دراسة: بين الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، دراسة تحليلية لكتاب "المقارنات والمقابلات"

دراسة: بين الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، دراسة تحليلية لكتاب "المقارنات والمقابلات"

لحسن الحظ فإن هذه المنهجية الجديدة لم تعمل في الجانب القانوني ذي الأصول الفلسفية الوضعية وحده، بل سارت الدراسات الشرعية في ذات الطريق

(1)

في الخامس من ديسمبر عام 1889م وصلت إلى العلامة المصري أحمد شفيق باشا رسالة من جمعية القانون المقارن بباريس تخبره باختياره عضوًا فيها، هذا ما رواه أحمد شفيق في الجزء الأول من كتابه «مذكراتي في نصف قرن» وأشار إلى أنه تلقى تهنئة على هذه الثقة العلمية من سمو الخديوي، لم أقرأ هذه المعلومة باعتبارها خبرًا يضيع في خضم آلاف الصفحات التي دبجتها يراعة أحمد شفيق في حولياته السياسية ذات الأجزاء العشرة، وفي مذكراته وأعماله بعد مذكراته، ولم أنظر إليها بعيدًا عن سياق علمي تطورت فيه الدراسات المقارنة في مصر، وتحركت في دوائر غير مسبوقة استوعبت المقارنة بين المذاهب، والمقارنة بين الأنظمة القانونية المختلفة، والمقارنة بين عائلات قانونية تباعدت أصولها وتباينت مصادرها، وساهم في ذلك أعلام كبار من أساتذة القانون المقارن الغربي منهم إدوارد لامبير، وريمون سالي، وليفي أولمان، وهؤلاء الثلاثة مع نخبة من رجال القانون وجهوا عنايتهم في أبحاثهم العلمية للوصول إلى إيجاد مبادئ القانون العالمي في القرن العشرين، وكانوا على صلة بالفقه القانوني المصري؛ فإدوارد لامبير هو ناظر مدرسة الحقوق السلطانية بمصر في أواخر القرن التاسع عشر، والأستاذ المؤسس لمدرسة القانون المقارن بجامعة ليون، والمشرف على عدد من الطلاب المصريين في أطروحاتهم للدكتوراه منهم محمود فتحي، ومحمد لطفي جمعة، وعزيز ميرهم، وعبد السلام ذهني، وفي مرحلة العشرينيات رسائل عبد الرزاق السنهوري ومحمد عبد الجواد وغيرهما، وليفي أولمان هو أستاذ القانون المقارن في جامعة باريس وقد أشرف على رسائل عدد من الطلاب المصريين في مقدمتهم محمد صادق فهمي الذي قدم ليفي أولمان لرسالته عن الإثبات في القانون المدني المقارن، وهي دراسة ماتعة صدرت باللغة الفرنسية عام 1924م، وتُعد من الرسائل المبكرة في المقارنة بين الجانب الإجرائي القانوني والجانب الإجرائي الإسلامي[1].

وقد اتجهت الدراسة القانونية في مصر -آنئذ- نحو منهج ذي شقين:

الأول: تتبع التطور التاريخي للقانون مع ذكر العلل التشريعية للقواعد القانونية، وتأثير العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية عليها.

الثاني: اعتماد الدراسة المقارنة لسبر أغوار النصوص، ومعرفة طرق الإصلاح.

ولحسن الحظ فإن هذه المنهجية الجديدة لم تعمل في الجانب القانوني ذي الأصول الفلسفية الوضعية وحده، بل سارت الدراسات الشرعية في ذات الطريق، وكانت الدراسات المبكرة التي قدمها الشيوخ زيد الإبياني، وأحمد إبراهيم، وأحمد أبو الفتح، وعبد الحكيم محمد لا تقل أهمية عن جهود أحمد فتحي زغلول، ومحمد حلمي عيسى، وتوفيق نسيم، وزكي العرابي، وعبد السلام ذهني، ومحمد صادق فهمي، ومحمد كامل مرسي، وأحمد أمين، وبهي الدين بركات.

ولم يكن هذا التطور القانوني اللافت مجرد ومضة في فضاء ساكن بل إنه جزء من حركة شاملة في منظومات العقل المصري الحديث، غايتها الخروج من أزماته والانفتاح الحذر على التحولات التي يموج بها العالم في الثقافة والعلوم. وأصبح فقه الواقع ضرورة يستدعيها الجدل الدائر في كل المجالات. وأهمها مجاليّ القومية والهوية، وعلى الرغم من أن مجال القومية بدت أفكاره تتطور بسرعة في مواجهة ما تعانيه الدولة العثمانية من خصومها، وما يعانيه العالم العربي من آثار مرضها وشيخوختها، إلا أن المكونات غير المتجانسة في المفهوم القومي جعلت قانونيًّا بارزًا في قامة عبد الرزاق السنهوري يكتب في ملحق السياسة الأسبوعية عام 1932م محذرًا من الاستجابة لفكرة القوميات وتركها تنمو وتستفحل حتى تصبح بعد حين من الزمن متناحرة متحاسدة على النحو الذي آل إليه أمر القوميات الغربية، عند ذلك يستحيل عليها أن تعود إلى روح المجموع التي يشكو الغرب من فقدها.

(2)

كانت نشأة الدولة القومية الحديثة في عصر محمد علي إيذانًا بإرهاصة لمتغيرات كثيرة يأتي في مقدمتها الجانب التشريعي، الذي أصبحت القوانين الفرنسية هي مصدره التاريخي الأكبر في عصر إسماعيل باشا، رغم محاولات الدولة العثمانية فرض «التنظيمات» على الحياة القانونية المصرية وناصبت الخديوي عباس العداء لامتناعه عن تطبيقها، إلا أن الثقافة المصرية الوليدة كانت أكثر استلهامًا للنموذج الفرنسي، لكثرة المستشارين الفرنسيين، وتعدد البعثات العلمية إلى فرنسا، منذ رحلة الطهطاوي ذات الأثر الفكري العميق، وهذا لا يعني القطيعة بين مصر والثقافة الإنجليزية في عصر محمد علي، فرحلة «حككيان»[2] تكشف أوراقها وانطباعاتها عند دور متزامن له باعتباره مبعوثًا لمحمد علي إلى بريطانيا، إلا أنه لم يكن له ذات الأهمية والتأثير الذي بلغه الطهطاوي في الفكر والثقافة والنهضة دون إغفال لدوره في التطور التقني والصناعي وخاصةً في مجال الغزل والنسيج في عصر محمد علي ودوره في «الجمعية المصرية» التي تأسست في عام 1835 وتولى أكثر من مرة إدارة الجمعية التي اقتنت عددًا كبيرًا من الكتب وكانت تهتم -كما يقول أحمد عبد الرحيم مصطفى في دراسته عن حككيان- بوجه خاص بالمطبوعات الخاصة بالشرق: تاريخه وجغرافيته وديانته وعاداته وقد ورثت دار الكتب المصرية مكتبة هذه الجمعية بعد اختفائها -بوصية من حككيان نفسه-.

محمد علي
                 محمد علي باشا

في ظل هذا الحضور الطاغي لفرنسا أصبحت الثقافة القانونية الفرنسية وكأنها جزء من تيار عام، وكان ذلك مهمًّا لعدة أسباب منها:

أ - أن الثورة الفرنسية لم تكن حركة هوجاء وإنما تحول له أصوله واتجاهاته التي حمل عبء بلورتها وتحديد معالمها الرئيسة فلاسفة الموسوعة وفي مقدمتهم ديدرو، وفولتير، وجان جاك روسو.

ب- أن حركة التشريع الفرنسي التي تُوجت بمجموعة نابليون لم تكن عودة إلى الوراء لإصدار تشريع يكرر القانون الروماني ولا يتنفس إلا في فضائه، بل كانت حركة مفتوحة لم توصد الباب أمام الشريعة الإسلامية عبر المذهب المالكي للإفادة منها في أبواب كثيرة، وكما يقول د. محمد يوسف موسى: «أن من الراجح جدًّا أن يكون القانون الفرنسي قد أفاد من التشريع الإسلامي ممثلًا في المذهب المالكي الذي كان الفرنسيون يعرفونه وترجموا إلى لغتهم كثيرًا من كتبه، ونشروا بالعربية شيئًا آخر منها».

ج- قدرة العقل القانوني العربي على تجاوز الحركة الرومانتيكية -فكرًا وفلسفة- فلم يخضع للحركة التاريخية في القانون التي انتصر فيها الفقيه الألماني «سافيني» لفكرة أن القانون هو روح الشعب وأنه يخرج كما يخرج النبات من الأرض.

يقول سافيني: «الشعب هو الذي يخلق قانونه... والشعب لا يشمل فقط المواطنين الذين يعيشون فترة من الزمن إنما هو الوحدة التي تتعاقب عبرها الأجيال هي الوحدة التي تصل الماضي بالحاضر والمستقبل، فالتقاليد هي التي تسهر على حفظ القانون، والتقاليد تراث ينتقل إلينا بصفة مستمرة وغير محسوسة بتعاقب الأجيال». وقد استطاع إهرنج في كتابيه «الغاية في القانون» و«الكفاح من أجل القانون» هدم الأساس الفلسفي للنظرية التاريخية ونقد مقولاتها الرئيسة.

ومن الخطأ القول -كما يقول فؤاد أمين في دراسته عن التيارات الفكرية في القانون المصري المدرسة التاريخية-: «إن العناية الخاصة التي أولتها المدرسة القانونية المصرية للشريعة الإسلامية هي أثر من آثار المدرسة التاريخية كما اهتمت المدرسة التاريخية في أوروبا بالقانون الروماني»، وهو خطأ فادح لأن إحياء القانون الروماني في الحالة الأوروبية كان عودة لقانون انقطع تطبيقه وتأثيره في الحياة الأوروبية منذ قرون، بينما الشريعة الإسلامية ظلت هي القانون المطبق وصاحب الولاية العامة في التشريع إلى ما بعد مصطلح الإصلاح التشريعي في عصر الخديوي إسماعيل، وأيضًا لأن الشريعة الإسلامية -كما يقول شفيق شحاتة- المطبقة فعلًا كانت مرنة إلى الحد الذي أمكن معه تكييف العقود وفقًا لمقتضيات الحياة. إن دخول القوانين المستوردة إلى مصر لم تلق استقبالًا إيجابيًّا لا من رجال القانون الذين أكدوا أن القوانين الناجحة هي بنت بيئتها ووليدة مجتمعاتها، ولا من رجال الشرع الذين أرغموا السلطة السياسية على بيان موقف الفقه الإسلامي من أحكامها، وفي هذا السياق تأتي محاولة مخلوف المنياوي في تخريج القانون الفرنسي المدني والجنائي على أحكام الفقه المالكي، ومحاولة قدري باشا تخريج نفس القانون على المذهب الحنفي، وكلاهما حاول قدر طاقته بيان الاتفاق والافتراق بين القانون الفرنسي بشقيه الجنائي والمدني وأحكام الفقه الإسلامي، ويبدو أن مخلوف المنياوي وقدري باشا قد أحسا بعقم طريقتهما في المقارنة المذهبية فحاولا الانفتاح على غير المذهب الحنفي والمالكي، والتأكيد على حق ولي الأمر في الأخذ بأيسر المذاهب تحقيقًا للمصلحة ومراعاة لمقاصد الشريعة. وهما من مصادر محمد حافظ في كتابه «المقارنات والمقابلات» وإن لم يذكر ذلك ونقل عنهما في أكثر من موضع.

(3)

وفي هذا الجو المفعم بالتطورات والتغيرات وبالتحديد عام 1902م صدرت الطبعة الأولى والوحيدة لكتاب «المقارنات المقابلات» لمؤلفه محمد حافظ صبري، الذي لا نعرف شيئًا عن حياته إلا أنه من أبناء مدرسة الحقوق، تلقى تعليمه على عدد من أساتذة القانون الأجانب وفقهاء الشريعة من المصريين، وتولى العمل بالقضاء حتى ارتقى رئاسة محكمة قنا في صعيد مصر، ثم اشتغل بالمحاماة مع اهتمام بالتأليف والمشاركة في الحياة الفكرية في عصره.

ويشير معجم المطبوعات العربية إلى كتابين له هما:

 «المقارنات والمقابلات» طُبع بمطبعة هندية بالقاهرة عام 1902م.

 «المواسم والأعياد وعادات العباد» غير مطبوع.

وليس لدينا معلومات عن محتوى الكتاب الثاني ولا أماكن وجوده، وعنوانه يحتمل أن يكون عامًّا حول عادات الشعوب في المواسم والأعياد، ويمكن أن يكون خاصًّا بالعادات المصرية في المواسم والأعياد، ولعل بعض المناسبات والعادات التي ذكرها المؤلف في كتابه «المقارنات والمقابلات» تكون جزءًا منه بما يرجح الاحتمال الأول.

ولا ندري الظروف التي تولى فيها محمد حافظ رئاسة محكمة قنا، وهل كان توجهه إلى قنا أمرًا عاديًّا أم غضبًا عليه، خاصة أن عبد الجليل سعد وهو من معاصريه نُقل قاضيًا إلى محكمة إسنا الابتدائية التابعة لقنا عقوبة له، كما نُقل حفني ناصف إلى قنا عقابًا له أيضًا، وله في ذلك قصيدة يقول فيها:

قالوا نُقلت إلى قنــا         يا مرحبًا بقنا وإسنا

ويبدو أن قنا وإسنا لم تكن مجرد منفى بل كانت أيضًا مكانًا هادئًا يستطيع الباحث فيه أن يترجم ويؤلف، فقد ألَّف وترجم عبد الجليل سعد بعض أعماله في مدينة إسنا في أوائل القرن العشرين، وأغلب الظن أن محمد حافظ صبري ترجم وألَّف جزءًا من كتاب «المقارنات والمقابلات» في مدينة قنا، وأكمله وهو ما يزال في السلك القضائي وهو حاصل على البكوية كما أشار إلى ذلك أحمد قمحة وهو يهنئ محمد حافظ على صدور كتابه ويقرظه، وأحمد قمحة من أساتذة القانون بكلية الحقوق بعد إنشاء الجامعة المصرية وله بحوث في نظم الحكم والإدارة، وكتاب في شرح اللائحة الشرعية بالاشتراك مع د. محمد فهمي السيد.

(4)

العنوان الكامل لكتاب «المقارنات والمقابلات» طويل نسبيًّا وهو «أحكام المرافعات والمعاملات والحدود في شرع اليهود ونظائرها من الشريعة الإسلامية الغرَّاء ومن القانون المصري والقوانين الوضعية الأخرى»[3].

ومن الناحية الشكلية اتخذ اليهود لأنفسهم مناهج العرب العلمية في فروع الدين، والأخلاقيات والنحو، وتفسير التوراة، بل حتى في ميدان الشريعة

ومحوره ترجمة كتاب دي بفلي «جامع الأحكام العبرية» ودراسة موسعة حول أحكامه مقارنة مع الشريعة الإسلامية، والقانون المصري، والقوانين الوضعية، أي بين نصوص الشرع الإلهي واجتهادات العقل البشري، وهو أحد أهل الاختصاص في التشريع العبري ومن مشاهير علماء اللغات القديمة، وأصل الكتاب المترجم قدمه العلامة دي بفلي إلى ولي عهد روسيا وهو نيقولا الثاني قيصر روسيا فيما بعد، وقد نشر الكتاب لأول مرة عام 1896م، والعلامة دي بفلي تأثر في هذا الكتاب في أسلوب الكتابة بالمنهج الأوروبي في التقنين وبمجلة الأحكام العدلية التي لها تطبيق في بعض دول البلقان وفي بعض بلاد روسيا الخاضعة لحكم القيصر نيقولا الثاني، أما في الترتيب فقد اختار طريقة شرح يوسف فارو، وموسى أيسر لكتاب «المشنا» وهو شرح ظهر ما بين عامي (1422، 1523م) تحت عنوان «شلحان عروخ» أي المائدة المبسوطة، إلا أن استفادته من هذين العلمين «يوسف، وموسى» لا تعني عدم تأثره بعالم اليهودية- تشريعًا وفلسفة- في المغرب العربي «موسى بن ميمون» بل إنه اتبع منهجيته في هجرة الأفكار إلى التشريع اليهودي وهو ما صرح به نفتالي فيدر في كتابه الصادر بالعبرية من جامعة أكسفورد عام 1947م حيث يصرح في مقدمته: «أن الديانة اليهودية تأثرت تأثرًا عظيمًا بالبيئة الإسلامية، فقد أدت التيارات الروحية -التي غمرت هذه البيئة طوال مئات من السنين- إلى ثورة في الحياة الروحية لليهود المقيمين في البلاد العربية إذ إن المسائل الدينية التي قتلتها المدارس الإسلامية بحثًا عرفت طريقها إلى مدارس أحياء اليهود، وقد عظم هذا التأثير أولًا وقبل كل شيء في ميدان الفكر الديني والنظر الفلسفي حيث شعرت المراكز الثقافية اليهودية بالحاجة إلى حل المشكلات الدينية الفلسفية التي صارت موضع نقاش وبحث...، ومن الناحية الشكلية اتخذ اليهود لأنفسهم مناهج العرب العلمية في فروع الدين، والأخلاقيات والنحو، وتفسير التوراة، بل حتى في ميدان الشريعة فإن كتاب «تثنية التوراة» -وهو بحث منظم عن الفقه والتشريع اليهودي استمده مؤلفه من التلمود وشروحه وهوامشه- الذي كتبه موسى بن ميمون المتوفى في مصر عام 1204م، الذي يبهرنا ببنائه وترتيبه ليس سوى ترتيب لمواد الشريعة... وفقًا للنظام الذي وضعه علماء الفقه المسلمين،... وكل هذا من الأمور المسلم بها، ولكن الذي لم ينل ما يستحقه من البحث ولا يزال يحتاج إلى كثير من الدرس، هو أن ظاهرة التأثير قد تغلغلت إلى قلب العمل الديني والعبادة الدينية كما ظهر في شعائر الصلاة»[4]. وهو ما أشار إليه جوايتاين في كتابه «اليهود والعرب والصلاة بينهم عبر العصور» بقوله -وهو المؤرخ غير المنصف في نظرته للإسلام-: «ففي ظل النفوذ العربي المسلم، اتخذ الفكر والفلسفة اليهوديان وحتى القانون الديني والعُرف اليهودي شكله بطريقة منظمة ونهائية وحتى اللغة العبرية طورت قواعدها ومعجم مفرداتها على نمط اللغة العربية».

وفي هذا السياق يمكننا وزن الرأي الذي أعلنته خيرية فرج حفالش في كتابها «الدولة البيزنطية في ضوء إصداراتها القانونية» حيث تقول: «يدعي المستشرقون في تأثير الحقوق الرومانية في التشريع الإسلامي أن الحقوق الرومانية تركت عن طريق تطبيقها في الشرق تعاملًا حقوقيًّا أصبح من أعراف البلاد وتقاليدها وبذلك دخلت هذه الحقوق إلى التشريع الإسلامي ولم يشعر به».

ويقول بهذا دافيد سانتلانا في مقدمته على المشروع المدني التونسي المطبوع سنة 1890م في تونس باللغة الفرنسية.

وتابع سانتلانا في ذلك محمد حافظ صبري في كتاب «المقارنات والمقابلات» في مصر حيث قال: «وبعد أن تهذب الشرع الروماني عقب الاختلاط بالأمم الشرقية، صار شرع معظم البلاد الرومانية أو غير الرومانية وتداخلت أحكامه بعد ذلك في الشرع اليهودي بعد فتح الرومان لمملكة اليهود قبل الميلاد وبعده وإن الإسلام عند فتوح البلدان التي كانت تابعة لدولة الرومان كالشام ومصر وأفريقيا والجزائر ومراكش وُجد الشرع الروماني سائدًا فيها فنسخ ما نسخ وأيَّد ما أيَّد ولذا كانت أغلبية قواعد الفقه الإسلامي موافقة لقواعد الفقه العربي والروماني في مسائل المعاملات»[5].

أولًا: يبدو أن الباحثة لم ترجع إلى كتاب «المقارنات والمقابلات» لأنها نقلت عنه دون إشارة إلى مواضع النقل.

والذي يعنيني هنا تقويم ما جاء في كتابها عن تبعية محمد حافظ في كتابه وأنه ردد ما قال به سانتلانا مقرر اللجنة التي ألفت لإعداد مشروع القانون المدني والتجاري التونسي، والباحثة هنا يبدو عدم اطلاعها على مقدمة سانتلانا والتي قدم فيها طريقة لإعداد المشروع لا تحصر عملها -عند البحث عن حلول جديدة- في نطاق القانون الفرنسي، بل تحاول الاستعانة بما أسماه سانتلانا بالقانون الأوروبي الرامي -تحت ضغط التطورات المتزايدة لعلم القانون المقارن- إلى بعث قانون مشترك لجميع الأمم الأوروبية، ويمكن إيجاز هذه المنهجية فيما يلي:

أ – العمل على النظر إلى قضاء المحاكم الشرعية وعلى التشريع التونسي واستخراج كل ما يمكن استعماله لتماشيه مع مبادئ القوانين العصرية ومع الظروف الحالية للمجتمع التونسي.

ب- اعتماد العرف والعادة وما جرى عليه العمل من أجل تحقيق الوظيفة الاجتماعية والأخلاقية للقانون.

ج- استخدام سلطة ولي الأمر وما يمكن أن نطلق عليه بالتعبير القانوني المعاصر «نظرية عمل الأمير» في الإلزام بما كان قبل تدخله محل خلاف عام.

د- يقول سانتلانا «وقد اعتمدت اللجنة بصفة عامة المذهب المالكي... إلا أنها لم تتردد في أن تعتنق المذهب الحنفي كلما كانت قواعده منسجمة أكثر مع المذهب المالكي ومع النظام العام للمجلة ومع مبادئ القانون الأوروبي، ولا يوجد بالمشروع أي أثر لما هو مخالف لمذاهب أشهر فقهاء الإسلام، أما عن صلة القانون الروماني بالشريعة الإسلامية فيرى سانتلانا في تقديره أنه قانون وقع تحريفه بنسب متفاوتة «ويمكننا الافتراض أن القانون الروماني كبقية العناصر الأخرى للحضارة التي كانت سائدة بالبلدان الشرقية بين القرنين السابع والتاسع تسرب إلى الحضارة الإسلامية» إلا أن سانتلانا يرى أن البلاد المفتوحة تأثرت بهذه العناصر وبالأفكار الإسلامية نفسها، ويرى أن أوجه الشبه بين التشريع الإسلامي والأنظمة القانونية في عصره يعود إلى أمرين:

الأول: الوحدة الأساسية للعقل البشري.

الثاني: التأثر بمبدأ حسن النية الذي له أصل واحد هو القانون الروماني.

والرأي عندي أن مصدر الشبه الأول طبيعي ومنطقي، أما الثاني فإنه محل نظر؛ لأن القانون الروماني باعتراف سانتلانا في تقريره قد تم تحريفه، بل إن مصادر أخرى أهمها تاريخ الكنيسة للعلامة موسيم والذي أكد على أن القانون الروماني لم يعد موجودًا في الحياة الغربية آنذاك، وأن مدرسة بيروت القديمة غرق باختفائها القانون الروماني القديم، ولم يعد معمولًا به منذ القرن السادس الميلادي إلى القرن الحادي عشر، وأن القانون الذي عُثر عليه في القرن الثاني عشر الميلادي ليس إلا مجموعة قانونية كاملة دونت كثيرًا من قواعد الفقه الإسلامي وأحكامه مع تحويره ليوافق أحوال بلدانهم، وفي رسالة «في كمال الفقه» لأبي العباس الكركري[6] -وهو من تلامذة بهمنيار تلميذ الشيخ الرئيس ابن سينا- إلى مفتي مرو «أحمد بن عبد الله السرخسي» أن أبا الوليد محمد بن عبد الله بن خيرة نقل في تعليقاته على «النهاية» أن طلبة العلم من الإفرنج الذين كانوا يسافرون إلى غرناطة لطلب العلم اهتموا كثيرًا بنقل الفقه الإسلامي إلى لغتهم لعلهم يستعملونه في بلادهم لرداءة الأحكام فيها خصوصًا في المائة الرابعة والخامسة من الهجرة، فقد برعوا في اللغة العربية منهم غربرت وألبرت الكبير فإنهما طلبا مساعدة العلماء لإبراز مقصدهما وتم ذلك بتدوين الفقه كاملًا وهو ما أطلق عليه القانون الروماني الحديث، أما القانون الروماني القديم فهو كما يقول عدد من كبار مؤرخي القانون الروماني: القانون الروماني لم يصل إلى أيدينا وغاية معلوماتنا فيه تستند على بعض أوراق متفرقة، ويقول المؤرخ جيبون إن هذه القوانين بقيت إلى زمان جوستنيان ثم فُقدت.

ثانيًا: تحرير رأي محمد حافظ صاحب «المقارنات والمقابلات»:

لا يُقرأ هذا الكتاب إلا في إطاره الزمني، وسياقه التاريخي باعتباره تدشينًا لمرحلة تحول في الاعتراف بمبدأ التأثير والتأثر بين النظم القانونية إن لم يكن في الأصول والمبادئ فقد بدا واضحًا في الحلول والتفاصيل، بل إن مجال التقعيد شهد تقاربًا مصدره البُعد الأخلاقي للفكرة القانونية، وتأثر القانون الروماني الحديث بالشريعة الإسلامية وهو ما تظهره المقارنة بين الآثار الفقهية الرومانية التي ترجمها عبد العزيز فهمي، وقواعد الفقه في مجلة الأحكام العدلية، فالقاعدة (11) من القواعد الرومانية صيغتها: «لا ضرر ولا ضرار وآت كل ذي حق حقه»، وهي المادة (19) من مجلة الأحكام العدلية هي: «لا ضرر ولا ضرار»، والقاعدة (5) من القواعد الرومانية تقول: «البينة على من ادعى» وهي في مجلة الأحكام العدلية المادة (76) التي تقضي بأن: «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر».

المقارنات
                غلاف كتاب المقارنات والمقابلات

والتشابه هنا اقتباس أكثر من كونه عللًا وأسبابًا وطبائع إنسانية مشتركة تجعل العدالة قيمة عليا وإن أغفلتها السلطات، وعمل بما يضادها الأفراد، ولا ينبغي -تحت وطأة التخلف الذي نعانيه- أن نقلل من دورنا الفاعل في التطور القانوني العالمي، ويكفي الإشارة إلى ما كتبه أحد أعلام القانون الدولي في الغرب البارون De toube في الفصل الثاني من كتابه «دراسة في التطور التاريخي للقانون الدولي في أوروبا الشرقية» حيث درس المؤلف العالم الإسلامي وأثره في أوروبا والفصل في أغلبه يدور حول التأثير القانوني، ولم يكن محمد حافظ -كما تدعي خيرية فرج- من القائلين بمصدرية القانون الروماني للفقه الإسلامي، بل إنه شغل بموضوع التشابه بين القوانين وانتهى -بعد البحث الطويل والعميق- إلى أن للحوادث التاريخية واتفاق العقول على اختلاف الأجناس والملل على قواعد العدل والحق دخلًا عظيمًا في تشابه الشرائع والقوانين، وأكد الأستاذ محمد حافظ ذلك معتمدًا على أبحاث العلامة ريفللو في كتبه الأربعة:

الالتزامات في القانون المصري مع مقارنته بالقوانين القديمة الأخرى، باريس 1886م.

العلاقات التاريخية والقانونية بين الرومانيين والمصريين، باريس 1902م.

موجز القانون المصري مع مقارنته بالقوانين القديمة الأخرى، جزآن، باريس 1902م.

الأصول المصرية للقانون المدني الروماني، باريس 1912م.

خاصةً وأن دراسة القوانين المصرية القديمة لم تكن قاصرة على أهميتها من الوجهة التاريخية فقط، بل إن لها أهمية أخرى فنية -كما يقول محمد صادق فهمي في كتابه «مقدمة تاريخية وفلسفية»- لأن قدماء المصريين قد عنوا بها خصوصًا القوانين المدنية منها عناية كبرى تتفق مع مدنيتهم وحضارتهم حتى قال عنها ديودور الصقلي: «إنها كانت جديرة بالإعجاب وأُعجب بها العالم فعلًا».

وقد تأكد الأستاذ محمد حافظ -صاحب «المقارنات والمقابلات»- بناء على أدلة ريفللو القاطعة والحاسمة من أخذ الشرائع الأوروبية ولا سيما الرومانية عن الشرائع الشرقية القديمة كشرائع قدماء المصريين، والكلدان والسريان وغيرهم من الأمم السالفة التي بلغت في المدنية مبلغًا عظيمًا ارتقت معه علوم الفقه والأحكام ثم زاد ارتقاؤها وتقدمها في زمن فتح دولة اليونان والرومان والإسلام للأمم الشرقية واختلاط الشرق بالغرب اختلاطًا كليًّا.

وانتهى الأستاذ محمد حافظ من جولته الواسعة في الأنظمة القانونية القديمة والحديثة إلى أن الإسلام عند فتوح البلدان التي كانت تابعة لدولة الرومان وجد الشرع الروماني سائدًا فيها فنسخ منه ما نسخ -باعتبار ضرورة النظر إليه بمنظور الإسلام- وأيد ما أيد ولذا كانت أغلب قواعد الفقه الإسلامي موافقة لقواعد الفقه العبري والروماني في مسائل المعاملات الدنيوية- وانتهى أيضًا إلى أن فقهاء المسلمين ومجتهديهم راعوا عوائد البلدان واختلاف الأزمنة والأمكنة في وضع قواعدهم وتطبيقها على الكتاب والسنة، «ولذا كان مجموع المذاهب الإسلامية كافيًا لاستنباط جملة قوانين لضبط المعاملات في كل جهة من جهات المعمورة مع مراعاة القواعد الأساسية لأحكام الدين»[7].

لقد كان محمد حافظ يرى أن أحكام المعاملات التي لم تتناولها النصوص إلا على وجه الإجمال أمكن تفاعلها مع القوانين العقلية، أما مسائل الأحكام الشخصية؛ لأن نصوصها التفصيلية وردت في النصوص وللدين دخل بها، فقد تعذر على كل حكومة أوروبية دخلت بلاد الشرق وأرادت إحداث تغيير في قوانينه وأحكامه، تعذر عليها تغيير الأحوال الشخصية فيه لاحتكامها مباشرة إلى الدين.

بهذه القراءة العادلة تفهم آراء محمد حافظ في نظريته عن التشابه بين القوانين بعيدًا عن ربطه بآراء سانتلانا أو القائلين بتأثير القانون الروماني المباشر في الشريعة الإسلامية.

يقول حافظ له: «ومما يدهش المتأمل البصير أن هذه الأمة الحديثة -يقصد الرومان- في علوم الفقه المقلدة لغيرها من الأمم الشرقية بلغ إتقانها لهذه العلوم مبلغًا عظيمًا إلى حد سريان أحكامها إلى سائر الأمم الأوروبية والأمم الشرقية... حتى ظن الخلف أن جميع الشرائع الشرقية والقواعد الفقهية كلها مأخوذة عن الرومان... وإن شرائع الشرق هي أصل شرع الرومان، وللرومان فضل الاجتهاد والبحث والتحسين، ولا ينكر فضل اجتهادات فقهاء المسلمين على فقهاء الأوروبيين بعد انتشار العلوم الشرعية الإسلامية في العالم واطلاعهم على قوانين وأحكام الأمم الأخرى التي فتحها المسلمون.

(5)

على الرغم من أن عمل محمد حافظ يعتبر مسبوقًا بدراسات مقارنة تأتي في مقدمتها شروح مجلة الأحكام العدلية، والتي حركت المياه الآسنة في البحث الفقهي الحديث، وقام بالشروح أعلام كبار منهم علي حيدر، ورستم باز، ومنير القاضي والآتاسي، بل إن الأستاذ الإمام محمد عبده كان يقوم بتدريس قواعد المجلة في مدرسة الحقوق ببيروت، وممن درسوا على يديه هذه المادة شكيب أرسلان كما دوّن في مذكراته.

س
                مجلة الأحكام العدلية 

وعلى الرغم أيضًا من شروح كتب قدري باشا (الأحوال العينية والوقف والأحوال الشخصية) وفي مقدمتها شروح زيد الإبياني، ومحمد سلامة، وأحمد أبو الفتح وأحمد إبراهيم إلا أن هذه الشروح جميعًا كانت بيانًا لفقه الأحناف الذي كتب مواده قدري باشا مع مقارنة تبدو أولية بين القوانين المصرية والشريعة الإسلامية. وربما كانت وجهتها هي التعليم المدرسي والتطبيق القضائي، أكثر من البحث الدقيق في مجالات الدراسة بمناهجها الحديثة، قد سبقت الإشارة إلى جهد قدري باشا ومخلوف المنياوي من أجل تخريج أحكام القوانين الفرنسية على مذاهب الفقه الإسلامي في محاولة لرأب الصدع ورفع التناقض الصريح بين القانون والفقه، بل هو مسبوق أيضًا بكتاب «مختصر اللاهوت الأدبي» للعلامة يوحنا بطرس خوري، والذي صدرت ترجمته عن اللاتينية لأول مرة في بيروت سنة 1879م، ويتضمن الجزء الثاني منه بحوثًا في العدل والحق والعقود والفرائض والقواعد الفقهية، إلا أن المقارنة فيه فقط بين اللاهوت المسيحي ومجلة الأحكام العدلية والمعاملات في الفقه الحنفي.

رغم هذه الأسبقيات العلمية إلا أن كتاب «المقارنات والمقابلات» نسيج وحده في منهجه ومدونته وشروحه، أما منهجه فإن صاحبه اختار علم مقارنة الشرائع والأحكام، وهو عنده -كما يقول- من أجلّ العلوم الفقهية وأقل ما فيه من الفائدة حل كثير من المسائل الفقهية المختلف فيها بين العلماء، ومعرفة مصدر كثير من الأحكام التي لم يرد عنها نص في الشريعة الغرّاء؛ لأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ما يخالفه، بل إن المنهج المقارن -كما يقول أيضًا- يُمكِّن كل مشتغل بعلوم الفقه والقوانين من التوسع في تعلمه والاطلاع على الفروق الموجودة بين الأحكام وبعضها، وقد اعتمد محمد حافظ في المقارنة على النصوص الشرعية المدونة في الكتب المعتمدة عند المذاهب الإسلامية منها «رحمة الأمة في اختلاف الأئمة» و«الميزان»، وهما في الفقه المقارن للإمام الشعراني، و«الوجيز» في الفقه الشافعي للإمام الغزالي، و«الفتاوى الهندية» في الفقه الحنفي، و«منح الجليل» في الفقه المالكي، و«الأحكام السلطانية» للإمام الماوردي في الفقه الشافعي، و«فتح القدير» للكمال بن الهمام الحنفي، وكتاب «نيل المآرب في شرح دليل الطالب» في الفقه الحنبلي، ويبدو أن الباحث اكتفى في المقارنة بكتب المذاهب الأربعة وبعض كتب القضاء والفتوى مثل «خزانة الفتاوى»، و«مجمع الضمانات»، و«فتاوى النسفي»، و«معين الحكام» للطرابلسي، و«البهجة في شرح التحفة» للتسولي، والمؤلف باقتصاره على هذه المذاهب لا يتخذ موقفًا من المذاهب غير السنية فهو عالم واسع الأفق، إلا أن كتابه تحرك على الفقه اليهودي، واللاهوت الكنسي، والقوانين الأوروبية، والقانون المصري في فروعه المختلفة، مع عناية خاصة بالفقه الإسلامي، هذه جغرافيًّا عملية ينوء بها الجهد الجماعي، وحسب المؤلف أن استطاع أن يجمع شتات أحكامه في كل فروع القانون الخاص، من أحوال عينية وشخصية، وتعمق في بحثها ومقارنتها بما لم يسبق إليه.

أما مدونة «المقارنات والمقابلات» فهي ترجمة وتأليف متخصص يستوعب الأحكام الشخصية، مع المقارنة الكاملة مع الشريعة الإسلامية والفكر الكنسي والقوانين العقلية الموضوعة في مصر نقلًا عن المجموعة الفرنسية، بل إن مساحة المقارنة اتسعت لتشمل كثيرًا من المباحث النقلية والعقلية بهدف تفعيل المادة العلمية للكتاب لكيلا تكون قاموسًا شرعيًّا في حالة سكون، ولكنها حوار فقهي في حالة حركة بكل دوائرها وموجاتها، فالكتاب فيه بحوث متكاملة في موضوعات مهمة مثل بحوثه في الميراث، والزواج، والكتابة، والقروض، والربا، والتعزير، والكتابة، وقدم محمد حافظ بحثًا موسعًا في موضوع الحجاب مع مناقشة لقاسم أمين وطلعت حرب، فانتقد قاسم أمين وآراءه، وأيد آراء طلعت حرب في كتابه «تربية المرأة والحجاب» ورأى أنه موافق لرأي الأغلبية الإسلامية وجمهور العلماء، وقد أجاد كل الإجادة في موضوع إمكان التربية مع الحجاب، ولم يكتفِ المؤلف بذلك، بل استحسن ما كتبه رشيد رضا في «المنار» ناقدًا لكتابيّ «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة» وهكذا يبدو محمد حافظ في كتابه «المقارنات والمقابلات» مشاركًا في قضايا عصره السياسية والاجتماعية، وعلى الرغم من ثقافته الأوروبية الواسعة والتي تبدو جلية في صفحات كتابه إلا أنه اختار مكانه في الاتجاه المحافظ، وفي قضية الحجاب على وجه الخصوص استدعى الدين المسيحي والشريعة اليهودية للتأكيد على أن الشرائع السماوية لا تبيح العوائد الأوروبية، ولا تجد إسنادًا لها في نصوص شرعية حتى يجوز القول بجواز تقليد الأوروبيات في عدم الحجاب وكثرة الاختلاط. وليس معنى هذا أن محمد حافظ اتخذ موقفًا مضادًا للمرأة، بل إنه اختار في كتابه الآراء الفقهية التي تعطيها حقوقها أمام الزوج، ولا توجب عليها الخدمة المنزلية يقول محمد حافظ: «والذي نراه أن الشرع الإسلامي لم يكلف الزوجة بالخدمة منعًا لظلم الرجال وسوء معاملتهم للنساء، فإن الكثير من الرجال يكلفون نساءهم بأشق الأعمال وأصعبها مع ورود عدم التكليف بالمرة».

وعلى الرغم من هذا الموقف المحافظ لمحمد حافظ إلا أنه في بعض الأحيان يخرج في بعض تعليقاته عن خطه العام فهو يعلق -على المادة 412 من كتاب دي بفلي وفيها عدم السماح للمرأة بالإكثار من شرب الخمر- بقوله: «أما ما تضمنته المادة من منع الزوجة عن الإكثار من شرب الخمر فلا بأس به في حد ذاته «فما لا يُدرك كله لا يُترك كله».

والرأي عندي أن المؤلف لم يكن موفقًا ولا مدققًا لأن القاعدة لا صلة لها بالمعاصي وإنما تتعلق بالواجبات. ورغم ذلك فإن المؤلف نادرًا ما يخرج على الفقه السني، فهو يتحدث عن نكاح المتعة ويثني على منعه، ويرى أن عمر بن الخطاب قضى عليه عملًا بسُنَّة النبي، وقدم محمد حافظ بحثًا ماتعًا وعامًّا في الزواج واجتماع الرجل بالمرأة وأسرار الزوجية وأحوال الأمم المختلفة في الزواج، ولخص رؤيته الإسلامية في عبارات واضحة تقول: «والذي استنتجه الباحثون من مجموع المذاهب المختلفة في الزواج والزوجية هو أن الشرع الإسلامي جمع الأفكار السليمة في إباحة تعدد الزوجات والطلاق وفي الوصية بالاكتفاء بزوجة واحدة والتبغيض في الطلاق... وغير ذلك من الأحكام التي تعد متوسطة بين الشرائع المختلفة والمذاهب المتفرقة.

وقد يرى الكثير من علماء العمران والباحثين في أحوال الأمم وأسباب الرزق وظروف المعيشة، أن الشرع الإسلامي كثير الموافقة لأصول العمران من جهة فرض المهر على الزوج وتعدد الزوجات، فوق كونه موافقًا لنواميس الطبيعة البشرية، فيمتدحون الشرع الإسلامي من هذه الوجهة. إلا أن بعضهم لا يستحسن كثرة الطلاق وعدم وضع قواعد وأصول تربط الرجال وتقيدهم لكي لا يسرفوا في الطلاق، ولكن عندما يسمع هذا البعض أن النبي قال قوله السديد، الجامع بين مزية الطلاق وبين منع الإسراف فيه وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «إن أبغض المباحات عند الله الطلاق» تتغير في الحال أفكارهم من جهة الشرع، ويسوء ظنهم بالناس لعدم عملهم بهذا الحديث الشريف.

وفي شروح كتاب «المقارنات والمقابلات» نجد دي بفلي ومحمد حافظ يسيران معًا على خط التيار المقارن في مدرسة «ليون» وبالتحديد إدوارد لامبير الذي اعتبر القانون المقارن علمًا مستقلًا، بل هو علم يستوعب علمين هما:

الأول: علم الظواهر القانونية: وغايته معرفة قوانين الحياة القانونية وطرق نشوئها وارتقائها، وأسباب تدهورها وانتهائها.

الثاني: علم التشريع المقارن: ومهمته البحث عن الأسس المشتركة بين القوانين التي
تنتمي إلى عائلة قانونية واحدة، وقد انتُقد مذهب إدوارد لامبير من نظرائه الألمان ومن زملائه الفرنسيين.

فالفقيه الألماني جوزيف كوهلر ذهب إلى أن التقسيم الثنائي للقانون عند إدوارد لامبير يؤدي إلى ذوبان القانون المقارن في التاريخ العام للقانون، ولا يمكِّنه من أداء دوره الفلسفي ووظيفته القانونية، إلا أن إدوارد لامبير ومعه معاصره وزميله ريمون سالي يؤكدان على استقلالية القانون المقارن باعتباره علمًا يستهدف الوصول إلى المشترك داخل العائلة القانونية الواحدة عند لامبير، وداخل الأسرة الدولية عند سالي فغاية القانون المقارن في نظريته هي البحث عن القانون العام المشترك للإنسانية.

وأيًّا كان الأمر فإن دبفلي ومحمد حافظ كلاهما ينتمي إلى القانون المقارن باعتباره علمًا، وهما معًا ينتميان إلى القانون المقارن كما حدده إدوارد لامبير، ولا يُعد ذلك غريبًا فدي بفلي من زملاء لامبير في كلية الحقوق بجامعة ليون، ومحمد حافظ تأثر كثيرًا بآراء لامبير ناظر مدرسة الحقوق السلطانية بمصر حتى أواخر القرن التاسع عشر، والذي تتلمذ عليه في مصر وفي باريس عدد من النوابع الأُول في المدرسة القانونية المصرية.

ولو أردنا في ختام هذه المقدمة الإشارة إلى البيئة الفكرية التي استدعت تأليف هذا الكتاب الفريد من نوعه، وسلكت به سبيل المقارنة فنوجز معالم خريطتها فيما يلي:

التأثير الشامل لمجلة الأحكام العدلية، والتي امتد تطبيقها إلى أوروبا الشرقية وكان حضورها القضائي لافتًا -حتى في العصر السوفيتي- في كل من روسيا ويوغسلافيا ودول البلقان.

ظهور علم القانون المقارن -كما أشرنا سلفًا- والذي دفعه إلى مقدمة المناهج في الفكر القانوني المصري كان وجود إدوارد لامبير ذاته في مصر أكبر الأثر في هذه الوجهة، ثم تلاميذه من المصريين، والذين تبنوا المنهج المقارن في دراستهم.

حركة التقنين والتي دعت إليها الاتجاهات الفكرية والنخب القانونية في العالم العربي بتأثير من مجلة الأحكام العدلية، الذي بدا واضحًا في أعمال قدري باشا القانونية على المذهب الحنفي، وفي مجلة الالتزامات التونسية لسنتلانا ولجنته، ومجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإمام مالك لمحمد بن محمد بن عامر، وتوفيق المواد النظامية لأحكام الشريعة المحمدية لمحمد الشطي والذي اتجه نحو إنجاز مشروع كامل لأحكام الشريعة الإسلامية في الفقه المدني والجنائي مطابقًا لمصالح البلاد ومنافع العباد ويضم نحو خمسة آلاف مادة من الأحكام الفقهية المتعلقة بالأوقاف والأراضي والأموال والجزاء وغير ذلك، ولم تصدر عن هذا المشروع إلا مقدمة مختارة في مائتي مادة، وذهب الرجل إلى رحاب الله واختفى مشروعه وذهبت مخطوطته طيّ النسيان.

ولا شك أن صدور كتاب «المقارنات والمقابلات» وفيه الترجمة العربية لكتاب دي بفلي «جامع الأحكام العبرية» كان له أثره في المجموعات اليهودية التشريعية التي صدرت بعد ذلك في مصر، وفي مقدمتها كتاب «الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية للإسرائيليين» بأجزائه الثلاثة والتي صدرت متتالية ما بين عامي 1912-1919م، وجهد ماي بن شمعون في إعداد هذه المجموعة يستحق المقارنة مع كتاب دي بفلي منهجًا ومادة، وكتاب «شعار الخضر في الأحكام الشرعية الإسرائيلية للقرائين» وهو من تعريب وشرح مراد فرج والصادر بمصر عام 1917، وهو تعريب وشرح لبعض أحكام مؤلفه العلامة إلياهو بشياصي وعليه الفتوى عند اليهود القرائين وهو زبدة المصنفات التي كُتبت قبله، ويعنى المعرب بشعار الخضر رداء النبي الخضر عليه السلام، ويكشف لنا هذا الكتاب جانبًا مجهولًا يفسر توجه دي بفلي بكتابه إلى قيصر روسيا، فمراد فرج في شرحه وتعريبه يشير إلى حركة اجتهادية في الفقه اليهودي حصلت بروسيا، وأنه استفاد منها في التعريب والإعداد، ويبدو أن صراعًا نشأ بين طائفتي اليهود من الربانيين والقرائين في فهم الآثار الفقهية التاريخية لليهود، مما دفع قيصر روسيا إلى البحث عن جامع للأحكام الشرعية اليهودي، ووجد ضالته في كتاب دي بفلي فاعتمده القيصر نيقولا الثاني، ويبدو أن دي بفلي كان على علم بما يدور في المجتمع اليهودي في عهد هذا القيصر، فقدم كتابه إليه وسعد بقبوله وبوعد القيصر الروسي تكريمه على هذا العمل. ولعل هذا القبول هو ما دفع مراد فرج إلى التفكير في تعريب باقي كتاب إلياهو بشياصي المكتوب بالعبرية. وفي جميع الأحكام الشرعية- على نحو ما فعل دي بفلي وتبويبها وجعلها فقرات على شكل قوانين وإفرادها في كتاب خاص بها جمعًا للشتات وتقريبًا للبعيد وتسهيلًا للمريد([8]).

وكتاب مراد فرج لا يقتصر على الأحوال الشخصية بل فيه بعض الحدود وإن أغلبه في الأحوال الشخصية.

(6)

إن أهم نقد يمكن توجيهه لعمل دي بفلي عدم استفادته من «وثائق» جنيزة العبرية والعربية، وهو يتناول الفقه اليهودي باعتباره أهم عناصر الحياة الاجتماعية.

وأهم نقد يُوجه لكتاب «المقارنات والمقابلات» أن محمد حافظ وهو القاضي الذي ترأس عددًا من المحاكم، آثر أن يقدم عمله في إطار نظري بحت مواد ونصوص وأبحاث استغرق بعضها كما في بحث الزواج أكثر من ستين صفحة من المتن، ويمكن طبعها مستقلة لتؤلف كتابًا كبيرًا، ورغم أهمية ما كتبه هذا القاضي الجليل فإنه غفل عن  أحكام القضاء ونوازل المفتين وهي الأصل الثري لكتاب دي بفلي، والاهتمام بها في كتاب «المقارنات والمقابلات» سوف ينقله من سفر ساكن إلى حياة قانونية متحركة تعين على كتابة التاريخ الاجتماعي للقانون.

وأخيرًا على الرغم من كل الجهود التي بذلها رجال الفقه والتشريع في العالم العربي في مجالات التقنين فلا تزال مرحلة التقنين تراوح مكانها عبر صراع تيارات مختفة الأصول متباعدة الأهداف، رغم الدعوات المُلحة إلى إصلاح تشريعي لم يكن وليد المرحلة التي نعيشها، بل هو جزء من المشروع النهضوي في الدولة الحديثة والذي بدا واضحًا في كتابات رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وغيرهما، وأصبحت خطواته متعثرة وأهدافه غائمة في ظل حصار الإنسان والأرض والفكر في عالمنا العربي، وحسبنا في هذه المقدمة التأكيد على أن الفرد الذي يؤمن برسالته سوف يحقق من إنجازاته وطموحاته ما تعجز عنه حركات الجموع وثرثرات النخب، وإلى هؤلاء الأفراد ينتمي محمد حافظ وكتابه الرائع «المقارنات والمقابلات» فهو حاضر في تاريخ العقل الفقهي ما بقي كتاب وما وُجد قارئ.

[1] في مكتبتي نسخة من هذه الرسالة مع ترجمة عربية خاصة.

[2] هو يوسف حككيان، وُلد في استانبول عام 1807م، من أرمنية وابتعثه محمد علي إلى إنجلترا لدراسة آلات الغزل والنسيج علمًا وعملًا، إلى جانب الاطلاع على كيفية بناء الطرق والكباري والقنوات والأرصفة النهرية.  راجع: د. أحمد عبد الرحيم مصطفى: عصر حككيان، الهيئة العامة للكتاب، مصر، 1990م، من ص74 إلى ص144.

[3]  للأسف فإن النسخة المصورة التي صدرت في مجلد واحد عن دار ومكتبة بيبليون لبنان شوهت الكتاب بما يلي:

نشر الكتاب في سلسلة «اليهودية بأقلام يهودية». وبتصغير لا يكاد يُقرأ.

وضعت عنوانًا آخر للكتاب هو: المعاملات والحدود في شرع اليهود طبقًا لأحكام التوراة والتلمود مع مقارنة بالشريعة الإسلامية والقوانين المدنية. فبدا كتاب دي بفلي وكأنه المادة الرئيسة في الكتاب وهو يشغل أقل من ربع الكتاب والباقي تأليف خالص لمحمد حافظ.

[4]   توجد ترجمة عربية لهذا الكتاب قام بها المرحوم د. محمد سالم الجرح بتكليف من الأستاذ عباس محمود العقاد، وصدرت كاملة في كتاب عام 1965م، انظر ص9، 10، 11.

ومن الكتب المهمة في هذا الصدد بالعربية:

الأثر الإسلامي في الفكر الديني اليهودي، د. عبد الرزاق قنديل، مركز دراسات الشرق الأوسط، 1984م.

التأثير الإسلامي في الفكر الديني اليهودي دراسة نقدية مقارنة لطائفة القرائين، د. محمد جلاء إدريس.

[5]   راجع: خيرية فرج، الدولة البيزنطية في ضوء إصداراتها القانونية خلال القرنين السادس والسابع الميلاديين 518-610م، كتاب المستقبل، 1915م، ص239-240.

[6]   لدينا نسخة من هذه الرسالة سوف نقوم بنشرها مع مقدمة تحليلية.

[7] المقارنات والمقابلات، ص5، ط 1902م.

[8] مراد فرج، شعار الخضر، ص3.