ما بعد الإسلاموية: قراءة في التاريخ والواقع والمستقبل

    بقي مفهوم «ما بعد الإسلاموية» حاضرًا لسنوات عدَّة في النقاشات الأكاديمية، خاصةً عقب ثورات الربيع العربي وتداعياتها، وقدَّم كثيرٌ من الباحثين إسهامات نقدية مهمَّة أَثْرَت النقاش حول هذا المفهوم.

    وقد أطلق مركز نهوض للدراسات والبحوث ملفًا بحثيًّا حول المفهوم وتطبيقاته في مختلف البلدان الإسلامية، وانتخبت الوحدة البحثية بالمركز عددًا من الأوراق البحثية العربية التي تلقاها المركز، بالإضافة إلى ترجمة عددٍ من الأوراق الإنجليزية، رغبةً في إثراء النقاش النقدي البنَّاء حول هذا المفهوم الجدلي.

    يتكوَّن هذا الملف البحثي من أربعة محاور:

    المحور الأول بعنوان: «التأريخ النقدي للحركات الإسلاموية وصولًا إلى ما بعد الإسلاموية»، ويتضمَّن خمس أوراقٍ بحثيَّة. أولها ورقة الدكتور محمد همام: «من الدولة الإسلامية إلى الدولة المدنية في فكر الحركة الإسلامية المغربية: التحول المطلوب وأفق ما بعد الإسلاموية»، حيث يرصد الفكر المدني الديمقراطي لدى الإسلاميين المغاربة من خلال قراءته في المتن الفكري والتنظيمي لجماعة العدل والإحسان، بوصفها أكبر الجماعات الإسلامية في المغرب، وأغزرها من حيثُ الإنتاج الفكري والتنظيمي، بحكم تبنِّيها للمشروع الفكري للشيخ عبد السلام ياسين. وقد حاولت الورقة مقارنة النتائج التي استخلصتها من القراءة في متن العدل والإحسان مع التراث الفكري والسياسي للحركات الإسلامية التي تخالف جماعة العدل والإحسان في زاوية النظر وطرق العمل. وخلصت الورقة إلى أن الاختلاف بين الإسلاميين المغاربة حول الدولة المدنية والديمقراطية غلب عليه الطابع السياسي والفكري أكثر من العقدي.

    أما ورقة الأستاذ الأزهر الصقري: «الإسلامي العلماني أو العلمانية المُقنَّعة»، فقد ساءلت متغيرات وعي الإسلاميين بالعلمانية عبر تجربتَيْن من تجاربهم: التجربة التونسية والتجربة المغربية، ممثَّلتين في القياديَّيْن صالح كركر وسعد الدين العثماني، سعيًا منه إلى فحص مدى تعلمن الحركات الإسلامية تبعًا لمستوى تعلمن الدولة التي تشتغل فيها كلُّ حركة.

    وفي محاولة لاختبار المفهوم في التجربة الإندونيسية، قدَّم الباحث أصلان تاج الدين في ورقته: «التنمية والديمقراطية وما بعد الإسلاموية في إندونيسيا» تحليلًا للتطور التاريخي للإسلام السياسي في إندونيسيا عبر التداخل بين التيارات التاريخية العالمية المتغيرة والظروف الثقافية السياسية المحلية، مختبرًا فرضيته القائلة بأن دمقرطة إندونيسيا منذ أواخر التسعينيات قد خلقت أجواء غير مسبوقة من الانفتاح والاستيعاب في البلاد، وهو ما أدى إلى انفتاح العديد من التنظيمات السياسية -بما فيها الأحزاب والحركات الإسلامية- على استيعاب مجموعة أوسع وأكثر تنوعًا من القضايا والاهتمامات.

    بينما يقارن الباحث إبراهيم أكوتش في ورقته: «تحول معرفي من الإسلاموية إلى ما بعد الإسلاموية: أبو الأعلى المودودي مقابل عبد الكريم سروش» بين نموذجَيْن لتلقي المفكرين الإسلاميين للسياسة: نموذج تقليدي محافظ، ونموذج تنويري منفتح بشكلٍ أكبر على الغرب، سعيًا منه إلى مساءلة ما بعد الإسلاموية بين هذين النموذجَيْن.

    أما ورقة الباحث مصطفى ادردور: «ما بعد الإسلاموية في تركيا: سياق التحول: المظاهر والدلالات»، فتناقش العوامل السياقية التي أدت إلى الظهور المبكِّر لحالة ما بعد الإسلاموية في تركيا منذ ثمانينيات القرن المنصرم، بالإضافة إلى دور نخب الحركة الإسلامية التركية في تشجيع التحوُّل نحو أفق ما بعد إسلاموي، في محاولة للكشف عن تجليات هذا التحوُّل على أفكار الحركة الإسلامية التركية وممارستها في العقدين الأخيرين.

    أما المحور الثاني فبعنوان: «ما بعد الإسلاموية في بُعْدها المفاهيمي والواقعي»، ويتضمَّن حوارًا وثلاث أوراقٍ بحثيَّة. ففي حوار عنوانه «ما زال المفهوم راهنًا»، يحاور مركز نهوض آصف بيات Asef Bayat، أول من سك مفهوم ما بعد الإسلاموية، ليطرح عليه العديد من الأسئلة حول مدى راهنية المفهوم وقدرته التفسيرية بعد التحولات التي مرت بها الحركات الإسلاموية في السنوات الأخيرة، وأدوار هذه الحركات في التحول الديمقراطي في دولها، وأين تسكن أطروحة «الدولة المستحيلة» من أطروحة «ما بعد الإسلاموية».

    أما الأوراق فتبدأ بورقة الباحث ماركوس هولدو: «ما بعد الإسلاموية وحقول الصراع بعد الربيع العربي: النسوية والسلفية وشباب الثورة»، حيث يقدِّم توصيفًا لما بعد الإسلامويةما  يركِّز على الفاعلين باستخدام نظرية الحقول، ومن خلال معالجة هوية «مجتمع ما بعد الإسلاموية» كموضوع للنضال السياسي. ويرى هولدو أن ممارسات الدمج والإقصاء قد شكَّلت حقولًا اجتماعية تؤثر في التنمية السياسية والاجتماعية للمجتمع، وأن هذه الممارسات تكشف عن مخاطر الصراعات التي شكَّلت تحديات مجتمعية مهمَّة بعد الربيع العربي. كما يرى أنه تمَّ التقليل من أهمية هذه التحديات من قِبل مؤيدي أطروحة ما بعد الإسلاموية، الذين لا يولون أهميةً كبرى للجماعات والحركات التي لا تفي بمعايير ما بعد الإسلاموية. وفي المقابل، يجادل الباحث بأن حقل النسوية الإسلامية، وحقل السلفية الجهادية، وحقل شباب الثورة، يشاركون جميعًا في تشكيل مجتمع ما بعد الإسلاموية.

    أما ورقة الباحث محمد فتوح: «مَنْ يملأ الفراغ؟ الكيانات الدينية والثقافية في مصر بعد الثورة»، فتستعرض ظاهرة انحسار التيارات الإسلامية الكبرى في مصر منذ عام 2011م، وتحاول بلورة فضاء ما أسمته «بدائل الإسلاميين» الذين شغلوا الفراغ الذي خلفته التيارات الإسلامية التقليدية، واستفاضت الورقة في بيان تشكُّلات هذه الحالة الجديدة وتكوينها عقب أحداث الثلاثين من يونيو ورموزها وأطوارها. وقد حاول الباحث من خلال هذه الورقة موازنة هذه الحالة الجديدة بين أفكار التيارات الإسلامية قبل الثورة متمثلة في مفهوم «الإسلام السياسي»، وبين أطروحة «ما بعد الإسلاموية»، كإسهام في الاستشراف المستقبلي لحالة «ما بعد الإسلاموية» عمليًّا في الداخل المصري.

    كما تُسهم ورقة الباحثَيْن فرانشيسكو كاڤاتورتا وفابيو ميرون: «ما بعد الإسلاموية والتطور الأيديولوجي و"تونسة" حزب النهضة» إسهامًا مهمًّا في محاولة تفسير تحوُّل حزب النهضة التونسي من «الإسلام السياسي» إلى «الديمقراطية المسلمة» بحسب تعبير راشد الغنوشي؛ إذ يسعى الباحثان إلى إعادة النظر في مفهوم «ما بعد الإسلاموية»، ويقدِّمان مضمونًا جديدًا للمفهوم، لا باعتباره فشلًا للإسلام السياسي أو الإسلاموية، بل باعتباره تحولًا وتطورًا فكريًّا وأيديولوجيًّا للجماعات الإسلاموية جعلها تتكيَّف مع التطورات المجتمعية المحيطة بها. كما تحاول الورقة دراسة حالة حزب النهضة دراسةً متوسعةً للبرهنة على جدوى هذا المضمون الجديد وصلاحيتِه.

    أما المحور الثالث المعنون بـ «نقد مقولة ما بعد الإسلاموية»، فيتضمَّن ورقة الدكتور محمد الحاج سالم: «الإسلاموية وما بعدها بين إشكالية المفاهيم والمطلب الاجتماعي»، حيث يعرض مفهوم «الإسلام السياسي» عند بعض من تناول الظاهرة من الباحثين العرب والغربيين. كما قدَّم نقدًا لتلك الأطروحات بما يُتيح بناء مفهوم بديل أكثر التصاقًا بالمنحى السوسيولوجي الذي تتبنَّاه الورقة. ويرى الباحث أن الإسلاموية نمطٌ من الأيديولوجيا المعبِّرة عن حركات اجتماعية، وأن تنوُّعها من تنوُّع الجماعات التي تتبنَّاها بوصفها تعبيرًا سياسيًّا عن مطالبها. كما يجادل بأن المفهوم الذي يقترحه قادرٌ على تقديم قراءةٍ جديدةٍ للظاهرة تتجاوز القراءات المُسقطة على واقعٍ شديد التعقيد سوسيولوجيًّا ومتأثِّر بالدين لأسبابٍ تاريخية حضارية، مقابل رؤية تبسيطيَّة ترى أن مجرَّد القول بموت الإسلاموية كفيلٌ بفهم ما طرأ على الظاهرة في سياق الظرف التاريخي الراهن.

    وأخيرًا، يأتي المحور الرابع بعنوان: «الآفاق المستقبلية لخطاب ما بعد الإسلاموية»، ويختم الملف بورقة الباحث بلال التليدي: «أطروحة ما بعد الإسلام السياسي: أزمة بناء النسق»، التي تجادل بأن العنصر الأساسي في ضعف أطروحة ما بعد الإسلاموية وأطروحة التحولات لا يرجع إلى عدم وجود مؤشراتٍ على تطوُّر فكر الإسلاميين وسلوكهم، ولكن يرجع بالأساس إلى الارتهان إلى النموذج الديمقراطي الليبرالي الأمريكي، الذي يجعل عملية إصلاح الإسلاميين وترشيدهم ومحاولة رفعهم إلى مستواه عمليةً مستحيلةً أو صعبة التحقُّق على الأقل.