أهمية المجتمع المدني
1. المجتمع المدني: المشكلة المطروحة:
نقدِّم في هذا المقطع الأبعاد الأساسية للمجتمع المدني. ومن يرغب من القرَّاء في الاطلاع على معالجةٍ أكثر شمولًا للموضوع يمكنه قراءة الفصلين التاسع عشر والعشرين، وكذلك يناقش الفصلان الأخطار التي تهدِّد المجتمع المدني في المجتمع المعاصر، وغير ذلك من موضوعاتٍ كثيرة، كعلاقة المجتمع المدني بالتعدُّدية الثقافية، والدين، والعولمة. وهناك تحديات أخرى جديدة على هذا الإصدار تتضمَّن معالجةً أشمل لعلاقة المجتمع المدني بالحياة المدنية، وبخلق مجالٍ عامٍّ يبتُّ فيه الناس في القضايا عبر نقاشٍ عقلانيٍّ، وكذلك لعلاقته بتحقيق مجتمع مدنيٍّ عالميٍّ في عالمٍ يتميَّز اليوم بوجود حركاتٍ سياسية متطرِّفة تهدِّد الاحترام العالمي للحقوق المدنية وحقوق الإنسان الأساسية، التي قيل دومًا إنها حقوقٌ طبيعية للجميع. وقد ادَّخرنا هذه الموضوعات للخاتمة؛ لأننا نعتقد أن أفضل تناول لها سيأتي حتمًا بعد إتمام رحلةٍ في النظرية السياسية.
لمصطلح المجتمع المدني استعمالاتٌ عدَّة، من بينها: أنه يشير إلى نظامٍ ملتزمٍ بضمان حكم القانون لأجل الصالح العام، والذي يشير بدوره في المجتمع المعاصر إلى العديد من الأمور الممكنة؛ تشمل - بلا حصرٍ - توفيرَ الحقوق الأساسية، والسلامة العامة، والتعليم، ونظم الاتصال والطرق والحدائق العامة، إلى غير ذلك من الأمور. لكنْ لمصطلح المجتمع المدني استعمال آخر، وهو ما سيستأثر بمكانةٍ أكبر في هذا الكتاب. يشير هذا الاستعمال الثاني إلى مساحة قائمة بين الحكومة الوطنية والفرد. تشغل هذه المساحة جماعاتٌ وروابطُ متنوِّعة، كلٌّ منها مكرَّس لحفظ قيمٍ معيَّنة وتحقيق غاياتٍ خاصَّة.
وكما تقول الكاتبة المعاصرة جين بيثك إلشتين Jean Bethke Elshtain، فإن المجتمع المدني يضمُّ أشكالًا عديدة ومختلفة من الروابط، وغالبًا ما يطلق عليها جماعات تطوعية أو مؤسسات ثانوية؛ كالأُسر، والمنظمات الدينية، والاتحادات التجارية، وجماعات المساعدة الذاتية، والجمعيات الخيرية، ومنظمات الأحياء والنوادي والمؤسسات الخاصَّة، وما إلى ذلك. تشير هذه المنظمات القائمة خارج الهياكل الرسمية للسلطة الحكومية إلى مجالٍ مستقلٍّ، يتمتَّع فيه الأفراد بحرية خوض عددٍ متنوِّع من تجارب الحياة التي تتيحها الروابط المتنوِّعة التي يمكن للناس الانضمام إليها[1]. ومن الجوانب المهمَّة في المجتمع المدني أنه باعتباره مجالًا منفصلًا، فإنه يعمل مصدًّا ضد سلطة الحكومة المركزية؛ وبالتالي يوفِّر مناخًا يتيح لجماعاتٍ مختلفة الاستمرار في مساراتها الخاصَّة دون خوفٍ من تدخلات الحكومة المركزية.
التركيز على وقوف المجتمع المدني في وجه قوة الشركات أقلُّ من التركيز على الحاجة إلى رؤية المجتمع المدني باعتباره أساسًا للتربية الأخلاقية.
علاوة على ذلك، تتمتَّع هذه الجماعات باستقلالٍ عن الشركات الكبرى ومنظمات الأعمال التي تهيمن على الأسواق وتؤثر في الحكومات بشكلٍ كبير وحاسم. وتتمتَّع الشركات الكبرى كمايكروسوفت Microsoft أو چنرال موتورز General Motors بقوةٍ تسمح لها بالتحكُّم في الكثير من نواحي حياة عمَّالها. يقف المجتمع المدني في وجه هذه النزعة عندما يعمل مصدًّا ضد قوة الشركات الكبرى، تمامًا كما يقف في وجه قوة الحكومة المركزية. كذلك وباعتباره مصدًّا، يتيح المجتمع المدني للأفراد - عبر ما يشكِّلونه معًا من روابط - تحديدَ ما يفعلون بأوقات فراغهم، وما يعتقدون في دينهم إن اعتقدوا، ومن يختارون من أصدقاء وشركاء حياة دائمين، وما يقومون به من أنشطة مدنية، إلى غير ذلك من الأمور.
غير أن المنظِّرين السياسيين الأمريكيين - كما تقول نانسي روزنبلوم Nancy Rosenblum - يميلون إلى التركيز على التربية الأخلاقية المكتسبة في هذه الجماعات التي تشكِّل المجال المستقل، أكثر مما يركِّزون على وقوف هذا المجال المستقل في وجه الحكومة المركزية[2]. ونرى نحن أيضًا أن التركيز على وقوف المجتمع المدني في وجه قوة الشركات أقلُّ من التركيز على الحاجة إلى رؤية المجتمع المدني باعتباره أساسًا للتربية الأخلاقية. وبناءً على هذه الرؤية إذن، يدخل الناس في هذا المجال المنفصل، ويشاركون في جماعاتٍ، ويتلقون من هذه التجربة بُعْدًا أخلاقيًّا لحياتهم. ومن هنا، فإن العلاقات التي يُنشئها الناس في مختلف مجموعات المجتمع المدني، تساعدهم على إبقاء شعورهم بمسؤولية مدنية تجاه رفاه الكثيرين، من بينهم جيرانهم وأصدقاؤهم ومجتمعهم. وبسبب هذه التجربة المهمَّة في المجتمع المدني، تخضع الأنانية المطلقة والخارجة عن السيطرة لمعايير السلوك المدني[3]. وبالتالي، فإن المجتمع المدني بتشديده على المجال المستقلِّ للجماعات والروابط التطوعية، إنما يشير إلى قيمٍ مدنيَّة مهمَّة يتوقَّع المجتمع بأكمله من أعضائه أن يعتنقوها.

ولأن القيم المدنية مهمَّة في المناقشات الدائرة حول المجتمع المدني، فمن الضروري أن نوضِّح طبيعة البيئة الأخلاقية الأوسع التي يروِّج لها المجتمع المدني باعتباره مجالًا مستقلًّا. تُرى ما طبيعة هذه البيئة الأخلاقية؟ إن المجتمع المدني يرتبط ببيئة يُمنح فيها الأفراد مساواةً سياسية، ومن ثمَّ تُكفل لجميعهم الحقوق نفسها، وفي الوقت نفسه يلتزمون فيما بينهم بحفظ الفضيلة المدنية civic virtue. وتشير الفضيلة المدنية إلى ما يكنُّه المواطنون من احترامٍ للمعايير المشتركة ولمفهوم الصالح العام الذي يمثِّل جزءًا لا يتجزَّأ من حياة أيِّ جماعة. ولذلك يُمنح الأفراد - من ناحيةٍ - الكرامة والاحترام الكامل عبر إمدادهم بجملة الحقوق نفسها التي تضمن لهم - ضمن أشياء أخرى - حرية التجمُّع والتعبير والتقاضي وحفظ الملكيَّة الخاصَّة. وهم بهذه الحقوق لا ينالون فقط القدرة على التأثير في قرارات الحكومة السياسية، بل يمتلكون أيضًا القدرة على تحقيق أهدافٍ حياتية معقولة وضعوها لأنفسهم. ومن ناحية أخرى، يشجِّع المجتمع المدني الناسَ على تأييد المعايير المشتركة التي تُعَدُّ ضروريةً لحفظ حياة لائقة ومدنية. يبدي الأفراد عبر تمسُّكهم بالمعايير المشتركة احترامهم للفضيلة المدنية، ومن ثمَّ يلتزمون بالصالح العام[4].
يقدِّم لنا تصوُّر المجتمع المدني بهذا الشكل مقاربتين مختلفتين للطريقة التي نفهم بها أنفسنا بوصفنا أفرادًا. فأولًا: عندما يرى الأفراد أنفسهم متكافئين، فمن المرجَّح أن يعتبروا أنفسهم أشخاصًا مستقلين قائمين بذواتهم تنبع طريقتهم في الحياة من تأملاتهم الذاتية بشكلٍ أساسيٍّ، وليس من أي مصدر خارجيٍّ. لكنَّ بُعْدَ الفضيلة المدنية في المجتمع المدني يفترض وجود معايير مشتركة من المتوقَّع أن يدعمها جميع أفراد المجتمع. مما يعني تحديدًا أن الفرد يجب عليه إظهار الولاء لجميع المعايير المرتبطة بالمواطنة الصالحة.
ومن ثمَّ، هناك الكثير من القيم المرتبطة ببُعْد الفضيلة المدنية في المجتمع المدني. سنسوق هنا بعض الأمثلة، لكن يجب أن يتضح للجميع أن قائمة الأمثلة التي نقدِّمها هنا ليست حاسمةً ولا شاملةً، لكنها بالأحرى مجرَّد تصوير لما نقصده عامةً عندما نناقش جانب الفضيلة المدنية في المجتمع المدني. فعلى سبيل المثال، هناك ما يسميه ويليام غالستون William Galston «فضائل عامة general virtues»، والتي تتضمَّن احترام القوانين والمبادئ والمؤسسات السياسية الأساسية في المجتمع[5]. وهناك أيضًا الفضائل المدنية الأساسية من التسامح والاحترام المتبادل، والتي سنفرد لها تأكيدًا خاصًّا في المقطع السادس من هذا الفصل.
بالإضافة إلى ذلك، وكما يشير غالستون، تشمل الفضائل المدنية أيضًا أو فضائل المواطن اهتماماتٍ بالكيفية التي يشترك بها الناس في الحياة الاقتصادية للمجتمع[6]. فكلُّ فرد يجب أن يؤمن بأن للعمل فضيلة أخلاقية أو أن يكون قادرًا على إنجاز عمله بشكلٍ جيدٍ في سياق عيالة نفسه. وتتطلَّب بيئة العمل من الأفراد أيضًا أن يتعلموا التكيُّف مع الظروف المتغيِّرة للحياة الاقتصادية، عبر اكتساب مهاراتٍ جديدة أو تطوير ما لديهم. وكذلك يجب أن يستطيع الأفراد ادخار جزءٍ من دخلهم في سبيل المصالح الذاتية بعيدة الأمد حتى وإن اقتضى ذلك التضحيةَ برغباتٍ مباشرة قصيرة الأمد؛ وذلك ضمن مراجعتنا لتصور آدم سميث Adam Smith عن اقتصاد السوق الحديث في المقطع السابع من الفصل.
يمكن أن يتسم المجتمع المدني في جوهره بتوتُّر بين رؤية فردانية individualist يضمنها توفير الحقوق الأساسية للفرد، وبين البُعْد الجماعي للمجتمع الذي يعكس الحاجة إلى احترام مقتضيات الفضيلة المدنية. إن الهدف من وجود مجتمع مدنيٍّ هو السماحُ للأفراد باتباع تصوراتهم الذاتية عن الحياة، مع احترام قيود الفضيلة المدنية والتزاماتها في الوقت نفسه. وعمومًا، ثمة مقاربات عدَّة لبلوغ هذا الهدف، وكل مقاربة تضع قيمًا أساسية كي يتبنَّاها المجتمع بأكمله وتدعمها الجماعات المختلفة التي تشكِّل المجتمع المدني. وهنا، نناقش - تبعًا لروزنبلوم - ثلاثَ مقارباتٍ مختلفة: تطرح الأولى مجتمعًا مدنيًّا ديمقراطيًّا، وتطرح الثانية مجتمعًا مدنيًّا من الجماعات الوسيطة، وتطرح الثالثة رؤيةً ليبرالية للمجتمع المدني[7].

2. المجتمع المدني الديمقراطي:
نناقش في هذا المقطع المقاربة الديمقراطية لإرساء وضعٍ يقيم جسرًا بين الرؤيتين الفردانية والجماعية[8]. فمن المتوقَّع في مجتمعٍ كهذا أن يشارك جميع المواطنين في تحديد القواعد والمعايير التي ستحكمهم جميعًا. ففي الوضع الديمقراطي، يشترك الناس في المداولات العامَّة باعتبارهم أفرادًا، كل له مصالحه وحاجاته الخاصَّة. ولكن في سياق المداولة يفصح كلُّ شخصٍ عن مصالحه بطريقةٍ تساعد على خلقِ توجُّه سياسيٍّ عامٍّ ومشترك. فعلى سبيل المثال، في سياق مناقشة التوجُّه الأفضل لتنظيف البيئة، فإننا قد ندخل المجال السياسي بالتزامنا الخاصِّ بحماية أكبر قدرٍ ممكنٍ من المساحات الخضراء، وقد يسعى آخرون لإزالة بعض هذه المساحات بغرض بناء أماكن عملٍ جديدة. ونتيجة للمداولة، يتمُّ التوصُّل لطريقةٍ تحقِّق تسويةً عادلةً بين وجهات النظر المتعارضة.
وهكذا، وكما تشير روزنبلوم، يعتبر المدافعون عن مجتمع مدنيٍّ ديمقراطيٍّ أن المشاركة الديمقراطية في المؤسسات الأساسية - ومنها الاتحادات التجارية أو الكنائس أو النقابات المهنية - قد تساعد الناس في تطوير قدراتهم على التشاور مع الآخرين حول تقرير الصالح العام[9]. ومن ثمَّ، يتعلَّم الناس التفكير في أنفسهم بوصفهم مواطنين وأفرادًا مستقلين في الوقت نفسه. وعندما يتصارع الدَّوْران، يتقدَّم دورُهم باعتبارهم مواطنين.
ومن ثمَّ، فإن الأفراد في مجتمعٍ مدنيٍّ ديمقراطيٍّ يجب عليهم - عبر اتحاداتهم التجارية ونقاباتهم - أن يكون لهم تأثير مهمٌّ في تشكيل بيئة عملهم، وحتى المشاركة في تحديد طبيعة العمل الذي يقومون به وغرضه. وكذلك ينبغي أن يتعاون الأفراد في الوقت نفسه على تشكيل السياسات في الروابط الأخرى كالجماعات الدينية أو المنظمات الخيرية. وعلاوة على ذلك، فإن تجربة الحياة الديمقراطية في أُطر جماعية متنوِّعة توجِّه الناس نحو الانسجام مع حاجات المجتمع الأوسع. وهنا تصبح الجماعات عندما تشارك في الحياة السياسية الوطنية، ونتيجةً لتجربتها الديمقراطية في روابط المجتمع المدني، أقدرَ على الاهتمام بمدى واسعٍ من المصالح في سبيل بحثها عن الصالح العام.
ومن ثمَّ، فإن مؤيدي المقاربات الديمقراطية للمجتمع المدني إنما يسعون إلى جعل معايير الحياة الديمقراطية جزءًا من جميع أشكال الحياة الجماعية، وإلا ستصبح قدرة الأفراد على تبنِّي أو تفهُّم وجهات النظر الأخرى ودمجها في المدوالات مع الآخرين أمرًا مستحيلًا. فعلى سبيل المثال، يمكن للأُسر أن تمتثل للمعايير الديمقراطية عندما تكون التربية مسؤوليةً مشتركةً، وعند وجود تقسيمٍ عادلٍ للعمل داخل الأسرة[10]. وبالمثل، ينبغي ألَّا تسيطر قلَّة نخبوية على الاتحادات العمالية، بل يجب أن يشارك جميع الأعضاء مشاركةً كاملةً في وضع السياسات الرئيسة.
وفي المقابل، تشير المقاربة الديمقراطية إلى أن الجماعات غير الديمقراطية حاليًا يجب أن تصبح كذلك؛ إذ تقرُّ المقاربة الديمقراطية بأن بعض الروابط قد استبعدت في الماضي أفرادًا لمجرَّد كونهم نساءً أو من الأقليات. لكن في ظلِّ المقاربة الديمقراطية، ينبغي في المستقبل أن تضمن الروابطُ استيعاب من استُبعدوا سابقًا لأسبابٍ تتعلَّق بالنوع الاجتماعي/ الجندر، أو الجنس/ العرق؛ فرصة الانخراط مستقبلًا في "الخطاب الديمقراطي العقلاني" الذي يجب حدوثه في الجماعات[11].
بيد أن المشكلة التي تكتنف الرؤية الديمقراطية أنها تفرض على جميع الأشخاص ثقافةً ديمقراطيةً، في حين أنهم ليسوا جميعًا ممَّن يودون إنفاق جزء كبير كهذا من حياتهم في اتخاذ قراراتٍ جماعية، حتى وإن كانوا ديمقراطيين. فإن قضاء المرء معظم وقته مثلًا في الاستعداد لأجل المشاركة في صياغة سياسات جماعته أو حكومته، قد يستأثر بالوقت على أنواعٍ أخرى من الأنشطة لها الأهمية نفسها، إن لم تكن أكبر، كالقيام على العلاقات مع الأصدقاء والمشاركة في الالتزامات الدينية وما إلى ذلك[12]. فما دام الأفراد يعتقدون أن الحكومة يمكنها حماية حقوقهم الأساسية وستفعل ذلك، وستمنحهم فرص المشاركة في اللحظات الحاسمة كالانتخابات الوطنية، فإن الحاجة إلى المشاركة - بلا شكٍّ - ستتقلَّص لدى الكثيرين.
3. مجتمع مدني من الجماعات الوسيطة:
تقترح رؤية المجتمع المدني الوسيط أن الأفراد ينشئون منظماتهم الخاصَّة لتقديم خدماتٍ مهمَّة كالتعليم أو رعاية المسنين. وفضلًا عن ذلك، يبدي الأفراد داخل هذه الجماعات التزامًا مدنيًّا برعاية حاجات بعضهم البعض، ومن خلال هذه التجربة يخلقون فيما بينهم شعورًا بالانتماء في مجتمعٍ متكاملٍ ومنظَّمٍ جيدًا. ومن هنا وبقيام الجماعات التطوُّعية بالكثير من وظائف الحكومة، يتصرف الأفراد بطرقٍ تحرص على الصالح العام للآخرين.
لكن المشكلة في هذه الرؤية تتبدَّى في أنه مع تقلُّص الحاجة إلى الحكومة، قد تفقد المؤسسات القانونية الأوليَّة والضروريَّة لحفظ المجتمع المدني أهميتَها الأساسية بالنسبة إلى كثيرٍ من الناس. فعلى سبيل المثال، يدعو البعض حاليًا إلى استغلال المنظمات المجتمعية لأجل الاستغناء عن إعانات الرفاه الأساسية كالتدريب على العمل. لكن هل الجماعات الوسيطة التي تقوم على هذا النشاط لديها ما يكفي من الموارد لتوفير هذه الخدمات على المستويات الجماهيرية الضرورية؟ ونظرًا لأنها قد لا تملك ذلك، فإن دور الحكومة يصبح ملحًّا للغاية.
ومن ثمَّ، هناك حاجة ضرورية إلى التعرُّف إلى أهمية البيئة الأوسع التي يوجد فيها المجتمع المدني، وفيها المؤسسات السياسية والقانونية التي توفر الخدمات الأساسية، وتضمن مثلًا الحقوق الأساسية وتوفر الحماية من المجرمين، وما إلى ذلك. فمن دون هذا النوع من خدمات الحكومة وخصوصًا إمكانية صيانة حكم القانون، قد لا يمكن الإبقاء على المجتمع المدني على المدى البعيد[13].
4. المجتمع المدني: المقاربة الليبرالية:
يتمثَّل الهدف الرئيس في الرؤية الليبرالية للمجتمع المدني في تعزيز احترام تنوُّع القيم وأنماط الحياة في المجتمع[14]. ولا يتحقَّق هذا الهدف إلا في مجتمعٍ مصمَّمٍ على أساس إتاحة الفرص أمام الشخص للتنقُّل بين الأُطر الجماعية والانتماءات المختلفة بغرض إمداده بفرصةٍ لاكتشاف نمط الحياة الأنسب له ثم عيشه. ففي الواقع، عندما يكون الناس أحرارًا في الانضمام إلى الجماعات وتركها، فإنهم يجدون طرقًا لتعويض ما لم يتوفر في إحدى الجماعات بفرصٍ يجدونها أفضل في جماعة أخرى.
فإن كنَّا مثلًا في حاجة إلى تجربة دينية، فينبغي أن نكون أحرارًا في الانضمام للجماعات التي ستيسِّر لنا تحقيق هذه الحاجة. لكن إن قررنا بعد ذلك أن نمطًا آخر في الحياة قد يكون أفضلَ بالنسبة إلينا، فينبغي أن نكون قادرين على ترك هذه الجماعة الدينية ثم الانضمام إلى جماعاتٍ أخرى نعتقد أنها أنسبُ لاحتياجاتنا. إذن، لا بدَّ أن يكون للناس الحقُّ في الانضمام إلى أيٍّ من الجماعات وتركها، لكن بالطبع وفقًا لشروط تقبلها الجماعات نفسها. ويبقى أن على الجماعات - عند وضعها لمعاييرها الداخلية - أن تؤكِّد دائمًا على ضرورة عدم إنكارها لأيٍّ من حقوقِ أعضائها الأساسية بوصفهم مواطنين.
فضلًا عن ذلك، يقتضي التصور الليبرالي للمجتمع المدني روحًا من الانفتاح، تسمح للأفراد بخلق جماعاتٍ وتنظيماتٍ جديدة عندما يقتضي الأمر ذلك. فيجب على الجماعات القائمة ألَّا تقف في طريق تكوين جماعاتٍ جديدة، ويجب على الجماعات الجديدة ألَّا تطأ امتيازات الجماعات القائمة. وبدعم هذه المتطلبات، ستتاح الفرص لمن يريد تشكيل جماعاتٍ تحافظ على التجربة الديمقراطية أو التشاركية. أو يمكن للأفراد بدلًا من ذلك أن يشكِّلوا وينضموا إلى جماعاتٍ تؤدي دورًا وسيطًا مهمًّا أو خدميًّا في المجتمع.
وأخيرًا، يجب ألَّا يقوم توفير الحقوق على مدى انتماء الأفراد لجماعاتٍ معيَّنة، بل يجب أن يُكفل لكل فردٍ الحقوق الأساسية نفسها بصرف النظر عن عضويته أو عضويتها في أيٍّ من الجماعات، وعلى كل فرد - بغضِّ النظر أيضًا عن عضويته أو عضويتها في جماعةٍ معيَّنة - أن يعترف بحقوق الآخرين[15].
وهنا قد يسأل أحدهم إلى أيِّ مدى يمكن للرؤية الليبرالية الترويج لفكرة الفضيلة المدنية؟ ألَا تتسم الرؤية الليبرالية بأحادية البُعْد، وتؤكِّد غالبًا على دعم جانب الاختيار الفردي، وتستبعد عادةً جانب الفضيلة المدنية؟
5. مجتمع مدني ليبرالي: المعايير المدنية:
إن المجتمع المدني الليبرالي الذي يتيح للأفراد حريةَ الانضمام إلى جماعاتٍ مختلفة على أساس ما يختارونه من مسالك في الحياة يحدِّدونها بأنفسهم، لا يمكنه الاستمرار إلا في ظلِّ احترام معايير مدنيَّة مشتركة معيَّنة. لماذا يُعَدُّ وصف واقع المجتمع المدني هكذا وصفًا دقيقًا؟ سنجيب على هذا السؤال بالمثال التالي: إن رغب بعض الأفراد في الاشتغال بمهنة المحاماة، فإنه يجب عليهم الالتزام بمعايير سلوكٍ محدَّدة تعيِّن لهم مسار النجاح في هذا المجال. ولا شكَّ أن المعايير التي يتمسَّكون بها في هذه الحالة ليست كلها معاييرَ مدنيةً بالضرورة. فاتباع النظام المطلوب لكتابة مذكرة قانونية إنما يشير إلى معايير أوجدتها المهنة القانونية وحدها. فالمهنة القانونية - تمامًا كأي منظمة أخرى، سواء كانت جماعة دينية أو اتحادًا تجاريًّا أو جماعة خيرية - لها معاييرها الخاصَّة التي يجب أن يتمسَّك بها أعضاء هذه المهنة. لكن هذه المعايير المهنية أو الجماعية تشير إلى أهمية المعايير المدنية. ففي تمسُّكهم بمعايير المهنة القانونية، سيتحتَّم على الأفراد ممارسة العديد من المعايير المدنية المهمَّة. سيكون عليهم مثلًا الإيمان بجدوى الأعمال الصالحة، واحترام قوانين المجتمع، وقبول الواجبات الأساسية على المواطن كدفع الضرائب وأداء الأعمال التطوعية المطلوبة، والاهتمام بالصالح العام للمجتمع، وهكذا.
لذلك يزخر المجتمع المدني بالمعايير المدنية. وبتدعيم هذه المعايير المدنية، لا يعزِّز الأفراد فرصهم الخاصَّة فحسب، بل يقرون في الوقت نفسه بالحاجة إلى تعديل أهدافهم الشخصية إن تعارضت مع المعايير المدنية. وفي أحيانٍ أخرى، قد يكون من الضروري - وبغرض ممارسة المعايير المدنية - التشكيكُ في مدى عدل رابطة معيَّنة ينتمي إليها الفرد. وفي هذه الحالات، يصحُّ لنا تقويم معايير الجماعة القائمة في ضوء الفرص التي توفرها، أو التي تُخفق في توفيرها. فعلى سبيل المثال، إن كان أحد النوادي الخاصَّة يستبعد فئاتٍ معيَّنة من الناس لسببٍ عرقيٍّ أو جنسيٍّ، وترتَّب على ذلك حرمان هؤلاء الأفراد من حقوقٍ وفرصٍ كاملة ممنوحة لآخرين في المجتمع، فإنه يصبح من الضروري العمل على إصلاح هذه الممارسات. فإذا كان هناك نادٍ خاصٌّ في الدولة تتمُّ فيه المعاملات العقارية، ويمنع دخول السماسرة النساء، فإن النساء هنا يُحرَمن بسبب النوع الاجتماعي فقط من فرصٍ متاحة للرجال. وفي حالةٍ كهذه، تصبح الدعوة إلى الإصلاح أمرًا معقولًا.
ولأن المجتمع المدني الليبرالي يوفر أنواعًا كثيرة ومختلفة من الجماعات، فستنفتح أمام الناس العديدُ من الآفاق. وبذلك يحفظ هذا المجتمع المدني الليبرالي تنوُّع أنماط الحياة. لكن يتحتَّم بذلك وجود أناسٍ ذوي مصالح مختلفة ومتنافسة، وغالبًا ما يتصارعون مع بعضهم البعض. ونحن نشاهد هذه الحقيقة في الحياة طوال الوقت. فالمحامون والأطباء لدى كل فئة منهما نقاباتٌ مهنيَّة، تدافع عن سياساتٍ مختلفة متعلِّقة بالمعايير المرتبطة بالمواقف التي يمكن فيها للمرضى مقاضاة الأطباء. وتتنافس الجماعات الدينية فيما بينها في المتحولين، وتتنافس منظمات الأحياء في الأموال الفيدرالية، وتتنافس المنظمات الخيرية فيما بينها في أموال المتبرعين. وكذلك تحارب الاتحادات العمَّالية القوانينَ التي تدعمها جماعاتُ الأعمال وتحدُّ من شروط عضوية الاتحاد. وستطول بنا قائمة التنافس تلك. فضلًا عن أن حالة التنافس الشديد هذه قد تولِّد اتجاهاتٍ نحو التآمر والخداع. وسلوكيات من هذا النوع قد تقلِّل من مراعاة الأفراد لحقوق بعضهم بعضًا.
يمثِّل هذا الوضع خطرًا جسيمًا على من شغلهم الشاغل في المجتمع المدني الليبرالي حمايةُ الحقوق الأساسية للأفراد. وبذلك، تتمثَّل وظيفة الدولة في المجتمع المدني الليبرالي في ضمان الحقوق عبر حماية الأفراد ممَّن قد يسلبونهم حقوقهم. لكن بالإضافة إلى جهود الدولة في هذا الصدد، ثمة أسلوبان مهمَّان آخران لحفظ احترام الحقوق، ويلقي كلاهما بتصوراتٍ إضافية ومهمَّة عن الفضيلة المدنية.
إن الحاجة إلى إظهار التسامح أو الاحترام المتبادل أمرٌ حيويٌّ للغاية لصيانة المجتمع المدني. وتعبِّر كلتا النظرتين عن مسلكٍ مختلف. إلا أن للاحترام المتبادل باعتباره فضيلةً مدنيةً - كما سنبرهن فيما يلي - أفضليةً على التسامح. لكن يظل من الممكن أن يصبح التسامح أساسًا لتحقيق الاحترام المتبادل؛ ولذلك يُعَدُّ التسامح أيضًا فضيلةً مدنيةً ذات أهميةٍ كبيرة.
6. الفضائل المدنية من التسامح والاحترام المتبادل:
يتمثَّل المعيار المرتبط بالتسامح في اتفاق الأفراد على التعايش فيما بينهم، وذلك بخلق مساحاتٍ مستقلة في المجتمع يمكن للناس فيها ممارسة معتقداتهم وأنماط حياتهم، وبأساليب عيشهم المتنوِّعة. وكما سنرى عند مناقشة جون لوك، فإن التسامح الديني لا يفرض - في الليبرالية الكلاسيكية - على الفرد ليتسامح مع الرؤى الدينية الأخرى أن يفهمها أو يتفاعل معها أو حتى يختبرها على نفسه. ولكنه مطالبٌ فقط بألَّا يتدخَّل في شعائر الآخر الدينية. وعن التسامح ينشأ الحقُّ في ألَّا يُعاق أيُّ أحدٍ عن ممارسة معتقداته الدينية.
وفي مناقشة المسائل السياسية، لا يقتصر الأمر على قبول الشخص التفاعل مع المنتمين إلى نفس نقابته أو دينه، بل يجب عليه أن يتفاعل مع آخرين من جماعاتٍ نقابية أو دينية مختلفة عنه.
لكن سلوكنا عندما نقتصر على التسامح مع الآخرين قد يؤدي بنا لئلا نعرف أو نفهم مطلقًا قِيَمَ هؤلاء ممَّن نتسامح معهم. فمبدأ التسامح يدفعنا إلى خلق أسوار حول أنفسنا وحول الآخرين، وغالبًا ما تجعل من نتسامح معهم أغرابًا وأكثر انعزالًا بمرور الوقت. والمشكلة في هذا الاتجاه أنه قد يدفعنا إلى الاعتقاد بأن أولئك المختلفين عنَّا ممَّن نتسامح معهم، لا يستحقون في الواقع أن يُمنحوا هذه الحقوق الأساسية التي يلتزم المجتمع المدني بتوفيرها لجميع المواطنين. فغالبًا ما أدى هذا الاتجاه إلى أوضاعٍ قد لا تستوي فيها قيمة الحقوق الممنوحة «للمتسامَح معهم» بقيمة الحقوق الممنوحة لعناصر المجتمع الأخرى. وهو ما يعني أنه حتى وإن تمتَّع الجميع بالحقوق نفسها، فإنه نظرًا لاختلاف قيمة الحقوق، يمكن للبعض أن يتصرفوا في حقوقهم بحرية أكثر مما يستطيع الآخرون.
والأمثلة كثيرة فيما يخص توابع هذا النوع من الأوضاع. ففي هذا البلد [الولايات المتحدة- م] وبعد أن انتهت التفرقة الرسمية ضد الأمريكيين الأفارقة، تجسَّد مبدأُ التسامح التعايشي (عِشْ ودَعْ غيرك يعش) في فكرة الدمج [بين الجانبين]؛ إذ أصبح الأمريكيون الأفارقة الآن أحرارًا ليشاركوا في المجتمع كالبِيض تمامًا. ولكن بسبب استمرار التوجُّهات العرقية، بقيت هناك عدَّة عوائق تحدُّ - بشكلٍ غير عادلٍ - من الفرص المتاحة للأمريكان الأفارقة. وبالتالي، لم يتمتعوا بالصيغة الكاملة من الحقوق الممنوحة للبيض. وكذلك كانت مقاربة التعايش تعني بالنسبة إلى بعض الأمريكيين الأصليين البقاء في المحميات، والتي ترمز بشكلٍ عامٍّ إلى سياساتٍ لم تكن تعمل على ضمان حقوق الأمريكيين الأصليين بنفس قيمة الحقوق الممنوحة لعامَّة الأمريكيين. أما النساء، فقد ظلَّ الإطار المنزلي تاريخيًّا هو المكان الذي تخضع فيه النساء لحاجات الرجال، وتُحرم من المشاركة الأوسع في المجتمع، ومن ذلك المشاركة في أماكن العمل والهيكل السياسي العام. وقد أُجريت العديد من الإصلاحات لهذه السياسات بتمرير قوانين عدَّة تحرِّم التمييز في أماكن العمل المختلفة والبيئات التعليمية، وكان أثر هذه القوانين أن توجَّب على الرجال التعايش مع النساء في المجالات العامَّة في العمل والتعليم والسياسة. لكن ما زالت هناك العديد من العوائق القائمة أمام ترقي المرأة في بيئاتٍ عدَّة. من بين هذه العوائق أشكال التفرقة الخفيَّة القائمة على اتفاقٍ ضمنيٍّ بين الرجال على أن النساء يجب ألَّا يُتاح لهنَّ الوصول إلى قمَّة الهرم الوظيفي في العديد من بيئات العمل، وهو ما يسمِّيه كثيرون بـ"السقف الزجاجي glass ceiling".
وهنا قد يجد "المتسَامَحُ معهم" أنفسهم مهمِّشين، كما هو حال كثيرٍ من النساء والأمريكيين الأفارقة والأمريكيين الأصليين. وبالتالي، قد يعاني هؤلاء من فقدان الفرص، خصوصًا إن قورنوا بأعضاء المجتمع المميزين بسبب جنسهم أو عرقهم أو خلفيتهم الإثنية. والطريقة الأفضل للتغلُّب على وضعٍ كهذا تأتي بالتقدُّم إلى ما وراء التسامح عبر التركيز على أهمية أن يتعلَّم الناس فهمَ رؤى الآخرين المختلفين عنهم واحترامها وتقديرها. والتحرُّك في هذا الاتجاه هو تبنِّي فضيلة الاحترام المتبادل المدنية.
إن نمط التفاعل المطلوب لحفظ الاحترام المتبادل يقتضي أن يسعى الأفراد الملتزمون معًا باحترام حقوق بعضهم البعض إلى فهم اهتمامات الآخرين ورؤاهم، مهما كان هولاء الآخرون مختلفين في المكانة أو الأفق. وفي ذلك، يجب أن تكون نيَّة الشخص عندما يتفاعل مع آخرين ذوي قيمٍ مختلفةٍ عنه أن يتعلَّم ويحترم الأفكار والرؤى والتوجُّهات المختلفة التي قد يحملها هؤلاء بصدد قضايا تهمُّهم جميعًا. وفي مناقشة المسائل السياسية، لا يقتصر الأمر على قبول الشخص التفاعل مع المنتمين إلى نفس نقابته أو دينه، بل يجب عليه أن يتفاعل مع آخرين من جماعاتٍ نقابية أو دينية مختلفة عنه. وعليه أيضًا السعي إلى اكتشاف سبب اعتناق الآخرين ممَّن يعيشون سياقاتٍ مختلفةً عن سياقه لتلك الرؤى التي يعتنقونها، وكيف يبرِّرون مواقفهم. وفي أثناء ذلك، يخلق المرء مساحةً لرؤيةٍ مختلفة عن رؤيته، ويهدم الأسوار التي قد تفصله عن الآخرين. وفي هذا الإطار الجديد، لا يكون الآخرون غرباء بالنسبة إلى الشخص، ولن يجد وقتئذ صعوبةً في منحهم - وبأكمل قدر ممكن - ما يستحقونه من حقوق.
لكننا بلا شكٍّ لا يمكننا منح جميع الناس في المجتمع هذا المجهود لفهم رؤيتهم وطموحاتهم وأنماط حياتهم. فالناس أكثر عددًا من إمكانية شمولهم جميعًا بهذا الأسلوب. لكن في استطاعتنا منح الاحترام بهذا المعنى لمن نتواصل معهم. فبإظهار هذا الاحترام للآخرين، وسلوك معظم أعضاء المجتمع أيضًا المسلك نفسه، يصبح الاحترام المتبادل وقتها فضيلةً مدنيةً معتَنقةً على نطاقٍ واسعٍ.
وحتى في حالة وجود جماعة مكرَّسة لغرضٍ محوريٍّ كتقديم خدمةٍ عامَّة أو تمكين الناس من الاجتماع ومناقشة كتبٍ عظيمة، تضمُّ هذه الجماعة أشخاصًا من خلفياتٍ عرقية أو دينية أو طبقية مختلفة، أو يحملون فلسفاتٍ سياسية واجتماعية مختلفة. ومن ثمَّ، فإن الخلافات في داخلها وفيما بين الجماعات وبعضها البعض من المحتمل حدوثها دائمًا.
لكن على الرغم من أهمية الاحترام المتبادل، فإن التسامح قد يظلُّ هو أفضل ما يمكننا القيام به. فالحقيقة أن التسامح قد يكون في بعض الظروف خطوةً أولى في الرحلة الطويلة نحو تحقيق الوضع الأسمى قطعًا، ألَا وهو الاحترام المتبادل. فبدايةً، كي يسود السلام الاجتماعي مجتمعًا ما، فقد يكون التسامح هو المذهب العملي الوحيد المناسب. وعلى سبيل المثال، لنأخذ مجتمعًا مرَّ لسنواتٍ عديدة بتجربة اضطراباتٍ شديدة بين جماعاتٍ متعدِّدة. فهنا وبسبب الفترة الطويلة من الصراع المقيت، قد يكون مبالغًا فيه أن نتوقَّع ارتباط هؤلاء الأفراد بعلاقاتٍ من التفاهم المتبادل. ولكن على الأقل قد يتوقَّف العنف بين الجماعات مع تعلُّم مبدأ التعايش، ويُمهَّدُ الطريق لمستقبلٍ تبدأ فيه خطابات الاحترام المتبادل بين الجماعات التي كانت أعداءً في الماضي. ففي الشرق الأوسط على سبيل المثال، إن أُرسي مبدأ التسامح اليوم، قد يؤدي غدًا إلى التزامٍ جديدٍ بتشكيل فضيلة مدنية، يمكنها دفع من كانوا يتبادلون الكراهية والاشمئزاز إلى إجراء حوار من أجل الاعتراف والتفاهم المتبادل.
والتسامح مهمٌّ لسببٍ آخر؛ إذ عندما يصبح واجبًا على الدولة دفعُ الناس إلى احترام حقوق جميع أفراد المجتمع، فإنها قد تستخدم في ذلك سياساتٍ لترهيب الناس كالإكراه غير القانوني أو المراقبة المستمرة، وسياسات كهذه من شأنها أن تعرِّض كلًّا من المجال المستقلِّ والحقوق الأساسية للخطر. يُتجنَّبُ هذا الوضع باحترام حقوق الآخرين عبر الالتزام بالتسامح. وهنا يمكن للدولة أن تحمي الحقوق وسيادة القانون دون استخدام أساليب ترهيبية لكن بدعم توفير فرصٍ لجميع المواطنين في مجالات الحياة المتنوِّعة، كالعمل أو التعليم أو الفن أو الاستمتاع بالطبيعة.
إذن، يجسِّد المجتمع المدني - عندما يكون في أفضل حالاته وبوصفه حيزًا مستقلًّا عن الجماعات والروابط - الفضيلتين المدنيتين من التسامح والاحترام المتبادل. وفي هذه الحالة، يمكنه أن يخلق وضعًا يحتوي جماعاتٍ متنوِّعة، تضمُّ كلٌّ منها أعضاءً من شتَّى أنحاء الطيف الاجتماعي والسياسي للمجتمع. وهنا وحتى في حالة وجود جماعة مكرَّسة لغرضٍ محوريٍّ كتقديم خدمةٍ عامَّة أو تمكين الناس من الاجتماع ومناقشة كتبٍ عظيمة، تضمُّ هذه الجماعة أشخاصًا من خلفياتٍ عرقية أو دينية أو طبقية مختلفة، أو يحملون فلسفاتٍ سياسية واجتماعية مختلفة. ومن ثمَّ، فإن الخلافات في داخلها وفيما بين الجماعات وبعضها البعض من المحتمل حدوثها دائمًا. ومع ذلك، عندما تكمِّل الفضيلةُ المدنية للاحترام المتبادل فضيلةَ التسامح، يصبح الأفراد متمرِّسين في فنِّ الخطاب المرن في التعامل، والمصمَّم لإيجاد أرضية مشتركة وسط الرؤى المتنافسة داخل الجماعات، وداخل المجتمع بأكمله أيضًا. وبذلك يصبح السعي نحو الاستيعاب موضعَ تركيز أساسيٍّ لجماعات المجتمع المدني، مما يرجِّح سلوك احترام الحقوق، ومن ثمَّ يساعد على تأمين وجود دولةٍ ومجتمعٍ مكرَّسَيْن لحماية حقوق جميع المواطنين.
7. بُعْد السوق في المجتمع المدني: معضلة آدم سميث:
لم يكن ما استعرضناه في الجزئيات السابقة سوى بيئة تتميَّز بتعدُّدية من الجماعات الطوعية، تُوجد جميعها لتسهيل تنوُّع واسعٍ من خيارات الحياة. إن إتاحة الحرية أمام الناس في اختيار أنماط حياتهم، والسماح للسياقات الجماعية بتحقيق أنماط الحياة التي قد يختارها الناس، هي رؤية لمجتمعٍ صُمِّم على طريقة السوق الحرة التي يمتلك كلُّ فردٍ فيها حرية اختيار نمط الحياة الذي يحدِّده هو أو هي باعتباره أفضلَ نمطٍ يناسبه. بيد أن فكرة السوق الحرة قد تمثِّل لدى البعض - فيما يتعلَّق منها بالأنشطة الاقتصادية - مشكلاتٍ شديدةً للمجتمع المدني، وخصوصًا فيما يتصل بحاجته لصيانة فضائل مدنية كالتسامح والاحترام المتبادل.
وفي مناقشة آثار السوق الحرة على المجتمع المدني، لن نجد أهمَّ من عالم الاقتصاد الإسكتلندي في القرن الثامن عشر، الفيلسوف الأخلاقي آدم سميث (1723-1790م). فكما يشير ماكس ليرنر Max Lerner، فإن كتاب ثروة الأمم The Wealth of Nations يُعَدُّ "العمل المؤسِّس للفكر الاقتصادي الحديث"[16]. فرؤية سميث لعلاقات السوق تشير إلى إطار سوقيٍّ في المجتمع المدني «لا ينوي فيه الفرد إعلاء المصلحة العامَّة، ولا يعي أيضًا إلى أيِّ مدى هو يعلي من شأنِها بالفعل". فالأفراد في حقيقة الأمر يعنيهم فقط إعلاء «أمانهم»؛ لكنهم في سبيل ذلك، «تقودهم يدٌ خفيَّة نحو إعلاء هدفٍ لم يكن في نيَّتهم»[17]. هذا الهدف هو الصالح العام.

تشير «اليد الخفيَّة» لدى سميث إلى تلك القواعد الخاصَّة بالسوق الحرة التي تحدِّد أنماط الحياة التي يجب على الأفراد تبنِّيها للنجاح في تحقيق مصالحهم. لذلك، فإن الأفراد في سعيهم وراء مصالحهم الخاصَّة في وضع السوق الحرة، لا يدركون فحسب أن هناك قيودًا قائمة، بل إن هذه القيود تسمح بالنمو الطبيعي في المجتمع لتلك الأنشطة التي تدرُّ على المدى البعيد أفضلَ المصالح لجميع أفراد المجتمع.
لكن لماذا وعلى أي أساسٍ من الممكن حدوث هذا؟ تدور إجابة هذا السؤال حول ما اعتبره سميث في كتابه ثروة الأمم من منافع المجتمع الصناعي. فكانت أطروحته أن في «الأمم البدائية من صائدي الحيوانات والأسماك» نجد جميع القادرين يعملون بشكلٍ نافعٍ، في حين تظلُّ كمية المنتجات غير كافيةٍ لتلبية حاجات الجميع. كانت هذه الأمم فقيرةً للغاية؛ إذ كانت مجبرةً في أوقاتٍ معيَّنة على أن تترك صغارها ومسنِّيها ومرضاها فريسةً للجوع أو «للوحوش المفترسة»[18]. لكن على النقيض، وفي مجتمعٍ حديثٍ متحضِّر ومنتج، لا يعمل جميع الناس أعمالًا منتِجة، لكن إنتاج من يعملون يكفي لتزويد حتى أفقر العمَّال "المقتصدين والكادحين ... بنصيبٍ أكبر من الضروريات ووسائل الراحة، يفوق ما يمكن لأيِّ مجتمع بدائيٍّ أن يكتسبه"[19]. ولذلك، فإن الإجابة على تساؤلنا حول الكيفية التي يتحقَّق بها الصالح العام عندما يعمل الأفراد من أجل مصالحهم الذاتية فحسب، إنما تدور حول إثبات كيف يحدث ذلك في مجتمعٍ منتِج يتبع قيم السوق الحرة، فيعود النفع بفائض ثروة يكفي لتوفير حياةٍ لائقة للجميع، حتى عندما لا يؤدي الجميع عملًا منتجًا. ولكن، كيف يحدث ذلك؟
أجاب سميث على هذا السؤال بتوضيح ما تمَّ من ازدياد قوة العمَّال الإنتاجية في المجتمعات الصناعية المنتجة؛ وكانت الطريقة الأساسية التي تحقَّقت بها هذه النتيجة، هي إدخال تقسيم العمل. تسمح هذه الطريقة في تنظيم الأعمال باستخدام الميكنة، وتُحسِّن مهارات العمَّال وتقنياتهم، وتُدخِل الكثير من عناصر الكفاءة في سيرورة العمل[20]. وفي المجمل، تساهم هذه العوامل في تعزيز إنتاجية كل عامل، كأن لا يقتصر الأمر على أن ينتج أحد العمَّال ما يكفيه من سلعة معينة، بل ينتج ما يكفي من تلك السلعة لسدِّ حاجة آخرين معه. وقطعًا لم يسفر هذا التقدُّم في العملية الإنتاجية عن وصول العامل المتوسط إلى نفس مستوى الطبقات الثرية في أوروبا[21]. لكنه رغم ذلك، تجاوز مستوى أكثر الطبقات ثراءً في البلدان الأكثر فقرًا في زمن سميث[22].
لكن ما الذي يعزِّز في بداية الأمر هذا النوع الجديد من تقسيم العمل الأكثر إنتاجية؟ ينشأ تقسيم العمل عن ميل الناس إلى «المقايضة»[23]. فاعتبارات المصلحة الذاتية تدفعنا إلى إجراء مقايضاتٍ كهذه؛ إذ يهتمُّ بعض الناس بإنتاج سلعة بعينها، ويهتمُّ غيرهم بإنتاج سلعة أخرى. علاوة على أنه في كلتا الحالتين، لدى كل شخصٍ اهتمامٌ بامتلاك أو الحصول على السلع التي ينتجها الآخرون؛ ولكي نكون في وضعٍ يُخولُنا الحصول على سلع الآخرين، يجب على المرء أن ينتج فائضًا من السلع؛ إذ يوفر ما يكفيه، ويبيع منه للآخرين. وبالنقود التي يحصل عليها من بيع فائض سلعه للآخرين، يمكنه حينئذٍ شراء أنواعٍ أخرى من السلع التي يرغب في اقتنائها[24]. ومن ثمَّ، يدرك كلُّ فردٍ بمرور الوقت أن مصلحته الذاتية يخدمُها على أفضل وجهٍ التخصُّصُ في إنتاج نوعٍ معيَّن من السلع، وإيجاد أفضل وسيلة لإنتاج فائضٍ من هذه السلعة.
ولكن لكي يُكتب النجاح لهذه الطريقة، يجب على الأفراد تقبُّل قيم التوفير والتقتير. إذ يتوجَّب عليهم تعلُّم الاعتدال في عادات الإنفاق الشخصي لأجل النجاح في نظام السوق. لكن لماذا؟ إن من مصلحتنا الذاتية - كما أشرنا - إنتاج فائض من السلع. ويُعَدُّ الاستهلاك الشخصي إحدى صور إنفاق هذا الفائض. فهنا نحن نستبدل بالمال فائضنا مما يمكننا من شراء سلعٍ أخرى نرغب فيها ونحتاج إليها؛ لكن إن كنَّا نرغب في الاستمرار في مراكمة الفائض، فلا بدَّ لنا أن نأخذ جزءًا من هذا الفائض ونسثمره بشراء السلع التي تمكِّننا من استخدام أشكالٍ جديدة من الإنتاج تدرُّ علينا ربحًا أكبر[25].
يقف في قلب المجتمع الصناعي فردٌ راغبٌ في اقتناء مزيدٍ من السلع ومستعد لذلك، لكنه في الوقت نفسه متنوِّر كفاية ليدرك أنه يجب عليه ممارسة فضائل الاقتصاد وتوفير النقود، كي ينجح[26]. وعندما تصبح هذه الأخلاق جزءًا معياريًّا في المجتمع، فإنها تساعد على استجلاء أصل «رأس المال». فمن يملك ثروةً كافيةً لحفظ نفسه أو نفسها، ويفيض لديه ما يكفي منها، قد يستثمر فائض الثروة هذا لجمع ثروة إضافية. وبذلك يخلق «رأس المال». وهنا يصبح رأس المال فائضَ الثروة التي يستخدمها الشخص في استصلاح الأراضي، أو لمزيدٍ من الاستثمار في سلعٍ كالماكينات بغرض جني مزيدٍ من الأرباح[27]. يرى سميث أنه عندما تجد المصلحة الذاتية مكانها في نظام السوق في الاقتصاد الصناعي، فإنها تنمي رأس المال في المجتمع، بشكلٍ يساعد على إمداد كل شخصٍ بأُسسِ حياةٍ كريمة.
ومن ثمَّ تفسر أطروحة سميث الطريقة التي يتحقَّق بها الصالح العام في بيئةٍ تشجِّع السلوك الذي توجِّهه المصلحة الذاتية. والسؤال الطبيعي الآن هو: هل لتلك الفضائل المدنية التي ناقشناها، وخصوصًا التسامح والاحترام المتبادل، أي مكان في مجتمع سميث المدني؟ يمكن لسميث بالطبع أن يزعم بأن هذه الفضائل المدنية جزءٌ من نظرته للمجتمع، فقد أوضح في كتابه نظرية المشاعر الأخلاقية The Theory of Moral Sentiments أن الأفراد ليسوا سوى أشخاص موجَّهين ببساطة لغاياتهم وحاجاتهم الخاصَّة، ولكن لديهم بالإضافة إلى ذلك نزوع طبيعيٌّ للتعاطف مع الآخرين[28]. ولتوضيح وجهة نظره في هذا الصدد، ذكر سميث أن البشر على وعيٍ بحقيقة أنه من الضروري دائمًا النظر إلى أنفسهم وفقًا للطريقة التي يراهم بها الآخرون، وهو ما يشير إليه سميث بوجهة نظر المراقب المحايد impartial spectator. فبحسب وجهة النظر هذه، حينما «يرى الشخص نفسه في ضوء وعيه بأن الآخرين سيرونه»، فإنه يفهم أن عليه ألَّا يرى نفسه أفضل من أي شخصٍ آخر في حشد البشر الذين يشكِّلون المجتمع[29]. وطبيعي أن يظلَّ الأفراد دائمًا «يفضلون أنفسهم على بقية البشر»، إلا أن هذه العقلية يجب أن تتوازن مع منظور المراقب الذي يحضُّنا على «عدم رؤية أنفسنا - بدرجة كبيرة - تحت ذلك الضوء الذي نظهر به عادةً أمام أنفسنا، بل تحت الضوء الذي نظهر فيه عادةً أمام الآخرين»[30]. وباعتبار وجهة النظر الأخلاقية تلك، ندرك أنه يجب علينا «كسر غطرسة ... حب الذات، وجعلها في مستوى يمكن للآخرين التوافق معها فيه»[31]؛ إذ إننا بتتبُّعنا لأقدارنا في الحياة، يجب أن نحاول دائمًا التفاعل مع الآخرين بطرقٍ يعتبرها الجميع عادلةً. وقال سميث إنه «في السباق على الثروة والألقاب والمناصب الرفيعة، قد يستعين الفرد بكل ما في وسعه، كادحًا كل عَصَبٍ وعَضَلةٍ لديه، بغرض التفوُّق على منافسيه. ولكن إن سنحت له الفرصة ليصْدم أيًّا منهم ويطرحه أرضًا، سيتوقَّف تساهل المراقبين تمامًا»[32]. وهنا من شأن التعاطف الطبيعي الذي وضعه سميث، أن يجعل الالتزام الليبرالي بالفضائل المدنية من الاحترام المتبادل والتسامح موضوعاتٍ في غاية الأهمية[33].

وأخيرًا، يجعل سميث - كجميع منظِّري المجتمع المدني - للدولة دورًا مهمًّا في حفظ الحقوق، ويدعم وجود حكومة مدنية وأهميتها. فسميث يرى أن «الواجب الأول لصاحب السيادة» هو الدفاع عن المجتمع ضد الهجوم الأجنبي[34]. ولكن للحكومة دور أساسيٌّ بحمايتها كل فردٍ في المجتمع من «الظلم أو القهر» اللذين قد يمارسهما عليه أعضاء آخرون[35]. وفي ذلك من الهموم الأساسية: «منعُ أعضاء المجتمع من التعدي على ممتلكات شخصٍ آخر، أو الاستيلاء على ما لا يملكون»[36]. وعلى الحكومة أن تعدل بين جميع المواطنين عن طريق حماية «الحق العادل [لكل فرد] في مطالبة الآخرين والقدرة على ذلك»[37]. ولتحقيق هذه الغاية، لا بدَّ أن تحافظ الحكومة المدنية على نظامٍ مصمَّمٍ لإدارة العدالة. وهكذا، لم ينفِ تعويل سميث على اليد الخفيَّة مطلقًا الحاجةَ إلى حكومة يمكنها توفير حاجات المجتمع الأساسية. لكن ما استهجنه هو الحاجة إلى تنظيمٍ حكوميٍّ لأنشطة السوق الداخلية. إذ عندما تقوم الحكومة على تنظيم الصناعة الداخلية عبر سياساتٍ متنوِّعة كفرض الرسوم الجمركية على السلع الأجنبية الواردة، ستكون النتيجة تثبيط نموِّ رأس المال في المجتمع[38]. لذلك، كان سميث يأمل في استعادة «حرية التجارة»، إلا أنه اعتقد أن المصالح الخاصَّة والتحيُّزات العامَّة في بريطانيا تقفان ضد هذا الهدف، وبسبب ذلك لن يتسنَّى للتجارة الحرة أبدًا تحقيق الازدهار الكامل[39].
يمكن القول إنه من منطلق رؤية سميث للحكومة المدنية ولمكانة التعاطف في نظريته، لن يؤدي الالتفات تجاه المصلحة الذاتية في حالة السوق الحرة لدى سميث - التي صوَّرها في كتابه ثروة الأمم - إلى تقويض التزامات الفضيلة المدنية. إلا أن البعض قد يدفع بأن نظام السوق الحرة والتوجهات الثقافية التي تنمو في كنفه، يضعفان احتمال تحقُّق الصورة التي رسمها سميث لما يمكن أن يكون عليه المجتمع المدني. وهو التصوير الذي - بلا شكٍّ - ينسجم مع الفضائل المدنية لكلٍّ من الاحترام المتبادل والتسامح، التي تحدثنا عنها في المقطع السابق. وبالفعل، تمثِّل مسألة أن للسوق أثرًا أخلاقيًّا هدَّامًا في المجتمع المدني موضوعًا رئيسًا من موضوعات هذا الكتاب. وقد تجلَّى هذا الموضوع في عمل كثيرٍ من المفكرين ممَّن سنناقشهم في البابين الثاني والثالث، ومنهم جان جاك روسو وهيغل وجون ستيوارت مل وألكسي دي توكفيل وجون رولز، ناهيك طبعًا عن كارل ماركس. إن القلق الرئيس لدى هؤلاء الكتَّاب يكْمُن في أن السوق قد يحوِّل المجتمع المدني إلى بيئةٍ يسعى فيها الأفراد وراء مصالحهم بشكل أنانيٍّ، دون الاهتمام بحاجات الآخرين والالتزام بفضائل الحياة المدنية. وساعتها سنكون على مشارف فقدان الأمل في إقامة واستمرارية البيئة الأخلاقية الأكبر التي تدعم الأهداف الفردانية جنبًا إلى جنبٍ مع احترام الفضائل المدنية التي تحدِّد مسؤوليات مواطنتنا.
وتبقى مشكلة أخيرة تتمثَّل في أنه في سياقٍ يُسيطر فيه السوق، تصبح القيم المهمَّة هي فقط القيم المادية أو النفعية، أما تلك الأخرى ذات الأهمية الكبيرة لازدهار الإنسانية بأكملها، فلا تجد لها مكانًا. لكن هناك أهمية بالغة لتلك القيم المرتبطة بالجانب الروحي أو الجمالي أو الفكري أو الأخلاقي وتلك التي تمنح أساسًا للانتماء والجماعية، ويجب على المجتمع المدني حمايتها. ولكن حالما يسيطر السوق، فإن القيم المادية تهمِّش أيَّ قيمة أخرى. وسيعتبر نقَّاد المجتمع المدني ومؤيدوه على السواء أن هذه القضايا قضايا مركزية، كما سنعرض طوال هذا الكتاب.
8. أهمية المجتمع المدني:
ترجع أهمية موضوع المجتمع المدني إلى أنه في ظلِّه وحده دون غيره، يمكن للأفراد أن يطوِّروا طاقاتهم الأخلاقية ووعيهم؛ مما يساعد على حماية الحرية الأساسية التي يقدِّرها الناس في المجتمع الحديث. وعمومًا، فإنه خارج بيئة المجتمع المدني، لن يكون لدى الناس اهتمامٌ بمعايير المواطنة ومنها التسامح والاحترام المتبادل، ومن ثمَّ فبدلًا من وضعٍ يضمن الحقوق والحرية سينشأ مجتمعٌ قد يكون عدوانيًّا تجاههما. وبغير الحرية، يفقد كلُّ فردٍ قدرته على إيجاد حياةٍ يراها مهمَّةً وهادفةً وتحمل قيمةً ثابتةً.
وكما يتضح لنا، فلا يتمنَّى الكثيرون تجربة هذا المصير؛ لكن لا يظن الكثيرون اليوم أن المجتمع المدني في خطر؛ وإن أدركوا ذلك، فهم ليسوا على استعدادٍ للمشاركة في حملةٍ لإنقاذه. فالوقوف موقف المتفرِّج والاكتفاء بمشاهدة المجتمع المدني يتحلَّل نتيجة غياب إرادة سياسية قوية للدفاع عنه، لا يمكن أن يؤدي إلا إلى أوخم العواقب التي تختفي بسببها مزايا المجتمع المدني، ومنها الحرية الفردية ومعايير الحياة المدنية. ونتيجة لهذه المأساة، ستفقد الحياة طاقتَها لدى الكثيرين؛ وبدلًا من السعادة المرتبطة بحياة حرَّة هادفة، سيكون على الأفراد أن يتقبَّلوا وحدتهم في التفاهة.
- مراجع وقراءات مقترحة
-
Barber, Benjamin R. Strong Democracy: Participatory Politics for a Democratic Age. Berkeley: University of California Press, 1984.
Becker, Marvin. The Emergence of Civil Society in the 18th Century. Bloomington: Indiana University Press, 1994.
Cohen, Jean L. Civil Society and Political Theory. Cambridge, Mass.: MIT Press, 1992.
DeLue, Steven M. "Civil Society." The Encyclopedia of Political Thought. Edited by Michael T. Gibbons. John Wiley and Sons, 2015.
Elshtain, Jean Bethke. Democracy on Trial. New York: Basic Books, 1995.
Galston, William A. Liberal Purposes: Goods, Virtues, and Diversity in the Liberal State. Cambridge: Cambridge University Press, 1991.
Ignatieff, Michael. The Needs of Strangers. London: Penguin Books, 1984.
Rosenblum, Nancy L. "The Moral Uses of Civil Society: Three Views." The Newsletter of PEGS: The Committee on the Political Economy of the Good Society. Supplement to 3:2, Summer, 1993, now called The Good Society.
Seligman, Adam, B. The Idea of Civil Society. Toronto: Free Press, 1992.
Smith, Adam. An Inquiry into the Nature and Causes of the Wealth of Nations. Edited by Edwin Cannan. New York: Modern Library, 1937.
- الهوامش
-
[1] Jean Bethke Elshtain, Democracy on Trial, (New York: Basic books: 1995), pp 5-6.
[2] تستند رؤية المجتمع المدني التي أستخدمها هنا إلى وجهة نظر نانسي روزنبلوم في كتابها الاستخدامات الأخلاقية للمجتمع المدني: ثلاث رؤى
“The Moral Uses of Civil Society: Three Views,” The Newsletter of PEGS: The Committee on the Political Economy of the Good Society, Supplement to 3:2, Summer, 1993, now called The Good Society.
[3] Elshtain, Democracy on Trial, pp, 6-7, 13, 19.
[4] Rosenblum, "The Moral Uses of Civil Society,” p,3.
[5] William A. Galston, Liberal Purposes, Goods, Virtues and Diversity in the Liberal State, (Cambridge: Cambridge University Press, 1991).
انظر فصله عن الفضائل الليبرالية، خاصةً الصفحات: 221، 223، 225. وأيضًا:
Nancy L. Rosenblum, “The Moral Uses of Civil Society," p,3.
[6] Galston, Liberal Purposes, pp. 223-24. and Nancy L. Rosenblum, “The Moral Uses of Civil Society," p 3.
[7] Rosenblum, “The Moral Uses of Civil Society," p 4.
[8] المرجع السابق ص 4، تقوم وجهة نظري هنا على رؤية روزنبلوم فيما يتعلَّق بفهم المجتمع المدني الديمقراطي. انظر أيضًا:
Benjamin R. Barber, Strong Democracy, Participatory Politics for a Democratic Age, (Berkeley: University of California Press, 1984), ch. 6, especially pp,117-133.
[9] Rosenblum, “The Moral Uses of Civil Society," p,4.
[10] Ibid, p.4.
[11] Ibid, p.4.
[12] Ibid, p.4.
[13] Ibid, p.4.
[14] Ibid, p.4.
[15] Ibid, p.4.
[16] Max Lerner, “Introduction,” to An Inquiry into the Nature and Causes of the Wealth of Nations, edited by Edwin Cannan, (New York: Modern Library: 1937), p, v.
سأشير من هنا فصاعدًا إلى هذا المجلد بـ «ثروة الأمم». وبالإضافة إلى أرقام الصفحات، سأرجع إلى الجزء والفصل والفقرة في الأرقام اللاحقة لأرقام الصفحات.
[17] Smith, The Wealth of Nations, p, 423, IV:II: 9.
[18] Ibid, p.lviii.
[19]Ibid, p.lviii.
[20] Ibid, pp.3—12, especially, p. 7.
[21]Ibid, p.12.
[22] Ibid, p.12.
[23] Ibid, p.13.
[24] Ibid, p.15.
[25] Ibid, pp.26–263.
[26] Ibid, p.322.
[27] Ibid, pp.262–63.
[28] Adam Smith, The Theory of Moral Sentiments, (Indicatianapolis: Liberty Classics, 1976), p, 51 sect: I. Ch. I. Para. 11; also,pp, 54, Sect I. Ch. 2, para. I.
[29] Ibid, p.162.
[30] Ibid, pp.161–62.
[31] Ibid, p.162.
[32] Ibid, p.162.
[33] أول تمرين للكاتب، المؤلف الأصلي ستيفن ديلو، قبل أن ينضمَّ إليه تيموثي ديل. ومثلما شدَّد في التمهيد والمقدمة على أهمية التفكير السياسي، يُعَدُّ هذا التمرين نموذجًا حيًّا لعملية ذكية من التفكير السياسي، أساسها تصور كيفية رد آدم سميث على قيم ومبادئ مطروحة بعد زمنه، ضمن سياق المجتمع المدني، وهذا ما سيكرِّره مع جميع الفلاسفة والمفكِّرين السياسيين على طول الكتاب، مما يشكِّل ثراءً حيويًّا يظفر فيه القارئ - خاصةً الدارسين والمتخصِّصين - بطريقة ناجعة ومؤثرة في ممارسة النظرية السياسية والجدل والسجال بين مختلف المفكرين والمدارس، وهو أيضًا نموذج حيٌّ لممارسة الفكر المتنوِّع واختيار ما يناسب الفرد بناءً على أسسٍ علمية ونظرية، وسوف يتضح هذا جليًّا بداية من الفصل السابع تحت تمرين الرد والرد المضاد. [المترجم]
[34] Smith, The Wealth of Nations, p. 668.
[35] Ibid, p.669.
[36] Smith, Lectures on Jurisprudence, edited by R.L Meek, D.D. Raphael, and P. G. Stein, (Indianapolis: Liberty Classics, 1978), p, 5.
[37] Ibid., p.7.
[38] Smith, The Wealth of Nations, p, 425, IV:II:13.
[39] Ibid., pp. 437–38.