاد التاريخي، ولكنه قبل أن ينظم أفكاره في نسق بناء المثال المراد، أظهر عاملًا آخر من عوامله التاريخية التي صاغها، أَلَا وهو الهجرة، فهو يرى أن عمل الفكرة الدينية الإسلامية في شبه الجزيرة العربية لم يكن بذلك التعقيد الذي واجهته الفكرة الدينية المسيحية في أرض فلسطين، فشبه الجزيرة العربية لم تكن إلا أرضًا بيضاء لم يزاحم الإسلام فيها دين آخر متوغل بعالم أفكاره وأشيائه؛ لذا فقد آثر أن يرصد الحالة المسيحية التي وُلِدت على أرض مزدحمة بعالم أفكار الحضارة الإغريقية والرومانية والديانة اليهودية؛ ولذا بحثت المسيحية عن أرض جديدة تجد فيها حالة استثنائية تُعيد ترتيب عوالمها الخاصة، وتؤلفها مع عالمها وأفكارها[19]، ولم يكن ذلك إلا عن طريق الهجرة إلى أوروبا الغربية. ويعلِّل مالك هذا الرصد بقوله: «وهذه الحالة ترينا أن تأثير فكرة دينية معينة رهن ببعض شروط الجغرافية الإنسانية، فإن لم تجدها في موطنها هاجرت لتجدها في مكان آخر»[20].

ويمثِّل رصد مالك لعمل الفكرة الدينية المسيحية في أوروبا تطبيقًا للجزء النظري في كتابه، فقد تتبع أنموذجه في عملية تحلُّل شبكة العلاقات الاجتماعية والبناء العضوي للمجتمع، فيقول:

«وبقدر ما كان مجتمع غربي يتحلَّل ويتفكَّك، وبالمواد المتخلفة عن هذا التحلُّل ذاتها، استطاعت المسيحية أن تبني المجتمع الجديد خطوة خطوة، وهو المجتمع الذي نطلق عليه في هذه الأيام (المجتمع الغربي).

وبدهي أن هذه المواد، بحكم كونها متخلفة عن عملية تحلُّل، لم تكن لتشتمل على أدنى رباط عضوي فيما بينها. ولقد خلَّف اختفاء الإمبراطورية الرومانية في الواقع جميع مكونات المجتمع الروماني من أشخاص وأفكار وأشياء على حال من الفوضى، كانت هي السمة الظاهرة لما يطلق عليه اسم (العصور الوسطى).

وإذن، فلكي تستخدم هذه المواد في بناء جديد، كان من المحتم تنظيمها بطريقة أخرى. وكانت الفكرة المسيحية هي التي استخرجت النسق الغربي من غضون الفوضى التي أعقبت الحضارة الرومانية»[21].

إن معظم ما كتبه مالك في هذا الكتاب وغيره يُعَدُّ مشروعًا كاملًا ضد الاستعمار

في التأكيد على قوة شبكة العلاقات الاجتماعية

إن معظم ما كتبه مالك في هذا الكتاب وغيره يُعَدُّ مشروعًا كاملًا ضد الاستعمار، الاستعمار الفرنسي الفرانكفوني وغيره من أنواع الاستعمار، وإني أحسب أن هذا الكتاب رغم ما فيه من تأسيس لنظرية تاريخية خاصة، وكذلك رغم كونه حديثًا عن مفهوم التقدُّم من وجهة نظره بشكل ما، فإنه يُعَدُّ خطبة وعظٍ طويلة، بل وخطبة تحذير أيضًا، فتأكيده على قوة شبكة العلاقات الاجتماعية، ببيانه لعوامل نشأتها وصلتها بالغاية من الوجود، وكذلك صلتها القوية بالفكرة الدينية وإسهامها في ميلاد تلك الشبكة، كل ذلك يُعَدُّ دعوةً منه للتماسك المجتمعي والديني في وجه تحديات الاستعمار، مواجهة تستدعي الغاية الكبرى من الوجود، وتستدعي عوامل أصالتها وحضارتها في وجه ذلك المستعمر الغاشم.

فقد نبَّه مالك بعد هذا التنظير والبناء الفكري الطويل لفكرة العلاقات الاجتماعية بمفهومها الواسع إلى سعي الاستعمار لإفساد تلك الشبكة، ومنها إلى تعطيل قوة مقاومة المستعمر: «إن عمل الاستعمار يتلاحق كل يوم في صورة أكثر دقَّة وخفاء، تلاحقًا لا يعود معه في مقدورنا أن ندرك منه شيئًا، فإن لنا أوضاعًا عقلية تحولُ بيننا وبين أن نتتبع اللعب حين لا يكون مرئيًّا أو واضحًا، وحين تكون الوسائل المستخدمة في قدر حبات الرمل. ذلك أن حبة رمل واحدة كافية أحيانًا لإيقاف محرك، إذا ما تسربت إلى أحد أجهزته. وبعبارة أخرى: قد تكفي لذعة إبرة في مكان مناسب ليحل الشلل بشبكة العلاقات الاجتماعية في بلد مستعمر، كما يكفي (لا شيء) لشل الجهاز العصبي في كائنٍ حيٍّ أحيانًا»[22].

في مراعاة الخصوصية الذاتية[23]

في ختام بحثه الطويل هذا عن «شبكة العلاقات الاجتماعية»، وصياغتها لمفهوم التقدُّم، يؤكِّد مالك على التنبُّه لخصوصية كل مجتمعٍ عند طرح الأفكار الإصلاحية والنهضوية، فليس معنى أن فكرةً بعينها قد آتت أُكلها في دولة ما أن تنجح في بلادنا. وهو ما يعني أن ننتبه جيدًا لصناعة خريطة طريق التقدُّم والنهضة من خلال نتاج تفاعل عالم أفكارنا مع أشخاصه وأشيائه[24].

الكُليَّة والعِليَّة في بنائه الفلسفي

لقد ظهرت في طيَّات هذا الكتاب وفي فصوله وأسطره رغبةٌ ملحَّة لمالك بن نبي في بناء فلسفة تاريخية، تقوم على إعادة قراءة التاريخ وَفْقَ رؤية كلية تستنبط الأسباب والعِلل والبراهين، وتحلِّل أشكال الاجتماع البشري، تلك الرغبة التي صاغت مفاهيم كلية مؤسسة لتلك الفلسفة، وبوضعها في سياقها فإنها تُعَدُّ في جوهرها بديلًا لأقوال مؤسسة في علم العمران البشري عند ابن خلدون، مثل مفهوم «العصبة/العصبية» شديد المركزية في رؤية ابن خلدون التاريخية، وكذلك العامل الاقتصادي في فلسفة أصحاب الاتجاه المادي والديالكتيك.

فمفهوم شبكة العلاقات الاجتماعية الذي أسَّسه مالك، وترصده بالتحليل والتطبيق، هو محور رؤيته كلها، وهو الذي دعاه لتعريف المجتمع التاريخي والتركيز على مفهوم الحركة.

وفي هذا المبحث سأرصد بعض الأحوال التي ذكرها مالك بن نبي وأردها إلى مبدأي فلسفة التاريخ: الكلية والعلية، للدلالة على تقصد مالك استحضار مبادئ الفلسفة التاريخية. ومبدأ الكلية: هو معرفة التاريخ العالمي، معرفة لا تكتفي بعصر معيَّن ولا مجتمع خاص؛ إذ تدرس التاريخ العالمي لأنه يمثِّل المادة التي يعتمد عليها فيلسوف التاريخ؛ لأن النظرة الكلية لا تكفي لتكوين حكم عام. أما مبدأ العلية: فهو تفسير التاريخ العالمي كله في ظل عِلة أو علتَيْن، فلا يهتم بالعلل الكثيرة.

ويمكننا أن نلمح أول مظهر من مظاهر وعيه واستحضاره لمبدأ الكلية من خلال حديثه عن دلالة المجتمع التاريخي بشكل عام، ثم حديثه عن وحدة العمل التاريخي، ويتجلى أيضًا استحضاره للمقولتَيْن الكليتَيْن في مثل قوله: «فسواء كنا بصدد المجتمع الإسلامي أو المجتمع المسيحي، أم كنا بصدد المجتمعات التي تحجرت اليوم أو اختفت تمامًا من الوجود، فإننا نستطيع أن نقول إن الفكرة التي غرست بذرتها في حقل التاريخ هي فكرة دينية»[25].

إذن، واضح جدًّا عمله على التاريخ العالمي كله، وهو ما يعزز حضور مبدأ الكلية عنده، وكذلك أيضًا حضور علة واحدة هنا هي سبب رئيس عنده في نشأة المجتمعات، وهي الفكرة الدينية.

وفي الأخير، إن حضور مبادئ فلسفة التاريخ في بناء هذا الكتاب أظهر من أن يخفى، وذلك في الأدوات ومواد الدراسة وغيرها. فحضور المجتمع الإسلامي والمجتمع المسيحي والمجتمع الصيني...إلخ، هو بأثر الدراسة الموحدة للتاريخ العالمي ككل. وعن مبدأ العلية، فإن ردَّه علة البقاء والتطور الحضاري لعلة واحدة هي قوة حضور شبكة العلاقات الاجتماعية خيرُ دليل على استعماله لهذا المبدأ.

ما جديد مالك بن نبي في هذا الكتاب؟

لعل من الصعب علينا أن نحدِّد الجديد في هذا الكتاب بعيدًا عن مشروع المؤلف كله، ولكننا سنكتفي بالبحث في فكرة الأصالة في هذا البحث، من حيثُ الإبداع والنشأة وأيضًا التقليد والتطوير في العناصر الآتية:

لقد كان ابن خلدون أبرز الحاضرين في هذا الكتاب، وحضوره حضور أداتي من حيثُ تقسيم الحقب التاريخية للمجتمعات، وحضور آخر بالاقتباس ثم التأويل مثل حديثه عن «القابلية للاستعمار»، وهو عن نفس كلام ابن خلدون عن ولع المغلوب بتقليد الغالب. ليس هذا فحسب، بل إن هذه المقالة قد توغلت في حديثه عن شخصية المجتمعات ودورها في البقاء والفناء الحضاري.

لقد بنى مالك بن نبي أطروحته هنا على جهود سابقة له في علم فلسفة التاريخ، وذلك في استحضاره لمقولات هيجل وتوينبي وكارل ماركس...إلخ. رغم ما جاء أعلاه من الحضور الأداتي لابن خلدون وغيره، فإن مالكًا قد أبدع في تطوير بعض المقالات، وفي دمجه لعدَّة مسارات، مثل تعريفه للمجتمع التاريخي، وحركة عوالمه الثلاثة (الأفكار – الأشياء – الأشخاص) وتفاعلها، ذلك التفاعل الذي أنتج مقولته العبقرية «شبكة العلاقات الاجتماعية». لقد حلَّت شبكة العلاقات الاجتماعية محلَّ العصبة عند ابن خلدون، وكذلك محل العامل الاقتصادي عند ماركس، والعناية الإلهية عند القديس سان أوغسطين[26].

ولعل أبرز ما جاء خلف عبارات مالك في هذا الكتاب هو رغبته في بناء مجتمع قوي متماسك، وما تبع ذلك من تحوُّل لغته إلى لغة وعظية أحيانًا.

المراجع والمصادر

كتب

عبد الله بن حمد العويسي، مالك بن نبي حياته وفكره، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2012م.

مالك بن نبي، ميلاد مجتمع، دمشق: دار الفكر، 1986م.

مالك بن نبي، شروط النهضة، دمشق: دار الفكر، 2015م.

محمد أبو رمان، الإصلاح السياسي في الفكر الإسلامي، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2010م.

مقدمة ابن خلدون، ط. تونس، تحقيق إحسان عباس وإبراهيم شبوح.

 محمد سعيد البوطي، فقه السيرة، القاهرة: دار السلام للنشر والتوزيع، 2015م.

فهمي جدعان، أسس التقدم عند مفكري الإسلام، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث، 2010م.

أبحاث ومقالات

بدران مسعود، الدور الحضاري للدين: دراسة تحليلية لمفهوم ودور الفكرة الدينية المركبة عند مالك بن نبي، مركز جيل البحث العلمي، 2015م، مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية.

[1]  لقراءة وافية عن حياة مالك بن نبي الفكرية، راجع: عبد الله بن حمد العويسي، مالك بن نبي: حياته وفكره، (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2012م).

[2]  انظر: محمد أبو رمان، الإصلاح السياسي في الفكر الإسلامي، (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2010م)، ص49.

[3]   مالك بن نبي، ميلاد مجتمع، (دمشق: دار الفكر، 1986م)، ص5 بتصرف.

[4]   المرجع السابق، ص7.

[5]  المرجع نفسه، ص9.

[6]  للمزيد انظر: المرجع نفسه، ص11.

[7]  نفسه، ص11.

[8]  نفسه، ص14.

[9]  نفسه، ص16.

[10]  يرجِّح كاتب هذه القراءة بالمقارنة أن أصل فكرة شبكة العلاقات هذه ترجع لابن خلدون في المقدمة، مع الاعتراف بالجانب العملي التنظيري الفلسفي الذي قدَّمه مالك بن نبي، إلا أن هذا النص يوضح أن الفكرة لها أصل سابق بمئات السنين: «ويعبِّر الحكماء عن هذا بقولهم: الإنسان مدنيٌّ بالطَّبع، أي لا بدَّ له من الاجتماع الذي هو المدينة في اصطلاحهم، وهو معنى العمران، وبيانه أن الله سبحانه خلق الإنسان وركَّبه على صورة لا يصحُّ حياتها وبقاؤها إلا بالغذاء وهداه إلى التماسه بفطرته وبما ركَّب فيه من القدرة على تحصيله، إلا أن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من ذلك الغذاء غير موفية له بمادة حياته منه، ولو فرضنا منه أقل ما يمكن فرضه، وهو قوت يوم من الحنطة مثلًا، فلا يحصل إلا بعلاج كثيرٍ من الطحن والعجن والطبخ، وكل واحد من هذه الأعمال الثلاثة يحتاج إلى مواعين وآلات لا تتمُّ إلا بصناعات متعدِّدة، من حداد ونجار وفاخوري، وهب أنه يأكله حبًّا من غير علاج، فهو أيضًا يحتاج في تحصيله أيضًا حبًّا إلى أعمال أخرى أكثر من هذه، من الزراعة والحصاد والدراس الذي يخرج الحبَّ من غلاف السنبل، ويحتاج كل واحد من هذه آلات متعدِّدة وصنائع كثيرة أكثر من الأولى بكثير، ويستحيل أن تفي بذلك كله أو ببعضه قدرة الواحد، فلا بدَّ من اجتماع القدر الكثيرة من أبناء جنسه ليحصل القوت له ولهم، فيحصل بالتعاون قدر الكفاية من الحاجة لأكثر منهم بأضعاف، وكذلك يحتاج كل واحد منهم أيضًا في الدفاع عن نفسه إلى الاستعانة بأبناء جنسه». انظر: مقدمة ابن خلدون، والنص من المكتبة الشاملة، وأصل الفكرة والاعتماد على طبعة تونس، تحقيق إحسان عباس وإبراهيم شبوح، ص69 وما بعدها. ولك أن تنظر في هذا الكلام فتخرج منه بصورة تشبه حديث مالك عن شبكة العلاقات وتفاعل عالم الأفكار والإنسان والأشياء، فما هو إلا أن تجده في الصورة البعيدة لنص ابن خلدون.

[11]  ميلاد مجتمع، مرجع سابق، ص16.

[12]  المرجع نفسه، ص17.

[13]  نفسه، ص26.

[14]  انظر: مالك بن نبي، شروط النهضة، (دمشق: دار الفكر، 2015م)، ص57، 85. إذ تحدث مالك بن نبي عن أثر الروح في أهل الجزيرة العربية قبل الإسلام ومع بدايته.

[15]  نفسه، ص32 بتصرف.

[16]  حين بدأت القراءة تسرب إليَّ شعور بأن مصطلح الحضارة التي هي غاية الوصول ومنتهاه في هذا البحث ليس المصطلح المراد من تلك الأطروحة، وأن الأقرب هو مصطلح الثقافة الذي عرفه في أكثر من تجلٍّ الرئيس الراحل علي عزت بيجوفيتش في كتابه «الإسلام بين الشرق والغرب»، وفي مسألة الثقافة المذكورة هنا تأكيد لهذا الشعور، يقول بيجوفيتش: «هناك خلط غريب بين فكرة الثقافة وفكرة الحضارة، فالثقافة تبدأ «بالتمهيد السماوي» بما اشتمل عليه من دين وفن وأخلاق وفلسفة، أما الحضارة فهي استمرار للحياة الحيوانية ذات البُعْد الواحد، التبادل المادي بين الإنسان والطبيعة، هذا الجانب من الحياة يختلف عن الحيوان فقط في الدرجة والمستوى والتنظيم، الثقافة هي تأثير الدين على الإنسان أو تأثير الإنسان على نفسه، بينما الحضارة هي تأثير الذكاء على الطبيعة أو العالم الخارجي». إلى آخر مقارناته بين البعدين الحضاري والثقافي. انظر: علي عزت بيجوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب (ط. دار الشروق)، ص107 وما بعدها بتصرف. وما يؤكد هذا الشعور أيضًا حديث المؤلف في غير موضع عن البُعْد الروحي والثقافي في الحضارات، وضرورة الفصل بين المنجز المادي للحضارة وبين فلسفتها وخصوصيتها الثقافية، فلا يصح أن نبني حضارة بأشياء حضارة أخرى، وكان الأسلم والأقرب بناءً على هذا هو استعمال مصطلح الثقافة. وانظر أيضًا: بدران مسعود، الدور الحضاري للدين: دراسة تحليلية لمفهوم ودور الفكرة الدينية المركبة عند مالك بن نبي، مركز جيل البحث العلمي، 2015م، مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية. في شرحه لمفهوم الحضارة عند مالك بن نبي، ص123 نشرة دار المنظومة.                 
وانظر أيضًا: محمد أبو رمان، الإصلاح السياسي في الفكر الإسلامي، (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2010م)؛ مالك بن نبي، الشرط الحضاري للإصلاح السياسي، ص49 إلى آخر الفصل. وفيه إطلالة على مفهوم الحضارة عند مالك بن نبي وعلى مشروعه في الجملة.

[17]  انظر: شروط النهضة، مرجع سابق، ص56. إذ يقول مالك بن نبي: «فالحضارة لا تنبعث إلا بالعقيدة الدينية، وينبغي أن نبحث في حضارة من الحضارات عن أصلها الديني الذي بعثها. فالحضارة لا تظهر في أمة من الأمم إلا في صورة وحي يهبط من السماء، يكون للناس شرعة ومنهاجًا» بتصرف يسير.

[18]  ميلاد مجتمع، مرجع سابق، ص56.

[19]  انظر: شروط النهضة، مرجع سابق، ص61. وهو نفس حديثه عن المسيحية في شروط النهضة مقارنًا ظروف تطورها بالظروف التي وجدتها الفكرة الإسلامية: «ولم يكن حظ الحضارة المسيحية في نفوس أهلها وبيئتها كحظ الحضارة الإسلامية في نفوس أهلها، فقد نشأت المسيحية في وسط فيه الخليط من الديانات، والثقافات العبرية والرومانية واليونانية، فلم يتح لها أن تدخل إلى قلوب الناس وسط الزحام الفكري الثقافي لتؤثر فيها تأثيرًا فعالًا. ولم يكتب لها أن تعمل عملها إلا عندما بلغت وسط البداوة الجرمانية في شمال أوروبا، حيث وجدت النفوس الشاغرة، فتمكَّنت منها وبعثت فيها الروح الفعَّالة التي اندفعت بها لتكون حلقتها في سلسلة التاريخ».

[20]  ميلاد مجتمع، مرجع سابق، ص59. وراجع أيضًا: محمد سعيد البوطي، فقه السيرة، مطلب بعنوان: سر اختيار الجزيرة العربية مهدًا لنشأة الإسلام، (القاهرة: دار السلام للنشر والتوزيع، 2015م)، ص30 وما بعدها. وهذا المطلب يلقي الضوء على طبيعة الجزيرة العربية قبل البعثة، وكذلك طبيعة الحضارات الأخرى آنذاك، وهو ما يفسر مفهوم الصعوبة التي لاقتها المسيحية في إزاحة الأفكار السابقة وإعادة بناء مجتمع على نسقها الروحي والديني. وقارن أيضًا بينه وبين كلام مالك عن العرب في الموضوع نفسِه في «شروط النهضة».

[21]  ميلاد مجتمع، مرجع سابق، ص60.

[22]  نفسه، ص84.

[23]  انظر: فهمي جدعان، أسس التقدم عند مفكري الإسلام، (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث، 2010م)، مبحث القيم من أوله إلى آخره. وفيه إضاءات لطيفة في مسألة الخصوصية الحضارية، ونقد رائق لبعض أطروحات التقدُّم، وفي الجملة فالكتاب مهم جدًّا في تحرير مصطلح التقدُّم والحضارة والتمدُّن عند رواد النهضة.

[24]  راجع كلامه في «شروط النهضة» عن هذه المسألة، إذ يقول: «إن المقياس العام في عملية الحضارة هو أن الحضارة هي التي تلد منتجاتها، وسيكون من السخف والسخرية أن نعكس هذه القاعدة حين نريد أن نصنع حضارة من منتجاتها». شروط النهضة، مرجع سابق، ص47.

[25]  ميلاد مجتمع، مرجع سابق، ص56.

[26]  القصد أنها هنا مقولة أسياسية في تفسير مجرى التاريخ، مع كونها أشد قربًا لمفهوم العصبة عند ابن خلدون في بعض أبعاده.