اللسانيات البنيوية؛ منطلقاتها الفكرية وخلفياتها الفلسفية

 

مقدمة

عرفت الدراسات اللسانية تطورًا ملحوظًا في أواخر القرن التاسع عشر، حيث تمَّ تجاوُز المناهج المعتمدة في الدراسة اللغوية إلى اعتماد المنهج الوصفي البنيوي الذي يُرجع معظم الباحثين بدايةَ ظهوره إلى عهد “دو سوسير”، قبل انتشاره في كل بقاع العالم وتأثيره على مختلف العلوم والتخصصات.

ولما كانت سمةُ التطور ملازمةً للنظريات اللسانية، فإنه كان لا بد من نقد المنهج البنيوي اللساني، والاتجاه البنيوي في دراسة اللغة عامة، أو إظهار عيوب بعض مبادئه وأركانه لتبرير ضرورة التبشير بنظرية أخرى تقوم على أنقاض التي سبقتها.

وانطلاقًا مما سبق سوف تحاول هذه المقالة التطرق إلى اللسانيات البنيوية، وذلك من خلال مبحثين، يعالج الأول منهما اللسانيات البنيوية من حيث نشأتها، بينما يعالج الثاني أهم الأسس والمنطلقات التي بنيت عليها.

ولعل من أهم أهداف المقالة، السعي إلى متابعة الفكر اللساني قراءةً وتحليلًا دون عزلِه عن سياق ظهوره، وأهم العوامل التي أدت إلى ذلك، وكذا التنبيه إلى ضرورة القراءة المنهجية للأعمال اللسانية؛ إذ لا توجد في الحقيقة نظرية لسانية ظهرت إلى الوجود كما تظهر العاصفة، بل لا بد لها من منطلقات فكرية وخلفيات فلسفية تؤطرها وتسهم في تطورها.

المبحث الأول: نشأة اللسانيات البنيوية: دو سوسير وما بعده.

يتفق معظم الباحثين في الدرس اللساني الحديث على أن اللسانيات البنيوية قد بدأت بشكلٍ فعلي وجلي مع صدور الطبعة الأولى من محاضرات “دو سوسير”، وإن اتفقوا كذلك في عدم وجود بنيوية واحدة، حيث تتعدد البنيوية وتختلف بتعدد رجال الفكر البنيوي واختلافهم، وهذه الحقيقة من شأنها أن تدفعنا إلى طرح جملة من الأسئلة المنهجية والتصورية الدقيقة، منها على سبيل المثال: هل نكتفي بتقديم المنهجية المتبعة في اللسانيات ليكون حديثنا حديثًا ملائمًا لحقيقة المنهج البنيوي؟ وما العلاقة بين المنهجية البنيوية واللسانيات؟ ثم هل نتحدث عن الأسس اللسانية للبنيوية، أم عن الأسس الفكرية والفلسفية للبنيوية؟[1]

إن دقة هذه الأسئلة المنهجية تكمن في كون المنهج البنيوي تجاوز الدرسَ اللسانيَّ ليشمل كل العلوم، مما يدفعنا بالضرورة إلى التمييز بين المنهجية البنيوية، واللسانيات البنيوية أي البنيوية كمنهج عام، والدرس اللساني الذي يتخذ هذا المنهج أداة في التعامل مع الظواهر اللغوية.

إن التمييز هنا ضروري؛ لأن الفرقَ بينهما كبير جدًّا، إذ “البنيوية بمعناها الواسع، هي طريقة بحث في الواقع، ليس في الأشياء الفردية. بل في العلاقات بينها”[2]، وهو ما يعبر عنه في التصور السوسيري بالنسق système، فالبنية structure عنده “نسق من العلاقات الباطنة، له قوانينه الخاصة المحايثة، من حيث هو نسق يتصف بالوحدة الداخلية والانتظام الذاتي، على نحو يفضي فيه أي تغير في العلاقات إلى تغير النسق نفسه، وعلى نحو ينطوي معه المجموع الكلي للعلاقات على دلالة يغدو معها النسق دالًّا على معنى “[3].

والحق أن مصطلح البنية لم يظهر في لسانيات “دو سوسير”، بل ثمة مفاهيم أخرى أخذت معنى البنية كما هو الشأن بالنسبة لمفهوم النسق، مما يوحي إلى أن الاتجاه البنيوي لم يبدأ من حيث المفهوم، بقدر ما برز في محاضراته باعتباره منهجًا جديدًا في التعامل مع الظاهرة اللغوية.

ومن الحقائق التي ينبغي أن نسلم بها منذ البداية هي صعوبة الحديث عن البنيوية في الدراسات اللسانية في معزل عن باقي العلوم الأخرى، وفي معزل عن السياق الذي ظهرت فيه العوامل التي أنتجت هذا النوع من المنهجية.

فقد فتحت البنيوية آفاقًا كثيرة في مجالات العلوم الإنسانية المختلفة، حيث “عرف الأدب البنيوية، وطبقها، كما عرف النقدُ الأدبي التوليدية والبنيوية النقدية، كما درست الأنثروبولوجيا البنيوية، والدراسة البنيوية للأسطورة والأسلوبية النقدية، وفي علم الاجتماع نجد الدراسة البنيوية والوظيفية، وفي علم السيميولوجيا، وعلم التحقيق اللغوي نجد دراسات متنوعة جادة”[4]، وفي هذا الصدد يقول غلفان: “ولم تعد المنهجية البنيوية تقتصر على المجال اللساني وحده. بل تُبَنْينُ structurer كل شيء، إذا جاز لنا أن نستعمل هذا التعبير، تُبَنْينُ المجتمع واللاشعور والثقافة والأدب والفكر والسينما والمسرح والمطبخ واللباس والإعلانات الإشهارية، وكل مرافق الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية والاقتصادية”[5].

لكن بالرغم من انتشار المنهج البنيوي واعتماده في الدراسة من قبل مختلف العلوم والتخصصات، فإنه “قد عثر على مركزه في الدراسة اللسانية، واتخذ قوته الدافعة من منجزات “سوسير” و”جاكبسون” وأساتذة آخرين كالفونولوجي الروسي (تروبتزكوي)”[6].

لقد عرف القرن التاسع عشر انتشار المنهج الوصفي البنيوي في دراسةِ اللغة دراسةً علمية في وقت معين ومحدد، ومع بداية القرن العشرين وبالضبط مع صدور محاضرات “دو سوسير” 1916، حيث بين فيها اللساني السويسري أن المنهج المقارن لم يأت بنتائج علمية؛ مما دفعه إلى الإعلان عن البذرة الأولى لنشأة المنهج الوصفي في دراسة اللغة”[7].

وقد تطور هذا المنهج وعرف انتشارًا كبيرًا بعد (دو سوسير)، “حتى بالغ بعضُ أصحابه في القول: إن الدراسة اللغوية لا ينبغي أن تستعين بمعطيات غيرِ لغوية، ولا بأي عامل من خارج اللغة، حتى وإن بدا أنه يساعد على فهم الظاهرة اللغوية”[8].

ولعل من أهم ما يبين ظهور المنهج البنيوي في اللسانيات على يد “دو سوسير” تلك القفزة النوعية التي عرفتها الدراسات اللغوية بعد ظهور محاضراته وانتشارها بين الباحثين.

لقد انطلق “دو سوسير” من البحث في طبيعة اللغة باعتبارها موضوعَ البحث العلمي، محددًا موضوع اللسانيات في دراسة اللغة في ذاتها ولذاتها، مع تحديد موقع هذا العلم باعتباره جزءًا من علم عام، كان “دو سوسير” قد بشر بميلاده وهو علم السيميائيات.

“وأبرز ما يتجلى في هذه المحاضرات من المنهج الوصفي تحديدُ المادة المدروسة، والخروج من التعميم إلى التخصيص، والفصل بين أمرين قد يتراءى للمرء أنهما أمر واحد”[9]، فقد ميز بين اللغة والكلام، كما قسم اللسانيات إلى لسانية آنية synchronique ولسانية تزامنية diachronique مع تحديد الدليل اللغوي (العلامة اللغوية) في الدال والمدلول والقول بالعلاقة الاعتباطية بينهما.

كانت هذه المبادئ بمثابة القواعد والأسس التي اعتمدها “دو سوسير” في إرساء بداية حقيقية للسانيات البنيوية في جنيف قبل أن يعمل تلامذته على تطوير أهم أفكاره خاصة (تشارلز بالي 1865-1947) و(ألبيرت سيشهاي 1870-1946).

بل إن “التأثير الذي أحدثته أفكار “دو سوسير” لم تبق حبيسة أوروبا، بل وصل صداها إلى أمريكا حيث تكونت هناك مدارس بنيوية إضافة إلى المدارس التي ظهرت بأوروبا بالرغم من الانتقادات التي وجهت إلى مبادئها، خاصة قضية التزامن عند (باختين) الذي يرى “أن النظام التزامني ليس له أي وجود حقيقي”.

وصرح (جاكبسون) نفسُه بأن التزامن الخالص يعتبر اليوم أشبه ما يكون بوهم”[10]. لكن، وبالرغم من تلك الانتقادات، فإن الدرس اللساني بدءًا من “دو سوسير” “أصبح ينظر إلى اللغة على أنها موضوع “معرفة” مستقلة قابلة للدراسة المنظمة، باعتبارها جملةً من الأحداث والوقائع المعقدة، على عكس ما تبدو عليه في واقعها المادي الملموس، وأصبح هدف التحليل الوقوفَ على العلاقات والوظائف التي تجمع بين الوحدات المكونة للغة في مختلف المستويات، بعيدًا عن العوامل الخارجية أيًّا كانت طبيعتها”[11]. ولا يخفى على أحد تأثير “دو سوسير” في كل المدارس اللسانية البنيوية التي جاءت بعده.

وقد برز بوضوح هذا التأثير في كتابات (ياكبسون) و(تروبتسكوي) كما كان لـ(ليفي ستراوس) الدور نفسه في استثمار المنهجية البنيوية المستمدة من اللسانيات في أعماله الأنثروبولوجية[12]. وعن هذا التأثير يتحدث (باختين) قائلًا: “إن جميع العلماء الروس المختصين في علم اللسانيات تأثروا بـ(فيرديناند دو سوسير) عبر واسطة تلامذته “بالي” (Bally ) و”سيشهاي”  (Sechehaye) في كتابه (دروس في علم اللغة العام)[13]، بل تجاوز بعض الباحثين ذلك إلى القول بتأثيره في جميع النظريات اللسانية إلى اليوم. والحق أن ذلك طبيعي باعتبار التراكم المعرفي في الدرس اللساني.

لقد استطاع “دو سوسير” أن يخلق لنفسه مكانةً مرموقة في الدرس اللساني المعاصر، وأن يشكل رأيا مسموعًا[14] فكان بذلك المدرسة اللسانية الأولى، والتي أطلق عليها معظم الباحثين (مدرسة جنيف)، وتشمل “دو سوسير” وتلاميذه (شارل بالي) و(ألبيرت سيشهاي)، وهما “اللذان اهتما بقضايا اللغة وتميزَا بوجهة نظر. فقد اختص (شارل بالي) في السنسكريتية واليونانية، وذلك بعد أن استوعب مفاهيمَ أستاذه  “دو سوسير” وتمكن من فهمها، اهتم بدراسة الأسلوب، وكان له دور بارز في إرساء الأسلوبية المعاصرة سنة 1902م”[15].

اتسم الدرس اللساني بعد (دو سوسير) بتعدد الاتجاهات وتفرعها، وحسب تمام حسان[16]، فإنه يمكن تقسيم المدارس اللسانية الوصفية حسب مذْهَبَيِ التصنيف والتفسير، كما يُمكن تقسيمُ المدارس التصنيفية للاعتبار الجغرافي إلى مدارس أوروبية وأمريكيَّة، ففي أوروبا ظهرت مدرسة (براغ) التي عملت على ربط الفونيم بالمعنى، ومدرسة (كوبنهاغن)، أي: (الغلوسيماتية)، ثم المدرسة الفرنسية التي قامت بربط الفونيم بالحدس. أما في أمريكا فقد سيطر منهج (بلومفيلد) البنيوي على الدراسة اللغوية لفترة طويلة، وعرف في منهجه بشكل عام بالعزوف عن دراسة المعنى.

لقد عرفت نظريات (بلومفيلد) انتشارًا كبيرًا قبل ظُهورِ الاتجاه التفسيريِّ على يد “هاريس” وتلميذه (نوام تشومسكي)؛ حيث اهتمَّ بتوليد البنيات المنطوقة من بنيات عميقة. لكن، ثمة تساؤلات منهجية يمكن طرحُها في هذا المقام؛ حيث يبدو منذ الوهلة الأولى أنه يصعبُ التسليم بإدراج مدرسة (براغ) ضمن المدارس البنيوية، إلى جانب مدرسة (بلومفيلد)، والشأن نفسه كذلك بالنسبة لتوليدية (“شومسكي”.

أما المدرسة (الغلوسيماتية)، أو (السوسيرية الجديدة) وسميت كذلك بمدرسة (كوبنهاغن) نسبة إلى المكان الجغرافي التي ظهرت فيه، فقد تمثَّلَت في أعمال كلٍّ من “يامسليف” و”بروندال” بعد قيامهما بقيادةِ ثورة على المناهج القديمة في دراسة اللغة.

أما التسمية glossématique فإنها من إبداع “يامسليف” في وصف البنية الشكلية للغات[17]، ويعتبر “يامسليف” من أكبر المتأثرين بـ(دو سوسير)، وقد “ألح في كثير من الأحيان على أن بحوثه في هذا الموضوع تنتمي إلى بحوث (سوسير)، ولذلك سماها بعضهم السوسيرية الجديدة، وأهم ما قدمه أن اللغة مضمون وتعبير، ويتصل المضمون بالتعبير اتصالًا وثيقًا خلال تواصل دون التطابق التام بينهما (…)، ويشمل التعبير كل الوسائل التي يتم بها نقلُ المعلومات من المحتوى وتحويلُها إلى مصطلحات لغوية”[18].

ومما ينبغي التذكير به أن “يامسليف” نظر إلى اللغة باعتبارها شكلًا أو صورة لا مادة، “وعلى هذا فقد دأب على فحص الأصوات دائمًا باعتبارها (أشكالًا) أو “صورًا” أو (هيئات) مجردة، وأهمل مظهرها المادي المحسوس (…)، واهتم بدراسة العلاقات القائمة بين تلك الأجزاء (…)، وعليه، فإن البنية –في نظره- قابلة للانفصال عما تبنيه”[19]. وتجدر الإشارة إلى أن نظرية “يامسليف” لم تعرف انتشارًا كبيرًا بين الباحثين لأسباب كثيرة؛ لعل أهمَّها اعتمادُها على جملة من القوانين الرياضية العقلية التي تُلائم في أغلب الأحيان الدراسةَ اللسانية.

أما الفرنسية فيُمكن الحديث عن دراسات (كلود ليفي ستراوس) في تكييفه لأعمال (ياكبسون) في الأربعينيات من القرن الماضي؛ حيث تتوافق مع الأنثروبولوجيا، ومع تكييف (لاكان) بعض المصطلحات السوسيرية في الخمسينيات، بحيث تتوافق مع طبيعته في التحليل النفسي[20]. على أساس أن دراسات فرنسية أخرى يمكن إدراجها لاهتمامها باللغةِ باعتبارها نظامًا، رغم اهتمامها بما هو خارج عن هذا النظام في دراسة اللغة، كما هو الشأن بالنسبة لمدرسة (أندري ماتينه) الوظيفية.

أما البنيوية الأمريكية فخيرٌ من مثلها إذا تجاوزنا بنيوية (سابير) وأتباعه هو (ليونرد بلومفيلد) “الذي أعلن تمسكه بالمبادئ السلوكية في دراسة اللغة دراسةً علميةً، وقد جعل اللسانيات شعبةً من شعب علم النفس السلوكي، متأثرًا بما قدمه (واطسون)، رافضًا في ذلك كلَّ المعايير الذهنية في التحليل (…) مغفلًا الملكة الإبداعية التي تميز الإنسان عن الحيوان، والتي يمثلها العقل”[21].

وقد سميت لسانيات (بلومفيلد) باللسانيات التوزيعية لتطويره المنهجَ الوصفيَّ إلى منهج تصنيفي يعتمد على التوزيع. وقد طبق هذا المنهج تلامذةُ (بلومفيلد) مثل (هاريس) و(هوكت) و(بايك)، وحاولوا إدخالَ تعديلات إلى التحليل التوزيعي الذي ظل سائدًا إلى منتصف القرن الماضي؛ حيث ظهرت المدرسة التوليدية التحويلية على يد اللساني الأمريكي (نوام تشومسكي)، الذي ما تزال نظرياتُه اللغوية طاغيةً على الدرس اللساني إلى اليوم.

لقد كانت هذه أهم المدارس والاتجاهات التي اعتمدت المنهجَ البنيوي في دراسة اللغة. وتجدر الإشارة إلى وجود أبحاثٍ كثيرة استفادت من هذه المدارس في ابتكار نظريات جديدة، وأبحاث أخرى أسهمت بشكل أو بآخر في ظهور وتطور المدارس اللسانية وتراكمها.

المبحث الثاني: اللسانيات البنيوية؛ الأسس والمنطلقات.

يتفق اللسانيون على أن البنيوية تقوم على أساس نظريٍّ مؤداه “أن البنية تتألف من عناصر ومكونات جزئية، وأن أيَّ تغيُّرٍ يطرأ على أي واحد من هذه المكونات لا بد أن يؤثر في سائر المكونات والعناصر الأخرى[22]. وقد أشرنا فيما سبق إلى أن “دو سوسير” لم يستعمل مصطلحَ البنية والبنيوية في محاضراته، لكنه استعمل مضمونهما.

قال شريف استيتية: “ولم يستعمل “دوسوسير” هذا المصطلحَ كما قلنا، ولكنه تحدث عن مضمونِه، وأول مرة استعمل فيها هذا المصطلح، كانت في البيان الذي أعلنه المؤتمر الأول للغويين في السلاف سنة 1929، فقد ورد فيه مصطلح البنية بمضمونه المعروف حتى اليوم، ومن المشاركين في هذا المؤتمر، (ياكبسون) و(تروبتسكوي)، وقد دعا المؤتمر إلى تبني منهجٍ جديدٍ في دراسة اللغة سموه (المنهج البنيوي)”[23].

ولعلَّ من أهم المفاهيم التي استخدمها “دو سوسير” مفهومَ السياق كما أشار إلى ذلك (بنفينست) في قوله: “يجمل بنا أن نشير إلى أن “دو سوسير” لم يستعمل أبدًا، وبأي معنى من المعاني، كلمة (بنية)؛ إذ المفهوم الجوهري في نظره هو النسق”[24].

كما صرح (أنطوان مييه) -أحد تلامذة “دو سوسير” ومن أبرز المؤسسين للسوسيولسانيات- بأن هدف أستاذه كان في البحث عن النسق، قال: “إن ما كان يبحث عن تحديده، طوال حياته كلها، هو نسق الألسنة التي كان يدرسها”[25].

وبهذا يكون “دو سوسير” قد أحدثَ قطيعةً إبيستيمولوجية عما كان قبله من مناهج في دراسة اللغة، كما أسهم إسهامًا لا يُستهان به في بناء النظرية اللسانية ومناهج بحثها، “وكانت المبادئ اللسانية التي اعتنقها تمثل نقطةَ الانطلاق في النظرية البنيوية، وقد أرسى كثيرًا من وجوه التمايز النظرية التي كان لها تأثيرُها الهائلُ على الفكر اللساني عند كل المدارس اللسانية الحديثة”[26].

لقد تميز “دو سوسير” بالبحث عن موضوع اللسانيات باعتباره علمًا حديثًا ومستقلًّا، لذلك فإنه حدد جملة من المبادئ التي تُؤطر هذا العلم، بالإضافة إلى مبادئ في دراسة اللغة الطبيعية باعتبارها موضوعَ علم اللسانيات.

أما أهم هذه المبادئ فقد تناولها (المصطفى الشاذلي)، وذهب إلى القول بأنها ميزت كل المدارس التي جاءت بعد “دو سوسير”، ونذكر منها الآتي:

مبدأ استقلالية الموضوع اللساني.

– مبدأ المعالجة الوصفية للغة.

– مبدأ الملاءمة.

– مبدأ تقديم الشكل على الماهية.

– مبدأ التفريق بين المستويات المستقلة والمستويات المتضامنة فيما يخص معالجة أفعال اللغة[27].

وبالإضافة إلى هذه المبادئ فإن اللسانيات منذ “دوسوسير” اعتمدت المنهج البنيوي، مما جعلها أمام مرحلة جديدة من دراسة اللغات، وذلك لتميزها بـ:

– الانتقال من دراسة ظواهر لغوية واعية إلى دراسة بنيتها التحتية اللاواعية.

– التعامل مع المسميات أو الكلمات بوصفها منتظمةً بعلاقات.

– السعي إلى الكشف عن قوانين كلية، سواء كان ذلك بالاستنباط أو بالاستدلال، مما يعطي هذه القوانين صفة مطلقة[28].

أما المبادئ التي قدمها “دو سوسير” في دراسة اللغة دراسة بنيوية باعتبارها نظامًا لا يُمكن تحليل ظواهره اللغوية بعزلها عن بعضها؛ إذ هي أجزاء في نسق أكبر. ولعل من أهم المنطلقات التي انطلق منها “دو سوسير” اعتبارَه اللغة ظاهرةً اجتماعية؛ وينبغي دراستها وفق هذا المبدأ، دون اللجوء إلى معايير أخرى خارجة عن مادتها، ولهذا فقد أبعد “دو سوسير” كل ما يتعلق بالذهن في دراساته اللغوية بهدف إثبات موضوعيتها”[29].

لقد انطلق “دو سوسير” من تحديد موضوع اللسانيات في دراسة اللغة في حدِّ ذاتها ومن أجل ذاتها، وذلك انطلاقًا من الفصل بين جملة من الثنائيات نوجزها في الآتي:

التمييز بين اللسان والكلام، أي: “التمييز بين النظام اللغوي langue والتكلم باللغة أو كتابتها الكلام parole[30]. وهذا التمييز في حقيقته تمييزٌ لما هو اجتماعيٌّ عما هو فرديٌّ ذاتيٌّ، لا تحكمه قواعدُ مشتركةٌ، ولأن اللسان حسب (دو سوسير) خاضعٌ لنظامٍ عامٍّ لا يمكن تحليل مكوناته إن لم تكن داخلَ هذا النظام[31]، “فإن الأمر يتعلق بتحليل نسقه. وكل نسق باعتباره مكونًا من وحدات يشترك بعضها البعض الآخر، يتميز عن الأنساق الأخرى بالتنسيق الداخلي بين هذه الوحدات تنسيقًا يكون منها البنية”[32]. فاللغة حسب “دو سوسير” متسمة بالطابع الاجتماعي، ومن ثمَّ فإنه يمكن النظرُ إليها بغضِّ النظر عن المتكلمين بها، وبهذا تكونُ معاكسةً للكلام الذي “لا يمكن أن يكون ظاهرة اجتماعية، لأنه إنتاج فردي شعوري تمامًا[33].

إن اللسان انطلاقًا مما سبق جزءٌ من اللغة، ونتاج اجتماعي لها عكس الكلام الذي يتسم بالفردانية، فكان هذا التمييز بداية حقيقية لظهور التداوليات والعلوم التي تدرس اللغة، بمعزل عن السياق والمجتمع والعوامل الخارجية بصفة عامة. وقد كان (أنطوان مييه) من أهم من سلكوا هذا الطريقَ الذي أبعده “دو سوسير” في دراساته بعد الفصل بين اللغة والكلام.

– التمييز بين الدراسة التزامنية والدراسة التاريخية وإعطاء الأهمية للتزامنية، لاعتبار سهوة فهم النظام في حالته الثابتة أكثر من الحالة المتغيرة[34]. وتهتم السانكرونية بدراسة لغة معينة في مرحلة زمنية محددة بعينها، وتسمى كذلك بالدراسة الآنية. أما الدياكرونية فإنها تتبع ما تتعرض له اللغة من تغيُّر وتحوُّل خلال فترات زمنية متعاقبة. وقد اختار “دو سوسير” الدراسةَ التزامنية لأنها الأكثر مناسبة في دراسة اللغة دراسة بنيوية.

تجدر الإشارةُ إلى أن الدراسة التزامنية قد أثرت على الدرس اللساني بعد “دو سوسير”، وصار كثير من اللسانيين يدافعون عن تطبيقِها في الدراسات اللغوية، كما هو الشأن بالنسبة للباحث الروسي (كارتيبسكي) في دفاعه عن تطبيق المنهج التزامني في وصف الأفعال الروسية، مستشهدًا بقول (دو سوسير): اللغة نظام يجب أن ينظر فيه إلى الأجزاء داخل علاقة مترابطة وتزامنية[35]، و”على هذا الأساس قام التمييزُ بين نوعين من اللسانيات: لسانيات آنية تزامنية؛ تتناول اللغة باعتبارها نسقًا في حقبة معينة، ولسانيات تعاقبية؛ تدرس متغيرات هذا النسق عبر مراحل تطوره”[36]. والحق أن هذه الثنائية تجاوزت حقلَ اللسانيات واقتحمت مختلف العلوم والمجالات.

– التمييز بين اللسانيات والسيميائيات: ينبني هذا التمييز على حقيقة مفادها أن التواصل الإنساني يتمُّ “بأدلة لغوية وأخرى غير لغوية، وتهتم اللسانيات بدراسة الأدلة اللغوية، تاركةً دراسة الأدلة غير اللغوية إلى الدلائلية (السيميائيات)[37]. وقد اعتبر سوسير -كما أشرنا سابقًا- علمَ اللسانيات جزءًا من هذا العلم الشامل، وإن ترك التفصيل في مباحثه وقضاياه للذين جاءوا بعده.

– التمييز بين الدال والمدلول: جاء هذا التمييزُ من التفريق الذي قام به (دو سوسير) بين اللسانيات والسيميائيات، حيث تهتمُّ اللسانيات بالأدلة اللغوية. والدليل اللغوي في تصور (دو سوسير) يتكون من وجهين لا ينفصلان. فهو: “عنصر من عناصر الجهازِ اللُّغوي، وهي مكونة من عنصرين يتصلان ببعضهما اتصالًا كاملًا. فهما كوجهيِ الورقة يسمى أحدهما (الدال) وهو الصورة السمعية التي يتضمنها الدليل أو العلامة، ويسمى الثاني (المدلول) وهو المتصور الذهني ويسمى قديمًا المعنى، فليست العلامة هي الدال وحده أو هي المدلول وحده وإنما هما معًا، وبعبارة أخرى: لا يمكن الفصل بينهما”[38]. بهذا، إذن، تكون اللغاتُ علاماتٍ وكلُّ علامةٍ لا تخرُج عن كونها دالًّا ومدلولًا، أي أصوات تتألف منها، ومعنًى ذهنيًّا يكون مختزنًا في الذهن.

يتسم الدليل اللغوي حسب (دو سوسير) بالطبيعة النفسية لوجهيه؛ حيث إن المدلول ليس هو الشيء، وهذه الطبيعة النفسية قد عبَّر عنها بالتصور، كما أن الدليل ليس هو الصوت الفيزيائي المحض، وإنما الأثرُ النفسيُّ الذي يُحدثه الصوتُ، لذلك فإننا نستطيعُ أن نستظهرَ على سبيل المثال قصيدةً في عقولِنا دون تحريكِ أعضاء جهاز الصوت[39].

الهوامش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] غلفان مصطفى، في اللسانيات العامة، دار الكتب الجديد المتحدة، ط1، 2010م، ص 252.

[2] شولز روبرت، البنيوية في الأدب، تر: حنا عبود، منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1914، ط 7، 1977م. ص 14.

[3] كريزويل إديث، عصر البنيوية، تر: جابر عصفور، دار سعاد الصباح- الكويت، الطبعة الأولى 1993 ص 413.

[4] كامل وفاء محمد، البنيوية في اللسانيات، عالم الفكر، المجلد 26، العدد الثاني، أكتوبر ديسمبر 1997. ص 251.

[5] غلفان مصطفى، في اللسانيات العامة، ص245.

[6] شولز روبرت، البنيوية في الأدب، ص16.

[7] عمايرة خليل أحمد، في نحو اللغة وتراكيبها، منهج وتطبيق في الدلالة، مؤسسة علوم القرآن- عجمان، ط 2: 1990. ص 25.

[8] استيتية سمير شريف، اللسانيات: المجال والوظيفة والمنهج، الأردن، عالم الكتاب الحديث، ط2، 2008 ص 159.

[9] طليمات غازي مختار، في علم اللغة، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر- دمشق، ط2،  2000. ص22.

[10] المرتجي أنور، ميخائيل باختين: الناقد الحواري، منشورات زاوية للفن والثقافة، 2009، ص 25.

[11] غلفان مصطفى، في اللسانيات العامة، ص 248.

[12] المرجع نفسه، ص 250.

[13] المرتجي أنور، ميخائيل باختين: الناقد الحواري، ص 19.

[14]ياكبسون رومان، الاتجاهات الأساسية في علم اللغة، ترجمة علي حاكم صالح وحسن ناظم، المركز الثقافي العربي، ط1، 2002، ص، 17.

[15]شنوقة السعيد، مدخل إلى المدارس اللسانية، القاهرة، المكتبة الأزهرية للتراث 2008. ص67.

[16]حسان تمام، اللغة العربية والحداثة، فصول مجلة النقد الأدبي، المجلد الرابع، العدد الثالث، أبريل- مايو- يونيو 1984. ص130.

[17] بوجادي خليفة، في اللسانيات التداولية مع محاولة تأصيلية في الدرس العربي القديم، ص25.

[18] المرجع نفسه، ص26.

[19] مؤمن أحمد، اللسانيات: النشأة والتطور، ص136.

[20] جاكبسون ليونارد، بؤس البنيوية: الأدب والنظري البنيوية، تر: ثائر ذيب، المركز القومي للترجمة، العدد: 2204، الطبعة الأولى 2014. ص135.

[21] بوجادي خليفة، في اللسانيات التوليدية مع محاولة تأصيلية في الدرس العربي القديم، ص28.

[22] استيتية سمير شريف، اللسانيات: المجال، والوظيفة، والمنهج، ص 161.

[23] المرجع نفسه، ص 161.

[24] إميل بنفينيست، البنية في اللسانيات، تعريب مبارك حنون، دراسات أدبية ولسانية، العدد الثاني السنة الأولى- شتاء 1986. ص 129.

[25] المرجع نفسه، ص130.

[26] نقلًا عن: كامل وفاء محمد، البنيوية في اللسانيات، عالم، مرجع سابق، ص58.

[27] شاذلي المصطفى، البنيوية في علوم اللغة، تر: سعيد جبار، القاهرة، رواية للنشر والتوزيع، 2015. ص101-102.

[28] كريزويل إديث، عصر البنيوية، تر: جابر عصفور، ص39-40.

[29] بوجادي خليفة، في اللسانيات التوليدية مع محاولة تأصيلية في الدرس العربي القديم، ص18-19.

[30] جاكبسون ليونارد، بؤس البنيوية: الأدب والنظرية البنيوية، تر: ثائر ذيب، ص 80.

[31] بوجادي خليفة، في اللسانيات التوليدية مع محاولة تأصيلية في الدرس العربي القديم، ص20.

[32] إميل بنفينيست، البنية في اللسانيات، تعريب مبارك حنون، ص 133.

[33] عبد العزيز محمد حسن، علم اللغة الحديث، مكتب الآداب القاهرة 2011، ص 206.

[34] بوجادي خليفة، في اللسانيات التوليدية مع محاولة تأصيلية في الدرس العربي القديم، ص20.

[35] المرتجي أنور، ميخائيل باختين: الناقد الحواري، ص23.

[36] المتوكل أحمد، اللسانيات الوظيفية المقارنة: دراسة في التنميط والتطور، دار الأمان الرباط، ط1، 2012، ص12.

[37] أوكان عمر، اللغة والخطاب، القاهرة، رؤية للنشر والتوزيع، ط1، 2011، ص72/73.

[38] شنوقة السعيد، مدخل إلى المدارس اللسانية، ص 46 47.

[39] أوكان عمر، اللغة والخطاب، ص73.

image_print
الوسوم: , , ,
باحث مغربي، حصل على ماستر (الدراسات اللسانية: قضايا ومناهج) بجامعة محمد الأول -وجدة سنة 2018م، كلية الآداب والعلوم الإنسانية.

مواد ذات صلة

أضف تعليقك

avatar