شكل القرآن: معالم تاريخية
يجسد القرآن الذي بين أيدينا اليوم نصًّا بقي ثابتًا مستقرًّا بصورة ملحوظة في شكلٍ مكتوبٍ ومنطوقٍ لأكثر من ألف عام. وبالطبع، فإن التصور التقليدي الذي تلقاه الناس بالقبول هو أن النصَّ قد ثبت واستقرَّ منذ البداية قبل 1400 عام مضت، وأنه نُقل إلينا كما هو مسموعًا ثم مكتوبًا. ومع ذلك، فإن مصادرنا التراثية تشير إلى وجود قدرٍ لا بأس به من اختلاف النص في مبدأ الأمر، ولو على مستوى مصغر، وبخاصة في تلك الفترة التي سبقت قرار الخليفة عثمان جمع الناس على رسمٍ واحدٍ نحو سنة 30هـ/650م، وكذلك طوال القرون الثلاثة التالية وإن كان على نحو محدود جدًّا، إلى أن اتخذ النصُّ صورة قياسية موحَّدة مع تبلور القراءات القرآنية. وتُعَدُّ القراءات مسارات مختارة عبر احتمالات محدودة، بيد أنها موجودة لطريقة قراءة النص. وهذه القرون الثلاثة هي مدار الحديث في هذا الفصل مع العناية بوجه خاص بالأسئلة البحثية المستمرة، وخاصةً كيفية فهم فكرة النص الثابت الذي يسمح -مع ذلك- بقدرٍ من الحرية والمرونة رغم زيادة وتيرة توحيد النص والاستقرار على صورته القياسية بمرِّ السنين.
والنص بصورته المعهودة اليوم هو ما أقرَّه ابن مجاهد (ت324هـ/936م) في "كتاب السبعة في القراءات"، حيث تناول القراءات أو الاختيارات النصيَّة المختلفة لسبعة من كبار القُرَّاء. ومنذ هذا الحين، لاقت "القراءات السبع" قبول العلماء ومن ورائهم جماهير المسلمين لتكون تجسيدًا معتمدًا للنص القرآني. ومن الضروري أن نؤكِّد على أن ابن مجاهد كان أولَ مَن سبَّع السبعة على حدِّ قول ابن الجزري (ت833هـ/1429م)[1]، مما يعني أن الأمر كان مجرَّد اختيار منه لهذه القراءات، وكان من الممكن أن يشمل الاختيار سواها. وهناك عدد من الكتب التي صُنِّفت قبل زمانه وبعد وفاته تحدَّثت عن عدد من القراءات تراوح ما بين خمس إلى خمسين قراءةً. ومفهوم القراءات العشر تحديدًا -وإن لم ترد الإشارة إليه بنفس وتيرة الحديث عن القراءات السبع- لا إشكال فيه مطلقًا في الأوساط العلمية الإسلامية.
وحينئذ فإن أولَ سؤال نطرحه في هذا الصدد يبحث في طبيعة التفاوت والاختلاف بين هذه القراءات السبع أو العشر. ويمكن القول بإيجاز إن هذه الاختلافات تتناول المجموعة المعتادة في أي تقليدٍ نصيٍّ مستمدٍّ في الأصل من مصدر شفاهي. فهي اختلاف في الحركات (نتيجة عدم ضبط الرسم القرآني بالحركات)، واختلاف في حروف المدّ (التي لا تظهر غالبًا في الرسم وإن وردت في بعض المواضع)، واختلاف في نَقْط الحروف المشتبهة (وغالبًا ما تخلو المصاحف المبكرة من إعجام هذه الحروف)، فضلًا عن الاختلاف في قراءة بعض الحروف الفردية (من ذلك فروق طفيفة في الرسم). ومع ذلك، لا يترتب على جميع هذه الحالات أيُّ تغيير مهم في المعنى.
وفضلًا عن القراءات السبع أو العشر، هناك إشارات كثيرة في المصادر التراثية إلى قراءات أخرى عُرفت بالشاذة اشتملت على اختلافٍ في بعض الكلمات أو في ترتيبها في الجملة، أو جاءت مشتملة على زيادة أو سقط لكلمات أو عبارات، أو فوق ذلك في بعض الحالات. أما السؤال الثاني فكيف نشأت هذه القراءات أو كيف حدث هذا المستوى من التباين والاختلاف؟ بعبارة أخرى يتجلَّى فيها الجانب اللاهوتي: كيف نفهم كل هذه المادة في سياق كتاب يُقال إنه صورة صادقة من أصلٍ سماويٍّ لم يتطرق إليه تغيير ولا تحريف منذ أن جاء أولَ مرة على لسان النبي محمَّد؟
وقد بيَّن العديد من الباحثين أن كلمة "كتاب" التي وردت في القرآن تشير -في الأغلب الأعم- إلى معنى مجازي لا كيان مادي.
هناك على الأقل طريقان في الإجابة عن هذا السؤال: الأول ما عُرف بالمنهج التاريخي النقدي الذي سار عليه علماء الكتاب المقدَّس خاصَّة، بمعنى أن القرآن مثله مثل أي نصٍّ مكتوبٍّ امتدت إليه يَدُ البشر بالتنقيح والتحرير، ومقتضى ذلك ألَّا يكون صورة صادقة عن أصل سماوي، وأنه كان عرضةً للتغيير والتحريف. أما المنهج الثاني -وهو المُقترح هنا- فأن نقبل الأخبار كما هي بدلًا من ردِّها أو التعسُّف في تبرير ما يشوب الصورة من تناقضات ظاهرة، حتى نصل بذلك إلى فهم الأمر برمَّته والصورة بمجملها.
بادئ ذي بدء نلاحظ أن "الكتاب" الذي نتحدَّث عنه، وعُرف "بالقرآن"، هو في مبدأ الأمر كيان لا يحدُّه زمان ولا مكان، وإن أتى بعد ذلك في زمان معيَّن ومكان محدَّد؛ بمعنى أن هناك مرحلة متصورة كان فيها "كتابًا" دون أن يصبح قرآنًا. وقد بيَّن العديد من الباحثين[2] أن كلمة "كتاب" التي وردت في القرآن تشير -في الأغلب الأعم- إلى معنى مجازي لا كيان مادي. ومثال ذلك ما جاء في الآية الثالثة من سورة فصّلت حين وصفت القرآن بأنه "كتاب" فصّلت "آياته" في صورة قرآن، وبذلك تقدم لنا "كتابًا" يصير وحيًا متلوًّا. وثمة آيات أخرى تشير إلى "كتاب مسطور" كما في الآية (58) من سورة الإسراء. وذكر أهل التأويل أن المراد بهذه الإشارات "اللوح المحفوظ"، مصداقًا لما جاء في الآية القرآنية التي تصف القرآن بأنه في "لوح محفوظ"، أو بقراءة الرفع على أنه نعتٌ للقرآن فيكون المعنى: قرآن "محفوظ في لوح"[3].
ووردت الإشارة إلى هذا اللوح المحفوظ في موضع آخر من القرآن، فقد جاء في الآيات (11-16) من سورة عبس قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ. فَمَن شَاء ذَكَرَهُ. فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ. مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ. بِأَيْدِي سَفَرَةٍ. كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾. والمراد بقوله "بأيدي سفرة كرام بررة" الملائكة الموكلون باللوح المحفوظ. وهذا بدوره يفسح المجال للتفسير نفسِه في موضع آخر في سورة الواقعة (77-79) في قوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ. لّا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾، فالمطهرون في هذه الآية إشارة إلى الملائكة. ودائمًا ما تقترن هذه الآيات بالكلام عن وجوب الطهارة عند مسِّ المصحف، لكن الإمام مالك مثلًا وإن قال بالوجوب فقد استدلَّ بما جاء في كتاب النبي إلى عمرو بن حزم، وفيه: "وَلاَ يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلاَّ طَاهِرٌ"، في حين رأى أنّ المراد بالآية الكريمة هم الملائكة[4]. وعلى أية حال، ورد وصف القرآن بأنه "كريم" "ومطهّر"، وطهارة المرء قبل مسِّه هي الأنسب إكرامًا للقرآن وتعظيمًا لقدره.
ونلاحظ كذلك كما ورد في الأخبار التي جاءتنا أن المادة الموجودة في اللوح المحفوظ انتقلت إلى الملائكة الكرام الحفظة وهم مخلوقون من نور، ثم إلى جبريل الذي نزل به على قلب النبي فتلاه على الناس. وفي هذا يقول القرآن في سورة الشعراء (193-195): ﴿نزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾. ولهذا هناك مصدر للقرآن لا يحدُّه زمان ولا مكان، موصوف بأنه كتاب لكنه ليس كسائر الكتب التي نعهدها. والهدف من إيراد هذا الكلام كله أن نؤكِّد على أن "المحفوظ في اللوح" ليس "كتابًا" بالمفهوم المتعارف عليه لهذه الكلمة، وأنه من الضروري مراعاة هذا الفارق إذا ما حاولنا فهم طبيعة الحفظ القرآني. فالقرآن تنزيل كما يقول عن نفسه، وفهمنا لهذا الأمر سينعكس بالضرورة على فهم محتواه، ليس هذا فحسب، بل وفهم شكله بوجه أخصّ.
ولا ريب أنه مع مجيء هذا التنزيل، فمن الضروري نقله لما يمثله من أهمية للمجتمع. وإذا نظرنا من الناحية اللغوية، وجدنا طريقَيْن جليَّيْن لهذا النقل: منطوق ومكتوب. وفي حالة القرآن، فمن المفترض بداهةً أن مَن تلا النص القرآني هو النبي؛ ولذا فإن المرحلة الأولى هي النقل الصوتي المنطوق، وهذا هو المعنى الحرفي لكلمة قرآن، فالمراد بها ما يُقرأ أو يُتلى بصوت مسموع. وثمة إجماع في التراث الإسلامي على أن النبي كان "أُميًّا" لا يقرأ ولا يكتب. ومع ذلك، فقد أمر بكتابة أجزاء من القرآن، على الأرجح معظمه، لتبدأ بذلك عملية النقل المكتوب جنبًا إلى جنب الشكل المنطوق. وعند هذه المرحلة تحديدًا نجد أنفسنا أمام بدايات "كتاب" بالمعنى المتعارف عليه لهذه الكلمة. وينبئنا التراث أن النبي كان يأمر بكتابة ما يستجدّ من آيات، وأنه اتخذ عددًا من كَتَبة الوحي من بين الصحابة. ورغم ذلك، ليس هناك في الوقت ذاته دليل واضح على كتابة القرآن كله في حياة النبي. بل على العكس، فإن صورة جمع القرآن بشكل مكتوب بعد وفاة النبي تشير صراحةً إلى الاعتماد بدرجة كبيرة على "صدور الرجال" كأحد المصادر الرئيسة للمادة القرآنية (إلى جانب السعف والحجارة ونحوها). ونظرًا لأن مساحة سطح المواد الأخرى محدودة، فمن المحتمل أنه مع وفاة النبي كانت هناك أجزاء كبيرة من القرآن لا تزال محفوظةً في صدور الرجال دون أن تتخذ شكلًا مكتوبًا. ومع ذلك، فإن تدوين وثيقة شفاهية في الأصل، بمعنى تحويل قرآن يُتلى إلى كتاب ملموس بالمفهوم الذي عُرف فيما بعد لا بالمعنى المجازي، لم يكن عملًا بسيطًا مباشرًا كما يبدو. فمثلما ثبت مثلًا في حالة هوميروس والشعر الإغريقي القديم، بل واطرد في الكثير من التقاليد الشفهية الأخرى، فإن الأدب الشفهي يُفسح المجال لمستوى من التباين والاختلاف يصعب تصويره في شكل مكتوب، لكنه يبقى مع ذلك محافظًا على الشكل الإجمالي والمعنى العام. ولذا رأى الباحثون أنه من المناسب الحديث عن تعدُّد الشكل في مقابل اتحاده، مما يبيِّن طبيعة نصٍّ ما قبل تدوينه؛ إذ إن أيَّ أداء لهذا النص قد يسفر عن أو يتَّسم بتعابير مختلفة قليلًا للكلمة ذاتها أو العبارة أو الفكرة نفسها[5]. ويصدق هذا على القرآن أيضًا، فقد رأت بعض الدراسات الحديثة[6] أن تعدُّد الشكل هو أفضل سبيل لفهم القراءات المختلفة التي وصلتنا، بوصفها أنظمة مستمرة للتلاوة (القراءات السبع أو العشر)، وكذلك كونها محفوظةً على نطاق واسع في التراث بمثابة ذاكرة تحوي الاختلافات الشكلية الكبيرة بين ما عُرف "بمصاحف الصحابة"، وهي اختلافات تحافظ -مع ذلك- على المضمون نفسِه.
رأى بعض الباحثين أن الاختلافات بين مصاحف الصحابة ليست من قبيل تعدُّد الشكل، وإنما انحرافات بالمعنى الإحصائي عن نصٍّ واحدٍّ متحدٍ بصورة فاعلة (هو الأصل الذي جاء عن النبي).
ومن الضروري في إطار فهم تعدُّد الشكل أن نلتفت إلى وجود الأحرف السبعة في زمن النبي وبعد وفاته في عهد ثلاثة من الخلفاء الراشدين. وتتلخَّص هذه الظاهرة في حديث مشهور حول نزول القرآن على سبعة أحرف: فعن عُمَرَ بن الْخَطَّابِ أنه قال: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَأَنِيهَا فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ، فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرْسِلْهُ»، ثُمَّ قَالَ: اقْرَأْ يَا هِشَامُ فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ»، ثُمَّ قَالَ لِي: اقْرَأْ فَقَرَأْتُهَا. فَقَالَ: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ»، «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ»[7].
وهناك حاجة لمزيد من الدراسة لهذا الحديث أو بالأحرى لهذه الظاهرة التي وردت في الحديث، وخاصةً ما تقتضيه كلمة حرف، غير أنه يتجلَّى على الفور أمران: أولهما وجود اختلافٍ كبيرٍ على مستوى التفاصيل في الشكل القرآني (كما يظهر من وجود طريقتين "مختلفتين" لقراءة السورة نفسها)، وثانيهما أن تفسير "الأحرف السبعة" بأنها سبع لغات، ومرادنا باللغة هنا اختلاف اللهجة من مصرٍ إلى آخر، هو قول ضعيف وإن كان شائعًا؛ فإن بطلي القصة في هذا الحديث من القبيلة ذاتها، ومن ثَمَّ ينطقان بلهجة واحدة ولسان واحد.
وهذا الحديث وغيره من الإشارات الكثيرة المماثلة التي وردت في كتب الحديث تبيِّن وجود سلطة نبويَّة في إقرار هذه الاختلافات. ومع ذلك، رأى بعض الباحثين[8] أن الاختلافات بين مصاحف الصحابة ليست من قبيل تعدُّد الشكل، وإنما انحرافات بالمعنى الإحصائي عن نصٍّ واحدٍّ متحدٍ بصورة فاعلة (هو الأصل الذي جاء عن النبي). ومن المهم الوقوف على ما احتجَّ به أصحاب هذا القول ومَن ردَّ قولهم.
ومهما كان الحال، يتضح من الأدبيات السابقة أن عددًا من الصحابة اتخذ مصحفًا خاصًّا أو كتب نسخة من القرآن تختلف في بعض التفاصيل عن سواها. لذا على سبيل المثال لدينا شواهد على أن مصحف ابن مسعود -وهو أحد المصاحف المبكرة- يشتمل على عبارة "قل للذين كفروا" بدلًا من "قل يا أيها الكافرون" في مطلع سورة الكافرون[9]، وهو اختلاف في التركيب النحوي وفي صياغة المعنى نفسِه. وهناك إشارات لقراءات وردت عن ابن مسعود وغيره من الصحابة في مواضع شتَّى من كتب التفسير والقراءات على وجه الخصوص. ولذا من الضروري للباحثين ألَّا يحاولوا تسويغ هذا الجانب أو إغفاله، بل يتوجب عليهم فهمه وإدراك أنه عُرفٌ جرى العمل به قبل أن يجمع عثمان الأُمَّةَ على مصحف واحد متفق عليه، أي وفق رسم واحد معتمد.
ومن الأسئلة البحثية الرئيسة في هذا الصدد أن نتحقَّق من مدى التأثُّر الذي طال "القرآن" نتيجة قرار عثمان، والمراد بهذا النظر في الخيارات التي كانت متاحة قبل الجمع العثماني ثم منعها عثمان بإجماع من الصحابة، فما هي هذه الخيارات؟ يعتمد هذا السؤال على فهم مسألة "الأحرف السبعة". فإذا كانت هذه الأحرف السبعة تجسد مستوًى مقبولًا من الاختلاف على المستوى الشفاهي وهو الأرجح، فإن تحديد الرسم القرآني أدى بالضرورة إلى الحدِّ من مستوى هذا الاختلاف. ومع ذلك، لم يضع نهاية له تمامًا. فهناك اختلافات تبدو مستندة إلى طريقين مختلفين لا في القراءة فحسب، بل في تقسيم الآيات. ولذا نجد مثلًا من بين السبع مَن قرأ "إذا دبّر" ومنهم مَن قرأ "إذ أدبر" في الآية (33) من سورة المدثر بحسب موضع الألف، فمنهم من جعلها ألف إذا واختار البعض أنها ألف الفعل أدبر. وكذلك الحال في قراءة "أنصارًا لله" و"أنصار الله" في الآية (14) من سورة الصف (وفي كلتا الحالتين لا بدَّ من الالتفات إلى ما جرى عليه الخط العربي المبكر في ترك المسافة نفسها بين الحرف إذا كُتب بشكله الذي يأتي به في آخر الكلمة والحرف الذي يليه حتى وإن كان ذلك في وسط الكلمة أو في نهايتها).
وما يعنينا في كل هذه الحالات وفي ظاهرة القراءات ككل أنها تُعبّر عن معنى واحد. ويتجلَّى هذا في كلام أحد صغار التابعين، وهو ابن شهاب الزهري (ت124هـ/742م)؛ إذ رُوي عنه أنه قال: "بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي الأمر الذي يكون واحدًا، لا يختلف في حلال ولا حرام"[10]. وما إن يتحوَّل النقل الشفهي إلى كتابة حتى تبرز إشكالات أخرى. وفي حالة لغة القرآن العربية، تتجلَّى مشكلتان بشكل خاص: مسألة إعجام الحروف التي تقبل الإعجام، ومسألة استخدام حروف المدّ وبخاصة في المفردات المشتملة على حرف الألف. ولذا فإن القِطع القرآنية المخطوطة في الحقبة الأولى غير معجمة إلَّا ما ندر، وكثيرًا ما تخلو من الألف التي أضيفت في وقت لاحق. وحتى الآن لا نجد مصاحف كاملة تُمثِّل هذه الحقبة، فليس لدينا إلا بعض القِطع القرآنية الناقصة وإن كانت شاملة في بعض الحالات. وقد عُنيت بعض الدراسات بطبيعة هذا الإعجام وحجمه[11]، لكن لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات حول هذا الجانب من الرسم القرآني.
ومن بين نماذج التباين في إثبات الألف أو إسقاطها كلمة "شيء" التي تُزاد فيها ألف متوسطة، والفعل "قال" الذي يخلو من الألف. وهذه الأمثلة وغيرها من الكلمات الشبيهة قد لفتت أنظار الباحثين[12]، بيد أنه لم يتم تناول هذه الاستخدامات المتباينة بتحليل وافٍ يتجاوز مسألة ورود "قال" وشبيهاتها بغير الألف وإثباتها في كلمة "شيء" المرفوعة والمخفوضة في هذه القِطع القرآنية الأولى. ونأمل أن يحظى هذا الجانب بمزيدٍ من الدراسة في المستقبل. كذلك فإن بعض المخطوطات الأولى تشتمل على شيء من السيولة أو التفاوت في عدِّ الآيات. بمعنى أن الآيات التي مُيزت بعلامات الفاصلة لا تتطابق دومًا مع نهايات الآيات القرآنية المشار إليها في كتابات لاحقة في هذه المسألة، وليس هناك اتساقٌ في علامات التخميس والتعشير[13]. وتحديد المراد بهذه الشذوذات وما تعنيه أمر يحتاج إلى مزيد بحث ودراسة، وخاصةً المواضع التي استُخدمت فيها فواصل الآيات لتشير إلى ما اعتبره المؤلفون المتأخرون ممَّن كتبوا في هذا الموضوع وقفاتٍ حسنة لا وقفات تامَّة، كما عند ابن الأنباري (ت328هـ/939م) في "كتاب الوقف والابتداء".

كذلك فإن كتابة القرآن كله استدعت اختيارًا آخر يتعلَّق بترتيب السُّور. وبحسب الرواية التقليدية كما نجدها مثلًا عند ابن عطية (ت546هـ/1151م) في تفسيره، فإن ترتيب السُّور وُضِعَ في زمن عثمان عندما جُمع القرآن في مصحف واحد، رغم أن بعض السُّور مثل الحواميم ربما تكون رُتبت بهذا الترتيب من قبل. وقد وردت أخبار تبيِّن هذه المرونة أو اختلاف الترتيب، من ذلك ما جاء في "الإتقان" للسيوطي (ت911هـ/1505م) حول اختلاف ترتيب السُّور في مصحف ابن مسعود وأُبيّ بن كعب[14]. وهناك نماذج نادرة لاختلاف المصاحف في ترتيب السُّور نجدها في عدد من المصاحف المبكرة التي عُثر عليها في اليمن[15]، لكن لا تزال -على حد علمي- في حاجة إلى دراسة منهجية.
دور الحجاج بن يوسف
من بين الإشكالات الخاصة التي تحتاج إلى مزيد بيان دور الحجاج بن يوسف (ت95هـ/714م) في توحيد الرسم العثماني. ويبدو جليًّا أن الحجاج طلب بعض الإصلاحات في الرسم حين كان واليًا على العراق (75-95هـ/694-714م). وهذا العمل الذي أسماه عمر حمدان مشروع المصاحف الثاني[16] وحدَّد له تاريخًا بين عامي 84-85هـ/703-704م[17] قام عليه عدد من أهل الاختصاص في البصرة، وفي مقدمتهم الحسن البصري، ويحيى بن يعمر، ونصر بن عاصم، وآخرون، وقد عملوا على إضافة علامات الإعجام للتمييز بين الحروف المشتبهة كما استخدموا بشكل كبير النقاط الحمراء للإشارة إلى الحركات. وعُني هذا الفريق كذلك ببعض النواحي العامَّة، مثل: وضع سطر فاصل بين السُّور، واستخدام مجموعات النقاط (أو الشرطات) لبيان رؤوس الآي، فضلًا عن استخدام علامات خاصة للتخميس والتعشير. ونأمل أن يكون هناك مزيد من الدراسة للمصاحف المبكرة، وخاصةً التي يُحتمل أن يعود تاريخها للحقبة الأموية، وأن تُسهم هذه الدراسة في توضيح و/أو تعضيد ما تنبئنا به المصادر الأدبية، ومن ثَمَّ يتسنَّى لنا التحقُّق من دور الحجاج في هذا المشروع وما تضمَّنه المشروع بالفعل.
ومع ذلك، ثمة أمر يتضح من هذه المصادر، هو إصرار الحجاج على عدم استخدام أي قراءةٍ غير موافقة للنص العثماني؛ واقتضى ذلك منع قراءة ابن مسعود في العراق، وخاصةً في الكوفة؛ إذ كانت لا تزال متداولة بين الناس على نحو محدود رغم أمر الخليفة بإتلاف المصاحف المخالفة. وتخبرنا المصادر أن الحجاج بعث لجنةً للتخلُّص من هذه المصاحف وأرسل المصاحف الجديدة إلى الأمصار الإسلامية. لكنَّ هناك أمرًا غير واضح يتعلَّق بمدى كون هذا المصحف الجديد جديدًا على الحقيقة، أي مختلفًا، أم أنه كان مجرد تأكيد على توحيد المصحف في الرسم ورؤوس الآيات، وهو الأرجح على ما يبدو في ظل عدم وجود اعتراضٍ على عمل الحجاج، بل إشادة من خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز[18] رغم انتقاده الشديد للحجاج[19].
ولا ريب أن العلماء و/أو الباحثين الذين يُنسب لهم "اختيار" ما في القراءة كان لهم حضور فاعل في القرن الثاني الهجري، وهي تحديدًا الفترة ذاتها التي عاش فيها القرَّاء السبعة/العشرة.
حقبة الاختيار
وتزامنًا مع "مشروع المصاحف الثاني" تذكر المصادر كتابًا رُبما صُنّف برعاية من الحجاج اشتمل على القراءات المختلفة التي قرأ بها الناس وكانت متوافقة مع رسم المصحف، وقد ظلَّ هذا الكتاب متداولًا إلى زمن ابن مجاهد (ت324هـ/936م) حين صنَّف كتابه في القراءات السبع[20]. وتتَّسم هذه الفترة من بداية مشروع المصاحف الثاني في ولاية الحجاج حتى تصنيف كتاب ابن مجاهد بدرجة من حرية الاختيار بين القراءات بناءً على رسم المصحف. لذا نسمع عن عدد من القرَّاء له اختيار في القراءة يُنسب إليه مثل طلحة بن مصرّف (ت112هـ/730م)، ويزيد السكونيّ (ذاع صيته في مطلع القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي)[21]، وفي بعض الحالات يُتبع هذا بعبارة "شذَّ عن العامَّة/شذَّ فيه"، مثل قراءة أبي السمال الأسدي (اشتهر في القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي)، وقراءة ابن السميفع (المتوفى في مطلع القرن الثاني الهجري)[22]. ويدلُّ هذا على وجود درجة من الاختيار في طريقة القراءة لفترة لا بأس بها، لكن في ظل وجود قاعدة يُمكن الرجوع إليها في الحكم على هذا الاختيار. ولأننا ندرك أن اختيارات القراءات السبع أو الثماني أو العشر ما هي إلَّا تقييدات لاحقة لمجموعة احتمالات واسعة في الأصل، فإن الإشارة إلى فترة الاختيار تدلُّ على حقبة حرجة في تاريخ النص القرآني شهدت رغم استقرار الرسم احتمالات أكبر عمَّا آل إليه الحال في وقت لاحق (وإن جاء هذا دائمًا في نطاق محدود). ونظرًا لوجود عدد من المصاحف المخطوطة التي نكاد نجزم بأنها تعود إلى هذه الحقبة التاريخية، ولأن العديد منها مشتمل على قراءات تخالف السبع أو العشر، فيمكن أن يشهد هذا الجانب تطورات كبرى في فهم نشأة القراءات "المعتمدة" بصورتها المعهودة اليوم. ويتضح من الدراسات الأوَّليَّة[23] أن علامات الإعراب والشكل في هذه المخطوطات المبكرة لا تتوافق بصورة متكررة مع التقديرات التي جاءتنا بها الكتابات المتأخرة في علم القراءات، رغم وجود مخطوطات مبكرة تتوافق قراءاتها بشكل تام مع هذه التقديرات المتأخرة. ويصدق الأمر ذاته على طريقة عدِّ الآيات؛ إذ نجد اتساقًا عامًّا في المخطوطات المبكرة، إلَّا أن الشذوذات المتكررة توحي بأن هذا الجانب في عرض القرآن استلزم هو الآخر بعض الوقت حتى تتبلور طرق العدِّ المدني والمكي والشامي والبصري والكوفي وغيرها مما نجده في كتب هذا الفن في وقتنا الحاضر. وهذا جانب آخر -كما أسلفنا من قبل- يمكن أن يكون مجالًا خصبًا للبحث النافع يستفاد فيه من المخطوطات المبكرة جنبًا إلى جنب كتب التراث التي تصف لنا طريقة الاستقرار على نظامٍ منهجيٍّ في القراءات وطرق عدِّ الآيات.
وقد أشرنا من قبل إلى أن وجود "حقبة اختيار" يدلُّ على ظهور نوعٍ من الاختيار بين القراءات كان مقبولًا لا بأس فيه، وإن انطوى على تفاوت ضئيل في خواص الرسم، هذا إلى جانب وجود عُرف أو أعراف متبعة ظهرت بمرور الوقت ولاقت قبولًا عند عامَّة القرَّاء. ولا ريب أن العلماء و/أو الباحثين الذين يُنسب لهم "اختيار" ما في القراءة كان لهم حضور فاعل في القرن الثاني الهجري، وهي تحديدًا الفترة ذاتها التي عاش فيها القرَّاء السبعة/العشرة. ولذا يمكن القول بتزامن العمليتَيْن على ما يبدو، فأصبح الشاذ شاذًّا وقراءة العامَّة عامَّة، ثم تضاءل نطاق الاختيار الشخصي شيئًا فشيئًا بصورة أكبر إثر ظهور ما يمكن أن نسميه مدارس الأمصار، أي: المدينة، ومكة، والشام، والبصرة، والكوفة، وغيرها. ولذا هناك نقطة بحثية مهمة تتمثَّل في دراسة هذا الاختيار من جديد في ضوء المصاحف المخطوطة المبكرة إلى جانب المصادر المكتوبة، للتثبُّت من حدود هذه الظاهرة والوصول إلى تقدير تقريبي لطبيعتها وحجمها.
وكما ذكرنا آنفًا، فإن "فترة الاختيار" كانت الحقبة نفسها التي شهدت ظهور مدارس الأمصار والتقاليد الرئيسة. وكان ابن مجاهد أولَ مَن اختار سبع قراءاتٍ في كتابه "السبعة" في القراءات لتجسد هذا التقليد برمَّته. وهذه القراءات السبع هي: قراءة نافع في المدينة (ت169هـ/785م)، وابن كثير في مكة (ت120هـ/738م)، وقراءة أبي عمرو في البصرة (توفي نحو 154-156هـ/770-772م)، وابن عامر في دمشق (ت118هـ/736م)، وعاصم في الكوفة (ت127هـ/745م)، وقراءة حمزة (ت156هـ/773م) والكسائي (ت189هـ/804م) في الكوفة أيضًا.

ومع تصنيف ابن مجاهد كتابه كان القرَّاء السبعة معروفين لكل منهم تلامذة رووا عنهم، اشتهر من بينهم راويان: فقراءة نافع عُرفت من طريق رواية ورش (ت197هـ/812م) وقالون (ت220هـ/835م)؛ وقراءة عاصم من رواية حفص (ت180هـ/796م) وشعبة (ت193هـ/809م)، وهكذا مع بقية القراء السبعة. ومع ذلك، ينبغي التأكيد مجددًا على أنّ القراءات السبع لم تكن سوى اختيار شخصٍ بعينه. وفي رد فعل على تقييد الاحتمالات، وجدنا كتبًا أخرى تُصنّف في قراءات أخرى، من ذلك كتاب "التذكرة في القراءات الثمان" لابن غلبون (وبه قراءة يعقوب (ت205هـ/821م) إمام الجامع الكبير في البصرة) وكتاب لابن مِهران (ت381هـ/991م) هو "المبسوط في القراءات العشر" (اشتمل على قراءة يعقوب، وأبي جعفر (ت130هـ/747م) إمام القراء في المدينة قبل نافع، وقراءة خلف (ت229هـ/844م) أحد رواة حمزة في الكوفة). ومن خلال إضافة قراءة الأعمش بالكوفة (ت148هـ/765م) أصبحت القراءات إحدى عشرة كما في كتاب "الروضة" لأبي على الحسن بن محمد المالكي (ت438هـ/1047م). وبعد ذلك بسنوات، ظهر ثلاثة قُرَّاء آخرون فضلًا عن الأعمش -هم: ابن محيصن المكي (ت123هـ/741م) والبصريان: الحسن البصري (ت110هـ/728م) واليزيدي (ت202هـ/817-818م)- ليصل عدد القراء إلى أربعة عشر قارئًا كما يتجلَّى في كتاب للبنَّا (ت1117هـ/1705م) بعنوان "إتحاف فضلاء البشر" (وقد ظهرت مصنفات جمعت القرَّاء الاثني عشر، وكذلك الثلاثة عشر، والخمسة عشر، بل والخمسين)[24]. ومع ذلك، فإن القراءات العشر هي المتواترة، نقلها جمعٌ عن جمعٍ يستحيل تواطؤهم على الكذب، في حين أن القراءات الأربع الأخيرة التي أضيفت إليها هي قراءاتٌ شاذة. والفرق بين المتواتر والشاذ مسألة أخرى تحتاج إلى مزيد بحث ودراسة، وربما كان من المناسب تناولها في ضوء ما اقترحه شادي ناصر في دراسته لهذا الموضوع[25].
جدير بالذكر أن لهذه القراءات الأربع عشرة رواتها، بيد أن رواةَ ثمانٍ منها عاشوا في زمن متأخر عن القارئ الأصلي. لذا من الضروري دراسة إسناد الرواية -مرة أخرى عبر المخطوطات والمصادر المكتوبة- للتحقُّق من سبب اختيار هذه القراءات وتلك الروايات ومَن اختارها، في ضوء المسار الذي سلكته انتصار ربّ في بحث لها عن قراءة حمص[26]، وشادي ناصر في دراسة لإسناد القراءات السبع، وبخاصة قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبي عمرو[27].
وكما أسلفنا، فمع تبلور القراءات السبع والعشر كان هناك وجه آخر يتشكَّل خارج هذا الإطار عُرف فيما بعد بالقراءات الشاذة. ومرة أخرى، تجلَّى هذا الاتجاه في عدد من المصنَّفات، فظهرت مصنفات في القراءات الشاذة، من بينها "مختصر في شواذ القرآن" لابن خالويه (ت370هـ/980م)، وكان أحد مَن تتلمذوا على ابن مجاهد؛ ومصنَّف آخر لابن جني (ت392هـ/1002م) بعنوان "المحتسب"، ثم "إعراب القراءات الشواذ" للعكبري (ت616هـ/1219م). ويُقال إن ابن مجاهد صنَّف هو الآخر كتابًا في الشواذ لم يصلنا[28].
وبشكل أخصّ، فإن هذا التقييد التدريجي في احتمالات القراءة قد نحى منحًى سياسيًّا صريحًا بدايةً من سنة 322هـ/934م وسنة 323هـ/935م حين تورط ابن مجاهد في محنة ابن مقسم (ت354هـ/965م) وابن شنبوذ (ت328هـ/939م). وكان ابن مقسم قد أجاز القراءة بما يتفق مع رسم المصحف دون الاعتداد بصحة السند طالما وافقت القراءة وجهًا من وجوه العربية، في حين أجاز ابن شنبوذ القراءة بالشواذ التي نُسبت إلى الصحابة. واضطُر الرجلان إلى الرجوع عن هذا الرأي والإقرار بأن القراءة الصحيحة هي التي عليها جمهور العلماء والقرَّاء. ولذا مع حلول منتصف القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، وفيما يبدو نتيجة أحكام ابن مجاهد وظهور "كتاب السبعة" على وجه الخصوص، وجدنا احتمالات القراءة المبكرة التي انبثقت من حديث الأحرف السبعة قد اختُزلت تمامًا، وأصبح التقليد المتبع في التلاوة منذ هذا الوقت القراءة بإحدى القراءات السبع أو أحيانًا العشر المعتمدة، واقتصرت القراءات الأخرى على بعض الإشارات في كتب القراءات المتخصِّصة وكتب التفسير. وقد أخرج مالك (ت179هـ/795م) في "الموطأ" عن ابن مسعود (ت32هـ/652م) أنه قال: "إِنَّكَ فِي زَمَانٍ كَثِيرٌ فُقَهَاؤهُ، قَلِيلٌ قُرَّاؤُهُ، تُحْفَظُ فِيهِ حُدُودُ الْقُرْآنِ، وَتُضَيَّعُ حُرُوفُهُ. قَلِيلٌ مَنْ يَسْأَلُ. كَثِيرٌ مَنْ يُعْطِي. يُطِيلُونَ فِيهِ الصَّلَاةَ، وَيَقْصُرُونَ الْخُطْبَةَ يُبَدُّونَ أَعْمَالَهُمْ قَبْلَ أَهْوَائِهِمْ، وَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ قَلِيلٌ فُقَهَاؤُهُ، كَثِيرٌ قُرَّاؤُهُ، يُحْفَظُ فِيهِ حُرُوفُ الْقُرْآنِ وَتُضَيَّعُ حُدُودُهُ، كَثِيرٌ مَنْ يَسْأَلُ، قَلِيلٌ مَنْ يُعْطِي، يُطِيلُونَ فِيهِ الْخُطْبَةَ، وَيَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ يُبَدُّونَ فِيهِ أَهْوَاءَهُمْ قَبْلَ أَعْمَالِهِمْ"[29].
وإلى جانب ما قد يشتمل عليه هذا الخبر، يتضح منه أمران: أولهما أن التنوع المبدئي في احتمالات القراءة قد تقلَّص مع مرور الوقت، وثانيهما أن معنى القرآن والعمل به مُقدّم على النواحي الشكلية والجانب الحرفي. ولعله من المناسب تمامًا أن يكون هذا هو ختام حديثنا، وهو أصدقُ وصفٍ لزماننا كما كان في زمن ابن مسعود ومن بعده مالك.
- المراجع العربية
-
- ابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، مجلدان، تحقيق: جوتهلف برجشتريسر، بيروت: دار الكتب العلمية، طبعة 1301هـ/1932م.
- ابن الجزري، كتاب النشر في القراءات العشر، مجلدان، تحقيق: علي محمد الضباع، بيروت: دار الفكر، بدون تاريخ.
- ابن عساكر، مختصر تاريخ دمشق، 29 جزءًا، تحقيق: محمد مطيع الحافظ وآخرون، بيروت: دار الفكر، 1404هـ/1984م.
- ابن عطية، تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، 16 جزءًا، المحمدية: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1395-1411هـ/1975-1991م.
- ابن مجاهد، كتاب السبعة في القراءات، تحقيق: شوقي ضيف، الطبعة الثانية، القاهرة: دار المعارف، 1401هـ/1980م.
- السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 4 أجزاء، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة: دار التراث، د. ت.
- الشيباني، محمد بن الحسن، كتاب الآثار، برواية محمد بن الحسن الشيباني، الأصل العربي مع ترجمة إلى الإنجليزية لعبد الصمد كلارك، لندن: دار التراث للنشر، 2006م.
- مالك، الموطأ، مجلدان، القاهرة: مطبعة الحلبي وأولاده، 1349هـ/1930م.
- مسلم، صحيح مسلم، 8 أجزاء، تحقيق: محمد شكري بن حسن الأنقروي وآخرون، إسطنبول: المكتبة العامرة، 1334هـ/1916م (أعيدت طباعته في بيروت: دار الفكر، بدون تاريخ).
- المراجع الأجنبية
-
- Brockelmann, Carl. Geschichte der Arabischen Litteratur. 2nd edn. 2 vols. Leiden: E. J. Brill, 1943–9; Supplements. 3 vols. Leiden: E. J. Brill, 1937–42.
- Déroche, François. La Transmission écrite du Coran dans les débuts de l’islam: le codex Parisinopetropolitanus. Leiden and Boston: Brill, 2009.
- Déroche, François. Qurʾans of the Umayyads: A First Overview. Leiden and Boston: Brill, 2014.
- Dutton, Yasin. ‘Red Dots, Green Dots, Yellow Dots and Blue: Some Reflections on the Vocalisation of Early Qur’anic Manuscripts—Parts I and II’, Journal of Qur’anic Studies 1/1 (1999), 115–40 (Part I); 2/1 (2000), 1–24 (Part II).
- Dutton, Yasin. ‘An Early Muṣḥaf According to the Reading of Ibn ʿĀmir’, Journal of Qur’anic Studies 3/1 (2001), 71–89.
- Dutton, Yasin. ‘Some Notes on the British Library’s “Oldest Qur’an Manuscript” (Or. 2165)’, Journal of Qur’anic Studies 6/1 (2004), 43–71.
- Dutton, Yasin. ‘An Umayyad Fragment of the Qur’an and its Dating’, Journal of Qur’anic Studies 9/2 (2007), 57–87.
- Dutton, Yasin. ‘Orality, Literacy and the “Seven Aḥruf ” Hadith’, Journal of Islamic Studies 23/1 (2012), 1–49. (doi :10.1093/jis/etr092)
- Hamdan, Omar. ‘The Second Maṣāḥif Project: A Step Towards the Canonization of the Qurʾanic Text’. In: A. Neuwirth, N. Sinai, and M. Marx (eds.). The Qurʾān in Context: Historical and Literary Investigations into the Qurʾānic Milieu, pp. 795–835. Leiden and Boston: Brill, 2010.
- Jones, Alan. ‘The Dotting of a Script and the Dating of an Era: The Strange Neglect of PERF 558’, Islamic Culture 72/4 (1998), 95–103.
- Jones, Alan. ‘Orality and Writing in Arabia’. In: Jane Dammen McAuliffe (ed.). Encyclopaedia of the Qurʾān. 6 vols., 3:587–93. Leiden: Brill, 2001–6. [= Jones, 2003a]
- Jones, Alan. ‘The Word Made Visible: Arabic Script and the Committing of the Qurʾan to Writing’. In: Chase F. Robinson (ed.). Texts, Documents and Artefacts: Islamic Studies in Honour of D. S. Richards, pp. 1–16. Leiden and Boston: Brill, 2003. [= Jones, 2003b]
- Lord, Albert. The Singer of Tales. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1960. Madigan, Daniel. The Qur’ân’s Self-Image. Princeton: Princeton University Press, 2001.
- Nasser, Shady Hekmat. The Transmission of the Variant Readings of the Qurʾān: The Problem of Tawātur and the Emergence of Shawādhdh. Leiden and Boston: Brill, 2013.
- Puin, Elisabeth. ‘Ein früher Koranpalimpsest aus Ṣanʿāʾ (DAM 01–27.1)’. In: M. Gross and K.-H. Ohlig (eds.). Schlaglichter: Die beiden ersten islamischen Jahrhunderte, pp. 461–93. Berlin: Verlag Hans Schiler, 2008.
- Puin, Gerd-Rüdiger. ‘Observations on Early Qurʾān Manuscripts in Ṣanʿāʾ’. In: Stefan Wild (ed.). The Qur’an as Text, pp. 107–11. Leiden, New York, and Cologne: E. J. Brill, 1996.
- Puin, Gerd-Rüdiger. ‘Vowel Letters and Ortho-epic Writing in the Qurʾān’. In: Gabriel Said Reynolds (ed.). New Perspectives on the Qurʾān: The Qurʾān in its Historical Context 2, pp. 147–90. London and New York: Routledge, 2011.
- Rabb, Intisar. ‘Non-Canonical Readings of the Qur’an: Recognition and Authenticity (The Ḥimṣī Reading)’, Journal of Qur’anic Studies 8/2 (2006), 84–127.
- Sadeghi, Behnam and Uwe Bergmann. ‘The Codex of a Companion of the Prophet and the Qurʾān of the Prophet’, Arabica 57 (2010), 343–436.
- Sadeghi, Behnam and Mohsen Goudarzi. ‘Ṣanʿāʾ 1 and the Origins of the Qurʾān’, Der Islam 87 (2011), 1–129.
- الهوامش
-
[1] ابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، ج1، ص139.
[2] Madigan 2001; Jones 2003a; Jones 2003b.
[3] سورة البروج: الآية 22.
[4] الموطأ، ج1، ص158.
[5] يُنظر على سبيل المثال: Lord 1960.
[6] Dutton 2012.
[7] الموطأ، ج1، ص159-160.
[8]من ذلك مثلًا: Sadeghi and Bergmann 2010; Sadeghi and Goudarzi 2011.
[9] يُنظر: الشيباني، كتاب الآثار، ص72.
[10] صحيح مسلم، ج2، ص202.
[11] . Jones 1998; Dutton 2007: 61–2, 66–8, 71–4; Puin 2008: esp. 466–8.
[12] Puin 1996: 108–9; Dutton 2004: 64; Dutton 2007: 62–3, 68, 74; Déroche 2009: 51–75; Puin 2011; Déroche 2014: 21–6, 38, 42–3, 45–8, 51, 57–61, 68.
[13] Puin 1996: 109–110; Dutton 2001: 74–84; Dutton 2004: 48–65; Rabb 2006: 91–100; Dutton 2007: 64–5; Puin 2008: 466, 470–5; Déroche 2009: 77–102; Déroche 2014: 26–9.
[14] السيوطي، الإتقان، ج1، ص181-183.
[15] Puin 1996: 110–11.
[16] Hamdan 2010: 795.
[17] المرجع السابق، ص801.
[18] ولي عمر الخلافة في الفترة (99-101هـ/717-720م).
[19] ابن عساكر، مختصر تاريخ دمشق، ج6، ص231.
[20] يُنظر: ابن عطية، المحرر الوجيز، ج1، ص35.
[21] ابن الجزري، غاية النهاية، ج1، ص343، ج2، ص382.
[22] المرجع السابق، ج2، ص27، ص161.
[23] Dutton 1999 and 2000.
[24] يُنظر مثلًا: ابن الجزري، النشر، ج1، ص58-98، وخاصة الصفحات 83-84، 91، 97. ويُنظر أيضًا:
Brockelmann, Geschichte, S 1:727.
[25] Nasser 2013: esp. 231–2.
[26] Rabb 2006: 100–9.
[27] Nasser 2013: 129–60.
[28] ابن مجاهد، كتاب السبعة، ص20-22.
[29] مالك، الموطأ، ج1، ص143-144.