علم الاجتماع الدلالة والنشأة والتطور

دراسات - علم الاجتماع، الدلالة والنشأة والتطور

بداية من المهم الإشارة إلى أن تأسيس علم الاجتماع كان تتويجًا لجملة من التطورات الفكرية والتحولات المعرفية المتواصلة التي انتهت بإعلان التأسيس، ومهم أيضًا الإشارة إلى أن التأسيس كان حدثًا نوعيًّا في تاريخ الفكر والاجتماع الإنسانيَّيْن، إذ بقدر ما كان الأمر متعلقًا بميلاد اختصاص علمي جديد، بقدر ما كان متعلقًا بانتقال نوعي في تصور البشر لوجودهم الاجتماعي، من حيث هو تحول من الغُفلية إلى الإدراك الذي أزال الكثير من الحجب عن أحوال ودقائق وجودهم، كأفراد يعيشون في جماعة، وكجماعات تعيش مع بعضها. وإذا كان الانتقال النوعي على المستوى المعرفي في مسائل وقضايا الوجود الاجتماعي قد تجسد في مبدأ الموضوعية، بما هو تحقيق للمسافة المتصورة التي تفصل بين الذات الإنسانية وعالَمها الاجتماعي، كالتزام منهجي مركزي تشترك فيه كل العلوم، فما هو المؤدَّى التفصيلي لهذا الانتقال؟ وما هي التحولات النوعية التي عرفها من البداية إلى غاية اللحظة المعرفية الراهنة؟

إن ظهور علم الاجتماع سيمكِّن الإنسان من استكشاف الصور والأشكال الأساسية لوجوده الاجتماعي، ذلك أن أولى المهمات التي سيضطلع بها العلم الجديد هي التعريف بموضوعه، بحيث سينتهي الأمر ليكون تاريخ تطور علم الاجتماع هو ذاته كيفية تقدُّم تعريف الاجتماع الإنساني وتعمُّق استيعاب قضاياه وإشكالاته ليكون أكثر دقة وموضوعية، وذلك بفضل التراكم المعرفي الذي سيتحقَّق بالضرورة بعد النشأة.

لذلك فإن محاولة التأريخ لظهور العلم وتقدُّمه تقتضي العودة إلى ما سبق ظهوره من تحولات نوعية في تاريخ الفكر الاجتماعي، لذلك سأحاول في هذه الدراسة تقديم صورة نسقية تطورات الفكر الإنساني، لتكون هي ذاتها جزءًا من التعريف بالعلم ذاته، وللبدء في ذلك سنقف أولًا عند مؤسِّسَي العلم في نشأتيه الأولى والثانية[1]، لاستخلاص تعريفيهما والحدود التي وضعاها له.

  1.  نشأة علم الاجتماع وتعريفه عند مؤسسيه

أعلن ابن خلدون عن تأسيس "علم العمران البشري والاجتماع الإنساني" بصراحة ووضوح في "المقدمة"، ناسبًا إلى نفسه ذلك بقوله: "واعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة، غريب النزعة، غزير الفائدة، أعثر عليه البحث وأدى إليه الغوص. وكأنه علم مستنبط النشأة. ولعمري لم أقف على الكلام في منحاه لأحد من الخليقة. ونحن ألهمنا الله إلى ذلك إلهامًا، وأعثرنا على علم جعلنا بين نُكرة وجهينة خبره، فإن كنت قد استوفيت مسائله، وميزت عن سائر الصنائع أنظاره وأنحاءه، فتوفيق من الله وهداية"[2]. وهو يخصُّ هذا السبق بالنسبة إلى ما وصل إليه من علوم اليونانيين، دون أن يجزم بعدم وجود العلم عند الفرس والحضارات التي تتالت على بلاد الرافدين التي لم تصل علومها إلى المسلمين. 

أما دوركايم فقد نسب إلى نفسه إنشاء علم الاجتماع مرتين بشكل مقتضب: الأولى في مقدمة الطبعة الأولى من كتابه "قواعد المنهج"[3]، والثانية في مقدمة الطبعة الثانية من الكتاب ذاته. ومع اعترافه بوجود علماء اجتماع من قبله، فقد ميَّز نفسه بإنشاء علم الاجتماع ليكون تخصصًا علميًّا مستقلًّا بذاته في قوله: "ما كان لهذا العلم أن يخرج إلى حيز الوجود إلا منذ ذلك الوقت الذي شعر فيه بعض المفكرين شعورًا غامضًا بأن الظواهر الاجتماعية أشياء ذات وجود حقيقي وبأنه يمكن دراسته. ومن ثم فليس تاريخ علم الاجتماع إلا تاريخ ذلك المجهود الطويل الذي أراد الباحثون أن يوضحوا به ذلك الشعور الغامض سالف الذكر. ومن ثم فما أشد الحاجة إلى تحرير هذا العلم [من ذلك الغموض] نهائيًّا، وهو الهدف الأساسي الذي ترمز إليه جهودنا"[4]. فحسب كلامه يصح تسمية سابقيه من العلماء بالمفكرين الاجتماعيين، لكنهم لا يحظون عنده بصفه علماء الاجتماع، لكونهم لم يحددوا علم الاجتماع علمًا مستقلًّا ولم يمارسوه تخصصًا فريدًا[5].

ويهمنا هنا أن نميز بين النشأتين في موضوع العلم ومنهجه، فأما في موضوع المنهج فقد استلَّ ابن خلدون علم العمران من زاويتين:

الأولى: هي أن ابن خلدون استلَّ علم العمران من علم التاريخ، فالواضح أن ابن خلدون هو بالأصل مؤرخ قادته الملاحظات المنهجية على مناهج التاريخ والمؤرخين إلى استكشاف العلم الجديد، فالموضوع هو المجتمع وهو نفس موضوع علم التاريخ، لكن الاختلاف هو في منهج الدراسة، حيث أوصله تحديد المعايير المتعلقة بالقص التاريخي السليم إلى علم يدرس المجتمع أيضًا، لكن مع ضرورة الابتعاد عن تتبُّع التسلسل الزمني للأحداث، بحيث تُستَلُّ كل واقعة على حدة لدراستها بشكل مستقل، فهو أشبه بالدراسة التزامنية (Diachronic) للمجتمع مقابل الدراسة التتابعية (Synchronic).

الثانية: تمييز علم العمران عن علمي الخطابة والسياسة، حيث مايز ابن خلدون بين علم العمران وعلمي الخطابة والسياسة، بقوله إنه -أي علم العمران- ليس من علم الخطابة بوصفه أحد العلوم المنطقية التي تستهدف إقناع الجمهور إلى رأي أو صدهم عنه، وأنه أيضًا ليس من علم السياسة باعتبارها تدبير الشأن الخاص والعام بمقتضى العقل والأخلاق لغرض حفظ النوع وبقائه، ويختم بأن علم العمران قد خالف موضوعه موضوع هذين الفنَّيْن اللذين ربما يشبهانه[6]. إذن، فعلم العمران لا هو بالعلم المنطقي الساعي للتوجيه المباشر للجمهور، ولا هو بالعلم التدبيري الساعي لتنظيم الحياة، لكنه هو العلم الذي يسعى لفهم الواقعات والأحداث التاريخية والاجتماعية كما حصلت أو حدثت بالفعل بلا تحريف أو تزييف عن طريق المعرفة بطبائع العمران وأحواله، باعتبار أن كل واقعة -سواء كانت حالًا أو فعلًا- لا بدَّ لها من قانون خاص يحكمها.

يخلص ابن خلدون إلى أن الإنسان "لا بدَّ [له] من اجتماع القُدَر الكثيرة من أبناء جنسه ليحصل على القوت له ولهم"، وأضاف: "وكذلك يحتاج كل واحد منهم أيضًا في الدفاع عن نفسه إلى الاستعانة بأبناء جنسه"

بينما افتكَّ كل من كونت ودوركايم علم الاجتماع من زاويتين أيضًا:

الأولى: استلال كونت علم الاجتماع من الفلسفة، حيث وجد في علم الاجتماع الأداة التي من خلالها يمكن تعميم الفلسفة الوضعية، إذ صنَّفه في المرتبة السادسة والأخيرة من بين العلوم، وذلك لكونه العلم الوحيد الذي يمكنه النظر إلى العلوم الأخرى كما لو كانت ظواهر اجتماعية كبرى، وحسب كونت فإنه بعد تأسيس علم الاجتماع لم يعُد ممكنًا تصور الحصول على معرفة ذات طابع مطلق كما كانت الفلسفة تخوله لنا[7]. والمحصلة هي أن كونت وجد في علم الاجتماع أداةً للقضاء على الفلسفة بمدلولها الميتافيزيقي، محاولًا تنزيل الفلسفة لتكون تحليلًا لمجريات الواقعين العملي والنظري. 

الثانية: تمييز دوركايم لعلم الاجتماع عن علمي النفس والأحياء، حيث يرى دوركايم أن الطريق العلمية الوحيدة نحو دراسة الظاهرات الاجتماعية لا تكون إلا بالرجوع إلى الخصائص الذاتية للكل الاجتماعي، أي تفسير المركب بالمركب، وعلى المنوال نفسِه يكون تفسير الوقائع الأحيائية والنفسية، أي بتفسيرها عن طريق المركب الخاص بها، فرغم تسليم دوركايم بتجاور القوانين النفسية والاجتماعية وأنهما معًا من طبيعة تصورية واحدة، فقد مايز بين طبيعتيهما الفردية والاجتماعية، معتبرًا أن التصورات الجمعية حقائق خارجية عن الشعور الفردي، نابعة عما يقوم بين الأفراد من ترابط، معتبرًا أن كل شخص يُسهم بنصيب ما في إعداد الحصيلة الاجتماعية المشتركة، فهي تتشكَّل كقوى من نوع خاص تنشأ عنها مركبات وتحولات متبادلة، إذ يستحيل الأفراد إلى شيء آخر مختلف[8]، كما أن علماء الأحياء الاجتماعيين أخطؤوا في محاولتهم استنباط قوانين الاجتماع من قوانين الأحياء، فقوانين المجالين مختلفة تمامًا، ولا يمكن اكتشافها عن طريق "الاستدلال التمثيلي" والافتراضات، بينما الأصح أن يتم ذلك عن طريق الملاحظة المباشرة[9].

وفيما يلي نعرج إلى التعريف بالمجتمع عند المؤسسين:

اعتبر ابن خلدون أن أساس الاجتماع الإنساني هو التعاون، مستدلًّا على ذلك بحاجة الفرد إلى الجماعة لتحقيق بقائه، من خلال مثالين: الأول عن الحنطة وكيفية تحصيلها بوصفها أبسط حاجات الإنسان الغذائية، والثاني السلاح وكيفية تحصيله بوصفه الآلة الضرورية التي تنوب عن الجوارح في صدِّ الاعتداءات، مبينًا كيف أن الفرد الواحد عاجز عن تحصيلها بمفرده، بحيث يخلص ابن خلدون إلى أن الإنسان "لا بدَّ [له] من اجتماع القُدَر الكثيرة من أبناء جنسه ليحصل على القوت له ولهم"، وأضاف: "وكذلك يحتاج كل واحد منهم أيضًا في الدفاع عن نفسه إلى الاستعانة بأبناء جنسه"[10]، فإن حصول القوت للغذاء والسلاح للحماية ينتج عنه حفظ النوع الإنساني، ومن دون ذلك يتعذر تعمير العالم نيابةً عن الله في الأرض، ويخلص ابن خلدون أخيرًا إلى القول: "وهذا هو معنى العمران الذي جعلناه موضوعًا لهذا العلم".

ثم ينهي ابن خلدون تعداد شروط تحقُّق العمران البشري بذكر حاجة الناس إلى السلطة لحماية بعضهم من بعض، وذلك لما يقره ابن خلدون من اشتمال البشر على طباع حيوانية تدفعهم إلى العدوان والظلم، وعليه فلا بدَّ أن توكل السلطة لأحدهم يحوز الغلبة واليد القاهرة عليهم، مع تمييز أن السلطة وإن وجدت عند بعض الأنواع الحيوانية كغريزة، فإن الإنسان يقيمها بالفكر والسياسة[11]. بذلك يكون ابن خلدون قد عرج إلى مسألة "العقد الاجتماعي" بوصفها التجلي السياسي للاجتماع الإنساني، فهو وإن لم يفصل في كيفية اختيار الحاكم، كما فعل فلاسفة العقد الاجتماعي الحديثون، فقد اتفق معهم في نفي المصدر اللاهوتي للسلطة، وذلك في سياق دحضه لزعم الفلاسفة القائل بارتباط النبوة بالحُكم، مردفًا بأنه "زعم غير برهاني"، مُقرًّا بأن الحاكم ينال الحكم افتكاكًا أو بعصبيَّة تُمكِّنه من ذلك[12].

أما دوركايم فقد انطلق من اعتبار القهر الاجتماعي والضمير الجمعي مفهومين مؤسسين لتعريف المجتمع، وذلك في سياق تعريفه بالظاهرة الاجتماعية، منطلقًا من ملاحظته أن عبارة "الظاهرة الاجتماعية" تطلق على كل ما يحدث في المجتمع، وهذا في نظره تعميم خاطئ؛ لأن هذا التعميم سيشمل إطلاق الوصف أيضًا على الظواهر غير الاجتماعية بالمعنى العلمي الدقيق، فالكثير من الظواهر التي تحدث في المجتمع لا يصحُّ تسميتها بالظواهر الاجتماعية، إذ يخلص دوركايم إلى تحديد ثلاث سماتٍ مميزة للظاهرة الاجتماعية التي يدرسها علم الاجتماع[13]:

الأولى: أنها تتحدَّد خارج نطاق إرادة الأفراد، ودليل ذلك أن تأدية الفرد لمهامه المسندة إليه والتزامه بالمبرم من الاتفاقات هو خضوع من طرفه لواجبات حُدِّدت خارج نطاق إرادته، باعتبارها مُسلَّمات مبثوثة في النص القانوني أو العرف الأخلاقي، مع ملاحظة مهمَّة تتمثَّل في أن التحديد الخارجي للمسؤوليات الفردية لا يعني بالضرورة تعارضها مع الإرادة الفردية، فكثيرًا ما تتوافق تلك الالزامات مع مشاعر الفرد الذي ينفذها، وهي في النهاية منفصلة عنه وموجودة ككيان مستقل تام وناجز ينتظر التوظيف الفردي في سياقات مختلفة ومتنوعة. 

الثانية: أن الظاهرة الاجتماعية تمتلك صفة الإلزام والقهر كما يتضح في مثال القانون، فنتيجة لكونها قد تحدَّدت خارج نطاق الفرد فإن الأمر يستوجب أن يتلقاها الفرد إلزامًا وقهرًا، وهو ما لا يظهر إلا عند إبداء المقاومة لها من طرف الفرد حيال القانون، وعلى ذلك فلو حاول الفرد خرقَ قواعدها فإنها ستثور عليه بما يمنعه من خرقها أو تسلط عليه العقاب لاحقًا إذا حصل الخرق.

الثالثة: أن الظاهرة الاجتماعية تتجلَّى كضمير جمعي يمارس الرقابة على الأفراد بواسطة القواعد الأخلاقية، فهو سلطة تراقب سلوك الأفراد نابعة من داخلهم موجهة لبعضهم البعض، إذ تسلط العقوبات على من يخرقها، مع اختلاف بين العقوبة القانونية التي تكون مسجلة في النص القانوني، والعقوبة الأخلاقية التي تظهر في شكل إبعاد للفرد أو سخط عام يطاله يضطره للعدول عن خرق العرف الأخلاقي أو عدم العودة إليه مجددًا، فهي تؤدي مفعولها كالعقوبة القانونية.

وكمحصلة يقول دوركايم: "إننا حيال نظام من الظواهر التي تحتوي مميزات خاصة جدًّا"[14]، تتمثَّل في أنواع من السلوك والتفكير والشعور تقع خارج الفرد، وتفرض قهرًا عليه، وهذا ما يجعلها مختلفة عن الظواهر البيولوجية والنفسية، وهو ما يعطيها صفة الظاهرة الاجتماعية، مادتها هي المجتمع وليس الحياة النفسية أو البيولوجية. ولا ينكر دوركايم ما تفرزه كلمة القهر من فزع ونفور لدى المتحمسين للفردانية المطلقة، إلا أنه يؤكد وجود إقرار عام بأن أغلبية الأفكار والميول الفردية لا يحددها الفرد لنفسه، وإنما صنعت وصيغت خارج إرادته، وتأتيه من خارج ذاته، وهذا يعني أنها لا تصل إلى حالة التنفيذ لدى الأفراد إلا لأنها قد فرضت نفسها عليهم[15].

  1.  تطور الفكر الاجتماعي من الحكمة الشعبية إلى الاقتراب الإكلينيكي مرورًا بالنظرية العلمية

لتتبُّع تطور النظرية الاجتماعية سيكون من المفيد العودة إلى بدايات التفكير الاجتماعي بشكل مقتضب، أي العودة إلى ما قبل ظهور علم الاجتماع كذروة لتطور الفكر الاجتماعي وتقدُّمه عن طريق تحليل ظاهراتي تصوري، من خلال تقديم صورة مختصرة عن تطور التفكير الاجتماعي للبشر، ومن بعد ذلك محاولة الوصول إلى التفصيل فيما حصل حديثًا ويحصل راهنًا في مجال النظرية الاجتماعية، ثم الانتهاء إلى تقديم خطاطة عامَّة عن أهم الأصناف التي تنقسم إليها النظرية الاجتماعية.

    1. بدايات الفكر الاجتماعي من الحكمة الشعبية إلى الفلسفة الاجتماعية

الواضح أن التفكير القصدي والواعي للإنسان في شؤونه الاجتماعية حدث لأول مرة بعد استقراره وتمدُّنه الذي أتاح له التفكير بطريقة انعكاسية في ذاته الفردية والجماعية، حيث تورد التقارير أن المراحل البدائية للاجتماع البشري قد عرفت أبسط أشكال التفكير الاجتماعي التي تجلت في "الطرق الشعبية في التفكير"، حيث مارس الإنسان طرقًا بدائية وأولية تجسد الفكر الاجتماعي المبكر، تمثَّلت في الحِكم والأمثال التي يستخدمها كبار السن من أصحاب الخبرة والتجارب، باعتبار الحِكم والأمثال خلاصة تجارب فردية تنطبق على بقية التجارب الفردية الأخرى، وباعتبارها بمثابة قوانين اجتماعية تُصاغ بشكل عفوي في مقولات قصيرة ومُعبِّرة تنطلق من التجربة المعيشة، على أنها تتميز في بنائها ببناءٍ عقليٍّ دقيق وعميق، رغم ما قد يرتبط بها من أنماط التفكير البدائية، مثل الأسطورية والسحرية وغيرها، ما يعني أن التفكير العقلي كان حاضرًا في الحياة الإنسانية منذ بداياتها، ودليل ذلك تطوير البدائيين للتقنيات والأنظمة الاجتماعية والرمزية بشكل مستمر، وهو ما يعني أن أنماط التفكير غير العقلية المعروفة لم تكن تتصل إلا بالجوانب الميتافيزيقية للإنسان، أما الجوانب الفيزيقية الملموسة فقد كان الإنسان البدائي يطرقها بشكل عقلي صادر عن الغرائز الأساسية للإنسان الموجهة له لحفظ الحياة وتحقيق المصالح.

شملت حِكَمُ البدائيين وأمثالُهم -كما هي الحكم والأمثال المعاصرة- الكثير من جوانب الحياة العملية للحياة الإنسانية: الاقتصادية والدينية والسياسية والثقافية وغيرها، وهي في مجملها تُعنى ببيان طريقة العيش السليم والمتوازن، بإرشاد وتوجيه السلوكات والمعتقدات؛ فيتصور بعض علماء الاجتماع المعاصرين أمثال ميشال مافيزولي أن الاتجاه حاليًّا يسير نحو عودة الحكمة الشعبية (Ecosophy) لصياغة وتوجيه الحياة لدى الأجيال المعاصرة، بديلًا عن الاعتماد المطلق على المعرفة العقلانية المجردة، وذلك لِما تقوم عليه الحِكم والأمثال الشعبية من تلبية الحاجة إلى إعادة بناء الوجود وفقًا للفطرة السليمة، وعلى التكيف الجماعي مع طبيعة الأشياء، وذلك -حسب مافيزولي- بعد الدمار الذي لحق بالعالم طبيعيًّا واجتماعيًّا بشكل واضح[16].

فكان ابن خلدون سبَّاقًا إلى التمييز المنهجي بين التفكير الشعبي والتفكير النخبوي في مجال التاريخ والاجتماع، وهو السعي الذي كان جسرًا إلى اكتشافه للعلم الجديد، المختلف عن المنطق العقلي والخطابة السياسية، وهو ما يمكن أن نسميه بتأسيس الاستدلال في المسائل الاجتماعية، بمعنى أن ابن خلدون تصدى لمهمة التمييز بين الآراء الشخصية والذاتية والآراء العلمية الموضوعية

في النهاية، فإن الحكمة الشعبية تُعبِّر عن فكر اجتماعي بسيط سمته أنه تجزيئي وغير منظم، وعلى ذلك فقد كان لدى البشر البدائيين فكرة عن الملكية الجماعية والمسؤولية الاجتماعية أيضًا، كما تدلُّ المناسبات الاجتماعية على وجود روح جماعية، فضلًا عن الحروب التي انخرطوا فيها، والتي تكشف عن الولاء العملي للجماعات الأصلية، مثل الأسرة والقبيلة، كل ذلك يمكن اعتباره ضربًا من ضروب التفكير الاجتماعي البدائي البسيط.

لقد أدى التعقُّد التدريجي للحياة الاجتماعية إلى تعقُّد أشكال التفكير الإنساني، حيث تمثَّل أول مظاهر التعقيد في محاولة الإنسان التفكير لمواجهة التحديات الجماعية بشكل أفضل، ومن ثم تحقيق حلول أكثر كفاءةً للمشاكل الاجتماعية، إذ أسهم في تلك المرحلة كلُّ الشعراء والفلاسفة وعلماء الأخلاق والزعماء الروحيين وغيرهم إلى درجة أثرت فيها أساليب تفكيرهم في طريقة العيش، وبشكل جذري أحيانًا؛ بما يكشف عن الأهمية البالغة للتفكير الاجتماعي، وأن تأثيره كان حاصلًا منذ القدم.

وكما تقدَّم، فإن معيار الأحقية في انتحال صفة الفكر والتفكير الاجتماعي هو مدى تضمُّنه للرؤى والأفكار العقلية، بما هي تلخيص وبلورة لتجارب معيشة في قوالب نصيَّة وخطابيَّة صغيرة أو قصيرة، على غرار الحِكم والأمثال وأيضًا ما عرفه اليونان من أسلوب الشذرات القصيرة، التي هي عبارة عن عدد صغير من الكلمات يحمل فكرة موجِّهة، فضلًا عن المطولات التي ظهرت خلال المرحلة اليونانية بالتزامن مع ظهور العلم النظري، واستقلال العلم والتعليم كمهنة مستقلة، إضافة إلى ما كان متوفرًا من اللوائح العقدية والتشريعية التي تحملها النصوص الدينية، وانتهاء إلى الحقبة الخلدونية التي يمكن اعتبارها ذروةً للتفكير الاجتماعي في عصره، حيث تميز النص الخلدوني بميزتين أساسيتين: شكلية ومضمونية:

  • فأما الشكلية فهي كون مقدمته في مجملها مكونة من مقالات تقصر وتطول، حسب الموضوع وما تطلبه من إيضاح، إذ بذلك يكون قد جمع بين أسلوب الشذرات القصير، وأسلوب المطولات، وهذا بديع في باب النثر العلمي، إذ بالقدر الذي جاءت فيه "المقدمة" مجموعة من النصوص المتصلة والمنفصلة، بالقدر الذي جمعت بينها فكرة كبرى هي كون كل موضوعاتها من مشمولات علم العمران البشري والاجتماع الإنساني.
  • وأما من الناحية المضمونية فقد جاءت "المقدمة" تركيبًا من أربع خبرات وتجارب أساسية حازها ابن خلدون: خبرته الشخصية الحياتية وتقلُّبه بين الأمصار والوظائف، وتخصُّصه العلمي كمؤرخ حاز المعرفة التاريخية، واستيعابه للإرث الديني الإسلامي وفي الجملة للأديان الكتابية، وانتهاء باطلاعه الواسع على الفكر اليوناني ومخرجاته العلمية والفلسفية.

وفي المحصلة، فإن الفكرة الرابطة بين تطور التفكير الاجتماعي من الحكمة الشعبية إلى فكر اجتماعي أقرب إلى العلمية عند ابن خلدون، هي توجُّهه صوب الروايات والقصص الشعبية ومحاولته تخليصها من الشوائب المفسدة لنزاهتها وموضوعيتها، خاصةً أنه قد تقدَّمت الإشارة إلى نسبة نشأة علم الاجتماع إلى نفسه، وهو ما يعني أنه كان سباقًا، ليس إلى تأسيس معرفة علمية بالعالم، وهذا ما قد سبق إليه اليونان بلا شك، لكن سبقه تمثَّل تحديدًا في نقل وعي البشر بوجودهم الاجتماعي كوعي انعكاسي بما هو تفكير في الذات وتفكير في التفكير، أو قُل التأسيس العلمي لمعرفة الاجتماعية، وهو ما سنكرس له المبحث الموالي.

    1. بدايات فكرة علم الاجتماع بين ابن خلدون والاجتهادات الحديثة

نعرض فيما يأتي لثلاثة مفكرين اجتماعيين، جمعوا بين صفة التفكير الاجتماعي العام أو الفلسفي وبين التفكير الاجتماعي العلمي، ونحاول الوصل بينهم لبيان الاتصال الحاصل في التفكير الاجتماعي الوسيط والحديث، ولتحقيق تصور واضح للحظات الانقلاب التي نقلت الفكر الاجتماعي إلى علم الاجتماع، كل ذلك ضمن مقاربة تحاول الإمساك بالتطورات النوعية التي حصلت في كل مرة.

      1. الفكر الاجتماعي عند ابن خلدون

تميَّز طرح ابن خلدون بجمعه بين الدقة التجريبية والشمول النظري، فقد دأب على تقديم الأمثلة التاريخية لكل القوانين الاجتماعية التي صاغها في "المقدمة"، القوانين التي استقاها ابن خلدون تحديدًا من ملاحظاته للحياة الاجتماعية للأماكن التي عاش فيها وكذا الأخبار التي وصلته من أساتذته ومن المؤرخين، والتي شملت جغرافيا عموم المنطقة العربية الحالية بشكل تقريبي، وشملت تاريخيًّا القرون السبعة التي تلت ظهور الإسلام.

وقد كان المنطلق في التأسيس للعلم الجديد هو نقد الروايات التاريخية من الناحية المنهجية، فسعى لتحويل التأريخ من فن شعبي يتداوله العامَّة ويوظفه السلاطين إلى علم تحقيقي لا يتصدى له غير المختصين، فكان ابن خلدون سبَّاقًا إلى التمييز المنهجي بين التفكير الشعبي والتفكير النخبوي في مجال التاريخ والاجتماع، وهو السعي الذي كان جسرًا إلى اكتشافه للعلم الجديد، المختلف عن المنطق العقلي والخطابة السياسية، وهو ما يمكن أن نسميه بتأسيس الاستدلال في المسائل الاجتماعية، بمعنى أن ابن خلدون تصدى لمهمة التمييز بين الآراء الشخصية والذاتية والآراء العلمية الموضوعية في مجال متاح للجميع الكلام فيه، لكونه مرتبطًا بشكل وثيق براهن حياة الناس.

لذلك فإن السبب وراء عدم اكتفاء ابن خلدون بصياغة منهج علمي خاص بالتاريخ، هو محاولته الوصول إلى قصده الدفين، وهو الفصل في المسائل الأكثر راهنية وحيوية، بما هي مسائل الواقع الاجتماعي الحي، وهي دراسة الوقائع الاجتماعية بطريقة التزامن لا بطريقة التتابع؛ لأن التزامن -وهو منهج علم العمران- يتيح للدارس الغوص في الحدث أو الظاهرة الواحدة بقصد الكشف عن الملابسات والتفاصيل والقصود التي تنطوي عليها، بينما طريقة التتابع -وهي منهج علم التاريخ- ستشغل الباحث بالعناية بربط الأحداث بعضها ببعض بشكل كمي، بعكس التزامن الذي يتيح الإحاطة الكيفية بالموضوع.

من هنا تأتي ميزة العمل الخلدوني في استكشاف العلم الجديد، إذ كان اكتشافه لعلم العمران مختلفًا عن اكتشاف اليونان لعلم المنطق مثلًا، كما كان مختلفًا أيضًا عن اكتشاف المسلمين لعلم الأصول، ذلك أن التفلسف اليوناني يتطلب علمًا (آلة)، هو المنطق الذي سيميز المتمكن فيه بالتفلسف السليم عقليًّا، كذلك فإن التضلع في علم الأصول سيميز صاحبه بالفقه السليم شرعيًّا.

كما أنه من المعلوم أيضًا أن الفلسفة وإن كانت مرتبطة بشؤون الحياة البشرية، فإنها ليست ذا ارتباط مباشر بقضاياها الحية، وكذلك علم الفقه أيضًا مرتبط بالكثير من شؤون الحياة لكنه لا يرتبط بها بشكل حي ومباشر، وعليه فليس من المبالغة القول بأن علم العمران -إضافة إلى تميزه كونه علمًا للواقع الفعلي الحي- يتضمَّن أيضًا العلوم الثلاثة: التاريخ والمنطق والفقه، وإذا أضفنا ما يُعرف اليوم بعلم الإعلام، بوصفه من مشمولات الواقع الاجتماعي قديمًا وحديثًا، يكون علم العمران هو العلم الخامس الذي يحتوي تلك العلوم، سواء في جانبها النظري بوصفها من معطيات العمران، وهو ما يُسمَّى اليوم بعلم اجتماع المعرفة أو علم اجتماع  العلوم، ويحتوي أيضًا جانبها العملي، وهو ما يُسمَّى اليوم بعلم اجتماع الحياة اليومية التي هي تشكيل من السرديات التاريخية التي تحدد المعايير والقيم والأفعال والسلوكيات المنطقية الخاضعة للتشريعات والقوانين الوضعية والدينية، فضلًا عن كون الإعلام بمثابة المرآة العاكسة لكل ذلك التشكيل؛ فجاء علم العمران بمثابة الخلاصة التي شملت جميع جوانب الحياة الإنسانية وما أفرزته من علوم نظرية، حتى يكاد يكون علمًا لجميع العلوم، قدَّم عن طريقه ابن خلدون جردًا شاملًا للحياة الاجتماعية لعصره وفي مجاله الجغرافي-الثقافي.

وقد ترك ابن خلدون أتباعًا أحيوا نهجه من بعده، خاصةً في مصر التي مكث فيها متفرغًا للعلم، إلا أن الخلدونية في مصر عرفت نكوصًا في مصر خلال العصر الحديث، ويمثِّل طه حسين نقطة التحوُّل في هذا النكوص، وذلك عبر دراسته التي سعى فيها إلى تجريد ابن خلدون من كل إبداع وتميز علمي ونظري، بل تعرض له أخلاقيًّا أيضًا[17]، على أنه بعد عقد من ظهور دراسة طه حسين حاول السوسيولوجي العراقي علي الوردي ردَّ الاعتبار بشكل نسقي للاجتهاد الخلدوني في كتابه "منطق ابن خلدون"[18]، إلا أن استئناف ابن خلدون -في ظل الظروف العلمية والعملية التي يعرفها العالم العربي في تلك الحقبة، حقبة الاستعمار وما بعدها- لم يكن ليحدث بالشكل المطلوب واللائق؛ بينما كانت أوروبا قد استلمت راية الإبداع والتجديد العلمي، لذلك سنحاول في المبحث الموالي استكشاف الشخصيات التي استأنفت النهج الخلدوني في أوروبا. 

منطق ابن خلدون
      1. الفكر الاجتماعي عند جون بودان

من المهم إذن ملاحظة أن الاجتهادات العقلية التي واصلت العمل الخلدوني بشكل شبه مباشر قد ظهرت في أوروبا، حيث المعلوم أن ابن خلدون توفي قبيل الفترة التي عرفت فيها أوروبا عصر التنوير والنهضة الفكرية، لكن دون ادعاء الاطلاع المباشر للأوربيين على "المقدمة" التي تُشكِّل أهمَّ ما ترك ابن خلدون على الإطلاق، فإننا نجد أنه بعد قرن وثلث القرن ظهرت محاولات المفكر الاجتماعي الفرنسي جون بودان، خاصةً عبر الأفكار التي طرحها في كتابه "المنهج الميسر في معرفة التاريخ"[19]، الذي يمكن اعتباره تاريخيًّا الواسطة التي نقلت الروح الخلدونية من العصر الوسيط إلى العصر الحديث، فقد كان -في نظرنا- الواسطة الفكرية التي ربطت بشكل وثيق بين علم العمران الخلدوني وعلم الاجتماع الحديث، ذلك ما يثبت أبوة بودان للفكر الاجتماعي الحديث كما سيتضح في الأفكار التالية[20]:

  1. وجد في "فكرة النظام" أكثر الأشياء متعة في العالم، وأنها أعظم ما يوقظ الروح الإنسانية.
  2. اعتمد الملاحظات التجريبية الدقيقة بديلًا عن الاعتماد التام على حكمة القدامى ونظرياتهم.
  3. قال بضرورة تصنيف الشؤون الإنسانية إلى أصناف، وذلك لتجاوز الغموض والاعتماد المحض على الذاكرة في الرواية التاريخية.
  4. رأى أن الإرادة هي سيدة أفعال الإنسان، لذلك فإن القوانين الخفيَّة هي التي تحكم الاجتماع البشري وتطوره، ولم ينفِ دور الإرادة الإلهية في الحياة الاجتماعية والسياسية.
  5. سعى إلى تحليل التاريخ البشري لاستخلاص العِبر وتأسيس علم للسياسة، وبذلك تجاوز خطاب الإنسانيين ذوي النزعة الوعظية والحالمة.
  6. اقترح بودان نظريةً للتاريخ العالمي تقوم على دراسة التطور الحضاري للبشر، حيث تخلَّى عن طريقة تعامل القدامى مع التاريخ، وادعى أيضًا أنه أسَّس علم اكتساب القوة والاحتفاظ بها.
  7. تجاوز بودان في كتابه نبوءات آخر الزمان الدينية، وتبنَّى بدلًا منها مفهومًا تداوليًّا للتاريخ، إذ بملاحظة بعض القوانين الثابتة في الطبيعة يمكن اكتشاف طريقة التحول الدورية الدائرية للمعايير والقيم والمبادئ.
  8. العامل الجغرافي تأسيسيٌّ عند بودان، خاصةً ما تعلق بالتأريخ والقص التاريخي، بحيث اكتشف في الجغرافيا نموذجًا لتمثل التاريخ العالمي الذي يقصد به مجمل العالم المأهول.
  9. كانت الغاية من كتابه الأساسي "المنهج الميسر في معرفة التاريخ" جعل علم التاريخ في صلب مشروع فلسفي جامع للمعرفة.

وقد انتهى بودان إلى التمييز بين علم التاريخ وعلم تتابع الأحداث التاريخية، الأمر الذي يكشف بوضوح عن مشروع بودان، وهو تحويل علم التاريخ ومعرفة الأحداث التاريخية إلى علم عقلي ومنهجي، وهو المسعى الذي يتطابق مع سعي ابن خلدون، بل إننا نجد في النقاط التي عرضنا فيها لأهم أفكار بودان تطابقًا كبيرًا بين سعي الرجلين، بدءًا بصياغتهما لمفهوم التاريخ العالمي بكونه المدخل إلى تأسيس علم شامل وتجاوز الطريقة السردية للتاريخ وقص أحداثه، مرورًا بقوله بأهمية الجغرافيا في تحديد طبيعة المجتمع، وانتهاءً بتحليله لمبادئ القوة السياسية، والأهم من ذلك كله هو اتفاقه مع ابن خلدون في القول بفاعلية الإرادة الإنسانية في التاريخ دون نفي تدخل الإرادة الإلهية.

وبالنظر إلى الفترة التي عاش فيها بودان (القرن السادس عشر)، والأفكار الريادية التي طرحها في مجال التاريخ والاجتماع البشريَّيْن، فإننا لا نجانب الصواب بالقول بأبوة بودان لمجمل الفكر الاجتماعي الحديث الأوروبي اللاتيني والجرماني والساكسوني[21]، فقد وُصِفَ بأنه شخصية غير عادية تميزت بسعة اطلاع هائلة أفضت به إلى إصلاح عميق لكتابة التاريخ، وإعادة صياغة فكرة القانون، فضلًا عن صياغته للمفاهيم السياسية للعصور الوسطى وعصر النهضة[22].

وعليه، فلا شكَّ أن لبودان أثرًا كبيرًا في مفكري العقد الاجتماعي: مونتيسكيو ولوك وهوبز وروسو، وتبعًا لذلك تأثيره في المفكرين الاجتماعيين: كونت وسبنسر وشافل، وصولًا إلى علماء الاجتماع الأوائل: دوركايم وزيمل وباريتو، ليكون الرابطة الفكرية التي نقلت الروح الخلدونية من الفضاء الفكري والاجتماعي العربي الإسلامي، ولو بشكل مجازي، إلى الفضاء الثقافي الأوروبي اللاتيني وغيره، إذ يمكن اختصار التأثير البوداني في مقولات مركزية وأساسية:

  1. تأسيسه لمقولة "النظام" القائم على مبدأ القوة الدنيوي، وقوله بفاعلية الإرادة الإنسانية في التاريخ بديلًا عن مقولة الحق الإلهي في الحكم، التي أفضت إلى مقولة العقد الاجتماعي.
  2. مقولة الأثر الحاسم للعامل الجغرافي في تحديد طبيعة المجتمعات، وكذا عدم نفي تأثير الإرادة الإلهية في التاريخ، وانتهاء بفكرة التاريخ العالمي المفضية إلى فكرة تأسيس علم سببي للمجتمع البشري.
  3. مقولة أن التاريخ ليس مجرد سرد كرونولوجي تتابعي للأحداث، واعتماد الملاحظة التجريبية الدقيقة، ثم ضرورة تصنيف المجالات الإنسانية، التي أفضت إلى محاولات التأسيس لعلم الاجتماع.

وهي الأفكار التي تُعَدُّ استمرارًا للخطوات الخلدونية، فقد تقدَّم أن ابن خلدون سبق إلى فكرة "العقد الاجتماعي" بقوله بأن السلطة تتأسس بواسطة الفكر والسياسة، نافيًا فكرة "الحق الإلهي" في الحكم عبر دحضه لزعم ارتباط النبوة بالسلطة ومقولة التكليف الإلهي في الحكم؛ أما ما اشترك فيه بودان مع ابن خلدون فهو قولهما بالتضايف بين الإرادتَيْن الإلهية والإنسانية في الفعل التاريخي، التضايف التي تحوَّل إلى تنافر شديد في التقليد اللاتيني ومسكوت عنه في التقليد السكسوني بعكس ما حصل في التقليد الجرماني الذي استمرَّ فيه التضايف بفضل الإسهام المنطقي الهيغلي الذي أقحم "البُعْد التأملي" فيه، وعلى المنوال ذاته نسجت التقاليد الجرمانية في الفكر الاجتماعي وعلم الاجتماع كما سيتبيَّن لاحقًا في تتبُّعنا لتطور النظرية الاجتماعية.

      1. الفكر الاجتماعي عند جورج زيمل

امتدَّ التماثل الفكري ليصل بين ثلاث شخصيات: ابن خلدون وبودان وزيمل المؤسس الرسمي لعلم الاجتماع الألماني كما سأبيِّن ذلك، وذلك في مقولة العلم المنهجي، ذلك أن فكرة علم العمران هي في الجوهر اكتشاف لمنهج بحث، أكثر من كونها اكتشافًا لموضوع بحث، على أن ابن خلدون -كما تبيَّن- أثبت موضوع علمه، رغم قوله بأن إثبات موضوع العلم هو من التفضل لا من الواجب، وذلك في قوله: "تقرر في الصناعة المنطقية أنه ليس على صاحب علم إثبات الموضوع في ذلك العلم، فليس أيضًا من الممنوعات عندهم، فيكون إثباته من التبرعات"[23]، ومقابل ذلك خصَّص ابن خلدون فصلًا في بيان المنهج، منهج التعامل مع الأخبار التاريخية[24]، كما خصَّص لذلك بودان كتاب "المنهج الميسر في معرفة التاريخ"، بحيث يمكن تلخيص المنهج الذي اقترحه بودان في نقطتين أساسيتين: أ- تأسيس النظر إلى التاريخ على البُعْد المكاني الجغرافي بوصفه العامل الحاسم في تحديد طبيعة الأحداث التاريخية. ب- بناء الرؤية العالمية للتاريخ والنظر وفقًا لها إلى التواريخ المحلية الخاصة[25]. وعليه، فقد استهدف -كما تقدَّم- جعل علم التاريخ في صلب مشروع معرفي جامع.

 

وعلى منوال السابقَيْن عرَّف زيمل علم الاجتماع بمنهجه لا بموضوعه، فقال بضرورة تجاوز التفسير التاريخي للأحداث تفسيرًا ينطلق من الفرد، والتفسير الذي ينطلق من الغيب، واقترح فهم "الظواهر التاريخية انطلاقًا من التفاعل والتعاون بين الأفراد، ومن تجميع وتكرار مساهمات فردية لا حصر لها، ومن تجسد الطاقات الاجتماعية في بنيات توجد وتتطور خارج الأفراد"[26]. وعليه، ذهب زيمل إلى أن علم الاجتماع يُعَدُّ منهجًا جديدًا ومساعدًا على البحث، وأداة لمقاربة مجالات مختلفة يتضمَّنها التفاعل والتعاون بين الأفراد في المجالات الاجتماعية: ثقافية واقتصادية وأخلاقية؛ إذ بهذا التعريف للمجتمع نشعر أننا عبرنا -مع زيمل وبفضله- بين ثلاث حقبٍ زمنية مختلفة إبستمولوجيًّا، هي: زمن ابن خلدون، وزمن بودان، والزمن الحديث مع زيمل، لكن بالاحتفاظ بجوهر واحد هو التأسيس لعلم منهجي شامل، أشبه بالاستقراء حسب زيمل.  

إذ شبَّه زيمل علم الاجتماع بالمنهج الاستقرائي العابر للتخصُّصات العلمية، إذ لم يكن الاستقراء علمًا خاصًّا ولا مستقلًّا بظواهر بعينها، تمامًا مثل علم الاجتماع الذي لم يختص بظواهر بعينها، لكنه في الوقت ذاته يسعى لفهم الإنسان ككائن اجتماعي، وأن المجتمع هو المجال الحاضن لكل الواقعات التاريخية، فهو يقترح "طريقة جديدة" لدراسة كل تلك الظواهر التي لها علومها التي تدرسها، فعلم الاجتماع حسب زيمل هو منهج نظر وليس علمًا في حد ذاته، وإن تسويغ علم الاجتماع كعلم لا يتطلب منا اكتشاف موضوع جديد كان مجهولًا من قبل[27].

لكن ورغم تأكيده على الطابع المنهجي لعلم الاجتماع، فإن زيمل سيقدِّم تعريفًا بموضوع علم الاجتماع، ليس بوصفه موضوعًا مستقلًّا لكنه كحالة تفاعلية للأفراد فيما بينهم، فما نسميه حسب زيمل موضوعًا بالمعنى الواسع هو: "مركب من التعريفات والعلاقات التي يمكن لكل واحدٍ منها أن تصبح موضوع علم خاص" حتى وإن كانت تظهر مُشتَّتة بين مجالات اهتمام مختلفة[28].

فالملاحظ أن زيمل مع اتفاقه مع دوركايم بخصوص كون المجتمع عبارة عن "بنية توجد وتتطور خارج الأفراد"، كما سبق أن أوردنا مما ذكره زيمل نفسه، فقد تجاوز مسألة إثبات أن لعلم الاجتماع موضوعًا مستقلًّا خاصًّا به، وابتعد عن ادعاء اكتشاف موضوع جديد لم يُسبق إليه، وهو ما كرَّس له دوركايم أغلب جهده الفكري، كما سبق أن تبيَّن بداية هذا البحث، وعلى العكس فإن نفي اختصاص علم الاجتماع بموضوع مستقل بذاته شكَّل نقطة الانطلاق في تعريف زيمل للعلم، إذ يمكن اعتبار موقف زيمل محررًا من "عقدة التخصُّص"، إلا أن هذا التحرير يتطلب تقديم بديل مُقنِع يحفظ لعلم الاجتماع هويته العلمية، وإذا استبقنا الحكم بأن كلا الرجلين (دوركايم وزيمل) يعتبران من الاتجاه نفسِه بخصوص الدفاع عن علمية علم الاجتماع، كما أقرَّ بذلك جوناثان تيرنر ولو بتحفُّظ[29]، سألنا عن الطريقة التي سعى بها زيمل لإحقاق العلمية في علم الاجتماع؟

في سياق تعريفه بموضوع علم الاجتماع، يشترط زيمل أن على علم الاجتماع إذا أراد الاختصاص بموضوعه عدم الاكتفاء بالتجميع الخارجي للظواهر، وأن يحاول إخضاع المعطيات السوسيوتاريخية لتجريد وتنظيم جديدين، إذ لا بدَّ من اعتبار أن المعطيات السوسيوتاريخية تسير مجتمعة، بعد أن كانت منقسمة من قبل في تركيبات أخرى لتكون موضوعًا لعلم واحد، وهذا يقتضي التمييز -حسب زيمل- بين شكل المجتمع ومضمونه.

أولًا: يتشكَّل المجتمع عند زيمل بمجرَّد انخراط عدَّة أفراد في تفاعل، حيث يحصل الانخراط بسبب دوافع وغايات يسعى الفرد في تحقيقها ضن علاقات العيش المشترك لممارسة التأثير في الآخرين وكذا التأثُّر بهم؛ إن نواة المجتمع تتجسد في الوحدة التفاعلية للأفراد المدفوعين بدوافع وغايات للانخراط في التفاعل، "فالوحدة التفاعلية ليست شيئًا آخر غير تفاعل عناصرها"[30]. وعليه، فإن وثاقة الوحدة التفاعلية تُقاس بدرجة التأثير والتأثُّر بين الأفراد المتفاعلين، بحيث تختلف درجة التأثير المتبادل باختلاف كثافة التفاعل وقوته في الزمان والمكان، فينتهي زيمل إلى تقسيم عملية التفاعل التي هي ذاتها العملية التي يتحقَّق بها المجتمع ويوجد بشكل فعلي كما يلي[31]:

  • مضمون المجتمع: الدوافع والمصالح والتوجهات وحتى الحالات النفسية التي تتحكَّم في الفرد وتحيط به، والتي بها يدخل في عمليات التأثير المتبادل مع الأفراد الآخرين، هي التي تُشكِّل مضمون المجتمع أو مادته، لذلك فإن مضمون المجتمع عند زيمل يعني جملة المعطيات النفسية والعقلية للفرد وهو منخرط في تفاعل مع بقية البناءات النفسية والعقلية للأفراد الآخرين.
  • شكل المجتمع: إن المضامين التي تتمثَّل في الدوافع والغايات وغيرها لا تكون اجتماعية إلا بدخول حامليها -وهم الأفراد- في تفاعل فعلي، فالاجتماع لا يحصل إلا عند دخول الأفراد في تفاعل، والتفاعل لا بدَّ له من شكل معيَّن يتشكَّل من طريقة التفاعل وكيفيته، فهو الصورة التي تجعل التأثير التفاعلي المتبادل ملموسًا وتجريبيًّا يمكن ملاحظته من خارج.

وعليه، فإن المضمون والشكل الاجتماعيَّيْن يشكلان معًا ما يمكن تسميته بـ"الظاهرة الاجتماعية" التي تتجسد على نحو ملموس واقعيًّا، فلا يمكن فصل الشكل عن المضمون، ولا يمكن للمضمون أن يوجد دون شكل، ومن ثم فإذا أردنا أن يوجد علم يكون موضوعه المجتمع، فسوف يكون موضوعه التفاعل الاجتماعي الذي يمكن ملاحظته عبر أشكاله، أي إن موضوع علم الاجتماع هو شكل المجتمع بعد فصله عن مضامينه، وذلك في نظر زيمل الأساس الوحيد الذي يجعل إمكان قيام علم نوعي خاص بالمجتمع أمرًا ممكنًا[32].

إن تحديد زيمل الأخير بأن موضوع علم الاجتماع هو شكل المجتمع بعد فصله عن مضمونه، أو بعبارة أخرى الاهتمام بالشكل دون المضمون، يعني أنه لا سبيل إلى اكتشاف المضامين التي تبقى حقائق باطنية ما لم تتمظهر في شكل اجتماعي تجريبي وملموس عن طريق التفاعل، وهنا يكون زيمل أقرب إلى المنهج السلوكي من حيثُ عنايته بالتأثير والاستجابة والملاحظة بشكل عيني ودقيق، بل ويكون أكثر قربًا من مدرسة الجشطلت من حيث انطلاقها من الأشكال الحسيَّة الملموسة للوصول إلى استكشاف الماوراء غير الملموس، وهو ما يؤكد في الأخير تصنيف تيرنر لزيمل بأنه من روَّاد الدفاع عن علمية علم الاجتماع، أي بوصفه من أنصار النزعة التجريبية أو على الأقل من القائلين بضرورة الانطلاق منها.

وبعد عرضنا لآراء زيمل بوصفها امتدادًا -ولو نسبيًّا- للفكرة المؤسسة لعلم الاجتماع البشري عند ابن خلدون وبودان، وبقائه ضمن سياق مناقشة علمية علم الاجتماع التي اتضحت أنها ليست حكرًا على النزعة الوضعية، ذلك أن النزعة التفاعلية هي أيضًا -باشتغالها على الأشكال الاجتماعية الظاهرة للعيان والمتجلية للحس- ستدخل ضمن الاتجاه العلمي في علم الاجتماع، على أن النزعة التجريبية عمومًا نجدها دائمًا حاضرة في جميع النظريات الاجتماعية الحديثة منها والمعاصرة، لكنها تحضر بشكل مختلف، وكمثال على ذلك نأخذ فكرة وليم دلثاي مثلًا عن "التجربة المعيشة"، فهي رغم كونها تجربة تبتعد عن التصور العلمي التجريبي الشائع والسائد، فهي لا تندرج ضمن نظام: فرضية وتجربة واستنتاج، لكنها تُعنى باستخدام ما هو أقرب إلى الحس الشعوري الغامض الذي تتأسس عليه قناعات واستدلالات يقول الفكر التجريبي الكلاسيكي عنها إنها غير علمية؛ لأنها غير دقيقة وتقوم على تجارب ذاتية خاصة لا يمكن تعميم طرق الوصول إلى الحقائق التجريبية فيها؛ وعليه أمكن القول بأن الافتراق الرئيس في النظرية الاجتماعية يقوم على كيفية تصور التجريب والاستقراء في علم الاجتماع، إضافة إلى الغايات المباشرة والبعيدة من الممارسة السوسيولوجية في حدِّ ذاتها، وهو ما سنحاول بيانه في المبحث الموالي.

  1.  تطور النظرية الاجتماعية الحديثة والمعاصرة

انقسم التنظير الكلاسيكي حسب جوناثان تيرنر إلى ثلاثة مواقف كما يلي[33]:

  • الموقف الذي تصور إمكان أن يندرج علم الاجتماع ضمن العلوم الطبيعية، بحيث يكون هدفه الكشف عن القوانين التي تحكم الاجتماع البشري، ويُعَدُّ كل من دوركايم وزيمل ممثِّلين لهذا الاتجاه.
  • الموقف الذي أكَّد على أن تكون النظرية الاجتماعية -ومنها علم الاجتماع- مصدرًا لنقد المجتمع ودعوة إلى العمل من أجل تغييره أو إصلاحه، وهو الذي يمثِّله ماركس.
  • الموقف الذي وجد أن مهمة علم الاجتماع هي تفسير الأحداث من منطلق تجريبي يهدف إلى تصنيف الظواهر الفعلية على أساس نماذج تحليلية ناتجة عن الملاحظة التجريبية ذاتها، وهو الاتجاه الذي يمثِّله فيبر.

ويعتقد تيرنر أن تلك المواقف ما تزال موجودة إلى اليوم؛ إذ توجد أقلية من الاتجاه الوضعي تسعى لتطوير مبادئ علمية عامة ونماذج شاملة للعمليات الاجتماعية، والماركسيون الذين يستمرون في استخدام النظرية لتحليل نظام الهمينة القائم ونقده، أما ورثة مدرسة فرنكفورت الذين جمعوا بين تحرُّرية ماركس وتشاؤمية فيبر فيسعون إلى بناء نماذج تحليلية لكشف أنماط الهيمنة، بينما يستهدف منظرو النُّظُم العالمية الذين يأخذون التحليل الماركسي في شموله ويحللون الرأسمالية وينتقدونها على المستوى العالمي.

أما ما بعد الحداثيين فيقدمون نقدًا مزدوجًا، يقوم على نقد العلم واعتباره نظرية فاشلة، ونقد الرأسمالية كنظام مدمر لكل شيء بما فيه الإنسان، وعليه فإن العدد الأكبر من المنظرين من أصحاب النزعة الشكيَّة في العلم يبنون "نماذج تحليلية" لتفسير الأحداث الجارية، إذ رغم اختلاف نماذجهم التحليلية الخاصة بهم فإنهم متفقون على تصورهم للنظرية كمشروع تفسيري يستخدم نظامًا مفاهيميًّا لتصنيف الظواهر المهمة[34].

ولما كان تونيز يعتبر أن فهم العالم لا يمكن أن يحصل فقط بواسطة الفكر الفلسفي، قرَّر أن علم الاجتماع الوصفي، أو السوسيوغرافيا، هو العلم الحاسم في فهم الواقع الاجتماعي، لذلك اعتبر أن علم الاجتماع المفاهيمي -النظري والتطبيقي- غير ممكن من دون علم الاجتماع الوصفي، وهو من جهة أخرى سعي منه لتحقيق التكامل بين الاستدلال العقلي والاستقراء التجريبي

يفتح التقرير الذي نقلناه عن جوناثان تيرنر النقاش حول مشكلة عدم اتفاق علماء الاجتماع حول هوية فنِّهم، هل هو:

  • علم من العلوم الطبيعية السببية التي يكتفي أصحابها بالبحث المحض عن الحقيقة التجريبية وكشفها، دون النظر في مآلات تلك الكشوف النظرية التي يتوصل إليها، بحيث يكون غرض عالم الاجتماع معرفيًّا صرفًا، والغاية هي تقديم الأجوبة البحثية والمرور بها إلى أسئلة تالية، وهكذا دواليك، وهذا ما يعطي الطابع الوظيفي للباحث الاجتماعي، بما قد يؤثر في المهمة النقدية لعلم الاجتماع، مقابل العمق النظري الذي يكفله التفرغ والانغماس في البحث، مع التسليم بأن المهمة العملية يضطلع بها المنفذون وصنَّاع القرار.
  • أم هو علم نقدي يسعى للإصلاح والتغيير، إذ مع التسليم بضرورة قيام علم الاجتماع على الحقائق التجريبية السببية التي يقتضيها الموقف العلمي، فإن ذلك يُعَدُّ في عرف التوجُّه النقدي نصف الطريق، وأن الممارسة السوسيولوجية الكاملة تقتضي المرور إلى تغيير الأوضاع وإصلاحها، وبمعنى آخر ضرورة الدخول في مسار نضالي، سواء كان أكاديميًّا نظريًّا أو اجتماعيًّا-سياسيًّا عمليًّا، وهذا يعني بالضرورة أن المعرفة البحثية الصرفة كافية في حدود دنيا من أجل المرور إلى التنظير والتخطيط لإيجاد الحلول العملية، ومن ثم النزول إلى الميدان لإحقاق الصواب.
  • أم هو علم فهمي للأحداث الاجتماعية، يستند إلى الملاحظات الميدانية المباشرة للباحث الاجتماعي، وكذا النماذج التحليلية المسبقة التي تصاغ استنادًا إلى الملاحظات التجريبية المباشرة للواقع الاجتماعي التي تُشكِّل البديل للباحث عن الارتباط الدائم بالمدونات، والتجربة هنا بمعنى المعايشة الكيفية الحية للواقع وربطها بالأطر العقلية المسبقة المعلنة في الواقع أو التي يشكلها الباحث بنفسه، وهذا ما يعطي الطابع التفريدي للبحث الاجتماعي، فرغم أن هذا الاتجاه يقرُّ جزئيًّا بالإجراءات العلمية السببية فإنه يعتبر أن إقحام المنظور الذاتي في البحث ضروريٌّ لاستكشاف الحقائق الاجتماعية بالعمق والتفصيل المطلوبين.
  • أم هو تشخيصي علاجي مباشر للواقع والأزمات الاجتماعية، حيث الغرض هو تقديم التشخيص الصحيح لجزئيات الحياة الاجتماعية اليومية والمديدة على المستويين الأصغر والأكبر، الميكرو والماكرو، وذلك من خلال معاينة تجريبية مباشرة تعتمد المعطيات الكمية والكيفية الدقيقة للواقع المعاين، بحيث الغاية هي تقديم التشخيص الصحيح أولًا للحالات المدروسة أو المعاينة، ومن ثم السعي لتقديم العلاج المناسب أيضًا، فيكون الهدف هنا هو إما علاج أزمة معينة باعتبارها حالة مرضية، أو معتلة بعبارة دوركايم، وإما العمل على تطوير تلك الحالة من حسن إلى أحسن، سواء لتخطي سلبيات الحالة القديمة أو ابتكار تخطيط وتصميم جديد لها، وهذا الإطار التصوري لعلم الاجتماع يُقرِّب علم الاجتماع من التصور الإكلينيكي منه إلى علم نظري، بحيث تتوقف جودته على مدى خبرة وعلم المعالِج نفسه، ومدى إحاطته بالحالة التي يدرسها نظريًّا وعمليًّا.

وعليه، أمكن القول بأن التطورات التي شهدها علم الاجتماع عامَّة وفي النظرية الاجتماعية خاصَّة حصلت ضمن التصنيف الرباعي المتقدِّم، وهو تصنيف -كما سأبرهن- متداخل ومتشابك بشكل كبير، كما أنه لا يقوم على تتابع زمني[35]، ذلك أن كل صنف عرف تطورات داخلية، سأكرِّس لها ما بقي من هذا البحث، أعني أني سأتتبَّع ما حصل من تطور داخل كل صنف بطريقة كرونولوجية، مع بيان التداخل والتخارج في كل نظرية، وذلك استنادًا إلى أمثلة مفاهيمية من كل إطار نظري لتقريب صورة التطورات الحاصلة.

ولتأسيس التصنيف المتقدِّم نعود إلى تصنيف أحد المؤسِّسين المهمين لعلم الاجتماع، وهو فرديناند تونيز الذي قسَّم الممارسة السوسيولوجية إلى صنفين: علم الاجتماع المفاهيمي وعلم الاجتماع التجريبي، حيث قسَّم علم الاجتماع المفاهيمي إلى قسمين: علم الاجتماع النظري وعلم الاجتماع التطبيقي، كما يلي[36]

  • علم الاجتماع النظري: ذو طابع نظري صرف يعتمد الاستدلال العقلي، ويُعنى بتعريف المفاهيم والصور الاجتماعية المرجعية، انتهاءً إلى إنتاج النظريات الاجتماعية، ومثاله التعريف الأساسي الذي قدَّمه تونيز للمجتمع والمجتمع المحلي، باعتباره تمييزًا نظريًّا يشمل جميع أنماط المجتمعات الموجودة.
  • علم الاجتماع التطبيقي: ذو طابع اختباري يعتمد الاستقراء التجريبي، ويُعنى بتحليل المفاهيم والنظريات التي ينتجها علم الاجتماع النظري وسبر دقتها وصلاحيتها من خلال إسقاطها على الواقع التاريخي الفعلي؛ ومن خلال الارتباط بين علم الاجتماع النظري وعلم الاجتماع التطبيقي تنشأ نظرية عن تطوُّر المجتمع والتغيُّر الاجتماعي.
  • علم الاجتماع التجريبي: ذو طابع وصفي يعتمد الملاحظة الكمية والكيفية، ويسميه تونيز بالسوسيوغرافيا، ويتميَّز عن التوجهين النظري والتطبيقي بدراسة الواقع كما هو باعتماد طريقة الملاحظة والمقارنة.

وعليه، صنَّف تونيز علمي الاجتماع النظري والتطبيقي بأنه تخصُّص فلسفي، وقد قدَّم فيه إسهامه حول فلسفة الوجود الجماعي مميزًا له عن فلسفة الوجود الفردي، ولما كان تونيز يعتبر أن فهم العالم لا يمكن أن يحصل فقط بواسطة الفكر الفلسفي، قرَّر أن علم الاجتماع الوصفي، أو السوسيوغرافيا، هو العلم الحاسم في فهم الواقع الاجتماعي، لذلك اعتبر أن علم الاجتماع المفاهيمي -النظري والتطبيقي- غير ممكن من دون علم الاجتماع الوصفي، وهو من جهة أخرى سعي منه لتحقيق التكامل بين الاستدلال العقلي والاستقراء التجريبي؛ وبهذا يكون تونيز قد بنى نسقه السوسيولوجي على القطبين: قطب التأسيس المفاهيمي وقطب الملاحظة التجريبية، وهو يُقدِّم نفسه شخصًا مرجعيًّا يربط بين الفلسفة والعلوم الطبيعية[37].

إن الكاريزما النظرية التي ميزت تونيز هي أن تمييزه للأصناف الثلاثة لعلم الاجتماع كان الإطار الشامل الذي تأطرت فيه جميع النظريات التي ظهرت في علم الاجتماع بما فيها نظريات مجايليه من المؤسِّسين التي طغى عليها الميل النظري، بينما غلب الميل إلى الجانبين التطبيقي والنظري في النظريات التي تلت المؤسسين إلى غاية اللحظة، وهذا النزول من النظري إلى التطبيقي يُفسِّر القول بأن تاريخ النظرية الاجتماعية الحديثة هو تاريخ تشتُّت، بما هو انزياح من علم الاجتماع الكلي، أو ما يُسمَّى بالنظريات الكبرى التي ميَّزت جيل المؤسسين، إلى علم الاجتماع الجزئي الذي ميَّز نظريات الجيل الثاني وما بعدها، والذي تسمَّى بالنظريات الصغرى، أو المقاربات، لكون طموحه لم يكن تقديم نظرية عن كل شيء في العالم الاجتماعي، إنما تغطية جانب من جوانبها الكثيرة فحسب، فهو بقدر ما يمكن تفسيره على أنه نوع من "التواضع العلمي" والاعتراف بالقصور، إلا أنه قد يُرى من وجهة أخرى على أنه عجز عن مواكبة المؤسِّسين وروح عصرهم.

وإذا أضفنا إلى واقع التشتُّت حقيقة عدم اتفاق علماء الاجتماع على طبيعة علمهم، وجدنا أنفسنا فيما وصفه تيرنر بالتمايز المفرط في النظريات، إذ نجد اليوم عددًا كبيرًا من الأساليب التي تتنافس على مساحة الانتباه التي يمكن أن تختزل في أفضل الأحوال إلى سبعة مناهج أساسية سائدة في ساحة النظرية الاجتماعية، وإن العمل على اختزالها إلى أكثر من ذلك أمر صعب؛ نظرًا لأن كل وجهة نظرٍ نظرية تمتلك قاعدة موارد من أتباعها وأوساطًا أكاديمية تعتنقها وسلسلةً من دوريات ومنشورات تابعة لها، لذلك فإن أحد أسباب التمايز المفرط هو اعتماد مصادر جديدة عند نشأة أي تقليد نظري جديد، بما يسمح للعلماء وطلابهم بالعمل دون حاجة إلى تبرير أهميتهم مقابل النظريات الأخرى، خاصةً أن النظرية الاجتماعية قد تخلَّت عن شرط اختبارها التجريبي[38].   

وعليه، يُبيِّن هذا العرض السريع لبداية النظرية الاجتماعية ونهايتها الإطار الإشكالي الذي يقوم عليه علم الاجتماع، الذي هو في الواقع إطار نظري، لا يقدح في العائد العملي لتلك النظريات، بل لا نجانب الصواب إذا قلنا بأن استجابة علماء الاجتماع للمطالب العملية للمنفذين رسميين وغير رسميين، بما هي في النهاية تجاوب مع السياق التاريخي العام للمجتمع والسياسية، هي التي نحت بالنظرية الاجتماعية إلى هذا المنحى المتشتت بداية وغاية، أعني عدم الاتفاق على طبيعة علم الاجتماع أولًا، وحالة الافتراق النظري الكبير التي يعرفها علم الاجتماع حاليًّا.

على أن الثابت في كل ذلك هو أنه مهما كان مسار النظرية واتجاهها، فإنها ما زالت تتيح المادة التي يطلبها المنفذون العمليون، وهذا ما يُبقي علم الاجتماع دائمًا في ريادة العلوم التي تُطلب نتائجها ويُستشار أصحابها بخصوص الجوانب العملية التخطيطية منها والتنفيذية، وهذا ما يكشف عنه منظور "تحليل النُّظُم الدولية" ورائده إيمانويل فالرشتاين في كتابه الذي يحمل نفس عنوان المنظور[39]، والذي يناقش فيه السياقات الخارجية الثقافية والسياسية التي أثرت في تحديد طبيعة علم الاجتماع وسياقاته النظرية.

إيمانويل فالرشتاين
                                                             إيمانويل فالرشتاين

يرى فالرشتاين أن العلوم الاجتماعية -ويقصد بها علوم التاريخ والسياسة والاقتصاد والاجتماع- رغبت في البداية أن تتخذ لنفسها موقفًا وسطًا بين العلوم والإنسانيات، لكن لما عجز علماء الاجتماعيات عن أن يصيغوا لأنفسهم منهجًا معرفيًّا ثالثًا، كانت النتيجة أن انقسموا إلى فريق مال إلى العلمية، وفريق آخر مال إلى الإنسانيات، الأمر الذي جعل من العلوم الاجتماعية في موقف تبدو فيه كالمشدودة إلى حصانين يسيران في اتجاهين متعاكسين، ما جعلها منشطرةً بينهما[40].

إذ استنادًا إلى بعض العوامل المتعلقة بالتوجيه السياسي للمعرفة العلمية التي تزعمتها الولايات المتحدة الأمريكية، ظهرت مشكلة إمكانية التوفيق بين الدراسات التفريدية (Idioghraphic)كدراسات جغرافية ثقافية لإقليم ما، والمقولات التعميمية (Nomothetic)، الأمر الذي انتهى إلى حل عبقري -حسب فالرشتاين- وهو مقاربة التطوير التي ترتكز على نظرية المراحل، حيث تفترض هذه المقاربة أن جميع الوحدات الاجتماعية المنفصلة قد تطورت بالطريقة نفسِها لكن بخطوات متباينة، وهو ما يعني أنها نظرية جمعت بين المنهجين التفريدي والتعميمي، مع افتراض أن جميع المجتمعات ستنتهي إلى صورة واحدة تقريبًا، وهو ما يعني أيضًا أن الدول المتقدمة تطرح نفسها نموذجًا للدول الأقل تطورًا، بحثِّها على نوع من المحاكاة والتقليد[41].

والمحصلة هي أن العلوم الاجتماعية اتخذت لنفسها موقفًا وسطًا بين الطبيعيات والإنسانيات، فغدت منشقَّة ينتهبها الصراع المعرفي، بين ثقافتين، وواقع الأمر هو أن الاختصاصات الاجتماعية الثلاثة: الاقتصاد السياسة والاجتماع، قد انحازت إلى حد كبير إلى المعسكر العلمي، وعدَّت نفسها حقولًا مستقلة بذاتها، بينما أعرضت الحقول الثلاثة الأخرى -وهي التاريخ والأنثروبولوجيا والدراسات الشرقية- عن العلمية، وجنحت إلى تصنيف نفسها في صف الإنسانيات[42].

فيتبيَّن مما تقدَّم تأثير السياق السياسي العام في التوجهات العلمية والنظرية، كما يطرح أيضًا في صلب الموضوع مسألة انشطار الإطار النظري للاجتماعيات عمومًا -ومنها علم الاجتماع- بين النزعة العلمية كما يتبنَّاها حاليًّا الإطار النظري الحيوي في علم الاجتماع، أو السوسيوبيولوجيا، والنزعة الأدبية التي يتبنَّاها حاليًّا الإطار النظري ما بعد الحداثي، فضلًا عن إشكالية التفريد والتعميم التي تُشكِّل عنصرًا أساسيًّا من عناصر الاختلاف النظري في علم الاجتماع، وانتهاء إلى أهم المسائل التي طرقها فالرشتاين، وهي علاقة النظريات بالواقع الذي تنتج فيه وإسقاطاتها على الدول النامية المستهلكة للمعرفة العلمية والسائرة في ركب اللحاق بالتطور. وتكفي هنا الإشارة لأهمية الفكرة، فهي ليست من صلب هذا البحث.

وبهذا نعود هاهنا إلى التفصيل فيما طُرح في بداية هذا المبحث، وهو تقديم صورة عامَّة عن تطور النظرية الاجتماعية من منظور النماذج الأربعة للنظرية الحديثة وتطوراتها وَفْقَ المخطط البياني التالي:

علم الاجتماع الدلالة والنشأة والتطور - رسم بياني

بداية، لا بدَّ من الإشارة إلى أن المخطط المقترح في تصنيف نظريات علم الاجتماع مخطط تقريبي، وذلك باعتبار التداخلات الموجودة بينها، فالسمة الأساسية التي تميز أحد الأصناف قد نجدها حاضرةً جزئيًّا في صنف آخر، فمثلًا السببية التي هي عنصر أساسي في النظريات ذات المنحى العلمي نجدها حاضرةً في النموذج التفسيري باختلاف درجة حضوره وتقديره أهميتها في مجمل النظريات التفسيرية.

وكما يتبيَّن من المخطط أيضًا، فإن العلاقة بين النظريات متواشجة ومتشاكلة، لكن في الوقت ذاته قد يخفي المخطط تفاصلات وتنافرات، مثل التنافر الموجود بين الاختيار العقلاني البراغماتي النزعة والظاهراتية ذات النزوع التجريدي المحض في تفسير العلاقات الاجتماعية، فلنمر إلى التفصيل في كل نموذج على حدة بوصفه غاية هذه المبحث وجوهر مضمونه.

    1. المنظور السببي التعميمي

يقوم العلم التجريبي على السببية بما هي استكشاف لعلاقات التأثير الفعلية بين الأشياء، ومن حيث هي علاقات شاملة عابرة للموجودات المادية وغير المادية، وإن كان جانب التأثير المادي فيما بين الموجودات هو الأكثر سوادًا وشيوعًا، فإن إثبات علاقات التأثير الرمزية يقتضي أن يكون ببرهان حسي تجريبي، بمعنى ألَّا يكون تأثير إنسان في موقف إنسان آخر واضحًا إلا بقياس الأثر العصبي والسلوكي، أي القياس التجريبي المادي للحالة الجسدية للتأثُّر قبل الدخول في التفاعل وبعده، وإن كان يمكن للملاحِظ أن يكشف تجريبيًّا كيف تغيَّر موقف فرد ما في تفاعل مع فرد آخر بعد المحادثة معه، حيث الدليل السببي على ذلك هو اختلاف منطوق الفرد المتأثر في الرأي قبل الدخول في المحادثة وبعده، ومع ذلك يبقى قياسًا تجريبيًّا ما دام التعرف إلى تغيُّر الرأي يتم بشكل مادي محسوس بالصوت الأثيري الذي حصل التعبير به عن الرأي قبل التفاعل وبعده، كما يمكن إسقاط المثال على الظاهرة الاجتماعية التي تتغيَّر مظاهرها ومعطياتها المتجلية للحسِّ ضمن مدة زمنية، فيحصل ملاحظة كم التغيُّر وكيفه الظاهر للحس لإقرار التغيُّر، أو حتى عبر منهج المقارنة الذي يمكن أن يُستعمل فيه القياس الحسي التجريبي لاستكشاف اختلاف حضور ظاهرة ما بين جماعتين مثلًا.

وعليه، فإن علم الاجتماع عند نشوئه الحديث قام على "رهان السببية" بشكل كبير في استكشاف الوقائع والظواهر الاجتماعية، فالوضعية التي استصحبت منظور العلوم الطبيعية التجريبي ركَّزت في تحقيق العلمية التامة في علم الاجتماع على هدف الوصول إلى القوانين الثابتة التي تحكم المجتمع الإنساني والظواهر الاجتماعية، والاقتصار في الاهتمام فقط على الجوانب الظاهرية، والتخلي عن دراسة العالم الذاتي للفاعلين وبحث معاني أفعالهم وقصودها باعتماد الملاحظة الخارجية والاختبار الحسي[43].

كما أكَّدت التفاعلية -من خلال رائدها زيمل- على ضرورة الانطلاق من الأشكال الاجتماعية للمجتمع الإنساني، حيث افترضت أن دخول الأفراد في التفاعل يقتضي أن يتخذ أشكالًا معينة تتميَّز عن المضامين الكامنة في باطن الأفراد، لذلك كان على الباحث الاجتماعي أن يقتصر على استكشاف الأشكال الاجتماعية التي تظهر مباشرةً للحس، ويمكن التجريب عليها؛ وعليه فإن الانتظام التفاعلي الخاص الذي يمكن لحاظه انطلاقًا من الأشكال الاجتماعية ليس سوى أداة علمية للتمييز بين الأشكال والمضامين الاجتماعية في مختلف الظواهر المعقَّدة، وأن هذا التمييز هو إجراء ضروريٌّ على المستوى المنهجي حتى وإن كانت الأشكال الاجتماعية الواقعية ذات خصوصية غير قابلة للتعميم[44].

ورغم قول زيمل بإمكان تفرُّد بعض الحالات الاجتماعية وعدم قابليتها للتعميم على المستوى الشكلي، وكذا اهتمامه بالمضامين الاجتماعية بتقريره أن تشابه الأشكال لا يعني تشابه المضامين، فإن بيت القصيد هنا هو بيان عنايته الكبرى بالمنطلق التجريبي العلمي في تفحُّص الأشكال الاجتماعية وتمييزها عن المضمون الذاتي.  

كما تجلَّى الجانب العلمي أيضًا في نظرية باريتو عن الرواسب، وذلك في قوله بشمول الرواسب لجميع البشر، باعتبارها غريزة ثاوية في التكوين البيولوجي للإنسان، وأنها تمارس دورًا حاسمًا في تحديد السلوك الاجتماعي للفرد، هذه النظرية التي أضحت رائدة وممهدة لظهور علم الاجتماع الحيوي، أو السوسيوبيولوجيا[45]، ذلك أن ظهور فكرة علم الأحياء الاجتماعي أو علم الاجتماع الحيوي شكَّل ثورةً داخل التقاليد الاجتماعية الكلاسيكية، التي عرفت عدم تقبل في بداياتها، خاصةً أنها صدرت من خارج مجال علم الاجتماع، إذ يعود سبق طرح فكرة علم الاجتماع الحيوي إلى البيولوجي الأمريكي إدوارد ويلسن الذي ظهرت أطروحته أول مرة سنة 1975م، وقدَّم فيها توليفًا بين بيولوجيا الخلية وفيزيولوجيا الأعصاب، إضافة إلى الإيثولوجيا والبيولوجيا السكانية والإيكولوجيا السلوكية وكذا علم النفس المقارن، حيث أتى ويلسن بمعظم الأدلة العلمية على أطروحته من عالم الحيوان، وهو ما لم يمكن لمعظم العلماء الاجتماعيين استيعابه، ولا استيعاب الصلة بين سلوك النمل وسلوك الإنسان على أنه صادر من أساس واحد[46].

على أن طريق غزو البيولوجيا للعلوم الاجتماعية افتتحه بافلوف بتجربته الشهيرة التي تربط بين السلوك اللاإرداي والحالة العصبية للكائن الحيِّ عبر تجربته الشهيرة على الكلب، أما في علم الاجتماع تحديدًا فقد فتح دوركايم إمكان الربط بين علمي الأحياء والاجتماع باستعارته لفكرة العضوية التي قسَّم بها الترابط في الجماعات الإنسانية إلى ترابط آلي شبه ميكانيكي وترابط عضوي شبه بيولوجي، وأكثر من ذلك تأسيسه لفكرة الوظيفة التي تسند إلى العضو (الجزء) داخل الجماعة (الكل)، وهي الفكرة التي كان لها امتداداتٌ داخل علم الاجتماع، والتي شكَّلت الأرضية الخصبة لتفسير الحياة الاجتماعية على أساس بيولوجي صرف كما فعل إدوارد ويلسن[47]، رغم أن مقدمات دوركايم والوظيفيين لم تكن تعني عندهم التحضير لتقبُّل علاقة فعلية ومباشرة بين علم الأحياء وعلم الاجتماع، وأيًّا كان فإن هذه الغزوة بقدر ما قد تهدِّد علم الاجتماع في استقلالية موضوعه، بقدر ما تزيد من منسوب العلمية فيه؛ لِما في علوم الأحياء من مصداقية علمية وثيقة.

وأخيرًا، فإنه لا يمكن إهمال علمية بعض الجوانب من النظريات التي صُنِّفت ضمن الأُطر النظرية الأخرى الثلاث، منها على سبيل المثال: مفهوم فائض القيمة في النظرية الماركسية، بوصفه مفهومًا علميًّا استكشفه ماركس بطريقة الملاحظة التجريبية والحساب الرياضي، كما أن مفهومه عن اغتراب العامل أمام الآلة كان نتيجة ملاحظاتٍ ميدانية حثيثة للعمَّال وأرباب العمل حين كان سكرتيرًا في أحد المصانع.

    1. المنظور الفهمي النموذجي

تعود أصول التعامل مع الوقائع والظواهر على أساس النمذجة التفريدية -مقابل الأساس التعميمي- إلى فكرة المنطق الخالص المجرد من كل عناصره الثانوية والهامشية، حيث يجد أساسه في فكرة العقل الخالص الكانطية، وكذا فكرة المدد القيامي الهيغلية بما هي تعبير عن حالة الخروج من المنطق الطبيعي إلى المنطق التأملي الذي يتجاوز الحجب الطبيعية للإدراك في لحظات صلة خاطفة حسب التعبير الهيغلي، وتلك هي الفكرة المؤسسة لظاهريات الروح عنده، حيث يُعبِّر فيبر عن الفكرة بوضوح حين وصفه لأحوال العالِم الإبداعية، بما هي حالاتٌ غير قصدية تحصل عند الباحثين والعلماء خلال ابتعادهم عن مخابرهم ومكاتبهم، وهذا ما يجعل من فكرة "النماذج المثالية" الفيبرية الإسقاط العلمي لفكرة المدد القيامي التي يحصل بفضلها افتكاك الحقيقة بطريقة تتسم بالفجائية والذاتية المحضة، على أن فيبر يؤكد أن الأفكار الإبداعية لا يمكن أن تحصل دون مقدمات ملموسة، إلا أن الاعتباطي فيها هو توقيتها وربما كيفها وكمها أيضًا.

لذلك فإن النمذجة التفريدية تتطلب من الباحث أن يقوم في كل مرة -أي عند كل بحث جديد- بصياغة "هيكل صوري" عن موضوعه، ينجزه بنفسه، وبشكل قصدي، وتتمثَّل العملية الرئيسة في اختزال العناصر الهامشية والثانوية واستبقاء الأساسي منها، حيث المعيار هو انتزاع العناصر الطارئة في الموضوع، وهي عملية فكرية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالواقع التجريبي لموضوع الدراسة.

فما يميز هذا المنهج هو الحضور الواضح للبُعْد التخيُّلي للهيكل الذي يتم إنشاؤه بشكل انتقائي -أقرب إلى المنهج الظاهراتي- أي إنه لا مفرَّ من حضور البُعْد اليوتوبي -كحلم واقعي- ضمن عملية النمذجة، وهو ما يجعلنا أمام علم اجتماع يسميه كالبيرج بعلم اجتماع "كما-لو"، كتعبير أقرب إلى الدقَّة في وصف فكرة النماذج المثالية التي تستند إلى عقلانية ذات خلفية أكسيولوجية بديلة عن العقلانية الاقتصادية[48]، التي ستظهر خاصة في الصنف الأخير من النظريات ذات التشخيص النفعي، حيث الخلفية النسقية (الأكسيولوجية) تتعامل مع مطلق الظرف، وذلك بعيدًا عن التحييز والتحيُّز داخل الأغراض والقصود الإنسانية التي لا تخرج في النهاية عن منطق الربح والخسارة، بينما يمكن القول إن التحييز الأكسيولوجي يشير إلى الوعي بالسياقات التاريخية والحضارية التي تعتبر في المنطق المثالي أعمق من المعطى الاقتصادي الظرفي وقاضية عليه.

ثمة ميل واضح من بودون إلى النماذجية، حيث يرى وجود إجماع على أن النماذجية -عند اعتماد شروط مثالية في تحقيق مناهجها- ستفضي إلى تطابق الدراسات ونتائجها مع الواقع المدروس للحالات والوضعيات التي تحمل دائمًا خصوصيتها، وهذا الابتعاد عن التعميم يفضي بنا إلى الاعتراف بأن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد تقريب

ويستخلص واتكينز أن فيبر تعامل مع نمطين من النماذج المثالية[49]:

  • النموذج المثالي الكلاني: المبني على استخلاص المظاهر الأساسية لموقف تاريخي مأخوذ في شموله، ويتم تنظيمه في صورة تظهره بطريقة متماسكة.
  • النموذج المثالي الفرداني: ناتج عن فحص حالات الفاعلين الفرديين وتجريد العناصر خاصتهم، مثل مخطط التفضيلات الشخصية، وأنواع إدراك المواقف والأوضاع وأنماط العلاقات الفردية.

كما لا يفوت فيبر أن يوجب على الباحث الاختبار المستمر لمدى قُرب أو بُعْد "نموذجه المثالي" الذي صاغه لموضوعه عن الواقع، لذلك يظلُّ الارتباط بالواقع التجريبي الفعلي التزامًا ضروريًّا، وهو ما يحيل إلى أن الأساس الفعلي لبناء المثالية في العلوم الاجتماعية يعود إلى مفهوم "التجربة المعيشة" الذي صاغه وليم دلثاي، والذي يُشكِّل حجر أساس منهجي في مقاربات النمذجة الفردانية، حيث أكَّد دلثاي على الاختلاف بين علوم الطبيعة وعلوم الروح، فإذا كانت الأولى تبحث عن القوانين السببية فإن موضوع الثانية هو الذات الإنسانية؛ وعليه فإن التجربة الكفيلة بوصف حياة الروح هي "التجربة المعيشة" التي تتيح التماهي بين الذات والموضوع.

إن التجربة المعيشة عند الإنسان نابعة من التصورات العادية التي تتشكَّل في إطار "الحياة اليومية"، وتحديدًا خلال لحظات الوعي بأن شيئًا ما يعنينا ويرتبط بنا، لذلك فإن التجربة المعيشة تظهر داخل الحياة بوصفها حقيقة كلية، لذلك ترى فالنتينا غراسي أن التجربة المعيشة -بوصفها تجربة حاضر مشبعة بالواقع- هي واقع مستقل ووحدة حيوية تقع ضمن مركَّب يشكل "حتمية كيفية"[50]، هذا الاصطلاح الأخير يجعلنا أمام ذروة معرفية يصوغ به هذا الاتجاه النظري نفسه، وذلك من حيث التقابل بين الحتمية السببية والحتمية الكيفية، التي تصبح حتمية طبيعية مقابل حتمية روحية، إن صحَّت العبارة، بما هو عالم مختلف يحمل قوانينه الذاتية التي لا يمكن بلوغها إلا كيفيًّا، وهو ما انبرى هاينريش ريكرت للتقعيد المنهجي له، بإعلان التفاصل بين مناهج العلوم الثقافية عن مناهج العلوم الطبيعية.

في السياق ذاته، يعمق ألفرد شوتز المنظورين النمذجي لفيبر والتفاعلي لزيمل، مستعينًا في ذلك بجملة مفكرين، خاصةً أستاذه هوسرل، ليصل إلى القول بأن الحقيقة الاجتماعية تتشكَّل من العلاقات البينية للأفراد بما هم فاعلون اجتماعيون يسقطون المعنى على أفعالهم، إذ لدراسة تفاعل الأفراد خلال حياتهم اليومية لا بدَّ من الانطلاق من "الحس المشترك"، أو المعرفة البديهية، لكونها حقيقة ذاتية، هي الكفيلة بمنح الترابط للدلالات والمعاني والقيام بتوجيه الأفراد في حياتهم اليومية، ذلك أن الأساس الظاهراتي لمقاربة شوتز يعتبر أن العالَم-الحياة يتشكَّل من جملة تجارب قبل-علمية، باعتبار العلم متأسسًا على بنية دلالية توجد في العالم-الحياة، التي هي دلالات مشتركة توجد في المستوى البينذاتي[51].

إن مهمة الظاهراتية -حسب شوتز- هي في النهاية تفسير مبرهن لنشاطات الوعي الذاتية المتعالية التي يتشكَّل بها العالم، حيث تسعى الظاهراتية لجعل العالم بديهيًّا -على عكس الوضعية التي تُقدِّم تفسيرات بعيدة عن البداهة- سعيًا منها أن تصبح بحقٍّ علمًا للروح[52].

وعلى المنوال ذاته سار ريمون بودون الذي رأى أن السعي الأساسي لعلم الاجتماع ليس هو البحث عن القوانين، فالقوانين حسب الفردانية المنهجية ليست لها أية صلاحية محلية وأنها صلاحية غير معلومة الحدود الزمانية والمكانية، لذلك فثمة ميل واضح من بودون إلى النماذجية، حيث يرى وجود إجماع على أن النماذجية -عند اعتماد شروط مثالية في تحقيق مناهجها- ستفضي إلى تطابق الدراسات ونتائجها مع الواقع المدروس للحالات والوضعيات التي تحمل دائمًا خصوصيتها، وهذا الابتعاد عن التعميم يفضي بنا إلى الاعتراف بأن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد تقريب[53].

والمحصلة أن المنظور النموذجي في كل تطوراته نحى منحى الثقة في مبدأ الذاتية باعتباره الكفيل بتحقيق الموضوعية، بل وحتى العلمية، في العلوم الاجتماعية، حيث الملاحظ أنه بالقدر الذي كان يؤكد فيه على التعالي الذاتي يؤكد في المقابل على اعتماد الواقعات التجريبية المعيشية باعتبارها مصدر بلوغ الحقيقة في العلوم الاجتماعية عمومًا، حيث الأهم هو ما يشدِّد عليه هذا الاتجاه على المستوى المنهجي من التعامل المباشر والحي مع الواقع الاجتماعي التجريبي وتجاوز الجمود الذي تفرضه المناهج الوضعية على الباحث من خلال تشديدها على تحقيق المسافة بينه وبين مجتمع البحث، وهي المسافة التي قد تنعكس سلبًا على معايشة الباحث لموضوعه بالقدر الذي تتيح فيه المنظورات النماذجية تحقيق مبدأي الموضوعية والاستكشافية، التي هي الغرض الأول من العلوم الاجتماعية عمومًا.   

    1. المنظور النقدي الكشفي

بعد يأسهما من التنظير الفلسفي، توجَّه كونت إلى تأسيس علم وضعي، بينما نزع ماركس إلى علم الممارسة (البراكسيس)، أو الاختبار العملي للأفكار وتطبيقها والالتزام بها، وذلك بعد انفصاله عن حركة الهيغليين الشباب إثر توصله إلى القناعة القائلة بأن الخروج من الانسدادات الفكرية التي تؤدي بالمنظر والتنظير إلى الانزواء الصوفي لا يمكن أن يحصل إلا بالممارسة كحل عقلاني، حيث رأى أنه لا يمكن حلُّ التناقضات النظرية إلا من خلال النشاط العملي الموجه نحو التغيير، تغيير الذات وتغيير العالم؛ كما أن انقلابه على الهيغليين الشباب كان أيضًا من منطلق أن بلوغ الحقيقة المطلقة قد تم عند هيغل، وأنه حان وقت المرور إلى النشاط العملي الملموس، وهذا ما جعله ينفصل بالمقابل عن التوجهات الفهمية والمثالية في السوسيولوجيا الألمانية كما أسَّسها كلٌّ من زيمل وتونيز وفيبر، أي إن النسج على منوال هيغل -حسب ماركس- لا يكون بترديد أفكاره وإن بأساليب ومظاهر مختلفة، وإنما بالخروج من دائرة التنظير في حد ذاته، على أن ذلك لا يعني إنكار الفلسفة عند ماركس لكنه سعي منه لتوحيدها مع الممارسة.

ولإعطاء الصبغة التاريخية لفلسفة البراكسيس، جاء نقد ماركس للرأسمالية باعتبارها المنظومة الاجتماعية السياسية والاقتصادية الشاملة المهيمنة على العالم، فتصوغ الإنسان وتتحكَّم فيه بطريقة غير عادلة وتخرجه عن طبيعته، لذلك أمكن تعريف الماركسية بأنها محصلة لكلٍّ من:

  • فلسفة العمل التغييرية بعد اليأس من التنظير، والاعتقاد باستنفاد هيغل للتفكير في الحقيقة فلسفيًّا.
  •  النقد الجذري للرأسمالية بعد الكشف العلمي عن ظاهرة "فائض القيمة" المؤدية إلى ظاهرة "الاغتراب".

إذ يمكن عدُّ العنصرين: فلسفة العمل ونقد الرأسمالية خلفيةً لكل التطورات التي جاءت بعد ماركس، حيث تميزت بالانخراط العلمي والعملي في السياق التاريخي، وهذا يجعل كل التحليلات والرؤى ذات الصبغة الماركسية تُستقى من داخل السياق التاريخي وبعيدة عن الإطلاقية التي ميزت المنظورين السببي والنمذجي سالفي الذكر، إذ في ذلك السياق مثلًا تأتي تحليلات ألتوسير ومدرسة فرنكفورت ونضالية بورديو، انتهاء إلى منظور تحليل النُّظُم الدولية، حيث اتسمت جمعيها بلمسة عملية تكثر أو تقل، وهذا مع أهمية استكمال هذا الاتجاه النظري بالمقاربة البنيوية التي ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالماركسية، سواء من حيث التأسيس المعرفي، فماركس بنيوي من حيث المسلمات العلمية التي أقام عليها منظوره العملي النقدي، أو من حيث العناية بالجانب العملي، باعتبار أن البنيوية اتجاه لكشف الخفي من البنى والحقائق وإجلائها، بما يجعلها تحمل البُعْد الثوري حتى من الناحية المعرفية.

لا تُعَدُّ مدرسة فرنكفورت امتدادًا للماركسية فحسب، بل هي مدرسة جمعت إليها جُلّ التقاليد الفكرية الألمانية عبر تعاقب أجيالها، لذلك أكتفي هنا بإبراز المسحة الماركسية لهذه المدرسة التي اشتهرت نظريتها في التقاليد الفكرية المعاصرة باسم النظرية النقدية، ونتوقف عند أشهر منظريها يورغن هابرماس، الذي قدَّم نظرية "يجوز" نعتها بالاجتماعية من بابين:

  • تأسيسها المعرفي والعلمي على مفاهيم علم الاجتماع الأساسية خاصةً الفعل والتفاعل الذي صاغه في نظريته بلفظ "التواصل"، والمجال الاجتماعي الذي صاغه في مفهوم "الفضاء العام"، وكذا اهتمامه باللغة، واعتباره لفلسفة اللغة بالواحة الخضراء الوحيدة في الفلسفة التحليلية النقيضة للتقاليد الألمانية[54].
  • طابعها الدعوي النضالي، الذي يضعها في صنف النظريات ذات المسحة التغييرية، حيث الواضح أن هابرماس بنظريته القائمة على المفاهيم العلمية المذكورة يسعى من خلال فكرة التواصل إلى تحرير الفضاء العام، سواء من حيث التأسيس لأخلاقيات المناقشة في داخله، أو من حيث إكسابه القوة التأثيرية التي تجعله فضاءً مؤثرًا في صناعة القرار وذا تأثير في الوعي العام، والخروج من حالة الوهم الديمقراطي الذي يجد فيها المواطن مظاهر الحرية لكنها في الواقع معدومة الجدوى والتأثير، بما يكرس حالة استبداد خفيَّة يعرفها المجتمع الغربي عمومًا.

نجد أيضًا النزعة النضالية في مدرسة تحليل النُّظُم الدولية، ورائدها إيمانويل فالرشتاين الذي كرَّس عمله في البحث والكشف عن أهم إحداثيات العالم المعاصر التاريخية والسياسية والاقتصادية وحتى المعرفية من وجهة نظر كونية، ما أضفى على سوسيولوجيا فالرشتاين بعدًا تاريخيًّا حيًّا، يبعد السوسيولوجيا عن التجريد المفاهيمي الأصم، حيث الإضافة التي قدَّمها، والتي تُقدِّمها مدارس الاتجاه النقدي الكشفي عمومًا، هي أنها تمارس سوسيولوجيا عينية الطابع، فهي لا تشغل نفسها بالوقوف المطوَّل على تحليل المفاهيم بعيدًا عن إسقاطاتها العينية المباشرة.    

    1. المنظور النفعي التشخيصي

وجد البراغماتيون في المعرفة أداةً تساعد البشر على التكيف مع الواقع والسيطرة عليه، أي إنهم غلَّبوا البُعْد الفعلي للأفكار، حيث يرتبط عندهم الوجود بشكل أساسي بالفعل (Action)، لذلك ابتعدوا عن التعريفات الكلاسيكية التي تُعرِّف الأفكار والمعرفة عمومًا بأنها صورة عن الواقع أو نسخة انطباعية عن الأشياء الخارجية، وقدَّموا تعريفًا يرى في الأفكار والمعارف أداةً وخططًا للتنفيذ الفعلي، وأنها طريق لتنظيم السلوك في العالم، وعلى هذا الأساس علَّق هيغل على المقاربة البراغماتية بوصفها أنها "نوع ثانٍ" من كتابة التاريخ[55]، أي إنها شيء مختلف تمامًا عن المُثُل العقلية التي تُشكِّل جوهر التفكير الهيغلي، حتى إن الفكر الإنساني اليوم ينقسم إلى نزعتين: نزعة براغماتية يمثِّلها بيرس خاصة، ونزعة فينومينولوجية يمثِّلها هيغل، وإن كان يمكن التمييز أيضًا بين الاتجاه الذي جمع بين النزعتين، وهو هنا مثلًا التفاعلية الرمزية والمقاربة الإثنوميتودولوجية، والاتجاه الذي ربط البراغماتية بالتقاليد الطبيعانية، والذي تجلَّى في علم الاجتماع الحيوي الذي صنفناه ضمن النزعة السببية التعميمية، وهو يحمل في عمقه نزعة براغماتية.

وبناءً على ذلك، ومقابل اتجاه الممارسة المتقدِّم ذكره، فإن البراغماتية ليست عقيدة جاهزة أو مبادئ نظرية قبلية، بقدر ما هي أميل لأن تكون موقفًا أو طريقة، بينما ارتباط البراغماتية بعلم الاجتماع يأتي من طريقين:

  1. الأول تمثَّل في طبيعة كلٍّ منهما -البراغماتية وعلم الاجتماع- لكونهما يعنيان بالواقع الفعلي للأشياء، وإعطاء الأولوية للممارسة.
  2. الثاني تخصَّص أحد روَّاد المدرسة البراغماتية بتطوير المنهج البراغماتي في علم الاجتماع، وهو جورج هربرت ميد.

فيكون موقف البراغماتية وجورج هربرت ميد أشبه بموقف أوغست كونت من حيثُ محاولته تجاوز الفلسفة التقليدية بابتكاره علمًا جديدًا من حيثُ تأسيسه الفلسفة الوضعية وابتكار علم الاجتماع الوضعي، وكذلك كان ميد صاحب موقف فلسفي مستجد، وهو البراغماتية -يعتبر رائدها الرابع- وابتكار النظرية التفاعلية الرمزية كمنظور من المنظورات السوسيولوجية، فما جمع كونت وميد هو سمة الفيلسوف المنسلخ من تقاليد اختصاصه لتأسيس اختصاص جديد[56].

المعرفة السوسيولوجية أهمُّ من أن تبقى حكرًا على النخبة من المتخصصين فيها، مع تحديدهم لضرورة أن يتمايز الأمر التدخل الأخصائي المحض الذي يقوم بمهمة تشخيص حالات فردية وعلاجها، لكن أنصار التوجُّه الإكلينيكي في علم الاجتماع حدَّدوا أن يكون تدخل علم الاجتماع العيادي في مجال "العلاقات بين الناس" باعتباره مجال اختصاصه

فقد انطلق ميد من تعريف للعقل والوعي الذاتي بأنه ناشئ عن التفاعلات الاجتماعية، واستخدام الإيماءات والرموز الدالة، ذلك أنه بواسطة الفعل الاجتماعي يتمكَّن الأفراد من تعديل أنشطتهم وتوجيهها، وكذا تحقيق أهدافهم، ومن ثم قدرتهم على تغيير بيئاتهم، فمن خلال الفعل فقط يتحقَّق الوجود الفردي وينكشف، من خلال مواجهة العقبات، وإجبارية الاختيار، وكذا تأطير التجربة ضمن شكل معيَّن[57].

وفي سياق حديثه عن المستجد في علاقة البراغماتية بعلم الاجتماع، تحدَّث ألبرت أوجين عن أن أنصار إحياء البراغماتية عادوا إلى نظرية بيار بورديو عن الهابيتوس، وذلك لاتفاقهم حول مفهوم "العادات الراسخة" التي تُزوِّد الفاعلين بالأفكار والأفعال التي تتناسب مع منطق اللعبة الاجتماعية، وكذلك في الحلول الإبداعية للمشاكل الجديدة، وذلك رغم أن نظرية بورديو مُثقَلة بالإرث الفينومينولوجي مقابل نظرية العادة البراغماتية[58]، وهذا يكشف عن التداخل الوثيق بين نظريات علم الاجتماع رغم ما قد يظهر بينها من تباين، ويكشف عن طبيعة علم الاجتماع عمومًا بأنه علم يتَّسم بالتعدُّد النظري والمنهجي المتشاكل.

عمومًا، فإن المنظور البراغماتي يُقرِّب علم الاجتماع أكثر ليكون أكثر تشخيصيةً؛ لِما أصبح يكتنفه من "روح طبابة" تجعل منه علمًا علاجيًّا إكلينيكيًّا، خاصةً بعد أن شهد منعرجين مترابطين مهمين: غلبة المنظورات الصغرى عليه من الناحية النظرية، وكذا ميله إلى دراسة الحياة اليومية، إذ استنادًا إلى معيار المنفعة العملية المباشرة والنظر إلى سلوكيات الأفراد كحالة مستقلة والعمل على توجيهها، إضافة إلى ما يمكن أنه نتج من عدم التمييز بين المنظور البراغماتي كتوجه موضوعي في الدراسات الاجتماعية وبين تدخلية عالم الاجتماع بوصفه يحقق عمليًّا المساعي البراغماتية في تحول كل فكرة إلى تنفيذ وتخطيط وتوجيه، الأمر الذي أخلى السبيل إلى ظهور فكرة التدخل المباشر للسوسيولوجيا في الواقع الفعلي، ليس على طريقة البراكسيس الماركسية النضالية، بل على طريقة التشخيص الطبي للأفراد وأحوالهم[59].

إن ما طوَّر فكرة أن على علم الاجتماع أن يتجاوز "عقدة التطبيقية" هو الانقسام والفجوة التي حصلت بين ذوي النزعة النظرية وأصحاب الميول التطبيقية في علم الاجتماع، فكان التقاطب بين الفريقين دافعًا لأصحاب الميول التطبيقية لترسيخ رأيهم في ضرورة الالتصاق بالواقع، وهو ما أدى إلى الجهر بمقولة أن المعرفة السوسيولوجية أهمُّ من أن تبقى حكرًا على النخبة من المتخصصين فيها، مع تحديدهم لضرورة أن يتمايز الأمر التدخل الأخصائي المحض الذي يقوم بمهمة تشخيص حالات فردية وعلاجها، لكن أنصار التوجُّه الإكلينيكي في علم الاجتماع حدَّدوا أن يكون تدخل علم الاجتماع العيادي في مجال "العلاقات بين الناس" باعتباره مجال اختصاصه[60].

وقد مثَّلت مدرسة شيكاغو منجمًا للنزعة التجريبية التي تفرعت عنها الكثير من النزعات النظرية الصغرى، مثل الإثنوميتودولوجيا والتفاعلية الرمزية والمنظور المسرحي لغوفمان، بوصفها مدرسة بنت تراثها على جملة البحوث الميدانية ذات النزعة التوجيهية البراغماتية، فالمعلوم عن رائدها روبرت بارك تسييره وإشرافه على الكثير من البحوث التي عُنيت بالجريمة والانحراف وغيرها بنزعة تشخيصية علاجية.

وأخيرًا، قد يكون من الصعب حصر الاتجاهات التي عرفها المنظور النفعي التشخيصي في التنظير الاجتماعي، إلا أن البراغماتية والإكلينية تُشكِّلان حدودها المعرفية والتطبيقية، من حيثُ ميل الأولى إلى التنظير وميل الثانية إلى الممارسة المباشرة، إلا أننا نجد بين الحدين أهمَّ المدارس الاجتماعية الأمريكية الحديثة في علم الاجتماع، نذكر منها مدرسة التبادل الاجتماعي ومدرسة الاختيار العقلاني التي كرست للمنظور النفعي بالخلفية الاقتصادية، ومعها نظريات أخرى، منها الفردانية المنهجية وعلم الاجتماع الحيوي (السوسيوبيولوجيا)، التي تشترك جميعًا في الاستعانة بالمثال الشهير عن "معضلة السجين"[61]، إذ تندرج النظريات الأربع المذكورة جزئيًّا في هذا الصنف الأخير.

الخاتمة

بتمام هذا الفصل نكون قد غطينا أهمَّ موضوعين أساسيين في علم الاجتماع: إشكالية نشأة التخصُّص ومسألة تطور نظرياته، وجعلنا من السببية العلمية رائزًا في كل ذلك، سواء في تعريف موضوع العلم أو في طبيعة نظرياته، وحاملين سؤال طبيعة التراث السوسيولوجي النظري والتطبيقي المتراكم منذ نشأته الأولى كعلم، بل ومنذ نشأة إرهاصاته كفكر اجتماعي.

والمفارقة أنه بقدر ما تبيَّن أن الفكر الاجتماعي ارتبط ارتباطًا أساسيًّا منذ نشأته عند البدائيين بالنظر العقلي، إلا أنه بالمقابل قد تعذر على علم الاجتماع تحقيق السببية العلمية المطلقة رغم الادعاء، ورغم التمسك الشديد بها من طرف أنصارها، لكن اتضح في النهاية أن مبدأ السببية لم يكن إلا جزءًا من تراث علم الاجتماع، وبدلًا من ذلك ثبت أن علماء الاجتماع لديهم مبدآن أساسيان مشتركان: الموضوعية والفاعلية.

الموضوعية بما هي تحقيق للتصور السليم والصحيح عن الواقع الاجتماعي بأية منهجية كانت، والفاعلية بما هي الأثر الإيجابي الناتج عن البحث والتنظير للواقع الاجتماعي بأية وجهة كانت، وعدا ذلك قد لا نجد مشتركًا آخر يجمع علماء الاجتماع؛ والواقع أنهما المبدآن الكفيلان بمنح شرعية الوجود والاستمرار لهذا العلم، وذلك بوصفهما عنصرين قادرين على منح المزيد من التقدُّم والتطور للممارسة السوسيولوجية نظريًّا وعمليًّا، بشرط ملازمة المبدأ السببي له ولو جزئيًّا.

فإذا ربطنا المخطط البياني الذي أوردناه عن نظريات علم الاجتماع وأصنافها بما كنا قد بدأنا به هذا الفصل من استشكال النشأتين الأولى عند ابن خلدون والثانية عند دوركايم، وكذا تتبُّعنا لتطور الفكر الاجتماعي عند ابن خلدون وبودان وزيمل، تبيَّن أن تاريخ علم الاجتماع هو تاريخ تشتُّت لمناظيره، بدءًا من علم العمران كعلم شامل للوجود الاجتماعي بكل ظواهره ومظاهره، وصولًا إلى أكثر منظوراته المعاصرة تجزؤًا، وهو علم الاجتماع اليومي والمقاربات الصغرى التي ارتبطت وترتبط به. والحال أن السوسيولوجيا اليوم قد استنفدت مسارًا طويلًا من التناظر بين الكلي والجزئي، حتى وصلت اليوم إلى ما يشبه انسدادًا نظريًّا يجعلها بحاجة ماسة إلى انقلابة تجديدية تعيدها سيرتها التكاملية الأولى. 

المراجع

المراجع العربية

أليكس روزنبيرغ وآخرون، فلسفة البيولوجيا: مدخل معاصر، ترجمة: مينا سيتي يوسف، القاهرة: المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى، 2018م.

إميل دوركايم، علم اجتماع وفلسفة، ترجمة: حسن أنيس، القاهرة: مكتبة الأنجلو مصرية، الطبعة الأولى، 1966م.

إميل دوركايم، قواعد المنهج في علم الاجتماع، ترجمة: محمود قاسم والسيد محمد بدوي، الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1988م.

إميل دوركايم، قواعد المنهج السوسيولوجي، ترجمة: سعيد سبعون، الجزائر: دار القصبة، الطبعة الأولى، 2008م.

جان بيار دوران وروبير فايل، علم الاجتماع المعاصر، ترجمة: ميلود سفاري، ، الجزائر-بيروت: ابن النديم ودار الروافد، الطبعة الأولى، 2012م.

جاك هارمان، خطابات علم الاجتماع في النظرية الاجتماعية، ترجمة: العياشي عنصر، عمان: دار المسيرة، الطبعة الأولى، 2010م.

جورج زيمل، الفرد والمجتمع: المشكلات الأساسية للسوسيولوجيا، ترجمة: حسن أحجيج، القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2017م.

دافيد باس، علم النفس التطوري: العلم الجديد للعقل، ترجمة: مصطفى حجازي، أبو ظبي-الدار البيضاء: كلمة والمركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 2009م.

 

Albert Ogien, Pragmatisms and Sociologies, Translated by Toby Matthews, In Revue française de sociologie, Volume 55, Issue 3, 2014, www.cairn.com

المواقع الإلكترونية

H.S. Thayer and Sandra B. Rosenthal, pragmatism philosophy, www.britannica.com

Matière de : Jean Bodin, Wikipédia l’encyclopédie libre, Mentionné article de Qualité

المراجع الأجنبية

الكتب

Jonathan H. Turner, Handbook of sociological theory, New York, Springer, 2001,1st Edition.

Immanuel Wallerstein, World Systems Analysis, Durham USA, Duke university press, 2006.

Michel Maffesoli, Ecosophie, Paris, les éditions Cref, 2017.

المراجع الإلكترونية

الكتب الإلكترونية

Yves Charles Zarka, Jean Bodin: nature, histoire, droit et politique, Paris PUF, Dans Jean Bodin, nature, histoire, droit et politique, 1996, www.cairn.com

Alban Bouvier, Pareto aujourd'hui, Presses Universitaires de France, 1999, www.cairn.com

المقالات الإلكترونية

Wiebke Keim, Ibn Khaldun in early German-language sociological theory : A historical case of South-North reception, The South of social sciences N41 2022, www.journals.openedition.org

Bénédicte Zimmermann, Ferdinand Tönnies, sociologue empiriste, Dans Actes de la recherche en sciences sociales 2011/3 (n° 188), www.cairn.com

Jacques Coenen-Huther, Le type idéal comme instrument de la recherche sociologique, Dans Revue française de sociologie 2003/3 (Vol. 44), www.cairn.com,

طه حسين، فلسفة ابن خلدون الاجتماعية: تحليل ونقد، ترجمة: محمد عبد الله عنان، القاهرة: مطبعة الاعتماد، الطبعة الأولى، 1952م.

عبد الرحمن ابن خلدون، المقدمة، بيروت: دار الفكر للنشر والطباعة والتوزيع، الطبعة الأولى، 2003م.

عدلي السمري ورولا السوالقة، علم الاجتماع الإكلينيكي: المجالات، المستويات، الأدوات والمداخل، عمّان: دار المسيرة، الطبعة الأولى، 2015م. علي المحمداوي وآخرون، مدرسة فرنكفورت النقدية، وهران: دار ابن النديم، الطبعة الأولى، 2012م. علي الوردي، منطق ابن خلدون، لندن: دار كوفان، الطبعة الثانية، 1994م. فاروق عبد المعطي، أوغست كونت: مؤسس علم الاجتماع الحديث، بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1993م. فالنتينا غراسي، مدخل إلى علم اجتماع المخيال: نحو فهم الحياة اليومية، ترجمة: محمد عبد النور وسعود المولى، الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، 2018م.

 

الهوامش

[1] المقصود بالنشأتين -كما هو بيِّن- النشأة التي حصلت خلال القرن الرابع عشر الميلادي مع ابن خلدون (1332-1406م)، حيث قُدِّر تاريخ كتابته "المقدمة" بسنة 1377م، أي عند بلوغه سن الخامسة والأربعين، والنشأة التي حصلت خلال القرن التاسع عشر الميلادي مع دوركايم (1858-1917م)، حيث أصدر كتابه "قواعد المنهج" سنة 1895م، أي عند بلوغه سن السابعة والثلاثين، والغرض من التمييز بين النشأتين هو كون الرجلين أعلنا عن اكتشافهما لعلم واحد رغم اختلاف التسمية، والغرض من التقسيم أيضًا الابتعاد عن جدل أسبقية تأسيس العلم والنظر موضوعيًّا في تفاصيل مضامين علم اجتماع كل منهما، فرغم أن الأسبقية واضحة لابن خلدون فإن الظروف التاريخية والسياسية للنشأة اختلفت اختلافًا جذريًّا، وذلك بعيدًا عن الجدل أيضًا حول اطلاع دوركايم وكونت على "المقدمة" من عدمه، مع أهمية بيان الوصل والفصل بين أشكال النشأتين ومضامينهما، وهو ما ليس مجاله هذه الدراسة.

[4] المرجع نفسه، ص45-46.

[5] من المهم الإشارة إلى أن اختيارنا دوركايم ليكون ممثلًا للنشأة الثانية لعلم الاجتماع، أي النشأة الحديثة التي تقابل النشأة الأولى مع ابن خلدون، هو على سبيل المثال لا الحصر، كما اقتضته الضرورة المنهجية لهذه الدراسة، فالمعلوم أن ظهور علم الاجتماع الوضعي مع كونت ودوركايم كان بالتوازي مع بروز علم الاجتماع الألماني الذي مثَّله الثلاثة: ماكس فيبر وجورج زيمل وفرديناند تونيز، بما تميز به من اختلاف عن الوضعية بلغ حدودًا إبستمولوجية عميقة، مثل تعريف المجتمع عند زيمل الذي يعتبر أبا السوسيولوجيا التفاعلية التي هيمنت على علم الاجتماع الأمريكي خلال النصف الثاني من القرن العشرين، إذ على العكس من التعريف الدوركايمي الحتمي والجمعي للمجتمع، قدم زيمل تعريفًا فردويًّا للمجتمع يتجاوز الحتمية الاجتماعية المطلقة، ويقرر هامشًا من الحرية للفرد. لذلك وجب التنبيه هنا إلى أن اختيار دوركايم يأتي من زاوية تقابله مع ابن خلدون في جانب التعريف المنهجي بالعلم، وكذا الإعلان الصريح عن ميلاد العلم واكشتافه، حيث كان السبق والبروز هنا لدوركايم على حساب الألمان، على أن علم الاجتماع هو أوسع من أن يحصر في مدرستين، لكن الغاية كما تقدم منهجية تسعى لتقديم نظرة تقترب من الدقة العينية منها إلى التعميم، مع ما سنحاول التفصيل فيه فيما يأتي من هذه الدراسة.

[6] ابن خلدون، المقدمة، مرجع سابق، ص49.

[9] المرجع نفسه، ص19-21.

[10] ابن خلدون، المقدمة، مرجع سابق، ص53-54.

[11] المرجع نفسه، ص54.

[12] المرجع نفسه، ص54-55.

[13] إميل دوركايم، قواعد المنهج السوسيولوجي، ترجمة: سعيد سبعون، الجزائر: دار القصبة، الطبعة الأولى، 2008م، ص29-30.

[14] المرجع نفسه، ص31.

[15] المرجع نفسه، ص31-32.

[18] علي الوردي، منطق ابن خلدون، لندن: دار كوفان، الطبعة الثانية 1994م (الطبعة الأولى ظهرت سنة 1962م)، ينظر مثلًا رأي الوردي في ابن خلدون (ص13-14، 18-19)، حيث أكَّد الوردي على أهمية البعد المنطقي الفلسفي للمقدمة الخلدونية التي كشفت عن تمرد ابن خلدون على المنطق اليوناني وهو ما لم يسبق إليه، وفي ذلك أيضًا تأتي الاجتهادات الراهنة للفيلسوف التونسي أبي يعرب المرزوقي الذي طرق الجانب المنطقي الفلسفي لابن خلدون بوصفه أحد المفاتيح المهمة للاجتهاد في الفكر العربي الإسلامي المعاصر عمومًا، ينظر في ذلك: أبو يعرب المرزوقي، فلسفة التاريخ الخلدونية: دور علم العمران في عمل التاريخ وعلمه، تونس: الدارس المتوسطية، الطبعة الأولى، 2007م.

[19] ظهر كتابه المؤلف باللاتينية بعنوان (Methodus ad facilem historiarum cognitionem) سنة 1566م، فالتشابه واضح من حيث انطلاق بودان من علم التاريخ للتأسيس لعلم شامل، إلا أنه لا يمكن إثبات اطلاعه على "المقدمة" التي ترجمها المستشرق الفرنسي البارون دي سلان لأول مرة إلى الفرنسية باعتبارها أول لغة تترجم "المقدمة" إليها سنة 1856، وهي الترجمة التي جاءت نتيجة دعم رسمي في سياق الحملة الاستعمارية الفرنسية على العالم العربي، على أن سلفستر دي ساسي كان قد سبق إلى التعريف بابن خلدون في أوروبا في نهايات القرن الثامن عشر وبدايات التاسع عشر (ينظر تهميش المعلومات الواردة في الهامش أدناه)، كل ذلك ينفي اتصالًا مباشرًا بين بودان وابن خلدون من حيث لغة بودان الأم، لكن لا يعني ذلك نفيًا نهائيًّا، وذلك لإمكان انتقال الفكر الخلدوني بلغته الأصلية إلى الأوروبيين عن طريق الأندلس، حيث عاش تلميذ ابن خلدون ابن الأزرق المتوفى عام 1491م، بينما عاش بودان بين عامي 1529-1596م، حيث كان الأوروبيون يتعلمون العربية لتعلُّم العلوم، فربما انتقل الفكر الخلدوني إلى بودان شذرات مكتوبة أو شفوية أو عبر شروح وترجمات عن طريق عنعنات، وأيًّا كان فإن التواشج الفكري يحصل بطريقة معقدة ومتشاكلة، إذ بقدر ما يمكن أن يحضر ابن خلدون بشكل كبير بقدر ما يمكن أن يكون حضوره طفيفًا ومجرد أفكار تقديمية...

Wiebke Keim, Ibn Khaldun in early German-language sociological theory : A historical case of South-North reception, The South of social sciences N41 2022, www.journals.openedition.org, https://bit.ly/41l8tRu, Seen 30/03/2023

[21] Yves Charles Zarka, Jean Bodin: nature, histoire, droit et politique, Paris PUF, Dans Jean Bodin, nature, histoire, droit et politique 1996, pages 23 à 42, www.cairn.com, https://bit.ly/3MheRon, Vu le 01/04/2023

[23] ابن خلدون، المقدمة، مرجع سابق، ص54.

[24] خصَّص ابن خلدون الفصل التقديمي من الكتاب الأول لبيان منهج التعامل الموضوعي مع الأخبار والأحداث التاريخية، وقد أفردتُ دراسة للمعايير المنهجية الخلدونية بعنوان "الاجتهاد وأخلاقيات البحث العلمي عند ابن خلدون في ضوء مبادئ المعرفة الحديثة"، وذلك في العدد السادس من مجلة العلوم الاجتماعية، الصادرة عن المركز العربي الديمقراطي ببرلين، 2018م.

[27] المرجع نفسه، ص37.

[28] المرجع نفسه، ص38.

[29] أورد تيرنر في الفصل الأول من كتاب "النظرية الاجتماعية" ما يلي: "وجد كونت داعمين جاهزين له في دفاعه عن علمية علم الاجتماع، هم سبنسر ودوركايم وربما زيمل" (Jonathan H. Turner, 2001, p02)، بحيث أدرج زيمل بصيغة عدم تأكيد في المدافعين عن علمية علم الاجتماع.  

[30] جورج زيمل، الفرد والمجتمع: المشكلات الأساسية للسوسيولوجيا، مرجع سابق، ص40.

[31] المرجع نفسه، ص40-41.

[32] المرجع نفسه، ص41.

[33] Jonathan H. Turner, Handbook of sociological theory, New York, Springer, 2001,1st Edition, p2.

[34] Ibid, p2-3.

[35] إلا ما تعلَّق بالتصنيف الأخير الذي أضفته إلى التصنيفات الثلاثة التي قدَّمها جوناثان تيرنر، فهو من الناحية التاريخية ظهر بشكل متأخر، بعد الكلاسيكيين، ونقصد به خاصة التوجهات النظرية التي نشأت في الولايات المتحدة، خاصةً بعد ظهور السفر المركزي "الأزمة القادمة لعلم الاجتماع الغربي" لألفن غولدنر، الذي أعلن فيه مرحلة الدخول إلى ما بعد النظريات الكبرى التي كان بارسونز آخرها.

[37] يعلق بنديكت زيمرمان بأن زيمل لم يقدم نظامه الثلاثي بشكل متكامل إلا في عمل واحد ومتأخر، ظهر سنة 1931م، ففي كتابه "مقدمة في علم الاجتماع" خصص الجزء الأكبر منه لعلم الاجتماع النظري، ولم يتناول الاجتماعين التطبيقي والتجريبي إلا في 13 صفحةً من مجموع 309 صفحات المكونة للكتاب المذكور، إذ يفترض بنديكت أن تونيز ربما كان ينوي أن يخصِّص جزءًا مستقلًّا للصنفين إلا أن المنية وافته سنة 1936م، لذلك يبقى علم الاجتماع النظري أكثر ما نجح فيه، ويقصد بنديكت هنا خاصة عمله الأشهر حول المجتمع والمجتمع المحلي، فرغم ممارسته للأشكال الثلاثة لعلم الاجتماع بشكل مستمر، فإنه لا يعرض النتائج التي يتوصل إليها إلا في نصوص منفصلة، ولعل ذلك -حسب بنديكت- هو سبب قلَّة أتباعه الذين واصلوا على منواله في الدراسات الاجتماعية، رغم بعض الأتباع الذين اشتهروا بعده مثل بول لازارسفيلد.

[38] Jonathan H. Turner , Op Cit, p2.

[39] ينظر: إيمانويل وولرستين، تحليل النظم الدولية، ترجمة: أكرم حمدان، الدوحة-بيروت: مركز الجزيرة للدراسات والدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الأولى، 2015م (اعتمدت في الاقتباس على النسخة الإنجليزية لوجود خلل طفيف في النسخة العربية قد يعود أساسًا إلى أن المؤلف والمترجم ليسا من الاختصاص نفسه، وهو خلل لا يقدح في جودة أسلوب المترجم ولا استيعاب الموضوع عند القارئ).

[40] هذه الحقيقة -حقيقة انشطار العلوم الاجتماعية إلى قسمين: أحدهما ذو نزعة علمية تحليلية، والآخر ذو نزعة أدبية وصفية- انعكست انعكاسًا سلبيًّا جدًّا على مجالنا الأكاديمي العربي، سواء من الناحية البيداغوجية التكوينية أو من الناحية البحثية الاجتهادية، ذلك أن المعضلة الأولى تكمُن في عدم الوعي بوجود هذا الانشطار بالأصل من حيث كونه حاصلًا في المجال الغربي المنتج لهذه العلوم، فضلًا عن عدم القدرة على تحديد الموقف الصحيح والتنبيه إليه تعليمًا وبحثًا، وهو ما تتسبب فيه ثغرات تكوينية أساسية عند الأجيال الجديدة للأساتذة والباحثين، وهذا ما يخلق في النهاية مناخًا أكاديميًّا هجينًا يختلط فيه العلمي بالأدبي والتحليلي بالوصفي، إضافة إلى المدخلات الحتمية التي تقحم غير الأكاديمي في المجال الأكاديمي من المعارف الاستهلاكية الصحفية والشعبية بلا وازع علمي...

[41] Immanuel Wallerstein, World Systems Analysis, Durham USA, Duke university press, 2006, p4-10.

[42] Ibid, p74.

[44] جورج زيمل، الفرد والمجتمع، مرجع سابق، ص53.

[51] المرجع نفسه، ص73-74.

[52] المرجع نفسه، ص74.

[54] علي المحمداوي وآخرون، مدرسة فرنكفورت النقدية، وهران: دار ابن النديم، الطبعة الأولى، 2012م، ص254-258.

[56] حال كونت وميد شبيهة أيضًا بابن خلدون وبودان وزيمل، الذين انطلقوا من التقاليد الفلسفية لتأسيس علم اجتماعي يهتمُّ بالوقائع الفعلية، وما يعزز مكانة ميد في هذا الإبداع هو ربطه بين البراغماتية وعلم الاجتماع، وسعيه لتقديم موقف فلسفي متماهٍ مع النظرة التخصُّصية لعلم الاجتماع، فتزول الحدود بين النزعة الفلسفية والنظرة التخصُّصية عندما تغدو الفلسفة ذاتها ضربًا من ضروب علم الاجتماع، فهو وروَّاد البراغماتية قد طرحوا الفلسفة في أرض علم الاجتماع، على أنها حملت الطابع الميتافيزيقي بالضرورة كفلسفة، وهو الموقف الذي لا يفترض أن ينتقل إلى علم الاجتماع كعلم، إلا إذا استحال هو الآخر إلى نزعة نظرية خالصة، فيغدو فلسفة!

[57] Ibid, https://bit.ly/3KP9bkt, Seen 11/04/2023

[60] المرجع نفسه، ص30-37.

[61] تندرج معضلة السجين ضمن "نظرية الألعاب" التي ظهرت في المجال الاقتصادي، وتسربت إلى علم الاجتماع، وذلك بعد تبني علماء الاجتماع للمنظور الاقتصادي القائم على مبدأ الربح والخسارة الذي اعتبر مبدأ موجهًا للفاعلين الاجتماعيين، تبنَّته خاصة نظرية التبادل التي هي نظرية اقتصادية بالأساس، والتي دخلت الحقل السوسيولوجي باسم نظرية الاختيار العقلاني. ومفاد معضلة السجين أن شخصين أُلقي عليهما القبض بتهمة ارتكاب جريمة، وعُزل الشخصان كل واحد في غرفة مستقلة للتحقيق، حيث ينشأ الرهان لدى السجينين خلال التحقيق وفقًا لمعادلات دقيقة يستهدف منها السجينان تخفيف أقصى قدر من العقوبة، وذلك وفق الاحتمالات التالية: أ- اعتراف السجينين بكل شيء يعرضهما معًا لعقوبة قاسية. ب- إحجامهما معًا عن الاعتراف يقلل عقوبتهما إلى أقصى حدّ. ج- المعضلة هي خشية أحدهما أو كليهما عند الإحجام عن الاعتراف أن اعتراف الآخر، الذي يُعَدُّ خيانةً لصاحبه، يُعرِّض المحجم عن الاعتراف إلى أقصى عقوبة. وهذا المثال القائم على حسابات احتمالية رياضية يكشف عن حقيقة ما يعتمل لدى الفاعلين عند تبادلهم الاجتماعي الذي يقتضي التضحية الظرفية مقابل انتظار رد الجميل مستقبلًا، حيث تتميَّز الحياة الاجتماعية عن نظيرتها الحياة الاقتصادية بعدم الفورية في التبادل، وأن الفاعلين معرضون للخيانة والخذلان.

 

الكلمات الدلالية