أوقاف وأبرشيات: الجودة المؤسسية بين الإسلام والبروتستانتية

دين أديان مسجد كنيسة

مقدمة المركز
نص الترجمة
   الدين والمؤسسات
   الاختلاف العابر للدول اليوم
   البروتستانتية في شمال أوروبا: مشاعية الأبرشيات
   الإمبراطورية العثمانية: دولة الوقف الخاص
خاتمة

 

مقدمة المركز

ليس هناك شكّ في أنّ مستويات الرفاه في الدول ذات الغالبية البروتستانتية أعلى من مستوياته في الدول ذات الغالبية المسلمة. فهل يعود ذلك إلى تأثير ديني بالأساس؟ أم إلى عوامل تاريخية ومؤسسية واقتصادية؟ منذ أطروحة فيبر الشهيرة عن "الرأسمالية والأخلاق البروتستانتية"، افترض العديد من الباحثين أنّ فجوة الرفاه هذه يمكن تفسيرها بتبني مقاربة دينية/اقتصادية بإجراء هذا الربط المقترح بين البروتستانتية، في صيغتها الكالفينية خاصة التي ربطت بين الخلاص الأخروي والنجاح الدنيوي المادي المباشر، والرفاه الإقتصادي.

الدراسة التي بين يدينا تعتمد مقاربة تاريخية واقتصادية تسلط الضوء على نظام الإدارة المالية الذي ساد في المؤسسات الاجتماعية المحلية في كلّ من أوروبا البروتستانتية والدولة العثمانية المسلمة في المرحلة ما قبل الحديثة. أي إنّها تعقد مقارنة بين نمط الإدارة المالية في كلّ من الأبرشية والوقف كمثالين، وتفحص طبيعة التدابير الاقتصادية التي حكمت حركة المال في كلّ من هاتين المؤسستين، وأثر هذه التدابير في فعالية هذه المؤسسات.

إنّ الهدف من ترجمة هذه الورقة أمران: 1) نقد التفسير "الديني" الصرف، الذي يجعل لمحتوى العقيدة الدينية السائدة الأثر الأكبر في كفاءة المؤسسات الاجتماعية وجودتها، واعتماد مقاربة تغلّب العوامل الاقتصادية والتاريخية وتشمل إرث إدارة المؤسسات الأهلية في كلّ منطقة.

 2) لفت الانتباه إلى ما أحاط بنظام الوقف العثماني التاريخي من إشكالات أعاقت فعاليّته القصوى وأضعفت من جودته المؤسسية، والاستفادة من المقارنة التاريخية مع نظام الأبرشية البروتستانتي لتعميق فهمنا للميكانزمات التي يُمكن أن تحسّن مقدار الجودة المؤسسية في أيّ مؤسسة اجتماعية مستقلّة عن الدولة المركزية.

 

نص الترجمة

على الرغم من الترحيب المعتاد في الوقت الحالي بجودة المؤسسات الحكومية –والتي تُعرَّف  في أغلب الأحيان من خلال مفاهيم: سيادة القانون، والسيطرة على الفساد، وفاعلية الحكومة، ونزاهة الإدارة العامة- بوصفها واحدة من أهم شروط تحقيق رفاهية الإنسان[1]، إلا أن كيفية الوصول إلى هذه الجودة يظل سؤالا عصيا على الإجابة إلى حد كبير، حتى بعد مضي أكثر من عقدين من البحث العلمي المكثف. أحد أكثر العوامل التي يتم الإشارة إليها عند التحقق من وجود مؤسسات عالية الجودة هو الإرث التاريخي للبروتستانتية[2]. ومع ذلك، لطالما كان من الصعب التحقق إمبريقيا من الميكانيزمات الفعلية -مثل أخلاق العمل المقترحة[3]، والفردانية، والقيم غير الهرمية- التي تدعم هذا الربط بين الجودة المؤسسية والبروتستانتية[4].

من خلال المقابلة بين البروتستانتية والإسلام -وهو دين مرتبط إمبريقيا بمؤسسات منخفضة الجودة نسبيا[5]- فإننا نواصل العمل من داخل المقاربة ذاتها التي تركز على أثر الدين في الجودة المؤسسية. ومع ذلك، بدلا من التركيز على النصوص المقدسة أو العقائد أو الثقافة بشكل عام، فإن إستراتيجيتنا البحثية سوف تعمل على "تتبع الأموال"[6] من خلال استخدام إطار الاقتصاد السياسي لوصف كيفية تطور تدابير مؤسسية معينة استخدمت لتمويل الدين عبر العصور[7].

تقوم حجتنا الأساسية في هذه الورقة على أن الاختلافات في الجودة المؤسسية الموجودة على المستوى الماكرو بحسب المعايير القياسية لا يمكن تفسيرها من خلال المقولات العقائدية للبروتستانتية، أو لأي دين آخر، ولكن من خلال كيفية تشكُّل الأنظمة المؤسسية لتمويل الممارسات الدينية. كما تنهض استراتيجيتنا على حقيقة أساسية ترى أن عملية تنظيم الدين عملية مكلفة غالبا. إذ يجب بناء أماكن للعبادة وصيانتها، وتعليم وتوظيف الزعماء و"المراقبين" الدينيين، وبناء مدارس لتعليم الدين، وتوفير إمدادات لإعانة الفقراء[8]، وغير ذلك.

من خلال المقابلة بين عمليات التمويل البروتستانتي والممارسات الإسلامية للتمويل من أعلى إلى أسفل[9] للخدمات الدينية والخيرية من خلال نظام الوقف، جنبا إلى جنب مع نظام جباية الضرائب لامركزيا[10]، يكشف تحليلنا الإمبريقي عن اختلافات جوهرية في عمليات التمويل بين اثنين من الأديان الرئيسية في العالم. وعلى وجه التحديد، نضع أيدينا على آليتين متكاملتين أصيلتين في الإصلاح البروتستانتي –أو على الأقل سابقتين عليه جزئيا- تفضيان إلى وجود مؤسسات عالية الجودة في النطاق البروتستانتي: أولا، إرث من الشفافية والمساءلة ساد على المستوى المحلي (الأبرشيات) مستمد من تقليد عريق للمراجعة {مراجعة الحسابات المالية وتدقيقها}auditing  على المستويين الأعلى والأدنى، ومستمد كذلك من عملية الفصل بين المال العام والمال الخاص، ثانيا، تقليد كفاءة جمع العوائد المالية الحكومية، النابع من تراث مشابه من جني الضرائب واسعة النطاق. في الواقع، وُجد أن كلا من المراجعة وكفاءة جمع العوائد المالية الحكومية يؤثران على نحو إيجابي على الجودة المؤسسية[11]، وكلاهما كان له دور راسخ في تنظيم الكنيسة البروتستانتية منذ نشأتها في القرن السادس عشر. تهدف النتائج التي توصلنا إليها إلى نقد السرديات الجوهرانية التي تربط سببيا بين جودة الأداء المؤسسي وبين بعض الأديان دون غيرها، مع التأكيد على أهمية عدم استبعاد التأثير المحتمل للممارسات الدينية إجمالا.

 

الدين والمؤسسات

توظيف الدين والتراث الديني من أجل توضيح الاختلافات المؤسسية في جميع أنحاء العالم ليس أمرا جديدا. وكما أشرنا سالفا، تم تعليل هذا الأمر بدرجة كبيرة حتى الآن عن طريق ربطه بالمحتوى العقائدي والثقافات المعينة التي يخلقها، خاصة الربط بين البروتستانتية وتحقيق النتائج الإيجابية. والمثال الكلاسيكي في هذا الباب هو نظرية ماكس فيبر عن أهمية الأخلاق البروتستانتية المتفردة في العمل والادخار في تطوير رأسمالية السوق وبالتالي (بشكل غير مباشر على الأقل) تعظيم الثروة. بالإضافة إلى ذلك، أشار آخرون إلى تشجيع البروتستانتية للفردانية على حساب النمط الجمعي الأسري Familism والسلوك المعياري المرتبط به[12]، كما يُعتقد بأن الطبيعة غير الهيراركية للإيمان البروتستانتي تعزز الثقة بين الناس[13].

ومع ذلك، فقد أظهرت الآونة الأخيرة المخاطر الناجمة عن إسناد دور كبير للعقيدة الدينية في تفسير الظواهر الاجتماعية والسياسية. ومن المحتمل أن يكون هذا الأمر أكثر وضوحا في حالة المناقشات الجارية حول الديمقراطية. على سبيل المثال ، يشير أندريان كاراتنيكى إلى أنه في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، يمكن للمرء أن يقدم حجاجا إمبريقيا مقبولا مفاده  أن كلا من الكنيسة الأرثوذكسية والكاثوليكية كانتا غير متوافقين بطبيعتهما مع الديمقراطية[14]، بينما كان من الممكن أن يُساق الحجاج ذاته بحق الكونفوشيوسية قبل عملية الدمقرطة الناجحة التي شهدتها كوريا الجنوبية وتايوان. بالإضافة إلى ذلك، وفيما يتعلق بالإسلام -وهو الدين الرئيسي الذي عادة ما يُناقش اليوم ويجري ربطه بغياب الديمقراطية- يجادل هكلاي  Haklai ضد الفكرة القائلة بوجود موقف إسلامي متجانس تجاه الديمقراطية[15]، بينما يشير كوران  Kuranإلى أن البيانات الواردة عن "رابطة مسح القيم العالمية"  the World Values Surveysتظهر أن "شعوب الدول ذات الأغلبية المسلمة أكثر مناصرة للديمقراطية من غيرها، وليست أقل من غيرها بحال"[16].

إجمالا، بما أن السردية القائلة بأن البروتستانتية تُفضي إلى الديمقراطية تستخدم إلى حد كبير الحجج ذاتها عند الحديث عن الجودة المؤسسية، بما في ذلك الثروة والمعايير والثقة، فإن تحذير ستيبان Stepan بأنه "يجب أن نكون حذرين عند افتراض أن أية عقيدة دينية هي عقيدة إما مناصرة للديمقراطية أو مناهضة لها"[17] يجب أن يؤخذ في الاعتبار بجدية عند تناول مفهوم الجودة المؤسسية أيضا. في الواقع، يمكن العثور كذلك على دليل مباشر ضد وجود أية صلة مباشرة قائمة على أساس عقائدي بين الإيمان البروتستانتي والجودة المؤسسية في الأبحاث التجريبية. في دراسة بَعدية[18] meta-study حديثة، لم يجد هوفمان Hoffmann أدلة كافية  على أن البروتستانتية، أو الدين بشكل عام، لها أي تأثير حاسم على نوع السلوك الذي وجِد أنه مهم أو يعكس حالة المؤسسات الجيدة، مثل الثقة والتعاون أو الإيثار[19]. وبصرف النظر عن توجيه ضربة جوهرية للحجاج العقائدي الذي يرى أن البروتستانتية عامل مفيد لجودة المؤسسات، فإن هذا الانقسام على المستويين الماكرو-الميكرو يدعم حجة أخرى مفادها أن أي ارتباط ملحوظ بين الأمرين من المرجح أن يكون ناتجا عن ظروف تاريخية وليس عن جوانب عقائدية محددة[20]. وبينما لا نشكك في الوجود الإمبريقي الأساسي للعلاقة الإيجابية بين البروتستانتية والمؤسسات الجيدة على المستوى الماكرو (انظر على سبيل المثال: جدول 2 أدناه)، فإننا نستهدف من إجراء هذه الدراسة إثراء تلك العلاقة بتقديم سردية ترتكز على أسس تاريخية ومؤسسية تحديدا أكثر مما قُدِّم في السابق[21].

 

الاختلاف العابر للدول اليوم

قبل أن نسوق الدليل التاريخي الذي يدعم حجتنا، نبدأ بإلقاء نظرة سريعة على العلاقة بين المتغيرات الرئيسية للدراسة -البروتستانتية والجودة المؤسسية- عبر الدول لاستقصاء كيفية ارتباطها بآلياتنا المقترحة –جودة عملية المراجعة وكفاءة جمع العوائد المالية الحكومية- بالإضافة إلى التفسيرات الثقافية والاقتصادية المذكورة أعلاه على المستوى الدولي اليوم، من أجل معرفة ما إذا كانت حجتنا لها أية قدرة تفسيرية واضحة في عالم اليوم أم لا.

 أولا، تُظهر البيانات المتاحة لدينا[22]، والتي تشمل حوالي نصف دول العالم (وعددهم 95 دولة تضم، وهذا هو المهم، ستة مليارات نسمة من بين سكان العالم البالغ عددهم حوالي سبعة مليارات نسمة)، رابطا قويا بين نسبة السكان البروتستانت[23] في هذه الدول وكلا من جودة المراجعة[24] وكفاءة جمع العوائد المالية الحكومية[25]. وعلى الرغم من أننا نعثر هنا على البعد الثقافي، الذي يتجلى بوصفه الثقة بين الأشخاص[26]، إلا أن حجة الثروة الفيبرية، التي قيست على أنها نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي[27]، فشلت في أن تكون ذات أهمية في هذا السياق.

 

table1

 

بالانتقال إلى الجزء الثاني من حجتنا، فيما يتعلق بتأثير البروتستانتية ومساراتها المقترحة على الجودة المؤسسية[28]، نجد روابط قوية ثنائية المتغير في الاتجاه المتوقع لكل من البروتستانتية نفسها (الجدول 2 ، العمود 1) والمسارات المرتبطة بها (انخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الآن، بسبب ارتباطه الضئيل بالبروتستانتية) (الأعمدة 2-4). والجدير بالملاحظة أنه عندما يتم تقييم العلاقة بين البروتستانتية والجودة المؤسسية مع مراعاة الميكانيزمات الثلاثة الأخرى، تتضاءل قوة تلك العلاقة باستمرار عبر النماذج الثلاثة (الأعمدة 5-7). وفي المقابل، تتضاءل قوة هذه الآليات ذاتها بشكل هامشي فقط في ظل سيطرة البروتستانت، مقارنة بنتائجهم ثنائية المتغير. وفي التقييم النهائي، الذي يتضمن البروتستانتية جنبا إلى جنب مع الميكانيزمات الثلاثة في الوقت ذاته، يقترب معامل البروتستانتية من الصفر، ويفقد أهميته (العمود 8). بالإضافة إلى ذلك، يتضاءل كلٌ من معامل وأهمية الثقة بين الأفراد أكثر من تضاؤل المراجعة والكفاءة المالية (ينحدر المعامل إلى ثلث قيمته الأصلية في النموذج ثنائي المتغير، في حين أن معاملات المتغيرات الأخرى تنحدر إلى أقل من النصف)[29].

ماذا نستنتج من هذه النتائج؟ لا شك أن هذه الانحدارات تؤدي إلى مجموعة ساذجة من التحليلات، والتي تفشل بدورها في تفسير المشاكل المحتملة للمتغيرات المحذوفة  omitted variables والتجانس endogeneity [30]، في حين يُفترض هنا أن الجوانب التاريخية المتأصلة في الحجة الأشمل تعمل من خلال مقاربة "الاعتماد على المسار"[31] (انظر أدناه) . ومع ذلك، تدعم هذه النتائج مبدئيا وجهة النظر القائلة بأنه على الرغم من أن الحجة الموجهة ثقافيا قد تتمتع ببعض المزايا، إلا أنها تبدو ذات أهمية مساوية أو أكبر بالنسبة للعلاقة بين البروتستانتية والمؤسسات وهي الطريقة التي تم بها هيكلة الدين تنظيميا، وتحديدا فيما يتصل بالأمور المتعلقة بجودة المراجعة وكفاءة جمع العوائد المالية الحكومية.

في الفقرات التالية من هذه الدراسة، سوف نتعمق أكثر في الكشف عن الحجة المقترحة أعلاه من خلال النظر في الأنظمة التاريخية لتمويل الممارسات الدينية محليا في المقاطعات البروتستانتية من شمال غرب أوروبا (في نهاية المطاف) وإظهار أن هذه الممارسة، التي تتميز بالمساءلة والشفافية والفعالية، كانت قائمة بالفعل خلال العصور الوسطى. بالإضافة إلى ذلك، وعلى الطرف النقيض، نوضح أن هذه الترتيبات المؤسسية تم تنظيمها تاريخيا بطريقة مختلفة تماما في الإمبراطورية العثمانية[32] التي هيمن عليها المسلمون، وهي دول تشهد اليوم مستويات أقل كثيرا من الجودة المؤسسية مقارنة بالدول البروتستانتية[33].

 

البروتستانتية في شمال أوروبا: مشاعية الأبرشيات

تمحورت صيغة النقاش الأخير حول الجودة المؤسسية على ما صار يعرف بـ"عملية التتابع". وقد جادل عدد من الباحثين بأنه من أجل نجاح عملية الدمقرطة الانتخابية التمثيلية، يجب أن تُسبَق ببناء فعال للدولة ينتج عنه حدوث جودة مؤسسية[34]. وبدون وجود حد أدنى من الجودة المؤسسية، يصعب على الدول إجراء انتخابات بسبب افتقارها إلى القدرات الإدارية والثقة في المؤسسات المسؤولة عن احتساب أصوات الناخبين بنزاهة. ثمة خطر آخر أيضا يتمثل في افتقاد العملية الديمقراطية إلى الشرعية؛ لأن الحكومة المنتخبة لن يكون لديها إدارة عامة مؤهلة تتمتع بالقدرة والنزاهة لتنفيذ السياسات التي وعدت بها الحكومة خلال الحملة الانتخابية. أحد الاستنتاجات التي يمكن أن نخرج بها من هذا "الجدل حول عملية التتابع" هو أن أحد أسباب نجاح عملية الدمقرطة في شمال غرب أوروبا وإمكانية استمرارها هو أن دولا مثل بريطانيا والدنمارك وفرنسا وهولندا والسويد تمكنت من رفع جودة مؤسساتها العامة قبل الشروع في عملية الدمقرطة. كان هذا متعلق إلى حد كبير بالابتعاد عن الفساد المنظم[35]، كما أنه متعلق أيضا باستبدال المحاباة والزبائنية بالجدارة في التعيين في وظائف الخدمة المدنية[36]. والسؤال المركزي بالطبع هو: من أين جاءت قدرة تلك الأمم في شمال أوروبا على زيادة قدرة الدولة والجودة المؤسسية. ركزت معظم الأبحاث في المنطقة على المستوى الكلي، وخاصة قدرة الدول على تعظيم الإيرادات الضريبية على الرغم من تكاليف الحرب. كان لدى حكام الدول التي لديها القدرة (والرؤية) على خلق الامتثال للمعايير داخل نظامها الضريبي من خلال التشاور مع البرلمانات الوطنية فرصة أكبر للحصول على موارد كافية تزيد من احتمالية النجاح في النزاعات العسكرية ضد الدول الأخرى[37]. كان وجود درجة من الجودة المؤسسية في عملية إدارة الضرائب مسألة ضرورية لخلق الامتثال للمعايير والشرعية التي من شأنها أن تجعل جمع الضرائب أمرا أقل تعقيدا.

لا نستهدف في هذه الدراسة تلك المقاربات التي تركز على المستوى السياسي المركزي. ربما كان ذلك مهما للغاية في مرحلة ما، ولكن يظل السؤال قائما: لماذا تركز هذا النمط من نظام بناء الدولة ورفع جودة المؤسسات الحكومية في شمال غرب أوروبا. كما حاجج مولر Møller، في نهاية العصور الوسطى، لم يكن وجود مؤسسات تقوم بالمساءلة في معظم البلدان الأوروبية قائما على المستوى المركزي فحسب[38]. بدلا من ذلك، بدءا من تلك الفترة، "أصبحت مؤسسات الحكم الذاتي، بما في ذلك المؤسسات التمثيلية المحلية، والمجالس البلدية، والعديد من المجموعات المستقلة الأخرى، متغلغلة في مجتمعات غرب أوروبا"[39]. وقد طرح المؤرخ بيتر بليكل  Peter Blickleالفكرة القائلة بأهمية مثل هذه المؤسسات المحلية شبه الديمقراطية مثل النقابات ومجالس المدن والقرى والأبرشيات[40]. تقدم النظرية، المسماة بالنظرية المشاعية، فهما للتطور السياسي والاجتماعي في أوروبا خلال تلك الحقبة، مما يؤكد أهمية السياسة على المستوى المحلي. بالطبع أحد أسباب التركيز على السياسة على المستوى المحلي هو أن غالبية المواطنين يختبرون بالفعل طريقة عمل المؤسسات العامة من خلال المستوى المحلي. تاريخيا ، في شمال غرب أوروبا، كانت المؤسسات العامة على مستوى القرية أو الأبرشية المحلية، هي الأكثر مسؤولية عن تعزيز معايير وقيم ليس المسؤولين العاملين فيها فحسب، ولكن عامة الناس أيضا.

table2

 

باستخدام المقاربة التاريخية، أجرى بليكل وتلامذته بحثا عن دور المؤسسات المحلية شبه الديمقراطية في تمويل وتدبير السلع العامة في أوروبا الغربية من القرن الخامس عشر وحتى القرن السابع عشر[41]. وبشكل عام، تُعرّف المشاعية على أنها قدرة الكيانات السياسية المحلية على إنشاء أشكال من الحكم الذاتي وإنتاج "سلع عامة"، وهو ما يكون غالبا ضد مصالح السلطة المركزية واللوردات الإقطاعيين. وفي كثير من الأحيان، تختلف القدرة على تنفيذ هذه المهام المتنوعة والمعقدة عبر المجتمعات المحلية بشكل كبير، ولكن، كما سنجادل لاحقا، هناك اختلافات جوهرية في المبادئ الأساسية لكيفية القيام بتلك المهام في المثالين اللذين نناقشهما.

من أجل تحليل عملية المساءلة، كان الشكل المؤسسي الأكثر أهمية لتلك الأنظمة المجتمعية المحلية هو "مجلس الأبرشية". ومجلس الأبرشية، الذي ينعقد اجتماعه سنويا، هو عبارة عن نظام شبه ديمقراطي كان على المشاركين فيه مناقشة واتخاذ قرار بشأن القضايا التي لا تؤثر على المسائل الدينية فحسب، ولكن أيضا على العديد من القضايا العلمانية. كما اضطلعوا أيضا بمهمة انتخاب مراقبي الكنيسة، وفي بعض الحالات، مجالس الكنيسة. ما يهم عملية  التحليل هنا هو أنه كان على مجلس الأبرشية أيضا أن تتخذ قرارا بشأن الرسوم والضرائب المحلية. وقد أكد بليكل على عدد من الميزات المختلفة التي حظي بها حكم المجلس: الميزة الأولى هي مبدأ المساواة. عادة ما كان يتم استبعاد الأشخاص المعدمين والأشخاص الذين ليس لديهم ممتلكات أو لا ينتسبون إلى نقابة/حرفة ما من عملية التصويت، ولكن خلافا لذلك كان المبدأ المعمول به هو صوت واحد لكل أسرة بغض النظر عن وضعها الاقتصادي. والمبدأ الثاني هو الفكرة العامة القائلة بوجود "الصالح العام" الذي شكّل مسؤولية مجلس الأبرشية. ويمكن فهم ذلك من منظور علم الاقتصاد الذي عرّف تلك الفكرة بوصفها "سلع عامة"، ولكن يمكن أن تشمل أيضا المساعدات الاجتماعية والاقتصادية للأيتام أو الأرامل. ثالثا، تم تكليف المجلس بانتخاب أشخاص لمناصب تمثيلية، مثل مراقبي الكنيسة. والمبدأ الرابع هو المساءلة. الأشخاص المنتخبون لشغل مناصب مختلفة يجب أن يخضعوا للمساءلة على قراراتهم وأفعالهم. ومن مبدأ المساءلة ينبع المبدأ الخامس: الشفافية. بدون الشفافية، لا يمكن للمساءلة أن تكون فاعلة[42].

وبينما كانت هذه المبادئ الخمسة موجودة بدرجة ما قبل عصر الإصلاح البروتستانتي، إلا أنها قويت على نحو خاص في البلدان البروتستانتية حيث اختفى التسلسل الهيراركي الذي ميز الكنيسة الكاثوليكية. وفي الدول البروتستانتية، أصبحت تلك الأبرشيات قوية للغاية من الناحيتين السياسية والاقتصادية. وصارت تتمتع بسلطة اقتصادية على رجال الأكليروس. وكما يقول كومين Kumin، في القرن السادس عشر، "أحرزت {تلك الأبرشيات} موقعا سياسيا وقانونيا قويا، وبدأت العديد من المجتمعات الريفية والحضرية في أوروبا الوسطى في مراقبة الحياة الأخلاقية لرجال الأكليروس في مجتمعاتهم، وإدارة أموال الأبرشية ... لم تكن السلطة السياسية والدينية محتكرة من قبل النخب الإقطاعية التقليدية"[43]. وفي دراسته الموسعة عن تاريخ الأبرشيات الإنجليزية، يقول باوندز Pounds "كان على القسيس أن يداوي الأرواح، ولكن العناية بالمسائل الدنيوية وقعت على عاتق الأعضاء المنتخبين في المجتمع"[44]. ويضيف أن أبناء الأبرشيات الإنجليزية ومراقبي الكنيسة المنتخبين "كانوا مسؤولين في المسائل العلمانية فقط أمام القضاة عن أي انتهاك للقانون العام أو القانون الأساسي". كما يشير باوند أيضا إلى أنه على الرغم من أن الأبرشيات لم تكن ممارسة ديمقراطية بالمعنى الحديث، إلا أنها كانت أمثلة حقيقية على الحكم الذاتي المحلي. وتظهر الدراسة التاريخية للأبرشيات السويدية خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر أن عامة الناس مارسوا سلطة كبيرة وكانوا يحكمون أنفسهم بأنفسهم، لا في الشؤون الكنسية فحسب، بل في العديد من المجالات غير الدينية أيضا. وتؤكد الدراسة على الصلة بين السلطة على الموارد الاقتصادية "من أسفل" والسلطة على تنظيم الممارسات الكنسية:

"أعطت المسؤولية الدنيوية للكنيسة، والقساوسة، وخزانة الأبرشية، للفلاحين ميزة ملموسة يمكن تحويلها جزئيا إلى مورد أيديولوجي . . . وكان يمكن صياغة النظرة الشعبية لما يشكل ممارسة طقوسية جيدة وخدمة إلهية جيدة بدرجة أكبر من المشروعية"[45].

وبينما قامت الأبرشيات بجني الضرائب وتحصيل الرسوم لأغراضها الخاصة، فإنها لم تقم عادة بتحصيل الضرائب لصالح الدولة أو النخب الأرستقراطية المالكة للأرض. وكانت إيرادات الدولة المركزية تُحصَّل غالبا عن طريق السلطات العامة الأخرى[46]. ومن الجدير بالذكر أنه بينما يؤدي مراقبو الكنيسة[47] الإنجليز القسم أمام الأساقفة عندما يقوموا بزياراتهم الكنسية، "إلا أن المسؤولين الكنسيين ليس لديهم سلطة حرمان أو فصل مراقبي الكنيسة. وكان ولائهم الأساسي لمجتمعهم لا للكنيسة"[48].

وعلى الرغم من أن الأبرشيات أصبحت تمارس سلطة حقيقية على كلٍ من الأمور الدينية والعلمانية، لا يبدو أن السياسة قد هيمنت عليها الفصائل أو الصراعات الطائفية. بدلا من ذلك، تشير الأدلة المتاحة إلى أن عملية صنع القرار في مجلس الأبرشية إلى حد كبير كان موجها نحو توافق الآراء[49]. ولم تهيمن مثل هذه النزاعات على مسار الأمور في الحالتين الإنجليزية والسويدية، ولا في مقاطعات أوروبا القارية التي تغطيها دراسات بليكل. بدلا من ذلك، يبدو أن توافق الآراء والتعاون كانا بمثابة "أسلوب العمل"[50]. وبالتالي، لم تكن النزاعات التي نشأت نزاعات أفقية، بل رأسية، بين المؤسسات المجتمعية المحلية ومراقبي الكنيسة المركزية والطبقة الأرستقراطية مالكة الأرض كذلك[51].

يوضح كلٌ من أرونسون وهيندل Aronsson and Hindle كيف أن مسؤوليات الأبرشيات أخذت تتزايد بعد القرن السابع عشر[52]. وبدأت أنواع مختلفة من المهام العلمانية تقع ضمن اختصاص الأبرشيات، بما في ذلك رعاية الفقراء، وتأسيس التعليم العام، ومؤسسات الائتمان المالي، والتأمين. وفي كثير من الحالات، كان على الأبرشيات أيضا الاعتناء بالبنية التحتية كالجسور والري والطرق. كما اضطلعت الأبرشيات الإنجليزية بمسؤولية الحفاظ على النظام العام[53].

نظرا للصلاحيات الواسعة التي حازها مراقب الكنيسة، من المثير للاهتمام أن نفكر في سبب عدم تطور تنظيم الأبرشية إلى ما يُعرف في السياقات المتطورة في العصور الحديثة باسم سياسة "الرجل الكبير"[54]، أو إلى أي شكل آخر من أشكال عمليات تبادل المحسوبية المرتبطة في الوقت الراهن بالدين[55]. في الحالة السويدية، تم تعميم منصب مراقب الكنيسة، وكذلك أعضاء مجلس الأبرشية، بحيث كان لكل فلاح تقريبا من ملاك الأراضي ممثلا منتخبا على مدار عقد من الزمان[56]. وبالمثل، تشير الأبحاث التي أجريت على الأبرشيات الإنجليزية إلى أن منصب مراقب الكنيسة يميل إلى أن يشغله "أناس عاديون". بالإضافة إلى ذلك، على الرغم من أن الأمر لا يتم تنظيمه بشكل رسمي عادة، إلا أنه كان من المعتاد أن يشغل هذا المنصب شخص واحد لمدة عامين فقط. وبينما يحظى هذا المنصب بمسؤوليات اقتصادية وتنظيمية كبيرة على نحو مدهش، فإن مراقبي الكنيسة الإنجليزية كانوا يمثلون طيفا واسعا من النسيج الاجتماعي. وعادة يمكن أن يكونوا من الخبازين أو الحدادين أو المزارعين أو الجزارين أو أصحاب المتاجر أو الخياطين أو النجارين[57]. ونادرا ما شغل أفراد طبقة النبلاء وظيفة مراقب الكنيسة. ومن الجدير بالذكر أنه في بعض الأحيان النادرة، تم انتخاب نساء مراقبات في الكنيسة[58].

كما ذكرنا آنفا، كان مراقبو الكنيسة يتحكمون في مبالغ كبيرة من المال وغيره من الموارد. وكما يخبرنا كومين:  

"أدار المراقبون الممتلكات وتصرفوا فيها بالبيع والشراء، وقاموا بتنظيم مجموعات معينة من الأعياد، وإقراض الأموال ومختلف أمتعة الكنسية، وتلقي وصايا الإرث وإسهامات النقابات المحلية، وتنظيم وسائل الترفيه، وطالبوا برسوم دق النواقيس أو الدفن، مع إنفاق الأموال على صيانة الكنيسة وعمليات الزخرفة ودفع الرواتب والإعانات وبناء الجسور والقضايا القانونية والكهنة وإقامة الشعائر"[59].

في الوقت الذي عُهِد فيه إلى مراقب الكنيسة بإدارة موارد اقتصادية كبيرة، فإن المهم من وجهة نظر الجودة المؤسسية هو أنه، كقاعدة، كان من المفترض أن يحافظ مراقبو الكنيسة على الفصل التام بين أموالهم الخاصة وموارد الأبرشية التي كانوا مسؤولين عنها. وهكذا، تم مأسسة أحد المبادئ الأساسية لما يدخل عموما في نطاق الجودة المؤسسية، وهو مبدأ الفصل بين المال "الخاص" و "العام"، برسوخ داخل نظام الأبرشية. وقد أكد العديد من المؤرخين على التفاصيل الاستثنائية التي تم بها إدارة الدفاتر المحاسبية بالنظر إلى أن هذه الممارسات كانت قبل زمن طويل من انتشار محو الأمية وتعليم الرياضيات[60]. وكان لنظام الأبرشية مجموعة صارمة من لوائح المراجعة التي جعلت مراقبي الكنيسة مسؤولين أمام مجلس الأبرشية. وفي الاجتماع السنوي لمجلس الأبرشية، يمكن فحص جميع تقارير المراجعة. وهكذا، "كان يوم المراجعة فرصة لمجلس الأبرشية لممارسة سيادته"[61].

أثمر هذا النظام ثلاثة "أساليب" تعتبر جميعها أساسية لفكرة الجودة المؤسسية. الأول هو مبدأ  المساءلة الاقتصادية. فعلى الرغم من أن مراقبي الكنيسة ربما لم يتمكنوا من القراءة أو الكتابة جيدا، وربما لم يكن لديهم أي فكرة عن التفاصيل الدقيقة لإدارة الدفاتر المحاسبية، إلا أنهم تمكنوا من المحافظة على دفاتر محاسبية بدائية توضح لرعايا الأبرشية ومسؤولي الكنيسة في المستويات الأعلى كيفية إدارتهم للموارد الموكلة إليهم. ثانيا، تم تأسيس مبدأ الشفافية من خلال الجمع بين التدوين في الدفاتر المحاسبية وإتاحتها لرعايا الأبرشية كي يطلعوا عليها. يقول باوندز: "تم تقديم حسابات الدفاتر سنويا لأبناء الأبرشية المجتمعين"[62]. ثالثا، تم تأسيس نظام المراجعة  من خلال إجراء عمليات التفتيش من أسفل بواسطة أبناء الأبرشية ومن أعلى بواسطة الأساقفة أو رؤساء الشمامسة. إجمالا، تتناقض هذه الممارسات المؤسسية تماما مع مبدأ "محاسبة الضمير" الذي ساد نظام "الوقف" في الإمبراطورية العثمانية وهو ما سنتناوله الآن.

 

الإمبراطورية العثمانية: دولة الوقف الخاص

في الإمبراطورية العثمانية -التي ترى بلايدز Blaydes أنها "مارست شكلا من أشكال الحكم على الشرق الأوسط بأكمله تقريبا ما عدا إيران"، مما جعلها "مهمة للغاية من منظور تشكُّل الدولة"[63] في المنطقة- لعبت الدولة، كما هي الحال في شمال غرب أوروبا، دورا هامشيا لفترة طويلة في توفير وتمويل السلع العامة المحلية. ومع ذلك، تنتهي معظم أوجه التشابه بين الإمبراطورية العثمانية وشمال غرب أوروبا عند هذه النقطة. فقد هيمنت مؤسستان على النظام العثماني في توفير السلع العامة وجمع الضرائب: نظام الوقف -حيث قام الأثرياء بتمويل الدين والتعليم والبنية التحتية وإعانة الفقراء من خلال إنشاء مؤسسات خاصة أو حجج أوقاف (بالتركية: vakıf)- ونظام جمع الضرائب وغالبا ما يتم فيه الاستعانة بمصادر خارجية من خلال نظام الالتزام. وعلى الرغم من أن مؤسسات الوقف الخاصة ونظام الالتزام لم يكونا أنظمة تفرد بها العثمانيون دون غيرهم، إلا أن انتشار تلك المؤسسات في الولايات العثمانية طغى على حالة مقاطعات شمال غرب أوروبا التي تبنت البروتستانتية.

نبدأ بمناقشة نظام الوقف، الذي كان (ولا يزال نوعا ما حتى الآن) مؤسسة خيرية خاصة على نحو شكلي، وممارسة رائجة في جميع أنحاء الشرق الأوسط. يمكن أن يكون الوقف خيريا بحيث يخدم صراحة المجتمع المحلي ككل، أو أهليا يخدم أفراد عائلة مؤسسي الوقف -للحفاظ على ممتلكات العائلة إلى حد كبير عند التحايل على أحكام المواريث- أو وقفا مشتركا يجمع بين الخيري والأهلي[64]. باختصار، يتبرع مؤسس الوقف بالممتلكات (في صورة عقارات غالبا) -والتي يمكن أن تتراوح من غرفة واحدة إلى عشرات القرى- التي سيتم توجيه عوائدها بعد ذلك لتمويل منفعة عامة، مثل المساجد أو المدارس أو الأسبلة  أو حتى عائلة مؤسس الوقف، إلى الأبد[65].

أشارت العديد من المصادر إلى الأهمية الاقتصادية والاجتماعية للأوقاف بالنسبة إلى المجتمع العثماني وآثارها عليه[66]، لدرجة أنه يمكن للمرء أن يطلق عليها بسهولة "دولة وقف"[67] حقيقية. كما يصفها يدي يلدز  Yediyıldız:

"بفضل التطور المدهش لمؤسسة الوقف، يمكن أن يولد شخص ما في منزل تابع للوقف، وينشأ في ظل ذلك الوقف ويتغذى من طعامه، ويتلقى تعليمه من خلال الكتب المملوكة للوقف، ويصبح مدرسا في مدرسة الوقف، ويؤمن له الوقف راتبا، وعند وفاته يوضع في نعش مخصص للوقف ليُدفَن في مقبرة الوقف. باختصار، كان من الممكن تلبية جميع احتياجات الفرد من سلع وخدمات تم وقفها"[68].

عند إلقاء نظرة على المبادئ التأسيسية لنظام الوقف، نجد أن العديد من السمات المركزية للوقف تتناقض بشكل كبير مع نظام الأبرشيات البروتستانتية الموصوف أعلاه. أولا، كان الوقف قطعا   نظاما غير رسمي بطبيعته وخاص، وليس تنظيما مجتمعيا. كان منشئو الأوقاف، الذين تراوحت دوافعهم بين الدوافع الخيرية أو القيام على حماية أموال الوقف أو التأثير السياسي، يميلون إلى أن يكونوا أفرادا أثرياء يتمتعون بنفوذ محلي أو على نطاق الإمبراطورية. والجدير بالذكر أنه في حين كان بإمكان مؤسسي الأوقاف شغل مناصب رسمية داخل الإمبراطورية، وفي كثير من الأحيان كان الأمر كذلك - حتى على مستوى الخلفاء أو السلاطين- إلا أنهم قاموا بتأسيس الأوقاف بشكل شخصي[69]. وبالتالي كان الفصل بين المال العام والخاص غير واضح بطبيعته في هذا النظام، واستمرت طبيعته الخاصة إلى حد كبير حتى إصلاحات التأميم التي جرت في القرن التاسع عشر[70]، حينها أخذت أهميته تتضاءل بالفعل في الحياة العامة[71]. تمتع مؤسسو الأوقاف بسلطة كبيرة أحكمت سيطرتهم الشخصية على سياسة الوقف من خلال النص في البداية على شروط الوقف التي تحدد ما يجب أن تفعله مؤسسة الوقف، وكيف ينبغي أن تُدار، وفي حالة مؤسسات الأوقاف التعليمية على سبيل المثال: تحدد ما الذي ينبغي تدريسه[72]. بالإضافة إلى الطبيعة الخاصة للأوقاف، سمح هذا المستوى العالي من السلطة التقديرية لمؤسسي الوقف بتوسيع نفوذهم "إلى حدٍ أبعد مما يمكنهم تحقيقه من خلال الأطر الرسمية للسلطة التي تمتعوا بها"[73].

ثانيا، من وجهة نظر الحوكمة، اتسمت إدراة الأوقاف بالمرونة والصرامة في آنٍ واحد. كان لدى مؤسسي الوقف سلطة تعيين متولي، أو ناظر وقف، مكلف بالقيام على تحقيق الشروط التأسيسية للوقف والحفاظ عليه. وغالبا ما كان يتولى هذا المنصب أحد أفراد عائلة المؤسس ذاته، ثم يتم توريثه لاحقا لأحد الأقارب، مما يعزز ديناميكية السلطة الأسرية. بمجرد النص على الشروط التي تحكم الوقف، كان من الصعب جدا تغييرها خاصة بعد وفاة المؤسس، ويتضح ذلك من خلال ترجمتها الفضفاضة على أنها "يحظر نزع أو نقل أو تبادل شيء ما"[74]. ومع ذلك، نظرا لأن الشروط الأولية للوقف غالبا ما كانت فضفاضة، كان لدى متولي الوقف مساحة كبيرة لتفسيرها.

ثالثا، نتيجة للطبيعة الخاصة للوقف، والسلطة الواسعة التي مارسها ناظر الوقف، اتسمت مؤسسة الوقف بمستوى منخفض من المساءلة والشفافية. كما يلاحظ باير Baer :

"لم تكن المؤسسة الخيرية أو الدينية أو "الفقراء" يتمتعون بسلطة تذكر في هذا الصدد على ناظر الوقف، وقد فشلت تماما محاولات الحكومة المتكررة لفرض مثل هذه السيطرة حتى منتصف القرن العشرين، وخاصةً لأن الشروط المنصوص عليها في الأوقاف كانت فضفاضة  في كثير من الأحيان. كما كان نظار الوقف أيضا قادرين على توفير مزايا مادية لأفراد عائلاتهم مستمدة من الوقف، مثل الاستئجار الدائم لممتلكات الوقف"[75].

نتج عن هذا النظام الخاص والفضفاض والصارم على المستوى الرسمي، ولكنه في الواقع نظام إدارة مرن، مؤسسة مليئة بفرص مباشرة للكسب غير المشروع والفساد[76]. إضافة إلى ذلك، نجادل بأن الآثار غير المباشرة لهذه الممارسات ربما كانت أكثر ضررا للجودة المؤسسية للمنطقة على المدى الطويل. أولا، بالنسبة للدولة ذاتها، أعفى نظام الوقف الدولة من أعباء تأمين الخدمات العامة، الأمر الذي كان يتطلب نشأة جهاز بيروقراطي واسع النطاق وتطوير قدرات الدولة بشكل عام، وسمح للجهات الفاعلة الخاصة بممارسة تأثير كبير على ما نعتبره اليوم واقعا ضمن المنافع العامة. ثانيا، أعاق هذا الغموض الذي شاب دور الدولة في أعين المواطنين العاديين إمكانية تطور عملية المساءلة السياسية بين النظام ورعاياه[77]. فمن خلال هذا النظام من المساءلة المحدودة والإدارة الصارمة[78]، افتقرت الأوقاف بوضوح إلى سمات التعزيز المدني للنظام المجتمعي، وهو الإرث الذي عانى منه النظام العثماني حتى نهايته[79]. وكما يشير برنارد لويس في نهاية حياة الإمبراطورية:

"أدى استقدام ممارسة التجنيد الإجباري من أوروبا في أوائل القرن التاسع عشر إلى الجمع لأول مرة بين القرويين والمدنيين في علاقة وثيقة ومستمرة مع الدولة، وجعلهم لأول مرة وجها لوجه مع أولئك الذين مارسوا سلطة الدولة. في عصور سابقة، كانت تجربتهم المباشرة مع سلطة الدولة تقتصر على جباية الضرائب وإنفاذ القانون"[80].

إلى جانب توضيح غياب الدولة عن حياة العثمانيين العاديين خلال الجزء الأكبر من حياة الإمبراطورية، يسلط الاقتباس السابق الضوء أيضا على الوجه الآخر من مورد المالية العامة: الضرائب. فعلى الرغم من ادعاء برنارد لويس بأن الضرائب كانت إحدى المساحات القليلة التي لعبت فيها الدولة العثمانية دورا نشطا، إلا أن الأدلة التاريخية تعقّد هذه الصورة نوعا ما. في تجلٍ واضح للطريقة التي تعاملت بها الإمبراطورية مع توفير السلع العامة، توسعت الإمبراطورية في استخدام نظام جباية الضرائب بالاستعانة بمصادر خارجية من خلال ممارسة نظام الالتزام[81]. وبحسب هذا النظام، فإن آثاره المؤسسية تذكرنا إلى حد كبير بتلك التي نشأت كما رأينا عن نظام الوقف. أولا، مثلما قضى الوقف إلى حد كبير على دور الدولة فيما يتعلق بتوفير السلع العامة، سيعيق نظام الالتزام القدرة على التفاوض[82] وتطوير "عقد اجتماعي مالي"[83] بين الحاكم والمحكومين، وبالتالي الحدّ من احتمالات المساءلة السياسية[84]. على سبيل المثال، يصف كاسبا Kasaba عملية جباية الضرائب العثمانية بأنها "علاقة بين محصل الضرائب ودافعها، تتدخل فيها الحكومة بشكل متقطع وغير فعال"[85]. ثانيا، أدت الاستعانة بمصادر خارجية لتحصيل الضرائب إلى رفع العبء عن الدولة من حيث حاجتها إلى تطوير إدارة ضريبية قوية[86] –على الرغم من الأفضلية المبكرة لهذا النظام في الدولة العثمانية مقارنة بجيرانها  الغربيين[87]- وهو وضع ربما يذكرنا بموقف الدولة الريعية التي يمكن أن تتجنب العمل الشاق المتمثل في عملية مسح الأراضي وإدارة الإيرادات في جميع أنحاء أراضيها، ومع ذلك، تظل قادرة على ملء خزائنها. ثالثا، أدى تخلي الدولة عن دورها في جمع الضرائب إلى وجود نظام يتمتع فيه الملتزمون من جامعي الضرائب -الذين اشتهروا عبر تاريخ العالم بأنهم لا يتمتعون بسمعة جيدة بين المواطنين[88]- بالكثير من السلطة التقديرية واكتسبوا مع الوقت مكانة سياسية واجتماعية بارزة. وقد تداخل هؤلاء الملتزمون إلى حد كبير مع مؤسسي الأوقاف. كما يلاحظ لويس:

"أنتجت القوة الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن السيطرة المحلية الدائمة للملتزمين وعقود الإيجار طبقة ملاك جديدة صاحبة نفوذ في المقاطعات، والتي سرعان ما بدأت تلعب دورا بارزا في الشؤون المحلية. توسطت هذه الطبقة بين الحكومة والفلاحين، واعترضت الكثير من الإيرادات. من الناحية النظرية، كانت تلك الطبقة تحتفظ بالملكية كمستأجرين فقط أو ملتزمين، ولكن مع فقدان الحكومة سيطرتها على تلك المقاطعات، من خلال حالة الضعف المتزايدة، تمكن ملاك الأراضي الجدد هؤلاء من زيادة حجم ممتلكاتهم وتأمين مناصبهم. وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر، بدأوا في الاستيلاء على بعض وظائف الحكومة"[89].

لم يقتصر تأثير الملتزمين على المواطنين فحسب، بل استخدموا ثرواتهم أيضا ليصبحوا دائنين للدولة[90]، وهو ما عزز مكانتهم أكثر بين الحاكم والمحكومين.

إجمالا، نفترض أن عددا كبيرا من الأبحاث التاريخية يقدم دليلا دامغا على أن النظام العثماني المزدوج للفاعلين المنتمين إلى المجال الخاص الذين يقومون على الأوقاف وجباية الضرائب جميعا قد أدى إلى إعاقة تنمية المجتمع المدني المحلي الموجه نحو الجمهور[91] وقدرات الدولة.

وإثباتا لعدم تأصل الممارسة المدنية في نظام الوقف، تم إنشاء المجالس البلدية غير الدينية كشكل إداري تنظيمي خلال أيام تراجع الإمبراطورية العثمانية فقط، وفي مناطق معينة فحسب[92]. ومن أجل توضيح التأثير الكبير لنظام الالتزام بين عامي 1500 و 1800 -وهي الفترة التي عُدّت فيها الإمبراطورية العثمانية من بين الأنظمة السياسية المهيمنة في العالم- تراجع ‘العبء الضريبي المعدل حسب الدخل‘ المفروض على العثمانيين في نهاية المطاف إلى مستويات أدنى من نظرائهم الأوروبيين[93]. فعلى الرغم من معدل المدنية المرتفع نسبيا للإمبراطورية، فإن العبء الضريبي المفروض على مواطنيها كان مشابها لتلك المستعمرات البريطانية الأقل ضرائب في بدايات القرن العشرين، مثل نيجيريا وسيراليون[94]. وكنتيجة طويلة الأجل، أعاق هذا النظام المزدوج بشكل فعال تطوير أهم سمة من سمات الجودة المؤسسية: من الشفافية والمساءلة إلى فعالية الحكومة.

 

خاتمة

في هذه الدراسة، عرضنا وجهة نظر جديدة لسؤال: لماذا تميل الدول والمناطق التي هيمنت عليها البروتستانتية تاريخيا إلى التميز على نحو إيجابي من حيث الجودة المؤسسية. على عكس الإجابات المقدمة سابقا، والتي تميل إلى القول بأن الأمر متعلق بالعقيدة الدينية، فإننا نشير إلى الإرث التاريخي للأنظمة المؤسسية المحلية التي مولت الممارسات الدينية. وسلطنا الضوء على تأثير المؤسسات المحلية (الأبرشيات) التي استفادت من جودة المراجعة وكفاءة جمع العوائد المالية الحكومية من أجل الاحتشاد لإنتاج السلع العامة. وباستخدام استراتيجية "تتبع الأموال"، نظهر الاختلافات المميزة بين حالتين تاريخيتين، نظام الرعية البروتستانتية في شمال غرب أوروبا ونظام الوقف في الإمبراطورية العثمانية. فبينما احتوى النظام الأول على بذور طويلة الأجل لإنشاء إطار مؤسسي قوي، لم يكن الأخير كذلك.

ونحن نعي تماما المشكلات المنهجية التي تنطوي عليها عملية تحديد الآليات السببية الدقيقة على المستوى الميكرو في الدراسات التاريخية من هذا النوع. ومع ذلك، مقارنةً بالمقاربات الأخرى التي تبحث في الإرث المؤسسي طويلة الأجل[95]، نجادل بأن تحليلنا يقدم سردية أكثر دقة إلى حد ما للسمات التي تحفز خلق جودة مؤسسية أكثر من تلك التحليلات الشائعة. على سبيل المثال، لا تختلف متطلبات آليات المساءلة والشفافية والفصل بين الأموال الخاصة والعامة التي يتعين على مراقبي الكنيسة استيفائها من حيث المبدأ على الإطلاق عما تعتبره اليوم منظمات مثل البنك الدولي[96] عملية "حوكمة جيدة"، وتتوافق بشكل جيد مع أهداف التنمية المستدامة[97]. وعلى النقيض من ذلك، فإن علاقات المساءلة المشوشة، والإدارة التعسفية، وشخصنة الإدارة المالية والتأثير السياسي، التي نشأت عن المزاوجة بين نظامي الوقف والالتزام في الإمبراطورية العثمانية سوف تبرز كخصائص أساسية لنظام يتسم بالفساد والزبائنية وانخفاض الفعالية الحكومية إن وجدت اليوم.

أخيرا، وعلى الرغم من تقديم المزيد من الأدلة على أهمية مقاربة "اعتماد المسار"، فإننا لا نعتبر نتائجنا داعمة للحتمية التاريخية. من منظور السياسة العامة، ومتابعة لجهود باحثين مثل إيلنور أوستروم [98]Elinor Ostrom، ينبغي بالأحرى النظر إلى حجتنا على أنها دراسة لحالة تصميم المؤسسات المحلية التي تعزز الحكم الذاتي للسلع العامة، وإنشاء مؤسسات مدنية وحكومية محلية تتمتع بالشفافية والانفتاح على المراجعة والفصل الصارم والواضح بين المال العام والخاص. وكما أوضحنا، ربما يكون لمثل هذه الجهود نتائج مفيدة للأجيال القادمة.


[1] Daron Acemoglu, Francisco A. Gallego, and James A. Robinson, “Institutions, Human Capital, and Development,” Annual Review of Economics (2014), 875–912; Pelle Ahlerup, Thushyanthan Baskaran, and Arne Bigsten, “Government Impartiality and Sustained Growth in Sub-Saharan Africa,” World Development, 83 (July 2016), 54–69; Victor Menaldo, The Institutions Curse: Natural Resources, Politics and Development (New York: Cambridge University Press, 2016); John F. Helliwell and Haifang Huang, “How’s Your Government? International Evidence Linking Good Government and Well-Being,” British Journal of Political Science, 38 (October 2008), 595–619; John F. Helliwell, Haifang Huang, and Shun Wang, “The Social Foundations of World Happiness,” in John F. Helliwell, Richard Layard and Jeffrey Sachs, eds., World Happiness Report (New York: Columbia University, Center for Sustainable Development 2017), 8–47; Bo Rothstein, The Quality of Government: Corruption, Social Trust and Inequality in Comparative Perspective (Chicago: The University of Chicago Press, 2011).

[2] Rafael La Porta, Florencio Lopez-de-Silanes, Andrei Shleifer, and Robert Vishny, “The Quality of Government,” Journal of Law, Economics and Organization, 15 (March 1999), 222–79; Daniel Treisman, “The Causes of Corruption: A Cross-National Study,” Journal of Public Economics, 76 (June 2000), 399–459; Daniel Treisman, “What Have We Learned about the Causes of Corruption from Ten Years of Cross-National Empirical Research?” Annual Review of Political Science, 10 (June 2007), 211–44; Martin Paldam, “Corruption and Religion: Adding to the Economic Model,” Kyklos, 54 (May-August 2001), 383–414; Al´ıcia Adser´a, Carles Boix, and Mark Payne, “Are You Being Served? Political Accountability and Quality of Government,” The Journal of Law, Economics, and Organization, 19 (October 2003), 445–490.

[3] وهي "أخلاق العمل البروتستانتية" المعروفة  في طروحات ماكس فيبر. المترجم.

[4] Robert Hoffmann, “The Experimental Economics of Religion,” Journal of Economic Surveys, 27 (December 2013), 813–45.

[5] See for instance, La Porta et al., 1999 and Adser´a et al., 2003.

[6] استراتيجية "تتبع الأموال" “to follow the money,” مأخوذة عن الجهود الاستقصائية التي قام بها صحفيون في واشنطن بوست وأدت بالأخير إلى تفجير فضيحة ووترجيت. وتعمل تلك الآلية على الكشف عن الفساد السياسي من خلال تتبع تحويلات الأموال بين الأفراد والأحزاب. ويقصد بها انتهاج مقاربة بحثية على المستوى الميكرو. المترجم.

[7] لمطالعة مقاربة شبيهة مع التركيز على الديمقراطية، انظر:  Bo Rothstein and Rasmus Broms, “Governing Religion: The Long-Term Effects of Sacred Financing,” Journal of Institutional Economics, 9 (December 2013), 469–90.

[8] تاريخيا، اضطلعت المؤسسات الدينية بتلك المهمة سواء عن طريق الكنيسة في المسيحية، أو عن طريق بيت المال في الإسلام. وبموجب "قانون الفقراء" الصادرعن البرلمان الإنجليزي عام 1552، تحمّلت الأبرشيات المحلية مسؤولية تمويل مكافحة حالة الفقر المتفشية، بحيث يتولى "مراقبين" اثنين من كل أبرشية مهمة جمع التبرعات وتوزيعها على دائرة فقراء الأبرشية. المترجم.

[9] مقاربة من أعلى إلى أسفل Top-down تفيد التركيز على العوامل الكلية على المستوى الماكرو. المترجم.

[10] جباية الضرائب Tax Farming (وهي مشتقة من اللفظة اللاتينية القروسطية firma التي تعني عقد ثابت) هو نظام قديم لتحصيل الضرائب ساد في مراحل الاقتصاد الطبيعي السابق على الرأسمالية  في الشرق والغرب تقوم فيه السلطة المركزية بتفويض الحق في تحصيل الضرائب إلى أفراد معينين من محصلي الضرائب the farmers يؤدون مبالغ ثابتة إلى خزانة الدولة على أن يعاودوا جمعها من الوعاء الضريبي العام أو المحلي ولو بأضعاف مضاعفة (كحالة نظام الالتزام في الدولة العثمانية وسيأتي عليه الحديث لاحقا). لمطالعة قراءة نقدية لهذا النظام، انظر:

 https://www.elibrary.imf.org/view/journals/001/1992/070/article-A001-en…. المترجم.

[11] Maria Gustavson and Aksel Sundstr¨om, “Organizing the Audit Society: Does Good Auditing Generate Less Public Sector Corruption?,” Administration & Society, 50 (November 2018), 1508–32; Deborah Br¨autigam, Odd-Helge Fjeldstad, and Mick Moore, Taxation and State-Building in Developing Countries (Cambridge: Cambridge University Press, 2008); Wilson Prichard and David K. Leonard, “Does Reliance on Tax Revenue Build State Capacity in Sub-Saharan Africa?,” International Review of Administrative Sciences, 76 (December 2010), 653–75.

[12] Seymour M. Lipset and Gabriel S. Lenz “Corruption, Culture, and Markets,” in Lawrence E. Harrison and Samuel P. Huntington, eds., Culture Matters: How Values Shape Human Progress (New York: Basic Books), 112–24.

[13] Christian Bjørnskov, “Determinants of Generalized Trust: A Cross-Country Comparison,” Public Choice, 130 (January 2007), 1–21.

[14] Adrian Karatnycky, “Muslim Countries and the Democracy Gap,” Journal of Democracy, 13 (January 2002), 99–112; see also Jan Teorell, Determinants of Democratization: Explaining Regime Change in the World, 1972–2002 (Cambridge: Cambridge University Press, 2010).

[15] Oded Haklai, “Authoritarianism and Islamic Movements in the Middle East: Research and Theory-Building in the Twenty-first Century,” International Studies Review, 11 (March 2009), 27–45, 35.

[16] Timur Kuran, "Islam and Economic Performance: Historical and Contemporary Links," Journal of Economic Literature, 56 (December 2018), 1292–359, 1337.

[17] Alfred C. Stepan, “Religion, Democracy, and the ‘Twin Tolerations’,” Journal of Democracy, 11 (October 2000), 37–57, 44.

[18] "الدراسات البعدية" في الإحصاء هي التي تقوم بتحليل نتائج الدراسات المختلفة والجمع بينها بغرض استهداف نتائج ذات قوة إحصائية أكبر. المترجم.

[19] Hoffmann, 2013.

[20] Omer G¨okc¸ekus¸, “Is it Protestant Tradition of Current Protestant Population that Affects Corruption?,” Economic Letters, 99 (April 2008), 59–62.

[21] لمطالعة مقاربات مختلفة ولكنها ذات صلة انظر دراسة  Robert D. Woodberry حول الأهمية التاريخية في تحول البروتستانتية نحو الديمقراطية، ومراجعة Timur Kuran لدراسة عن العلاقة بين الإسلام والأداء الاقتصادي، والتي تشير إلى أن العوامل المؤسسية أكثر أهمية من عوامل الثقافة والتعليم الديني. وأخيرا ، يشير Philip S. Gorski إلى أهمية الكالفينية كقوة زادت من الضبط الاجتماعي وكعامل جزئي وراء عملية البناء الفعال للدولة. انظر: Philip S. Gorski, The Disciplinary Revolution: Calvinism and the Rise of the State in Early Modern Europe (Chicago: University of Chicago Press, 2003); Kuran, 2018; Robert D. Woodberry, “The Missionary Roots of Liberal Democracy,” American Political Science Review, 106 (May 2012), 244–74.

[22] لغرض المقارنة بين النماذج، تخلينا عن الحالات التي تفتقد بياناتها لأيٍ من المتغيرات المستخدمة في الدراسة. ونتائج التقييمات المناظرة باستخدام جميع الحالات الممكنة لكل نموذج، والتي تؤكد النمط العام للدراسة، مرفقة في ملحق الجداول.

[23] البيانات صادرة عن مركز بيو للأبحاث (2011)، http://www.pewforum.org/2011/12/19/table-christianpopulation- as-percentages-of-total-population-by-country/, and includes Anglicans. , 0.1 % coded as 0.1 %.

[24] Operationalized using the World Economic Forum’s index of auditing and reporting standards, data from 2013–14. From Klaus Schwab and Xavier Sala-i-Mart´ın, “The Global Competitiveness Report 2014–2015,” and collected through Jan Teorell, Stefan Dahlberg, S¨oren Holmberg, Bo Rothstein, Anna Khomenko, and Richard Svensson, “The Quality of Government Standard Dataset, version Jan16” (University of Gothenburg: The Quality of Government Institute), http://www.qog.pol.gu.se doi:10.18157/QoGStdJan16.

[25] Defined as non-resource taxes per GDP from Wilson Prichard, Alex Cobham, and Andrew Goodall, “The ICTD Government Revenue Dataset,” ICTD Working Paper 19 (2014).

[26] Data from World Values Survey, in Teorell et al., 2016. Since the largest cross-country coverage for any given year is 38 (in 2008), values for respective countries are calculated as their respective 1981–2014 mean to maximize coverage.

[27] PPP-adjusted current (2011) US dollars (logged). Data from World Development Indicators from 2011–12, in Teorell et al., 2016.

[28] For this purpose, we use Transparency International’s Corruption Perceptions Index (data from 2015, in Teorell et al., 2016), one of the most frequently used operationalizations of institutional quality. See, for instance: Alberto Alesina and Ekaterina Zhuravskaya, “Segregation and the Quality of Government in a Cross Section of Countries,” American Economic Review, 101 (August 2011), 1872–911; You Jong-Sung and Sanjeev Khagram, “A Comparative Study of Inequality and Corruption,” American Sociological Review, 70 (February 2005), 136–57; Benno Torgler and Friedrich Schneider, “The Impact of Tax Morale an Institutional Quality on the Shadow Economy,” Journal of Economic Psychology, 30 (April 2009), 228–45. As a robustness check, otherwise identical regressions predicting the World Bank’s Government Effectiveness Index (in Teorell et al., 2016), which garner near-identical results, are available in the appendix.

[29] لا يمثل التداخل الخطي Multicollinearity ، الذي من شأنه إعاقة التمييز الواضح بين مختلف المعاملات، مشكلة واضحة هنا بالنظر إلى أن أعلى قيمة لعامل تضخم التباين VIF للنموذج المتحكم فيه بالكامل (عمود 8) هي 1.55 .

[30] في النماذج الإحصائية، يحدث انحياز المتغير المحذوف عند تجاهل متغير أو أكثر ذي صلة بالظاهرة محل البحث. أما التجانس فهو متغير ثانوي داخلي ينشأ في النموذج الإحصائي عند دراسة المتغيرات الأساسية. المترجم.

[31] في تحليل أداء المؤسسات العامة، تؤكد نظرية الاعتماد على المسار على أهمية البعد التاريخي وأن الموقف المؤسسي الحالي لابد أن يكون متأثرا بسلسلة من الإجراءات والتجارب السابقة. المترجم.

[32] تكشف التحليلات المرفقة في ملحق الجداول (جدول A4 و A5) أن نسبة السكان المسلمين (والبيانات صادرة عن مركز بيو للأبحاث (2011)، http://www.pewforum.org/2011/01/27/table muslim-population-bycountry/. , 0.1 % coded as 0.1 %) تتصرف إلى حد كبير في الاتجاه المعاكس للمتغير البروتستانتي من حيث العلاقة بالجودة المؤسسية، وكذلك آليات التدخل المقترحة، وهو ما يشير إلى أن الإسلام حالة مناقضة. فيما يتعلق بالبيانات ثنائية المتغير، ترتبط نسبة السكان المسلمين ارتباطا سلبيا بالفساد وبالآليتين المقترحتين هنا، وهما جودة المراجعة والكفاءة المالية. وبالنسبة إلى الآليتين الأخريين اللتين تم تناولهما، كانت العلاقة بالثقة غير ذات أهمية، بينما كانت سلبية بشكل كبير بالنسبة لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. علاوة على ذلك، وفيما يتعلق بنسبة السكان البروتستانت ، بمجرد تقييمها جنبا إلى جنب مع الآليات المقترحة، تظل العلاقة بين نسبة السكان المسلمين والفساد غير مهمة، مما يشير مرة أخرى إلى أهمية هذه العوامل الوسيطة.

[33] لأسباب تتعلق بحيز الدراسة، ركزنا على حالتين متناقضتين، وبالتالي لم ندرج الكنيسة الكاثوليكية ضمن التحليل، لكننا نحدس أنها تتلائم جيدًا مع تحليلنا. أولاً، في حين أن للكنيسة الكاثوليكية تقليدا لبعض التأثير على المستوى المحلي، إلا أن هذا التدبير أضعف كثيرا مما هو عليه في حالة الكنائس البروتستانتية والإنجيلية المختلفة (James A. Coriden, The Parish in Catholic Tradition: History, Theology and Canon Law (Mahwah: Paulist Press, 1997). ثانيًا، تظهر الأماكن  التي تهيمن عليها الكنيسة الكاثوليكية في العالم جودة مؤسسية أقل مقارنة بتلك التي تتميز بها البروتستانتية، بحسب المعايير المتاحة. وهكذا، في كلا الحالتين، نفترض أن الكاثوليكية "حالة بينية" تتفق مع حجتنا الشاملة.

[34] Sebastian L. Mazzuca and Geraldo Munck, “State or Democracy Frst? Alternative Perspectives on the State-Democracy Nexus,” Democratization, 21 (November 2014), 1221–43; Jørgen Møller, “The Medieval Roots of Democracy,” Journal of Democracy, 26 (July 2015), 110–23.

[35]  Rothstein, 2011, ch. 5.

[36] Carl Dahlstrom and Victor Lapuente,  ̈ Organizing Leviathan: Politicians, Bureaucrats, and the Making of Good Government (Cambridge: Cambridge University Press, 2017).

[37] Margaret Levi, Of Rule and Revenue (Berkeley: University of California Press, 1988); Charles Tilly, Coercion, Capital, and European States, A.D. 990–1992 (Oxford: Blackwell, 1992).

[38] Møller, 2015.

[39] Ibid., 113.

[40] انظر هامش رقم 39

[41] Peter Blickle and Elisabeth Muller-Luckner,  ̈ Theorien Kommunaler Ordnung in Europa: Her-ausgegeben Von Peter Blickle; Unter Mitarbeit Von Elisabeth Muller- Luckner  ̈ (Munchen: R. Oldenbourg,  ̈ 1996); Peter Blickle, Resistance, Representation and Community (Oxford: Clarendon, 1997); Peter Blickle, Steven Ellis, and Eva Osterberg,  ̈ “The Commons and the State: Representation, Influence, and the Legislative Process,” in Peter Bickle, ed., Resistance, Representation, and Community (Oxford: Oxford University Press, 1997), 118–46; Peter Blickle, Kommunalismus: Skizzen Einer Gesellschaftlichen Organisationsform (Munchen: Oldenbourg, 2000); see also Peter Aronsson,  ̈ Bonder G  ̈ or Politik: Det Lokala Sj  ̈ alvstyret som  ̈ Social Arena i Tre Smalandssocknar, 1680  ̊ –1850 (Lund: Lund University Press, 1992a); Peter Aronsson, “Swedish Rural Society and Political Culture: The Eighteenth and Nineteenth-Century Experience,” Rural History, 3 (April 1992b), 41–47

[42] راجع الهامش السابق.

[43] Beat A. Kumin,  ̈ The Rise and Reformation of the English Parish C. 1400–1560 (Aldershot: Scolar Press, 1996), 11.

[44] N. J. G. Pounds, A History of the English Parish: The Culture of Religion from Augustine to Victoria (Cambridge: Cambridge University Press, 2000), 181.

[45] Aronsson, 1992a, 347.

[46] Mathias Cederholm, De V  ̈arjde Sin R  ̈att: Senmedeltida Bondemotstand i Sk  ̊ ane och Sm  ̊ aland  ̊ (Lund: Historiska institutionen Lunds universitet, 2007), 346.

[47] هم أشخاص علمانيون مسؤولون في الكنيسة الأنجليكانية عن أداء خدمات مدنية وهم أيضا أعضاء في مجلس الرعية. المترجم.

[48] Kumin, 1996, 29.

[49] Steven Hindle, On the Parish?: The Micro-Politics of Poor Relief in Rural England C. 1550–1750 (Oxford: Clarendon Press, 2004).

[50] Aronsson, 1992a; cf. Cederholm, 2007, 546; K  ̈umin, 1996.

[51] Cederholm, 2007; Blickle, 2000.

[52] Aronsson, 1992a; Hindle, 2004.

[53] Katherine L. French, Gary G. Gibbs, and Beat A. Kumin,  ̈ The Parish in English Life 1400–1600 (Manchester: Manchester University Press, 1997); Katherine L. French, The People of the Parish: Community Life in a Late Medieval English Diocese (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2001); Pounds, 2000, 201.

[54] تنصرف سياسة "الرجل الكبير" في العلوم السياسية إلى المعنى الشمولي الاستبدادي. المترجم.

[55] Cf. John F. McCauley, “Africa’s New Big Man Rule? Pentecostalism and Patronage in Ghana,” African Affairs, 112 (January 2012), 1–21.

[56] Aronsson, 1992a, 309.

[57]  Kumin, 1996, 30.  ̈

[58] Pounds, 2000, 234.

[59] Kumin, 1996, 29.  ̈

[60] K  ̈umin, 1996, 221; Pounds, 2000, 229; see also French, 2001.

[61] K  ̈umin, 1996, 30.

[62] Pounds, 2000, 181.

[63]  Lisa Blaydes,”State Building in the Middle East,” Annual Review of Political Science, 20 (May 2017), 497–504, 498.

[64] Daniel Crecelius, “Introduction,” Journal of the Economic and Social History of the Orient, Special issue “The Waqf,” 38 (January 1995), 247–61, 248.

[65] Oded Peri, “Waqf and Ottoman Welfare Policy. The Poor Kitchen of Hasseki Sultan in Eighteenth-Century Jerusalem,” Journal of the Economic and Social History of the Orient, 35 (1992), 167–86; Timur Kuran, “Legal Roots of Authoritarian Rule in the Middle East: Civic Legacies of the Islamic Waqf,” The American Journal of Comparative Law, 64 (July 2016), 419–54.

[66] See, in particular, Timur Kuran, “The Provision of Public Goods under Islamic Law: Origins, Impact, and Limitations of the Waqf System,” Law & Society Review, 35 (2001), 841–98; Timur Kuran, The Long Divergence: How Islamic Law Held Back the Middle East (Princeton: Princeton University Press, 2011); Timur Kuran, “The Political Consequences of Islam’s Economic Legacy,” Philosophy and Social Criticism, 35 (May 2013), 395–405; Kuran, 2016.

[67] Rothstein and Broms, 2013.

[68] Kuran, 2001, 851.

[69] George Makdisi, The Rise of Colleges: Institutions of Learning in Islam and the West (New York: Columbia University Press, 1981).

[70] Hilmi Erdo˘gan Yayla, “Operating Regimes of the Government: Accounting and Accountability Changes in the Sultan S¨uleyman Waqf of the Ottoman Empire (The 1826 Experience),” Accounting History, 16 (February 2011), 5–34.

[71] Kuran, 2016.

[72] Makdisi, 1981; Franz Kogelmann, “Sidi Fredj: A Case Study of a Religious Endowment in Morocco under the French protectorate,” in Holger Weiss, ed., Social Welfare in Muslim Societies (Stockholm: Nordiska Afrikainstitutet, 2002), 66–78.

[73] Peri, 1992, 174.

[74] Ahmed Raissouni, “Islamic Waqf Foundations: Scope and Implications,” ISESCO Publications (1422H/2001).

[75] Gabriel Baer, “The Waqf as a Prop for the Social System (Sixteenth-Twentieth Centuries),” Islamic Law and Society, 4 (January 1997), 264–29, 270.

[76] Kuran, 2011, 295.

[77] Rothstein and Broms, 2013.

[78] Kuran, 2016.

[79] Kuran, 2001, 842; Kuran, 2013; Kuran, 2018; Serif Mardin, “Civil Society and Culture in the Ottoman Empire,” Comparative Studies in Society and History, 11 (June 1969), 258–81, 264–65.

[80] Bernard Lewis, The Multiple Identities of the Middle East (New York: Shocken Books, 1999), 94.

[81] على الرغم من أن مثل هذا النظام كان قائما في جميع أنحاء العالم بما في ذلك شمال غرب أوروبا (انظر: Edgar Kiser and Joshua Kane, “Revolution and State Structure: The Bureaucratization of Tax Administration in Early Modern England and France,” American Journal of Sociology, 107 (July 2001), 183–223; Noel D. Johnson and Mark Koyama, “Tax Farming and the Origins of State Capacity in England and France,” Explorations in Economic History, 51 (January 2014), 1–20)، إلا أن نظام جمع الضرائب العثماني كان منتشرا بشكل استثنائي بما في ذلك استخدامه لفرض ضرائب مباشرة على الأفراد، مثل العشور وضرائب الأراضي، واستمر لفترة أطول بكثير من استمراره في الغرب (انظر: Karen Barkey, Empire of Difference: The Ottomans in Comparative Perspective (Cambridge: Cambridge University Press, 2008); Carter V. Findley. Bureaucratic Reform in the Ottoman Empire: The Sublime Porte 1789–1922 (Princeton: Princeton University Press, 1980), 310). وتماما كما كانت دولة الوقف جزءا طبيعيا من حياة الناس في جميع أنحاء الإمبراطورية، "سيطر نظام الالتزام على حياة المسلمين لأكثر من ألف عام في رقعة جغرافية تمتد من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهندي" (Murat Çizakc¸a, “Tax Farming and Resource Allocation in Past Islamic Societies,” Journal of King Abdulaziz University: Islamic Economics, 1 (1989), 59–80, 76).

[82] Levi, 1988.

[83] Jeffrey F. Timmons, “The Fiscal Contract: States, Taxes, and Public Services,” World Politics, 57 (June 2005), 530–53.

[84] Lisa Anderson, “The State in the Middle East and North Africa,” Comparative Politics, 20 (October 1987), 1–18; Michael Herb, “No Representation without Taxation? Rents, Development, and Democracy,” Comparative Politics, 37 (April 2005), 297–316.

[85] Reşat Kasaba, The Ottoman Empire and the World Economy: The Nineteenth Century (Albany: State University of New York Press, 1988), 66.

[86] Kate Fleet, “Tax-Farming in the Early Ottoman Empire,” The Medieval History Journal, 6 (April 2003), 249–58.

[87] Hugh Kennedy, “The City and the Nomad,” in Robert Irwin, ed., The New Cambridge History of Islam (Cambridge: Cambridge University Press 2010), 274–89; see also Blaydes, 2017, 491.

[88] Edgar Kiser, “Tax Farming,” in Oxford Encyclopedia of Economic History, Online Edition (January 1, 2008).

[89] Bernard Lewis, The Emergence of Modern Turkey (London: Oxford University Press, 1961), 440.

[90] Çizakc¸a, 1989; Jun Ma, “New Public Management in the Early Modern Period: Lessons from Tax Farming History,” Administrative Theory & Praxis, 25 (December 2003), 435–56.

[91] O¨ mer Çaha and M. Lutfullah Karaman, “Civil Society in the Ottoman Empire,” Journal of Economic and Social Research, 8 (2006), 53–81; Kuran, 2013.

[92] Kuran, 2001, 842.

[93] Kivanc¸ K. Karaman and Sevket Pamuk,”Different Paths to the Modern State in Europe: The Interaction Between Warfare, Economic Structure, and Political Regime,” American Political Science Review, 107 (August 2013), 603–26.

[94] Ewout Frankema, “Raising Revenue in the British Empire, 1870–1940: How ‘Extractive’ were Colonial Taxes?,” Journal of Global History, 5 (November 2010), 447–77.

[95] See, for instance, Daron Acemoglu, Simon Johnson, and James A. Robinson, “The Colonial Origins of Comparative Development: An Empirical Investigation,” The American Economic Review, 91 (December 2001), 1369–400; Sascha O. Becker, Katrin Boeckh, Christa Hainz, and Ludger Woessmann, “The Empire Is Dead, Long Live the Empire! Long-Run Persistence of Trust and Corruption in the Bureaucracy,” Economic Journal, 126 (February 2016) 40–74; Lena Bustikova and Cristina Corduneanu-Huci, “Patronage, Trust, and State Capacity the Historical Trajectories of Clientelism,” World Politics, 69 (March 2017), 277–326; Luigi Guiso, Paola Sapienza, and Luigi Zingales, “Long-Term Persistence,” Journal of the European Economic Association, 14 (December 2016), 1401–36; Robert D. Putnam, Robert Leonardi, and Rafaela Y. Nanetti, Making Democracy Work: Civic Traditions in Modern Italy (Princeton: Princeton University Press, 1994).

[96] World Bank, “Worldwide Governance Indicators” (2017), http://info.worldbank.org/governance/wgi.

[97] خاصة الهدف رقم 16: "تعزيز المجتمعات السلمية والشاملة من أجل تحقيق التنمية المستدامة، وتأمين تحقيق العدالة للجميع وبناء مؤسسات فعالة وخاضعة للمساءلة وشاملة على جميع المستويات". https://sustainabledevelopment.un.org/sdg16.

[98] Elinor Ostrom, Governing the Commons: The Evolution of Institutions for Collective Action (New York: Cambridge University Press, 1990).