العودة للفطرة .. مقاربة فلسفية لفكرة الحق الطبيعي

 

من أهم الأسس الفكرية التي تنطلق منها منظومة حقوق الإنسان المعاصرة؛ حسب معطياتها المعاصرة، معرفة الأسس الفكرية التي قامت وتقوم عليها تلك الحقوق، ولعل أهم فكرة بلورت توجه الإنسان نحو حقوقه، فكرة الحق الطبيعي.

وهذا الأساس الطبيعي؛ ربما يعتبر أهم الأسس الفكرية التي قامت عليها فكرة حقوق الإنسان؛ بل تعتبر ولادة مصطلح “حقوق الإنسان” جاءت من رحم الحق الطبيعي الذي بدأ الحديث حوله بشكل بسيط على يد الفيلسوف الروماني شيشرون، في منتصف القرن الأول قبل الميلاد، ثم توما الأيكويني في القرن الثالث عشر الميلادي، ولكنه صار أكثر نضوجًا عندما تمت المقارنة بين الحق الإلهي المستغل من قبل الكنيسة في العصور الوسطى وبين الحق الطبيعي كفكرة تعارض هذا الاستغلال الديني للحقوق الطبيعية.

وكان أكثر من تحدث عنها الفيلسوف الهولندي هوغو غروتيوس (ت 1645م)؛ حيث أصبح الحديث حول القانون الطبيعي، الذي يُعد هو المعيار بين التصرفات العادلة والظالمة بتقدير العقل الإنساني، كمشترك عام بين البشر.

ثم جاء الإنجليزي توماس هوبز (ت 1679م)، الذي انطلق عمله من مراجعة تاريخية، مفادها أن الإنسان عاش مرحلة من العنف والصراع الدائم سمّاها: “حرب الكل ضد الكل”، أو “الإنسان ذئب الإنسان”، فإن الحل حسبه هو استبدال هذا العنف بعنف آخر فوق الجميع، يجعل الأفراد كلهم يرضخون له دون استثناء، والمتمثل في “اللّوفياتان”[leviathan) [1)، وهو عنوان كتابه ذائع الصيت؛ حيث يتنازل الأفراد عن حقوقهم لصالح عقدٍ اجتماعي يتم بمقتضاه ضمان الإرادة العامة والسلم الاجتماعي، وفق سلطة مركزية تديرها الدولة في جميع الأمور.

ومع أن جون جاك روسو (ت 1778م) قد سار في نفس الاتجاه؛ إلا إنه يستند لمراجعة تاريخية مختلفة ضمّنها في كتابه “أصل التفاوت بين الناس”، والأهم منه في تحويل فكرة الحق الطبيعي إلى قوة قانونية واختيار جماعي توافقي، جاء ذلك في كتابه الشهير “العقد الاجتماعي”[2]، فتطور القانون الطبيعي عبر عدد من النظريات الفلسفية، وخلص بجملة من الأفكار، يمكن إيجازها على النحو الآتي:

أولًا: مساواة الجميع في هذه الحقوق، فللطبيعة قوانينها التي يخضع لها كل إنسان، فالجميع متساوون مستقلون، وليس لأحد أن يسيء إلى أخيه في حياته أو صحته أو حريته أو ممتلكاته.

ثانيًا: أن الحقوق الطبيعية للأفراد سابقة على الوجود القانوني والسياسي؛ لأن الأفراد يولدون بحقوقهم الطبيعية، وعند نشأة المجتمع المتمدن يأخذون معهم حقوقهم الطبيعية إلى وضعهم المدني التعاقدي.

ثالثًا: أن الحقوق الطبيعية تقتضي اعتبارَ الحرية هي أساس الوجود الإنساني.

ولقد تبلورت هذه الأسس في الأدبيات الأولى لحقوق الإنسان في الفكر الغربي، كما جاء في المادة الثانية من الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن 1789م: “الهدف من أي تجمع سياسي هو الحفاظ على الحقوق الطبيعية للإنسان التي لا تسقط بالتقادم، وهذه الحقوق هي الحق في الحرية والحق في الملكية والحق في الأمن والحق في مقاومة الاضطهاد”.

وفي المقابل يحق لنا التساؤل: هل كانت هذه الفكرة البدهية بعيدة عن أدبياتنا الإسلامية؟ ويمكن القول بشيء من المقاربة المعرفية: إن فكرة الفطرة الإنسانية ربما تكون الأقرب لفكرة الحق الطبيعي، فالنصوص والمقاصد الشرعية- كما جاءت في القرآن والسنة- تعطي نظرية متماسكة حول الحق الأصلي الذي يوجد مع الإنسان منذ ولادته، ويمكن أن نأخذ ما قدمه الطاهر ابن عاشور مثالًا على نظرية الفطرة الإسلامية؛ وأنها الحق الطبيعي المؤسس لفكرة الحقوق في الإسلام.

فالإمام ابن عاشور قامة علمية يندر تكَرُّرها في التاريخ المعاصر، لسعة معارفه ودقة فهمه لأسرار الشريعة ومقاصدها، يظهر ذلك في مؤلفاته الباهرة، وأهمها تفسيره العظيم “التحرير والتنوير” وكتابه المميز في “مقاصد الشريعة الإسلامية”، والمقصود في هذا المقام حديثه الماتع والنافع عن وصف الفطرة، حيث جعلها وصفَ الشريعة الإسلامية الأعظمَ، ومن خلالها بُنيت مقاصد الشريعة.

وهو بهذا الاعتبار المفاهيمي لـ(الفطرة)، يرى أن معنى الفطرة الوارد في القرآن لم يجد من أتقن الإفصاح عنه من علماء الأمة[3]؛ كما في قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}. [الروم: 30]. فاستنتج ابنُ عاشور أن الفطرةَ التي فطر الله تعالى الناس عليها هي أصل الخلقة الإنسانية، وهذا الأصل الأنسني أو الطبيعي لا ينبغي أن يغيب في كل عقائد وتشريعات الإسلام.

يشرح مراده في تفسيره بقوله: “إن الإنسان مخلوق على حالة الفطرة الإنسانية التي فطر الله النوعَ ليتصف بآثارها، وهي الفطرة الإنسانية الكاملة في إدراكه إدراكًا مستقيمًا مما يتأدَّى من المحسوسات الصادقة، أي: الموافقة لحقائق الأشياء الثابتة في نفس الأمر، بسبب سلامة ما تؤديه الحواس السليمة، وما يتلقاه العقل السليم من ذلك ويتصرف فيه بالتحليل والتركيب المنتظمين؛ بحيث لو جانبته التلقينات الضالة والعوائد الذميمة والطبائع المنحرفة والتفكير الضار، أو لو تسلطت عليه تسلطًا ما فاستطاع دفاعها عنه بدلائل الحق والصواب، لجرى في جميع شؤونه على الاستقامة، ولما صدرت منه إلا الأفعال الصالحة، ولكنه قد يتعثَّر في ذيول اغتراره هو، يرخي العنان لهواه وشهوته، فترمي به في الضلالات، أو يتغلب عليه دعاةُ الضلال بعامل التخويف أو الأطماع فيتابعهم طوعًا أو كرهًا، ثم لا يلبث أن يستحكم فيه ما تقلده في عتاده وينسى الصواب والرشد”[4].

وهذه النتيجة التي توصل لها، استعان في فهمها بشرح ابن سينا للفطرة؛ حيث جعل أن مشاهدة المحسوسات وعرضها على الذهن دون شك، فهو من فطرة القوة التي تسمى عقلًا، وقد تكون الفطرة صادقةً من خلال مقدمات مشهورة محمودةً أوجب تصديقها شهادةُ الكل مثل أن العدل جميل، أو تقرَّرت في الأنفس وتعودت عليها دون نكران أو ضرر مثل الحياء والاستيناس، أو صدقتها الفطرة نتيجةً للاستقراء الكثير.

وبناءً عليه يرى ابن عاشور أن الإسلام بأصوله وفروعه يتماشى مع الفطرة، أي مع الحق الطبيعي، والذي يمثل المشترك البشري العام، ولو افترضنا التعارض بين مطالب الإنسان وما جاء في الشريعة، فإن السبب لهذا التعارض هو انحراف الفطرة أو انحراف التأويل للشريعة، لذلك جعل ابن عاشور الفطرة الصافية أو الأنسنة النقية من الأهواء؛ أعظم أوصاف الإسلام وتقوم عليها مقاصد الشريعة.

وقد اهتم بضبط معنى الفطرة الوارد في القرآن، وذلك بذكر المحترزات، خوفًا من الوقوع في زلل الأفهام وانحراف التصورات، وبالتالي يجعل تصرفَ الإنسان- أيًّا كان- جزءًا من أحكام الشريعة، ولأجل ذلك قال: “إن المجتمع الإنساني قد مُني عصورًا طويلة بأوهام وعوائد ومألوفات أدخلها عليه أهل التضليل، فاختلطت عنده بالعلوم الحق فتقاول الناس عليها وارتاضوا على قبولها، فالتصقت بعقولهم التصاق العنكبوت ببيته، فتلك يخاف منها أن تُتلقى بالتسليم على مرور العصور، فيعسر إقلاعهم عنها وإدراكهم ما فيها من تحريف عن الحق، فليس لتمييزها إلا أهل الرسوخ أصحاب العلوم الصحيحة الذين ضربوا في الوصول إلى الحقائق كل سبيل، واستوضحوا خطيرها وسليمها فكانوا للسابلة خير دليل.

وكون الإسلام هو الفطرة، وملازمة أحكامه لمقتضيات الفطرة صفة اختص بها الإسلام من بين سائر الأديان في تفاريعه، أما أصوله فاشتركت فيها الأديان الإلهية، وهذا ما أفاده قوله: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [التوبة: 36]. فالإسلام عام خالد مناسب لجميع العصور وصالح لجميع الأمم، ولا يستتب ذلك إلا إذا بنيت أحكامه على أصول الفطرة الإنسانية ليكون صالحًا للناس كافة وللعصور عامة، وقد اقتضى وصف الفطرة أن يكون الإسلام سمحًا يُسرًا؛ لأن السماحة واليسر مبتغى الفطرة”[5].

لذلك دعا ابن عاشور للمحافظة على الفطرة بالعوائد السليمة كالآداب ومحاسن الأخلاق؛ بل إنه أبدع في ذلك عندما جعل “الحضارة الحق من الفطرة لأنها من آثار حركة العقل الذي هو من الفطرة، وأنواع المعارف الصالحة من الفطرة؛ لأنها نشأت عن تلاقح العقول وتفاوضها، والمخترعات من الفطرة لأنها متولدة عن التفكير، وفي الفطرة حب ظهور ما تولد عن الخلقة”[6].

ولأجل ضبط معنى الفطرة عند ابن عاشور كونه المؤصل له، بدأ بتقرير معاني الفطرة وفق أمور أربعة:

الأول: النصوص الشرعية المعرّفة للدين القويم كما في استشهاده بقوله تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}{ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم: 30]، وهنا تظهر معالم الدين القيم بأصوله العقدية والتشريعية، التي يتجلى فيها معنى الفطرة بحكم التشريع وغاياته المعقولة.

الثاني: المحسوسات المشاهدة أو الصادقة كما عبّر، أي: الموافقة لحقائق الأشياء الثابتة في نفس الأمر، وهنا يطبق معيارًا مفاهيميًّا على إدراك الفطرة، أنها ما وافق الواقع الحسي والتجربة العينية المادية التي تُثبت حقيقةً واقعية وليست نظرية.

الثالث: الموافقة للعقل البرهاني المدرك بالتحليل والتركيب المنطقيين صحةَ الأمور وصوابها، لذلك جعل رحمه الله المخترعات الحديثة من الفطرة؛ كونها من التفكير الصحيح ولوازم البرهان الحق.

الرابع: العوائد السليمة التي تعارف عليها الناس، وتخلقوا بها، وتواطأت عادات الناس على قبولها، فهي من الفطرة. وضرب على ذلك مثالَ السماحة واليسر، كمطلب يحبه الناس في عوائدهم وهو من صميم فطرهم السليمة، ويمكن جعل الحديث النبوي تأكيدًا على توافق الناس حول عادات هي من الفطرة، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: “عَشرٌ من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاقُ الماء، وقصّ الأظفار، وغسل البراجِم، ونتفُ الإبط، وحلقُ العانة، وانتقاص الماء”[7].

وقد حذر ابن عاشور من أربع مشوهّات للفطرة، وهي: التلقينات الضالة، والعوائد الذميمة، والطبائع المنحرفة، والتفكير الضار. وهي تقريبًا الجانب السلبي من مقومات المفهوم الفطري الذي أراده ابن عاشور أن يكون الحقَّ الطبيعي الذي يمثل إرادة الإنسان أيًّا كان.

هذه المقاربة هي وجهة نظر تُقدم رأيًا مقاصديًّا بالغَ الأهمية في أعظم النظريات الإنسانية المعاصرة والمتعلقة بالحق الطبيعي[8]. ومن هنا يتجلى لنا أن نظرية الفطرة الإنسانية وما تقابلها في الفكر الغربي والمتمثلة بالحقوق الطبيعية، هي الأساس الفكري التي انبثقت منه غالب منظومة الحقوق الإنسانية، واعتمدت عليها المواثيق الحقوقية الأولى؛ خصوصًا التي صدرت في القرن الثامن عشر الميلادي بعد الثورة الأمريكية والفرنسية.

الهوامش ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] كتاب الليفاثان لتوماس هوبز، ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب، مراجعة د. رضوان السيد، طبعة دار الفارابي كلمة للترجمة، الطبعة الأولى 2011م. ص 138-142.

[2] انظر: كتاب في العقد الاجتماعي لجاك جان روسو، ترجمة عبد العزيز لبيب، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى 2011م، ص 105-124.

[3] انظر: مقاصد الشريعة الإسلامية، الشركة التونسية للتوزيع 1978م، ص57.

[4] تفسير التحرير والتنوير، طبعة دار سحنون بتونس 31/425.

[5] تفسير التحرير والتنوير 22/92.

[6] مقاصد الشريعة 59.

[7] رواه مسلم، الحديث رقم 604.

[8] انظر: كتاب الدين والسياسة والأخلاق. مباحث فلسفية في السياقين الإسلامي والغربي، للدكتور: عبدالله ولد أباه، نشر دار جداول، 2014م.

image_print
الوسوم: , , ,
باحث وأكاديمي سعودي، يعمل أستاذا لأصول الفقه بقسم الدراسات الإسلامية والعربية، جامعة الملك فهد للبترول والمعادن.

مواد ذات صلة

أضف تعليقك

avatar