الدين وطب الجهاز العصبي
بقدرٍ غير يسير من القلق والتوتُّر، آخُذُ مكاني خلف هذا المكتب، وأواجه هذا الجمهور المثقَّف. بالنسبة إلينا، نحن الأمريكيين، فإن خبرة تَلقِّي العلم على يد العلماء الأوروبيين - سواء بالسماع منهم مباشرةً أو من كتبهم - أمرٌ معتاد جدًّا. ففي جامعتي، جامعة هارفارد، لا يمرُّ شتاءٌ من دون حصادٍ - كبيرًا كان أم صغيرًا - من المحاضرات التي يلقيها ممثِّلو العلم أو الأدب الإسكتلنديون، والإنجليز، والفرنسيون، والألمان في بلدانهم. سواء الذين أقنعناهم ابتداءً بعبور المحيط لكي يحاضروا فينا، أو الذين اغتنمنا فرصة السماع منهم حينما كانوا يزورون بلادنا. ويبدو أن الأمر الطبيعي بالنسبة إلينا إذن، هو أن نستمع بينما يتحدَّث الأوروبيون. أما العادة العكسية، أقصد أن نتحدَّث بينما يستمع لنا الأوروبيون، فلم نكتسبها بعدُ. وعقب قيام أول شخصٍ بهذه المغامرة، فإن ذلك الأمر سيُولِّد فيه حسًّا بالاعتذار؛ لأنه أتى بذلك الفعل المجترئ. يجب أن يكون الأمر كذلك خاصةً حين نكون على أرضٍ مقدَّسة في المخيال الأمريكي مثل أرض إدنبره. إن أمجاد الكرسي الفلسفي لهذه الجامعة كانت مُنْطَبِعَةً على مخيالي بعمقٍ في صباي. فكتاب الأستاذ أليكساندر فريزر Alexander Fraser (1819-1914) "مقالات في الفلسفة - Essays in Philosophy"، الذي كان صادرًا للتو في ذلك الحين، كان أولَ كتاب فلسفيٍّ أطالعه في حياتي، ولن أنسى إحساس المهابة الممتزج بالتقدير الذي اعتراني عندما قرأتُ شرحَه لدروس السير وليام هاملتون William Hamilton (1788 - 1856) الواردة في الكتاب. لقد كانت محاضرات هاملتون أول الكتابات الفلسفية التي دَفَعْتُ نفسي لدراستها؛ وبعد ذلك، غمرت نفسي في الكتابات الفلسفية لدوجالد ستيوارات Dugald Stewart (1753-1828)، وتوماس براون Thomas Brown (1778 - 1820). إن مشاعر التوقير والإجلال الفتيَّة هذه لا تتقادم أبدًا. وأعترف بأنني حين أجد نفسي المتواضعة، قد رُقيت من فقرها الأصلي لكي تصبح من الحين مسؤولةً رسمية هنا، وتحولت إلى رفيقة عملٍ لهذه الأسماء المرموقة، فإن كلَّ ذلك يحمل في ثناياه حسًّا بأنني في أرض الأحلام بقدر ما أنا في الواقع.
ولكن، مذ حظيتُ بشرف هذا التكليف، أشعر بأن هذا الشرف لن يضمحل أبدًا. إن للعمل في السلك الأكاديمي إلزاماته البطولية أيضًا؛ ولذا أقف هنا دون المزيد من الكلمات الاستهجانية. دعوني فقط أقُل هذا الأمر، بما أن هذا التيار الآن، هنا وفي أبردين Aberdeen، قد بدأ في السير من الغرب إلى الشرق، فإنني أتمنَّى له الاستمرار في ذلك. وبتعاقب السنوات، أتمنَّى أن يُطْلَب الكثير من أبناء وطني ليحاضروا في الجامعات الإسكتلندية، من خلال تبادُل الأماكن مع محاضرين إسكتلنديين في الولايات المتحدة. وأرجو أن تصبح شعوبنا - في كل هذه الأمور العالية الشأن - متساويةً كشعبٍ واحد. وكُلي أمل في تَفَشِّي المزاج الفلسفي الخاص وكذلك المزاج السياسي الخاص، المرافق لأحاديثنا الإنجليزية، أكثر وأكثر كي يترك أثره في العالَم.

وفيما يتعلَّق بالطريقة التي سأديرُ بها هذه المحاضرات، فلستُ لاهوتيًّا، ولا باحثًا متمرسًا في تاريخ الأديان، ولا أنثروبولوجيًّا. إن علم النفس هو الفرعُ الوحيد من العلم الذي أبرع فيه على وجه الخصوص. وبالنسبة إلى عالِم النفس، يجب أن تكون الميول الدينيَّة للإنسان مثيرةً للاهتمام، على الأقل بنفس قدر أيٍّ من الوقائع المتعلِّقة بطبيعته العقلية. وبالتالي، يبدو أن الأمر الطبيعي بالنسبة إليَّ، وباعتباري عالِمَ نفسٍ، أن أدعوكم إلى دراسةٍ وصفيَّة لهذه الميول الدينيَّة.
إذا كان على هذا البحث أن يكون سيكولوجيًّا بحقٍّ، فلا يجب عليه الانشغال بالمؤسسات الدينيَّة، وإنما يلزم أن تكون المشاعر الدينيَّة والدوافع الدينيَّة هي موضوع انشغاله. ويجب أن أُقيِّد نفسي بالظواهر الذاتية الأكثر تطورًا، المسجَّلة في الأدب الذي كَتَبَه رجالٌ من ذوي الفصاحة ويَعون ذواتهم على نحوٍ كامل، في الأعمال التي تدور حول التَّقْوَى وفي السِّير الذاتية. وبالرغم من أن الأصول والمراحل المبكِّرة من موضوعٍ ما تكون مثيرةً للاهتمام، فإن المرء حينما يسعى بجدٍّ وراء دلالتها الكاملة، يتعيَّن عليه النظر إلى أشكالها الأكثر تطورًا وكمالًا. وينبني على ذلك أن الوثائق التي سنوليها كامل عنايتنا ستكون خاصةً بالرجال الذين كانوا الأبرع على مستوى الحياة الدينيَّة، والقادرين على أن يمنحونا وصفًا واضحًا يسهل فهمُه لأفكارهم ودوافعهم. إن هؤلاء الرجال - بالطبع - إمَّا أن يكونوا كتَّابًا معاصرين نسبيًّا، وإمَّا أن يكونوا من الأوائل الذين صاروا رموزًا دينية كلاسيكية. إن الوثائق الإنسانية Documents Humains [الإنسان نفسه بوصفه وثيقةً تُدرس] التي سوف نجدها أكثر ثراءً ونفعًا لا يلزم أن يُبحَث عنها في مكامن التبحُّر في العلم ومخابئه؛ إن هذه الوثائق يسهل العثور عليها وكأنها توجد على قارعة الطريق المسلوكة، وهذا الوضع الذي ينتج عن طبيعة مسألتنا بشكل طبيعيٍّ للغاية، يلائم أيضًا - وعلى نحوٍ ممتاز - النقصَ الذي يعاني منه مُحاضِركم فيما يتعلَّق بالتعليم اللاهوتي الخاص. قد آخُذُ الاقتباسات، والجُمَل، والفقرات من اعترافاتٍ شخصية، ومن كُتُبٍ كانت توجد بالفعل مع الكثير منكم، في وقتٍ ما؛ ولكن هذا الأمر لن يكون ضارًّا بالقيمة التي تحوز عليها استنتاجاتي. وصحيحٌ أن قارئًا وباحثًا يتمتَّع بروح المغامرة أكثر مني، وسيُحاضر هنا في المستقبل، قد يكتشف وثائقَ يعلوها الغبار على أرفف المكتبات، سيكون من شأنها توفير تسلية أكثر إمتاعًا وإثارةً لفضول المُسْتَمِعِ من تلك التي وفرتها وثائقي. لكني أشكُّ في كونه بالضرورة، ومن خلال احتكامه على الكثير من المواد الاستثنائية بعيدة المنال حاليًا، سيقترب أكثر من جوهر المسألة التي بين أيدينا.
إن سؤال: ما هي الميول الدينيَّة؟ وسؤال: ما هي دلالتها الفلسفية؟ ينتميان - من وجهة النظر المنطقية - لمستويين مختلفين تمامًا من مستويات طرح الأسئلة؛ ولأن الفشل في إدراك هذه الحقيقة - بشكلٍ واضحٍ - قد يُولِّد الحيرة والالتباس، أرغب في التشديد على هذه النقطة قليلًا قبل الولوج في الوثائق والمواد التي أشرت إليها.
لا أتحدث الآن عن المؤمن التقليدي الذي يتَّبع التعاليم الدينيَّة التقليدية في بلده، سواء كانت بوذية أو مسيحية أو محمَّدية. لقد وُضِعَ دينُه له بواسطة الآخرين، ونُقِلَ له من خلال التراث، وحُدِّدَ في أشكالٍ ثابتة من خلال التقليد، وتمَّ الحفاظ عليه من خلال العادة. سنحقِّق قدرًا ضئيلًا من الفائدة إذا درسنا هذه الحياة الدينيَّة غير المباشرة.
في كتب المنطق الصادرة حديثًا، يُميَّز بين مستويين من التساؤل فيما يتعلَّق بأي شيء. أولًا: ما هي طبيعة هذا الشيء؟ كيف حدث؟ ما هو تكوينه، وأصله، وتاريخه؟ وثانيًا: ما هي أهميته، ومعناه، ودلالته، بما أنه هنا الآن؟ والإجابة على أسئلة المستوى الأول تُعطى في شكل حُكْم وجوديٍّ أو افتراض وجوديٍّ. أما الإجابة على أسئلة المستوى الثاني، فتكون افتراضًا عن القيمة، أو ما يُسميه الألمان بـ Werthurtheil [حُكم القيمة] أو ما يمكننا - إن أردنا - أن نُسَمِّيه حكمًا روحيًّا. ولا يمكن استنباطُ أيِّ حكمٍ منهما مباشرةً من الآخر. إنهما ينطلقان من انشغالاتٍ فكرية متباينة، ويمكن للعقل أن يؤلِّف بينهما فقط عن طريق إصدار كلِّ حُكمٍ منهما على نحو منفصِلٍ أولًا، ثم جمعهما معًا بعد ذلك.
فيما يتعلَّق بمسألة الأديان، يصبح من السهل - على وجه الخصوص - التمييزُ بين هذين النظامين من التساؤل. فلكل ظاهرة دينية تاريخها الخاصُّ، وأصولها الطبيعية التي تُرَدُّ إليها. وما يُسَمَّى في هذه الأيام بالنقد التاريخي للكتاب المقدَّس، ليس سوى دراسةٍ له من وجهة النظر الوجودية هذه، والتي أُهْمِلَت كثيرًا من قِبَلِ الكنيسة المبكِّرة. تحت أي ظروفٍ حياتية قدَّم كَتَبةُ النصوص المقدَّسة إسهاماتهم المتنوِّعة في الكتاب المقدَّس؟ وماذا كان يدور بالضبط داخل عقولهم المنفردة - على تنوُّعها - عندما بلَّغوا كلماتهم؟ هذه أسئلة متعلِّقة - كما هو واضح - بالحقيقة التاريخية [المنتمية لمستوى التساؤل الأول]، ولا يرى المرء كيف يمكن للإجابة عليها حسم أمر هذا السؤال الإضافي [المنتمي لمستوى التساؤل الثاني] ارتجاليًّا [دون دراسةٍ وفحصٍ]، والذي يظل قائمًا: أي نوع من الفائدة يمكن لكتابٍ مثل هذا - بالطريقة المحددة للغاية التي أتى بها للوجود - أن يحملها لنا بوصفه مرشدًا في الحياة ووحيًا؟ ولكي نجيبَ على هذا السؤال الآخر، يجب أن يكون قارًّا في عقلنا نوعٌ من النظرية العامَّة عن ماهية الخصوصيات في نصٍّ ما، والتي تعطيه قيمة الوحي؛ وهذه النظرية نفسها هي التي ستكون ما أسميته بالحكم الروحي. وبالجمع بين هذا الحُكم وحُكمنا الوجودي، يصبح بإمكاننا بالفعل استنباط حكم روحيٍّ آخر يتعلَّق بقيمة الكتاب المقدَّس. وهكذا، لو كانت نظريتنا عن قيمة-الوحي تؤكِّد على أن أيَّ كتاب، ولكي يحوز قيمة الوحي، يجب أن يكون مكتوبًا على نحو تلقائيٍّ [بإملاء الوحي]، وليس تبعًا لنزواتِ كاتِبِه، أو يجب أن يكون خاليًا من أية أخطاء علمية أو تاريخية، وألَّا يعبِّر عن أهواء وميولٍ محلية أو شخصية؛ فسيتبيَّن أن الكتاب المقدَّس هو - على الأرجح - كتابٌ معلول. لكن، لو كانت النظرية - من جهةٍ أخرى - تسمح بأن يكون الكتاب وحيًا على الرغم من الأخطاء والأهواء والتأليف البشري المتعمَّد، لو أنه كان فقط يمثِّل تسجيلًا صادقًا للخبرات الجُوَّانية لأشخاصٍ ذوي أرواحٍ عظيمة يتصارعون مع أزمات أقدارهم، حينئذٍ سيصبح الحكم على الكتاب المقدَّس أكثر إيجابيةً. فأنتَ إذن ترى أن الحقائق الوجودية نفسها غير كافية لتحديد هذه القيمة، وأن النقَّاد التاريخيين الأبرع في مجالهم لم يخلطوا - بالتالي - المسألة الوجودية بالمسألة الروحية. فبالحقائق التاريخية نفسها التي بين أيديهم، يتبنَّى بعضهم رأيًا عن قيمة الكتاب المقدَّس باعتباره وحيًا، ويتبنَّى البعض الآخر رأيًا مغايرًا، وذلك بناءً على اختلاف الحكم الروحي على الأساس القيمي لكلٍّ منهما.
أورد هذه الملاحظات العامَّة حول هذين النوعين من الحُكم؛ لأن العديد من الأشخاص المتدينين - وربما يكون بعض الحاضرين الآن من ضمنهم - لا يستخدمون هذا التمييز، والذين قد يشعرون - في البداية - بقليلٍ من الفزع من وجهة النظر الوجودية الصِّرفة، التي تعيَّن النظر من خلالها - في القادم من المحاضرات - إلى ظواهر التجربة الدينيَّة. حينما أتعامل مع هذه الظواهر بيولوجيًّا وسيكولوجيًّا كما لو كانت مجرَّد وقائع مثيرة للفضول في تاريخ الفرد، سيظن البعض منكم أن ذلك يمثِّل تدنيًا بمستوى موضوعٍ سامٍ كهذا، وقد يشكِّك البعض في كوني أسعى - عن عمدٍ - إلى تشويه الجانب الديني من الحياة، وسيبقى هذا الشكُّ قائمًا في نفوسهم إلى أن يتسنَّى لي التعبير عن غرضي من كل ذلك بشكلٍ أوضح.
إن مثل هذا الاستنتاج - بالطبع - بعيدٌ كل البُعْد عن نيتي، وبما أن هذا التحامُل المحتمَل من جانبكم سوف يُعرقِل - بشكل جدِّي - التأثيرَ الذي أنشد الوصول إليه، فسأكرِّس كلماتٍ قليلةً إضافية تتعلَّق بهذه النقطة.
لا شكَّ أن أيَّ حياةٍ دينيَّة، يُكَرِّس لها المرء حياته بشكل حصري، تجعله - بالفعل - استثنائيًّا وغريبَ الأطوار. لا أتحدث الآن عن المؤمن التقليدي الذي يتَّبع التعاليم الدينيَّة التقليدية في بلده، سواء كانت بوذية أو مسيحية أو محمَّدية. لقد وُضِعَ دينُه له بواسطة الآخرين، ونُقِلَ له من خلال التراث، وحُدِّدَ في أشكالٍ ثابتة من خلال التقليد، وتمَّ الحفاظ عليه من خلال العادة. سنحقِّق قدرًا ضئيلًا من الفائدة إذا درسنا هذه الحياة الدينيَّة غير المباشرة. وعوضًا عن ذلك، يجب علينا البحث عن التجارب الأصلية التي كانت بمثابة النموذج والقدوة لكل هذا الكمِّ من المشاعر الموعز بها والسلوكيات المقلَّدة. يمكننا أن نجد هذه التجارب فقط في الأشخاص الذين لا يمثِّل الدين لهم عادةً رتيبةً وإنما حُمَّى حادَّة. ولكن هؤلاء الأشخاص "عباقرة" في الشأن الديني، ومثل العديد من العباقرة الآخرين الذين قدَّموا ثمارًا مؤثِّرة بما يكفي لإحياء ذكراهم دومًا في صفحات السِّير الشخصية، غالبًا ما أظهر العباقرة الدينيون أعراض عدم استقرار عصبيٍّ. بل لقد كان القادة الدينيون معرَّضين - أكثر من الأنواع الأخرى من العباقرة - لكشوفاتٍ نفسية غير طبيعية، وكانوا دائمًا على قدرٍ عظيمٍ من الحساسية العاطفية؛ إذ كانوا يحيون حياةً جُوَّانية متضاربة، وعانوا من السوداوية melancholy خلال فترةٍ من حياتهم، ولم يكن يحدُّهم حَدٌّ، وكانوا عرضةً للوساوس والأفكار التي لا تبرح رأسهم لثانية، ومروا كثيرًا بحالات الغشية Trance، وسمعوا أصواتًا، ورأوا رؤى، وأظهروا كلَّ الأعراض الغريبة التي تُصنَّف عادةً على أنها مَرَضِيَّة. وفضلًا عن ذلك، غالبًا ما ساعدت هذه السمات المَرَضِيَّة لمسيرتهم في منحهم سلطتهم الدينيَّة وقدرتهم على التأثير.
إذا سألتني مثالًا ملموسًا على ذلك، فليس هناك مثالٌ أفضل من ذلك الذي يقدِّمه لنا جورج فوكس George Fox (1624-1691). إن دين "الكويكرز The Quakers"[1] الذي أسَّسه هو شيء يستحيل الإسراف في مدحه. ففي زمنٍ ملؤه الزيف، كان هذا الدينُ دينَ الحقيقة المتجذِّرة في الجُوَّانية الروحانية، ومثَّل عودةً إلى شيءٍ شبيه بحقيقة الإنجيل الأصلية أكثر من أي شيءٍ آخر عرفه الناس في إنجلترا من قبل. وبقدر ما تتطور الطوائف المسيحية في هذه الأيام نحو التحرُّر الفكري، بقدر ما تعود - ببساطة، وفي الجوهر - إلى الموقف الذي تبنَّاه فوكس والكويكرز الأوائل منذ زمنٍ بعيد. لا يمكن لأحدٍ أن يتظاهر - للحظة، فيما يتعلَّق بالحصافة والمقدرة الروحية - بأن عقل فوكس كان واهنًا أو مختلًّا. إن كلَّ الذين قابلوه وجهًا لوجه: من أوليفير كرومويل[2] Oliver Cromwell (1599 - 1658)، لقضاة الدولة، لحرَّاس السجن؛ بدوا مُقرِّين بقواه الفائقة. لكن، لو نظرنا إليه من جهة حالته العصبية، فقد كان فوكس مريضًا نفسيًّا أو détraqué [مضطربًا عقليًّا] بامتياز، من النوع الأكثر تطرُّفًا. وتزخر يومياته بتدويناتٍ من هذا النوع:
"بينما كنت أسير مع زمرة من الأصدقاء، رفعتُ رأسي، ورأيتُ ثلاث قبابٍ مخروطية أعلى برج كنيسة، وقد اصطدموا بحياتي. سألتهم عن المكان الذي نوجد فيه؟ قالوا: ليشفيلد Lichfield. وفورًا أتتني كلمةُ الربِّ بوجوب ذهابي إلى هناك. ومع اقترابنا من المنزل الذي كنَّا ذاهبين إليه، أخبرت الأصدقاء بأن نسير نحوه، دون أن أقول لهم إلى أين عزمت الذهاب. وبمجرَّد رحيلهم شرعت في السير مبتعدًا، ونظرت بعيني في كل مكانٍ حتى أصبحت على بُعْد ميل من ليشفيلد، حيث كان رعاة الغنم في حقلٍ كبيرٍ يحرسون أغنامهم. ثم أُمرت من الربِّ أن أخلع نعلَيَّ. وقفتُ ساكنًا؛ لأننا كنَّا في الشتاء. لكن كلمة الربِّ كانت كالنار في جسدي. لذا خلعت نعلَيَّ وتركتهما مع رعاة الغنم. وارتعد المساكين مندهشين. ثم سرت قرابة المِيل، وبمجرَّد أن كنت في حيز المدينة، أتتني كلمةُ الربِّ مرةً أخرى، قائلًا: اصرخ، "بئسًا لمدينة ليشفيلد الدموية!". لذلك سرتُ بهمَّة في الشوارع، صارخًا بصوتٍ عالٍ: بئسًا لمدينة ليشفيلد الدموية! ولأن اليوم كان يوم سوقٍ، دلفت إلى السوق، جيئةً وذهابًا في أجزاء عديدة منه، وقمت بعمل وقفات، صارخًا كما حدث من قبل: بئسًا لمدينة ليشفيلد الدموية! ولم يضع أحدٌ يَدَهُ عليَّ. وبينما كنت أسير صارخًا عبر الطرقات، بدا لي وكأن قناةً من الدم تسيل في الشوارع، وبدا السوق وكأنه بِركَةٌ من الدم. وعندما أعلنت ما تحتم عليَّ إعلانه، وشعرت بأنني قد أرحت ضميري وأنهيت مهمَّتي، خرجتُ من المدينة بسلام، وعدتُ لرعاة الغنم ومنحتهم بعض المال، وأخذت حذائي منهم مرةً أخرى. لكن نار الربِّ كانت في قدمَي، وحولي بالكامل، لدرجة أنني لم أهتم بارتداء حذائي مرةً أخرى، ووقفت في حيرةٍ من أمري، هل أرتديهما أم لا، حتى شعرت بالحرية من الربِّ في أن أرتديهما. وهكذا، بعد أن غسلت قدمَيَّ ارتديت حذائي مرةً أخرى. بعد هذا غشاني تفكيرٌ مليٌّ عميقٌ، لأي سببٍ توجَّب إرسالي لأصرخَ في وجه هذه المدينة، وأنعتها بالمدينة الدموية! ربما كان السبب هو أن البرلمان كان يسيطر على السلطة حينًا بينما يسيطر عليها الملك في حينٍ آخر، وأُريق الكثير من الدماء في المدينة بسبب الحرب التي نشبت بينهما، لكن هذا الأمر لم يحدث هنا أكثر مما حدث في أماكن أخرى عديدة. لكنني فهمت بعد ذلك، أنه في عهد الإمبراطور دقلديانوس Diocletian قُتِلَ ألف مسيحي في ليشفيلد. لذا قُدِّر لي الذهاب، دون حذائي، عبر القناة التي سال فيها دمهم، وإلى بِرْكَةِ دمائهم في السوق، لكي أصدح بذكرى دماء هؤلاء الشهداء التي أُريقَت منذ أكثر من ألف سنة، وأن أقف، شاعرًا بالبرودة في شوارعهم. وهكذا أُلهِمت فهم أمر هذه الدماء، وأطعتُ كلمةَ الربِّ".

لإصرارنا على دراسة الظروف الوجودية للدين، لا يمكننا تجاهُل هذه المناحي المَرَضِيَّة للشخص موضوع الدراسة. إذ يجب علينا وصف هذه المناحي وتسميتها كما لو أنها تجلَّت في رجالٍ غير متدينين. صحيحٌ أننا ننفر بشكل فطريٍّ من رؤية شيءٍ نُكرِّس له عواطفنا وميولنا وهو يُتَناوَل بالعقل كما يُتَناوَل أيُّ غرضٍ آخر. فأول شيء يفعله العقل مع الموضوع الذي يتناوله هو أن يصنِّفه إلى جانب موضوعٍ آخر. لكن أي موضوعٍ يبلغ عندنا قدرًا من الأهمية، ويوقظُ إخلاصَنا وتفانينا، نشعر كما لو أنه يجب أن يكون وحيدَ نوعِهِ sui generis ومتفرِّدًا. من المرجَّح أن سلطعونًا سيملؤه الإحساس بالإهانة الشخصية لو كان له أن يسمعنا ونحن نصنِّفه من دون أية صعوبة أو تبريرٍ باعتباره من فصيلة القشريات، وهكذا ننتهي من أمره ببساطة. سيقول السلطعون لنا: "أنا لستُ هكذا، أنا نفسي، نفسي فقط".
ثاني شيء يفعله الذهن هو أن يُعرِّي الأسباب التي ينشأ عنها الشيء. يقول سبينوزا Spinoza (1932-1677): "سأُحلِّل أفعال البشر ورغباتهم كما لو كانت مسألة خطوطٍ وأسطح مستوية ومواد صلبة". وفي موضعٍ آخر يبدي ملاحظة مفادها أنه سينظر إلى انفعالاتنا وخصائصها بالعين نفسها التي ينظر من خلالها للأشياء الطبيعية الأخرى؛ وذلك لأن عواقب انفعالاتنا تنبع من طبيعتها بالضرورة نفسها التي يكون بها مجموع زوايا المثلث الثلاث مساويًا لزاويتين قائمتين أمرًا نابعًا من طبيعته. وبشكل مشابه، كتب م. تاين M. Taine، في مقدمة كتابه عن تاريخ الأدب الإنجليزي: "سواء كانت الحقائق معنوية أو مادية، فليس ثمَّة فارق؛ لأنها دومًا تمتلك أسبابًا. هناك أسباب للطموح، والشجاعة، والصدق، كما توجد أسباب للهضم، والحركة العضلية، وحرارة الحيوان. إن الرذيلة والفضيلة منتجاتٌ مثل الزَاج والسكَّر". عندما نقرأ تصريحات العقل هذه، المصمِّمة على أن تعرض الشروط الوجودية لكل شيء على الإطلاق، نشعر - وذلك بعيدًا عن تبرُّمنا ونفاد صبرنا المشروع تجاه الاختيال السخيف نوعًا ما لبرنامج العمل هذا، في ضوء ما يَقْدِر المؤلفون بالفعل على تنفيذه - بأننا مهدَّدون وملغيون فيما يتعلَّق بجذور حياتنا الأكثر عمقًا وخصوصية. فمثل هذه المعرفة القاسية تهدِّد - كما نظن - بإبطال مفعول أسرار روحنا الأساسية؛ التصريح نفسه الذي سيفسر أصولها سيلغي - في الوقت نفسه - أهميتها، ويجعل قيمتها لا تزيد عن قيمة مشتريات البقالة المفيدة التي يتحدث عنها م. تاين M. Taine.
ربما يكون التعبير الأكثر شيوعًا عن هذا الافتراض الذي يرى أن القيمة الروحية تُلغى بالكشف عن أصلها الوضيع، هو الملاحَظ في تلك التعليقات التي غالبًا ما يقولها الأشخاص غير العاطفيين في حقِّ معارفهم العاطفيين. يؤمن ألفريد بالخلود بقوةٍ؛ لأن مِزاجه عاطفيٌّ للغاية. وضمير السيدة فاني Fanny الحيُّ بشكل استثنائيٍّ ليس سوى مسألة أعصابٍ مُثارَة على نحوٍ مفرط. وسوداوية ويليام William بخصوص الكون ناتجة عن سوء الهضم، فهو على الأرجح يعاني من كسلٍ في الكبد. وبهجة إليزا Eliza حين تكون في كنيستها هي أحد أعراض طبيعتها الهستيرية. وسيكون بيتر Peter أقلَّ اغتمامًا حيال روحه لو أنه مارس الرياضة أكثر في الهواء الطلق ... إلخ. مثال آخر أكثر تطوُّرًا على نوع الاستدلال العقلي نفسه، هو الموضة الشائعة إلى حدٍّ بعيدٍ في هذه الأيام بين كتَّابٍ معينين، والمتمثِّلة في نقد الانفعالات الدينيَّة عبر إظهار الصلة بينها وبين الحياة الجنسية. إن التَّحوُّل الديني Conversion أزمةُ بلوغٍ ومراهقة. وليس ذبول القديسين وتلفهم وتفاني المبشرين سوى أمثلةٍ على غريزة التضحية بالنفس الأبويَّة وقد ضلَّت طريقها. وبالنسبة إلى راهبة هستيرية، تتوق للحياة الطبيعية، ليس المسيح سوى بديل تخيُّليٍّ لمحبوبٍ من طبيعة أكثر بشرية. إلى آخر الأمثلة المشابهة[3].
كلنا - بالتأكيد - على درايةٍ عامَّة بهذه الطريقة في الانتقاص من حالات العقل التي ننفر منها بشدَّة. فكلنا يستخدمها - بدرجةٍ أو بأخرى - في نقد الأشخاص الذين نعتبر حالاتهم العقلية منهكةً ومُجْهَدةً بشدَّة. لكن عندما ينقد الآخرون رحلات أرواحنا الأكثر سموًا من خلال وصفها بأنها "لا شيء سوى" تعبيراتٍ عن استعداداتنا العضوية، نشعر بالإهانة والأذى؛ لأننا نعلم أنه ومهما كانت خصائص أجسادنا، فإن حالاتنا العقلية لها قيمتها الجوهرية باعتبارها تكشُّفات وتجلِّيات للحقيقة الحيَّة؛ ونرغب حينها في أن تُجبَر كل هذه الماديَّة الطبيَّة medical materialism على أن تمسك عليها لسانها وتلزم الصمت.
وتبدو الماديَّة الطبيَّة - في واقع الأمر - تسميةً جيدةً لنظام التفكير الساذج للغاية الذي نحن بصدده. إذ تحسم الماديَّة الطبيَّة أمر القديس بولس Saint Paul بتوصيف رؤيته على الطريق إلى دمشق بأنها نشاطٌ عصبيٌّ زائد في جزءٍ معطوبٍ من القشرة المخيَّة القذالية occipital cortex، إنه مصابٌ بالصَّرَعِ. وتقضي على القديسة تريزا Saint Teresa باعتبارها مصابةً بالهستيريا، والقديس فرنسيس الأسيزي Saint Francis of Assisi باعتباره مصابًا بتلف وراثيٍّ Hereditary Degeneration[4]. ويُعامل استياء جورج فوكس من زُيوف عصره، وتَوْقه للأصالة الروحيَّة بوصفه عَرَضًا لقولون مضطرب. أما نبرة صوت الكاتب الإسكتلندي توماس كارلايل Carlyle Thomas (1795 - 1881) البائسة كنغماتِ أُرْغُن، فتُفَسَّر بأنها ناتجةٌ عن نزلة معويَّة Gastro-duodenal catarrh. تقول المادية الطبية إن كلَّ هذه التَوَتُّرات العقلية، هي - إذا ما فتشنا عن أسبابها - مجرَّد حالات أُهْبة مرضيَّة diathesis (وفي الغالب تسمُّم ذاتي؛ أي تسمُّم من داخل الجسم، لا من خارجه)، ناتجة عن انحرافاتٍ في وظائف العديد من الغُدَدِ، والتي ستكتشفها الفسيولوجيا يومًا ما.
وحينما تُكْتَشَف هذه الانحرافات، سيظن أنصار الماديَّة الطبيَّة أن السلطة الروحيَّة لكل هذه الشخصيات البارزة قد قُوِّضَت بنجاح[5].
دعونا ننظر للمسألة من أوسع منظورٍ ممكنٍ. إن علم النفس الحديث، وبإيجاده أن الصلات النفسية-الجسدية الواضحة هي صلاتٌ صحيحة، يطرح هذه الفرضية المريحة: إن اعتماد الحالات العقلية على الأحوال الجسدية يجب أن يكون تامًّا ومطلقًا. وإذا ما تبنَّينا هذا الافتراض، فسنخلص - بالطبع - إلى أن ما تُشَدِّد عليه الماديَّة الطبية لا بدَّ أن يكون صحيحًا بصورةٍ عامَّة، إن لم يكن صحيحًا في كل التفاصيل: فالقديس بولس بالتأكيد أُصيب مرةً بحالةٍ شبيهة بالصَّرع، إن لم يكن بنوبةِ صَرَعٍ بالفعل؛ وجورج فوكس كان مصابًا بتلفٍ وراثيٍّ؛ وكارلايل كان - بلا شكٍّ - مصابًا بالتسمُّم الذاتيِّ من قِبل أحد أعضاء جسده، أيًّا كان هذا العضو، وهلمَّ جرًّا. لكني الآن أسألكم، كيف يمكن لهذا الوصف الوجوديِّ لوقائع التاريخ العقليِّ الحكمُ - بطريقةٍ أو بأخرى - على الأهمية الروحية لهذه الوقائع؟ فوفقًا للفرضية العامَّة في علم النفس التي أشرنا للتَّوِّ إليها، لا توجد أيُّ حالة من حالاتنا العقلية - سواء كانت ساميةً أو وضيعةً، سليمةً أو مرضيةً - إلا وهي مشروطة ببعض العمليات العضوية. فالنظريات العلمية - هي الأخرى - مشروطة عضويًّا بنفس قدر الانفعالات الدينيَّة؛ ولو قُيِّضَ لنا فقط معرفة الوقائع على نحوٍ مُفصَّل بما فيه الكفاية، فسنرى - بلا شكٍّ - حينها أن "الكبد" يُحدِّد أقوال الملحد الصارم بنفس درجة الحسم التي يحدِّد بها أقوال الميثودي [6]Methodist المذنب، القَلِق على روحه. فعندما يغيِّر الكبدُ الدمَ الذي ينفذ إليه بطريقةٍ ما، نحصل على البنية العقليَّة للميثودي، وعندما يغيِّره بطريقةٍ أخرى نحصل على البنية العقليَّة للملحد. وهذا هو حال انخطافاتنا الصوفية وجفافنا الروحي؛ أشواقنا وتلهُّفاتنا، أسئلتنا ومعتقداتنا. فجميعها مُؤسَّس عضويًّا بالقدر نفسه، سواء أكانت ذات مضامين دينية أم لا.
إذن، فإن توسُّلنا بالسببية العضوية لحالةٍ عقلية دينية بغرض تفنيد ادعائها بامتلاك قيمةٍ روحية سامية هو تصرُّف اعتباطيٌّ وغير منطقيٍّ بالمرة، ما لم يكن المرء بالفعل قد طوَّر مسبقًا نظرية نفسية-جسدية ما تربط القيم الروحية بشكل عامٍّ بأنواعٍ محدَّدة من التغيير الفسيولوجي. وإلا، فلن يمكن لأفكارنا ولا مشاعرنا، ولا حتى مذاهبنا العلمية، ولا حتى كفرنا - الاحتفاظ بأيِّ قيمةٍ بوصفها تكشُّفات وتجليات للحقيقة؛ وذلك لأنها كلها ومن دون استثناء تنجم - في الوقت نفسه - عن الحالة الجسدية لصاحبها.
ليس ثَمَّة حاجة للقول بأن الماديَّة الطبية لا تؤدي بنا - في حقيقة الأمر - إلى مثل هذا الاستنتاج الشكوكيِّ الشامل. فالماديَّة الطبية متأكِّدة - تمامًا كتأكُّد أي رجلٍ بسيطٍ - من أن بعض الحالات العقلية أسمى جُوَّانيًّا من الحالات الأخرى، وتكشف لنا المزيد من الحقيقة، وفي تأكُّدها هذا تستخدم المادية الطبية ببساطة حكمًا روحيًّا عاديًّا. وذلك بما أنها لا تمتلك نظريةً فسيولوجيةً عن إنتاج تلك الحالات التي تراها أسمى من غيرها، يمكن بواسطتها اعتماد هذه الحالات والتصديق على جدارتها؛ وبالتالي فإن محاولتها للتشكيك في الحالات العقلية التي لا تعجبها والطعن فيها من خلال ربطها - على نحوٍ مبهمٍ - بالأعصاب والكبد، وربطها بأسماء تشير ضمنيًّا إلى الأمراض والمعاناة الجسدية؛ هو أمر غير منطقيٍّ وغير متسقٍ تمامًا.
دعونا نكن منصفين في هذه المسألة برمتها وصريحين تمامًا مع أنفسنا ومع الحقائق. عندما نرى أن حالاتٍ عقليَّة معيَّنة تسمو على الأخرى، فهل يكون ذلك بسبب ما نعرفه بخصوص سوابقها وأصولها العضوية؟ بالطبع لا! نراها كذلك دومًا لسببين مغايريَن بالكلية: إمَّا لأننا نستحسنها مباشرة، وإمَّا لاعتقادنا بأنها ستعود على حياتنا بمنافع مهمَّة. فعندما نتكلَّم باستخفافٍ عن "خطرفات الحمى" فمن المؤكَّد أن ارتفاع درجة الحرارة ليس هو بحدِّ ذاته أساس استخفافنا؛ فليس لدينا من المعرفة ما يكفي لإنكار الآتي: قد تكون درجة حرارة 103 أو 104 فهرنهايت مناسبة أكثر للحقائق كي تنبت وتترعرع، مقارنة بدرجة حرارة الدم العادية: 97 أو 98 فهرنهايت. إن أساس استخفافنا هو كون هذه الخطرفات مكروهةً أو لعدم قدرتها على الصمود أمام انتقادات ساعة النقاهة والعافية. كذلك عندما نشيد بالأفكار التي تأتينا في حالة العافية، فإن عمليات الأيض الخاصَّة بتلك الحالة الصحيَّة الجيدة لا يكون لها أية علاقةٍ بتحديد حكمنا هذا. وفي حقيقة الأمر، لا نعرف أيَّ شيء - تقريبًا - عن تلك العمليات. إن سمة السعادة الجُوَّانية في الأفكار هي التي تدمغها بطابع الأفكار الجيدة، وإلا فإن اتساقها مع آرائنا الأخرى وصالحيتها لخدمة احتياجاتنا هما ما يجعلانا نحكم عليها بأنها أفكارٌ صحيحة.
يقول الدكتور موروMoreau : "العبقرية أحد فروع شجرة الاضطرابات العصبية". ويقول الدكتور لومبروزو Lombroso: "العبقرية هي أحد أعراض التلف الوراثي من النوع الشبيه بالصَّرع، وترتبط بالجنون المعنويMoral insanity".
لكن المعيار الأكثر داخلية [الجوَّاني] والمعيار الأكثر خارجية [البرَّاني] من هذين المعيارين لا يجتمعان معًا على الدوام. إن السعادة الجُوَّانية والصلاحية للخدمة لا يتوافقان دائمًا. فما يمنحنا مباشرة أقصى "شعور جيد"، لا يكون دائمًا هو الأكثر "صوابًا"، عندما يُحكم عليه من طرف باقي التجربة. والفرق بين فيليب المخمور وفيليب المُفيق، هو المثال الكلاسيكيُّ للبرهنة على ذلك. فلو كان مجرَّد "الإحساس بالسعادة" هو الحَكَم، فستكون حالة السُكْر هي التجربة الإنسانية الأكثر صوابًا. لكن تجليات السُكر، ومهما كانت مُشبِعةً بالفعل في لحظتها، متضمنة في تجربةٍ ترفض دعمها وتصويبها ولو لبرهة من الزمن. ونتيجة هذا التضارب بين المعيارين هي حالة عدم اليقين التي تهيمن على الكثير من أحكامنا الروحية. نعم، هناك لحظات من التجربة الوجدانية والصوفية mystical - التي سنسمع عنها الكثير لاحقًا - تحمل معها - عندما تأتي للمرء - إحساسًا هائلًا بسلطتها الجُوَّانية وبالاستنارة؛ ولكنها نادرًا ما تأتي، كما أنها لا تأتي لكلِّ أحد؛ وعندما تأتي، يكون كلُّ ما سواها في حياتنا إمَّا لا يمتُّ لها بصلة وإمَّا يميل إلى معارضتها وتكذيبها أكثر من ميله إلى دعمها وتوكيدها. وفي هذه الحالات، يُؤثِر بعض الأشخاص اتِّباع ما تمليه هذه اللحظة، بينما يؤثِر البعض الآخر اتِّباع ما يمليه الرأي العادي. ومن هنا ينشأ الخلاف الحزين بين الكثير من الأحكام الروحية للبشر؛ وهو خلاف سنوضِّحه بالقدر الكافي قبل انتهاء هذه المحاضرات.
ولكنه خلافٌ لا يمكن حلُّه أبدًا بواسطة أي فحصٍ طبيٍّ مجرَّد. ويمكننا رؤية مثالٍ جيدٍ على استحالة التمسُّك الصارم بالفحوص الطبية في نظرية التفسير المَرَضِي للعبقرية التي روَّجها عدَّة مؤلفين مؤخرًا. يقول الدكتور موروMoreau : "العبقرية أحد فروع شجرة الاضطرابات العصبية". ويقول الدكتور لومبروزو Lombroso: "العبقرية هي أحد أعراض التلف الوراثي من النوع الشبيه بالصَّرع، وترتبط بالجنون المعنوي[7] Moral insanity". ويكتب السيد نيسبيت Nisbet: "متى كانت حياة الشخص شهيرةً بالقدر الكافي ووقائعها مسجَّلة بقدر كافٍ من الإحاطة يسمح لها بأن تكون موضوعًا لدراسة مفيدة، فإنه حتمًا سيُصَنَّف ضمن الفئة المَرَضِيَّة . . . ومن الجدير بالذكر أنه - وكقاعدةٍ عامَّة - كلما زادت العبقرية، زاد الخلل العقليُّ"[8].
والآن، بعدما نجح هؤلاء المؤلفون - بالقدر الذي يرضيهم - في إثبات أن أعمال العبقري هي ثمار المرض، فهل يمكنهم أن يتسقوا مع أنفسهم ويبادروا على الفور إلى تفنيد قيمة هذه الثمار؟ هل يمكنهم استنباط حُكْم روحيٍّ جديد من مذهبهم الجديد في الشروط الوجودية؟ هل يمكنهم منعنا صراحةً من الإعجاب بمنتجات العبقرية من الآن فصاعدًا؟ ويقولون صراحةً إن الشخص المعتلَّ عصبيًّا لا يمكنه أبدًا أن يكون كاشفًا لحقيقةٍ جديدة؟
بالطبع لا! فغرائزهم الروحية الفورية قوية للغاية بالنسبة إليهم هنا، لدرجة أنها تصمد أمام الاستنتاجات، التي يتعيَّن على المادية الطبية - حبًّا في الاتساق المنطقيِّ - أن تكون مستعدَّةً تمامًا للوصول إليها. لقد سعى أحد أتباع هذه المدرسة جاهدًا بالفعل إلى تفنيد قيمة أعمال العبقرية كليًّا (مثل أعمال الفن المعاصر تحديدًا، التي يعجز عن الاستمتاع بها، مثل الكثيرين غيره) باستخدام حججٍ طبيَّة[9]. لكن في الغالب ظلَّت أصالة التحف الفنية وقيمتها غير مشكوكٍ في أمرها؛ وهذا الهجوم الطبي إمَّا أنه اقتصر في نقده للأعمال الفنية على تلك الأعمال العلمانية التي يقرُّ الجميع بأنها شاذةٌ وغريبةٌ على نحو جوهري، وإمَّا تَوجَّه بالنقد حصرًا إلى المظاهر والتعبيرات الدينيَّة. لقد كانت هذه المظاهر الدينيَّة مستهجَنَةً بالفعل؛ لأن الناقد ينفر منها على أساس جُوَّانيٍّ أو روحيٍّ، وليس على أساس طبيٍّ.
لكن فيما يخص العلوم الطبيعية والفنون الصناعية، فلم يخطر أبدًا ببال أحدٍ دحض الآراء المتداولة فيها عن طريق إظهار الطبيعة العُصابية لصاحبها. فالآراء تُخْتَبَر هنا دائمًا بواسطة المنطق والتجربة، بغضِّ النظر عن النمط العصبي لصاحبها. وينبغي ألَّا يكون الأمر على خلاف ذلك في حالة الآراء الدينيَّة. فقيمة الآراء الدينيَّة لا يمكن التحقُّق منها إلا بواسطة أحكامٍ روحيَّة تفصل فيها مباشرة، وهي أحكام تستند في المقام الأول على شعورنا الفوري حيالها، وتستند في المقام الثاني على صِلاتها التجريبية بمتطلباتنا الأخلاقية وببقية الأشياء التي نعتقد في صحتها.
وباختصار، فإن المعايير الوحيدة المتاحة هي الاستنارة الفورية Immediate luminousness، والمعقولية الفلسفية philosophical reasonableness، والعون الأخلاقي moral helpfulness. قد تكون القديسة تريزا امتلكت جهازًا عصبيًّا مستقرًّا كما لو كان الجهاز العصبي للبقرة الأكثر هدوءًا من بين البقر؛ ولكن ذلك لن ينقذ لاهوتها إذا ما حكمنا عليه بواسطة هذه المعايير وتبيَّن أنه جديرٌ بالازدراء. في المقابل، إذا صمد لاهوتها أمام هذه المعايير، فلن يؤثر في ذلك كم كانت القديسة تريزا هستيرية أو غير متزنة عصبيًّا عندما كانت بيننا على هذه الأرض.
وهكذا ترون أننا - من حيث الجوهر - مضطرون للعودة إلى المبادئ العامَّة التي لم تنفك الفلسفة التجريبية تشدِّد على ضرورة الاسترشاد بها في بحثنا عن الحقيقة. لقد سعت الفلسفات الدوغمائية إلى وضع اختباراتٍ للحقيقة من شأنها أن تغنينا عن التماس المستقبل. إن الدوغمائيين المتفلسفين ليحلمون بعلامةٍ ما مباشرة، بملاحظتها يمكننا تحصين أنفسنا على الفور وبشكل مطلق - راهنًا وإلى الأبد - من جميع الأخطاء. ومن الواضح أن أصل الحقيقة من الممكن أن يكون معيارًا خليقًا بالثناء كالمعايير الثلاثة آنفة الذكر، فقط إذا كان من الممكن التفريقُ بين الأصول المختلفة للحقيقة وَفْقَ وجهة النظر هذه. فتاريخ الآراء الدوغمائية يبيِّن أن الأصل كان اختبارًا مفضلًا للحقيقة دومًا: أصل في الحدس الفوري؛ وفي السلطة البابوية؛ وفي الوحي الخارق للطبيعة، سواء بواسطة الرؤية أو السماع أو الانطباع الذي لا يمكن تفسيره؛ وفي المَسِّ من قِبل الأرواح العليا، الذي يُعرب عن نفسه في صورة نبوءة وإنذار؛ وفي النطق التلقائي عمومًا - وكل هذه الأصول كانت تُعتبر بمثابة ضماناتٍ لحقيقة الآراء المتعاقبة التي نجدها مُمثَّلةً في التاريخ الديني. وبالتالي، ليس الماديون الطبيون سوى ثُلَّةٍ من الدوغمائيين المتأخرين، الذين يقلبون الطاولة على أسلافهم بحِنكة، عن طريق استخدام معيار الأصل بطريقةٍ تقويضيَّة، بدلًا من الطريقة الإثباتيَّة.
الحالة الوحيدة التي ستجد فيها حديثهم عن الأصل المَرَضِي مؤثرًا، هي الحالة التي يتوسل فيها المخالف بالأصل الخارق للطبيعة، ولا يكون على طاولة النقاش أيُّ حجَّة أخرى سوى حجَّة الأصل. ولكن حجَّة الأصل نادرًا ما تُستخدم وحدها؛ إذ من الواضح للغاية أنها حجَّة غير كافية بحدِّ ذاتها. فمثلًا، قد يكون الدكتور ماودسلي Maudsley هو أذكى مُفَنِّدِي فكرة الدين الخارق للطبيعة على أساس حجَّة الأصل؛ إلا أنه يجد نفسه مضطرًا إلى أن يكتب:
"بأي حقٍّ نعتقد أن الطبيعة مُلزَمةٌ بأن تقوم بعملها بواسطة العقول الكاملة فحسب؟ فالطبيعة قد تجد في عقلٍ ناقصٍ أداةً أكثر ملاءمةً لإنجاز غرضٍ معيَّن. فقط العمل الذي أُنجز، والخاصية الموجودة في العامل التي أُنجز العمل بواسطتها - هما ما له أهمية؛ فقد لا يمثِّل مشكلة كبيرة من وجهة نظر كونية، أن يكون العامل معيوبًا للغاية في خصائصه الأخرى؛ كأن يكون منافقًا، أو زانيًا، أو غريب الأطوار، أو مختلًّا عقليًّا . . . وهكذا نعود مرةً أخرى إلى الملاذ القديم والأخير لتحصيل اليقين، وهو الاتفاق العام للبشر أو موافقة أهل العلم والاختصاص المؤهلين من بينهم"[10].

بمعنى آخر، إن المعيار النهائي عند ماودسلي للحكم على اعتقادٍ ما، ليس هو أصل هذا الاعتقاد؛ وإنما الطريقة التي يعمل بها في المجمل. وهذا هو معيارنا التجريبي الخاص، وهو أيضًا المعيار الذي أُجبر على استخدامه - في نهاية المطاف - أشدُّ المُصرِّين على الأصل الخارق للطبيعة. فمن بين الرؤى والرسائل الكشفية ثَمَّة ما هو سخيف على نحو جليٍّ للغاية، ومن بين حالات الغشية والنوبات التَّشَنُّجِيَّة ثَمَّة ما لا يعود بأدنى نفعٍ على السلوك أو الشخصية، بحيث لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال الحكمُ عليها بأنها ذات أهمية فضلًا عن كونها إلهيةً. وفي تاريخ التصوُّف المسيحي كانت مشكلة التمييز بين الرسائل والتجارب التي يمكن اعتبارها بمثابة معجزات إلهية حقًّا، وبين غيرها التي يستطيع الشيطان بخبثه تزييفها، ومن ثمَّ يجعل الشخص المتدين أقربَ للجحيم مما كان عليه قبل الدخول في هذه التجربة المزيفة - مشكلةً مستعصيةً على الحل، تتطلَّب كلَّ الحكمة والخِبرة الممكنة لدى أفضل قادة الضمير. ففي النهاية لن يسعفنا إلا معيارنا التجريبي: من ثمارهم تعرفونهم[11]، وليس من جذورهم. ورسالة الواعظ الأمريكي جوناثان إدواردز Jonathan Edwards (1703 - 1758) حول المشاعر الدينيَّة "Treatise on Religious Affections" هي عملٌ مفصِّل لأطروحتنا هذه. إننا لا نستطيع الوصول إلى جذور فضيلة الإنسان، وليست المظاهر - أيًّا كانت - براهينَ معصومةً من الخطأ على نَيْلِ نعمة الرب. فممارستنا هي الدليل الوحيد الأكيد - حتى لأنفسنا - على كوننا مسيحيين حقًّا وصدقًا.
يقول إدواردز: "إذا أردنا الحكم على أنفسنا الآن، فبالتأكيد يجب أن نعتمد على الدليل الذي سيستخدمه قاضينا الأعلى بشكلٍ رئيسٍ عندما نقف أمامه يوم الحساب . . . لا توجد أي نعمةٍ لروح الربِّ لا تكون الممارسة المسيحية هي الدليل الأشد حسمًا على وجودها في أي مُعتنِقٍ للدين.... والدرجة التي تكون بها تجربتنا مُنتِجةً للممارسة هي التي تحدِّد الدرجة التي تكون بها تجربتنا روحيةً وإلهيةً".
وبالقدر نفسه، يؤكِّد الكتَّاب الكاثوليك على هذا الأمر أيضًا. فالميول الخيِّرة التي تخلفها الرؤى وراءها، أو الأصوات، أو أي نعمة إلهيَّة أخرى ظاهرة، هي العلامات الوحيدة التي يمكننا التأكُّد بواسطتها من أن هذه النِّعم ليست مجرَّد خدعٍ شيطانية. تقول القديسة تريزا:
"]فالرؤى الشيطانية[ مثل النوم المضطرب الذي بدلًا من أن يعطي المزيد من القوة إلى الرأس، يتركه أكثر إنهاكًا، ولا تكون نتيجة مجرَّد عمليات الخيال إلا إضعافًا للروح. فبدلًا من الغذاء والطاقة، لا تجني الروح إلا التعب والغثيان. في حين أن الرؤى الإلهية الأصيلة تمدُّ الروحَ بحصادٍ من الغنى الروحيِّ لا يمكن وصفه، وبتجديدٍ باهرٍ للقوة الجسدية. أسوق هذه الأسباب لأولئك الذين كثيرًا ما اتهموا رؤاي بأنها من عمل إبليس عدوِّ البشر، ومن صنع خيالي ... لقد أظهرت لهم الجواهر التي تركتْها اليدُ الإلهية معي: وهي ميولي الفعلية. فكلُّ من عرفني رأى أنني قد تغيَّرت، وكاهنُ اعترافي شاهدٌ على هذه الحقيقة. هذا التحسُّن، الملموس في جميع المناحي، لم يكن خفيًّا؛ وإنما كان ظاهرًا بجلاءٍ أمام أعين الناس جميعًا. أما بالنسبة إليَّ فكان من المستحيل عليَّ تصديق أنه لو كان الشيطان هو مؤلِّف رؤاي، كان سيستخدم - بغرض إضلالي وسوقي إلى الجحيم - وسائلَ مناقضةً تمامًا لمصالحِهِ الخاصَّة، كاجتثاث رذائلي من جذورها، وملئي بالشجاعة الرجولية. وعليه، فقد رأيت وبوضوحٍ أن واحدةً فحسب من هذه الرؤى الإلهية كانت كافيةً تمامًا لإثرائي بكل ذلك الغِنى"[12].
أخشى أن أكون قد جعلت هذا الاستطراد أطولَ مما ينبغي، وأن عددًا أقلَّ من الكلمات كان ليبدِّد عدم الارتياح الذي ربما قد نشأ عند بعضكم عندما أعلنت عن برنامجي المَرَضِي. على أية حال، من المفترض أن تكونوا جميعًا الآن على استعدادٍ للحُكم على الحياة الدينيَّة من خلال نتائجها بالتحديد، وسأفترض أن بُعْبُعَ الأصل المَرَضِي لن يُروِّع تديُّنكم وتقواكم مرةً أخرى.
ومع ذلك، قد تسألونني: إذا كانت نتائج التجربة الدينيَّة هي أساس تقييمنا الروحي النهائي للظاهرة الدينيَّة، فلماذا ترهبنا من الأساس بدراسة وجودية موسَّعة لظروفها وأوضاعها؟ لماذا لا تترك الأسئلة المَرَضِيَّة خارج الموضوع ببساطة؟
سأجيب عن هذا بطريقتين: أولًا: إنه الفضول الذي لا يمكن كَبْتُه، والذي يقود المرءَ بشكل مستبدٍّ. وثانيًا: لأن الاعتبار في مبالغات شيءٍ ما وانحرافاته، وفي نظائره وبدائله وأكثر الأشياء شبهًا به في أماكن أخرى، من شأنه دومًا أن يقودنا إلى فهمٍ أفضل لأهمية هذا الشيء. ليس معنى ذلك أننا قد ندين الشيء كما أدنَّا بالجملة مُجانِسيه الأدنى منه. لكن، معناه أنه قد يمكننا من خلال المقارنة بينه وبينهم التثبُّت على نحوٍ أدقَّ من مزاياه، وأن نعرف في الوقت نفسه مخاطر الفساد المحدَّدة التي يمكن أن يكون عرضةً لها.
ولدى أوضاع الاختلال العقلي تلك الميزة؛ إذ تعزل عوامل مخصوصة من الحياة العقلية، وتمكِّننا من فحصها مباشرةً وبوضوحٍ، بمعزلٍ عن محيطها الاعتيادي الذي يغطي عليها عادةً. إنها تؤدي في عملية تشريح العقل الدورَ الذي يقوم به كلٌّ من المبضع والمجهر في عملية تشريح الجسد. فلكي نفهم شيئًا ما على نحوٍ صحيح، نحتاج إلى رؤيته خارج بيئته وداخلها، وإلى الإلمام بجميع تنويعاته. على هذا النحو، كانت دراسة الهلاوس hallucinations هي المفتاح بالنسبة إلى علماء النفس ليفهموا الإحساس الطبيعي، وكانت الأوهام illusions هي مفتاح الفهم الصحيح للإدراك الحسي[13]. وهكذا ألقت المُحثات المَرَضِيَّة morbid impulses، والتصوُّرات القهرية، أو ما يُسمَّى بـ"الأفكار المستبدَّة" fixed ideas - الضوءَ على سيكولوجيا الإرادة الطبيعية[14]. كما أدَّت الهواجس obsessions والضلالات delusions الخدمةَ نفسَها فيما يتعلَّق بفهم مَلكة الاعتقاد الطبيعية.
فالسوداويَّة الدينيَّة - مهما كانت خصوصياتها التي تُعتبر دينيةً - هي على أية حالٍ سوداويَّة، والسعادة الدينيَّة هي على أية حالٍ شعور بالسعادة، والغشيَّة الدينيَّة هي غشيان في نهاية المطاف.
وعلى نحوٍ مماثل، قد أُضيئت طبيعة العبقرية بواسطة محاولات تصنيفها ضمن ظواهر الاعتلال النفسي، التي أتيتُ على ذكرها سابقًا. فحالات التأرجُح بين الجنون والعقلانية Borderland Insanity، وغرابة الأطوار Crankiness، والمزاج الجنوني Insane Temperament، وفقدان التوازن العقلي Loss of Mental Balance، والتلف النفسي Psychopathic Degeneration (حتى نستخدم عددًا قليلًا من المرادفات العديدة التي أُطلقت على العبقرية)؛ لها خصوصياتٌ ومتطلبات معيَّنة، والتي عندما تقترن بطبيعةٍ عقلية متفوِّقة عند شخصٍ ما، تزيد من احتمالية بروز هذا الشخص وتأثيره في عصره، أكثر مما لو كان مزاجه أقلَّ عُصابيةً. ليس هناك بالطبع أية رابطةٍ مخصوصةٍ بين غرابة الأطوار بما هي كذلك والعقل المتفوِّق[15]، فمعظم المرضى النفسيين لديهم قدراتٌ فكرية ضعيفة، والمتفوقون عقليًّا لديهم أجهزة عصبية طبيعية في أغلب الأحوال. ولكن الطبع العليل نفسيًّا - أيًّا كانت نوعية العقل المُقترن به - غالبًا ما سيجلب معه الاندفاعَ وسرعة التهيُّج. كذلك، غالبًا ما يكون الشخص متقلِّب الأطوار cranky هشًّا - من جهة الانفعال - بشكل استثنائيٍّ. كذلك يكون عرضةً للأفكار والهواجس التي تستبدُّ بالعقل. كما تميل تصوراته إلى أن تتحول فوريًّا إلى اعتقاداتٍ وأفعالٍ؛ وعندما تأتيه فكرةٌ جديدة، لا يهدأ حتى يعلنها، أو "يجتهد ليتخلَّص منها" بطريقةٍ أو بأخرى. فالشخص العادي عندما يواجه مسألةً مزعجةً يقول في نفسه: "ما الرأي الذي ينبغي اتخاذه حيالها؟"، أما متقلِّب الأطوار فيقول: "ما الذي يتعيَّن عليَّ فعله حيالها؟". في السيرة الذاتية لتلك المرأة ذات الروح السامية، السيدة آني بيزنت Annie Besant (1847 - 1933)، قرأت المقطع التالي: "الكثير من الناس يتمنَّون الخير لأي قضيةٍ نبيلة، ولكنَّ القليل جدًّا مستعدون لبذل أنفسهم في سبيلها، وأقل منهم من سيخاطرون بأي شيء لدعمها. (يجب على شخصٍ ما أن يفعل ذلك، لكن لماذا يكون أنا؟) هي العبارة التي تتردَّد دومًا على لسان الدمثين من ذوي الإرادة الضعيفة. أما عبارة (يجب على شخصٍ ما أن يفعل ذلك، فلماذا لا يكون أنا؟) فهي بمثابة صرخة خادمٍ مخلصٍ للإنسانية، يثب بتلهُّفٍ إلى الأمام كي ينجز مهمَّةً يحفُّها الخطر. وبين هاتين الجملتين تكْمُن قرون كاملة من التطوُّر الأخلاقي". صحيح، لكن هناك المزيد! فبين هاتين الجملتين تكْمُن أيضًا المصائر المختلفة للرجل العادي الكسول الذي يردِّد الجملة الأولى، وللرجل ذي الأطوار المتقلِّبة الذي يردِّد الجملة الثانية. وهكذا عندما يجتمع العقل المتفوِّق مع الطَّبع المتقلِّب - فكما هو حال التباديل والتوافيق اللانهائية للمَلَكَات البشرية، لا مناص من اجتماعهما في أحيانٍ كثيرة - في نفس الفرد، يصبح لدينا أفضل وضعٍ ممكن لإنتاج هذا النوع من العبقرية المؤثرة التي تُسجَّل في معاجم السِّير. ومثل هؤلاء الرجال العباقرة لا يبقون مجرَّد ناقدين وشراحٍ لأفكارهم؛ وإنما - ولأنها تستبدُّ بهم - يفرضونها فرضًا على معاصريهم، بغضِّ النظر عن نتيجة ذلك، حسنةً كانت أم سيئةً. وعندما يحتجُّ السادة لومبروزو ونيسبيت وآخرون بالإحصائيات للدفاع عن مفارقتهم، يكون مثل هؤلاء الرجال هم من يؤخذون في الحسبان.
لنتحوَّل الآن إلى الظواهر الدينيَّة، خُذْ مثلًا السوداويَّة التي تُشَكِّل - كما سنرى لاحقًا - لحظةً أساسيةً في كلِّ تطوُّر دينيٍّ كامل، والسعادة التي يمنحها الاعتقاد الديني المتحقِّق، وحالات الاستبصار في الحقيقة الشبيهة بالغشيَّة المُخبَر عنها في جميع المذاهب الصوفية[16]. وستجد أن كلَّ واحدةٍ منها هي حالةٌ خاصَّة لنوعٍ أوسع نطاقًا من أنواع التجربة البشرية. فالسوداويَّة الدينيَّة - مهما كانت خصوصياتها التي تُعتبر دينيةً - هي على أية حالٍ سوداويَّة، والسعادة الدينيَّة هي على أية حالٍ شعور بالسعادة، والغشيَّة الدينيَّة هي غشيان في نهاية المطاف. وحينما ننبذ الفكرة السخيفة التي مفادُها أننا ندمر قيمة الشيء حالما نصنفه إلى جانب أشياء أخرى، أو حالما نُظهر أصله، وحينما نتفق على الاستمساك بالنتائج التجريبية للظاهرة وبطبيعتها الداخلية، باعتبارها معيارًا للحكم على قيمتها؛ من يسعه إنكار أننا سنتمكَّن - على الأرجح - من فهم وتبيُّن الدلالات المميزة للسوداويَّة الدينيَّة والسعادة الدينيَّة والغشيَّة الدينيَّة، بشكلٍ أفضل بكثير، إذا ما قارناها على نحوٍ شامل ومعمَّق قَدر استطاعتنا مع التنويعات الأخرى للسوداويَّة والسعادة والغشيان، مقارنة بفهمنا وتبيُّننا لها إذا ما أنكرنا أن لها مكانًا ضمن تنويعات التجربة البشريَّة الأعم، وعاملناها كما لو كانت خارج نظام الطبيعة بالكليَّة؟
وآملُ أن يؤكِّد لنا مسارُ هذه المحاضراتِ هذا الافتراضَ. وفيما يتعلَّق بالأصل المَرَضِي-النفسي للكثير من الظواهر الدينيَّة، فلن يكون ذلك مفاجئًا أو مقلقًا لنا على الإطلاق، حتى لو كانت هذه الظواهر مصدَّقًا عليها من أعلى [من الله] بأنها أثمنُ التجارب البشرية على الإطلاق. فلا يمكن لأي تكوين جسديٍّ واحدٍ أن يهب صاحبَهُ الحقيقةَ كاملةً. فمعظمنا لديه نوع ما من الضعف، أو حتى نوع ما من المرض. لكن ضعفنا هذا نفسه يساعدنا بشكل غير متوقَّع. ففي المزاج المَرَضِي، يكون لدينا الحسُّ الانفعالي الذي هو شرط لا غنى عنه للحسِّ الأخلاقي، ويكون لدينا الشدَّة والنزعة التأكيدية التي هي جوهر الحَميَّة والحيويَّة الأخلاقية العملية، ويكون لدينا شغفٌ بالميتافيزيقا والروحانيات يدفع باهتمامات المرء إلى خارج حدود العالم الملموس. إذن، فأي شيء طبيعيٍّ أكثر من أن يقود هذا المِزاجُ العصابيُّ صاحبَهُ إلى أرض الحقيقة الدينيَّة، إلى زوايا الكون الخفيَّة، تلك التي يحرص نمط الجهاز العصبي السليم - القوي المكين المختال، الذي يمضي وقته في التباهي، ضاربًا بكلتا يديه على صدره، وداعيًا الجميع لتحسُّس عضلات ذراعه، وفي شكر الربِّ على عدم وجود ولو حتى ليفة عصبيَّة واحدة مريضة فيه - كلَّ الحرص على إخفائها للأبد عن أعين أصحابه، غير العصابيين الراضين عن أنفسهم؟
وعليه، لو كان يوجد بالفعل شيء مثل الإلهام من الملكوت الأعلى، فعلى الأرجح أن الطبع العصابي هو الذي يتوفَّر فيه الشرط الرئيس اللازم لاستقبال هذا الإلهام. وعند هذا الحد، أعتقد أنه قد حان الوقت لكي أتوقَّف عن الحديث عن مسألة الدين والعصاب.
يشكِّل مجموع الظواهر التابعة، المَرَضية وغير المَرَضية، التي يتعيَّن مقارنة شتَّى الظواهر الدينيَّة بها حتى يتسنَّى لنا فهمها على نحو أفضل، ما يُسمَّى في اصطلاح البيداغوجيا [علوم التدريس والتربية] بـ"الكتلة الاستيعابية"[17] The Apperceiving Mass. والجِدَّة الوحيدة التي أتخيَّل وجودها في هذه المحاضرات تكْمُن في اتساع الكتلة الاستيعابيَّة التي تفهم الظواهر الدينيَّة من خلالها. وبذلك قد أنجح في مناقشة التجارب الدينيَّة في سياقٍ أوسع من السياق المعتاد في المقررات الجامعيَّة.
- الهوامش
-
[1] حركة ذات جذور مسيحية أسسها جورج فوكس في إنجلترا في منتصف القرن السابع عشر الميلادي. اعتبرت المسيح واقعًا حيًّا في الخبرة الشخصية للفرد، وليس فقط في الإنجيل أو تقاليد الكنيسة. يرتكز الإيمان الأساسي في هذه الحركة على إمكان معرفة الله بواسطة كل إنسان، وأن روح الله ستقودنا للحقيقة لو أننا صادقون في الاستماع إلى صوت الله وطاعته في قلوبنا. (المترجمان)
[2] قائد عسكري وسياسي إنجليزي، كان ينتمي لجانب البرلمانيين في الحرب الأهلية الإنجليزية، وبانتصارهم على الملكيين إبان حكم تشارلز الأول، تحولت إنجلترا إلى جمهورية برلمانية تُعْرَف باسم "اتحاد الكومنولث الإنجليزي"، قبل أن يحلَّ كرومويل البرلمان، ويصبح أول قائدٍ أوحد للجمهورية. لكن بعد وفاته، نجح الملكيون والملك تشارلز الثاني في استعادة السلطة الملكية مرةً أخرى. كان كرومويل شديدَ التديُّن، ومعروفًا بتسامحه تجاه البروتستانت وتعصُّبه ضد الكاثوليك. (المترجمان)
[3] كما هو حال الكثير من الأفكار المنتشرة في الزمن الذي يحيا فيه المرء، تنأى هذه الفكرة عن التصريح العام الدوغمائي، وتُعَبِّر - عوضًا عن ذلك - عن نفسها جزئيًّا وعن طريق التلميح فحسب. ويبدو لي أنه لا يوجد إلا القليل من التَّصوُّرات التي يمكن أن تكون أقلَّ إفادةً من هذا التَّصوُّر الذي يعيد تأويل الدين على أنه جنسانية منحرفة. إن هذا ليذكِّر المرءَ بالتهكُّم الكاثوليكي الشهير، الذي يُستخدم عادةً على نحوٍ فظٍّ، والقائل بأن الإصلاح الديني يمكن أن يُفهَم بأحسن الفهم، بتذكُّر أن منشأه وأصله كان رغبة لوثر في أن يتزوج راهبة؛ فالنتائج دائمًا ما تكون أوسع بكثير من أسبابها المزعومة، وفي الغالب الأعم تكون الأسباب والنتائج متضادة من حيث الطبيعة. صحيحٌ أنه من بين هذا الكمِّ الهائل من الظواهر الدينية، توجد بعض الظواهر ذات الطبيعة العِشْقِيَّة صراحةً. على سبيل المثال، آلهة الجنس والطقوس الفاحشة في الأديان غير التوحيدية، ومشاعر الاتحاد مع المُخلِّص الشاطحة في القليل من المذاهب الصوفية المسيحية. ولكن لماذا لا نصف الدين إذن - وبالطريقة نفسها - بأنه انحرافٌ في الوظيفة الهضمية، ونستدلُّ على ذلك بعبادة باخوس Bacchus [إله الخمر] وسيريس Ceres [إلهة نمو نباتات الطعام] أو من خلال مشاعر النشوة التي تنتاب بعض الرهبان بخصوص تناوُل القربان المقدَّس؟ تكسي اللغة الدينية نفسها بمثل هذه الرموز الفقيرة التي لا يسع حياتنا توفير سواها، وكلما كان العقل مدفوعًا بشدَّة للتعبير الديني يهبّ الجسد كلُّه لمساعدته ويعطي للأقوال معانيَ إضافيةً خفيةً. والحال أن اللغة المستوحاة من الأكل والشرب من المرجَّح أن تكون شائعةً في الكتابات الدينية بنفس قدر شيوع اللغة المستوحاة من الحياة الجنسية فيها، فعلى سبيل المثال: "نجوع ونظمأ [نتوق]" إلى الصلاح والاستقامة؛ "نجد الرَّبَّ حلو المذاق"؛ "نتذوق ونرى أنه خَيِّر". إن عبارة "حليب روحي للأطفال الأمريكيين، مستمَد من ثديَي العهدين القديم والجديد"، هي العنوان الفرعي للكتاب المشهور قديمًا والمعنون بـ"الكتاب التمهيدي لبريطانيا الجديدة New England Primer " [الكتاب المدرسي الأساسي في المستعمرات الأمريكية]، وتطفو الكتابات التعبُّديَّة المسيحية بالفعل في الحليب، مُفَكَّرًا فيه، لا من وجهة نظر الأم، وإنما من وجهة نظر الرضيع الشَّرِه.
فعلى سبيل المثال، يصف القديس فرانسوا دي سال Saint François de Sales "صلاة الهدوء Orison of Quietude" هكذا: "في هذه الحالة تكون الروح كالرضيع الذي تجعل أمُّه لَبَنَها يقطر في فَمِهِ دون أن يحرِّك شفتيه لتلاطفه بينما لا يزال بين ذراعيها. وهكذا ... يريد ربُّنا أن ترتوي إرادتنا برشف الحليب الذي يصبُّه - جَلَّ جلاله - في أفواهنا، وأن نتلذَّذ بحلاوته من دون أن نعرف حتى أنه يأتي من الرب". ويقول أيضًا: "ولتتأمل في حال الرضيع وهو مُتَّحِد ومُلْتَصِق بثدي أمِّه وهي تُرضعه، وسترى أنه من حينٍ لآخر يضغط نفسه ليقترب أكثر من الثدي بواسطة حركاتٍ فجائية تدفعه إليها لذَّة الرضاعة. وهكذا هو الحال بالنسبة إلى القلب، فبالرغم من أنه يكون في أثناء صلاته مُتَّحِدًا بالربِّ، فإنه كثيرًا ما يحاول الاتِّحاد أكثر بواسطة حركات يطارد في أثنائها الحلاوة الإلهية بشكل أقرب". انظر:
Chemin de la perfection, ch. xxxi; Amour de Dieu, vii. ch. i.
في الواقع، يمكن للمرء أيضًا تفسير الدين باعتباره انحرافًا للوظيفة التَّنَفُّسِيَّة. فالكتاب المقدَّس ممتلئ بلغة المعاناة التَّنَفُّسِيَّة وضيق الصدر: "لا تَصُمَّ أُذُنَيْكَ عن تنهداتي؛ أنيني لا يخفى عليك؛ قلبي يلهث، وخارت قواي؛ بليت عظامي في توجعي الليل كله؛ مثلما تلهث الغزلان توقًا لجداول المياه، تلهث روحي توقًا إليك يا الله". و"نَفَسُ الله في الإنسان God’s breath in man" هو عنوان العمل الرئيس للمتصوف الأمريكي الشهير (توماس ليك هاريس Thomas Lake Harris (1823 - 1906)؛ وفي بلادٍ غير مسيحية، يتكون أساس كل الانضباط الديني من تنظيم عمليتَي الشهيق والزفير.
إن هذه الحجج جيدةٌ بنفس قدر جودة ما يسمعه المرء من حججٍ مؤيدة للنظرية الجنسية [التي تربط الظواهر الدينية بالوظيفة الجنسية]. لكن أنصار هذه الأخيرة سيقولون حينئذ إن حُجتهم الرئيسة لا يوجد ما يضاهيها في أيِّ مكان. سيقولون بأن الظاهرتين الأساسيتين للدين، وهما السوداوية والتَّحوُّل الديني، هما بالأساس ظاهرتان من ظواهر المراهقة؛ وبالتالي متزامنتان مع تطوُّر الحياة الجنسية. هذه حجَّة يسهل الردُّ عليها بالآتي: حتى لو كان هذا التزامُن المذكور صحيحًا بإطلاقٍ كحقيقة (والأمر ليس كذلك)، فليست الحياة الجنسية وحدها هي التي تنشط في أثناء المراهقة، وإنما الحياة العقلية الأعلى بأسرها. وبالتالي يمكن للمرء أن يضع الأطروحة التالية: إن الاهتمام بالميكانيكا، والفيزياء، والكيمياء، والمنطق، والفلسفة، وعلم الاجتماع، الذي يبزغ في أثناء سنوات المراهقة بجانب الاهتمام بالشعر والدين، هو أيضًا مجرَّد انحراف للغريزة الجنسية. لكنها ستكون أطروحة سخيفة وغير معقولة بالمرَّة. وعلاوة على ذلك، لو أن حجَّة المزامنة هي التي ستحسم الأمور، فكيف سيكون العمل مع الحقيقة التالية: المرحلة العمرية الدينية بامتياز هي الشيخوخة، أي السنُّ التي تنقضي عندها فورة الحياة الجنسية وتصبح شيئًا من الماضي؟
إن الحقيقة الواضحة هنا هي التالي: لكي نتمكَّن من تأويل الدين وتفسيره، يجب على المرء في النهاية النظر إلى المحتوى المباشر للوعي الديني. وفي اللحظة التي يفعل فيها المرء ذلك، سيرى كيف أن محتوى الوعي الديني منفصلٌ على وجه الإجمال عن محتوى الوعي الجنسي. كل شيء متعلِّق بهذين الوعيين يختلف: الموضوعات والمِزاج والملكات المختصَّة والأفعال التي يحض كل منهما عليها. إن الانسجام الشامل مستحيلٌ ببساطة، وما نجده غالبًا هو الخصومة الكاملة والتضاد. فلو رَدَّ علينا المدافعون عن نظرية-الجنس بأن ما ذكرناه لا يؤثر بالمرة في أطروحتهم، وذلك كالآتي: من دون المواد الكميائية ]الهرمونات[ التي تفرزها الأعضاء الجنسية في الدم، لن يُغذى المخ بالقدر الذي يلزمه لكي يستمرَّ في أداء النشاطات الدينية، فسنقول لهم بأن هذا الافتراض الأخير قد يكون صحيحًا أو لا يكون؛ لكنه عديم النفع في كلتا الحالتين؛ إذ لا يمكننا أن نستنبط منه أية نتائج من شأنها مساعدتنا على تأويل معنى الدين أو قيمته. فوفقًا لمنطق هذا الافتراض، تعتمد الحياة الدينية على الطحال والبنكرياس والكليتين بنفس قدر اعتمادها على الجهاز التناسلي، وبذلك تفقد النظرية ككلٍّ فكرتها الأساسية وتتبخَّر مستحيلة إلى مجرَّد ادعاء عامٍّ ومبهمٍ حول اعتمادية العقل بطريقة ما على الجسد.
[4] مصطلح طبي قديم، لم يعد مستخدمًا اليوم، ويفيد عامَّة ضمور الأنسجة العصبية وتحلُّلها في جزءٍ من الدماغ بسبب مشكلة متعلِّقة بالجينات، وبالتالي متوارثة. وكانت تُعزى إليه نوبات الصَّرع. (المراجع)
[5] لمثالٍ ممتاز على نمط الاستدلال الطب-مادي، انظر:
“Les Variétés du Type dévor”, by Dr. Binet-Sanglé, in the Revue de l’Hypnotisme, XiV. 161.
[6] طائفة مسيحية بروتستانتية ظهرت في القرن الثامن عشر في بريطانيا على يد رجل الدين المسيحي جون ويزلي، ثم انتشرت لاحقًا في المستعمرات البريطانية حتى الولايات المتحدة الأمريكية. انفصلت عن الكنيسة الأنجليكية رسميًّا عام 1795 ونادت بإمكانية خلاص كل إنسان، مناقضة بذلك عقيدة اختيار الله المُسبق للناجين عند الكالفينية. وركَّزت على التأمل الداخلي والإيمان الروحاني المُنعكس في سلوكيات المؤمن باعتبارهما نظامًا للدين. (المترجمان)
[7] مصطلح قديم في الطب النفسي، سكَّه الطبيب البريطاني جيمس كاولز بريتشارد James Cowles Prichard في عام 1853، لوصف حالة المريض الذي لا يعاني من أية اضطراباتٍ على مستوى التفكير (ضلالات أو هلاوس)، ولكنه يعاني من اضطرابات في المزاج والمشاعر والعادات والسلوكيات. يعتبر هذا المصطلح هو الاسم التاريخي لما نسميه الآن بالسايكوباث psychopath أو السوشيوباث sociopath، أو باضطراب الشخصية المعادية للمجتمع antisocial personality disorder. (المراجع)
جرت العادة أن يُتَرجم هذا المصطلح إلى "الجنون الأخلاقي"، والحقيقة أنها ترجمة خاطئة؛ لأن كلمة Moral في القرن التاسع عشر كان لها معنيان: المعنوي الوجداني والأخلاقي. والمقصود هنا ليس المعنى الأخلاقي، بل المعنى المعنوي الوجداني. انظر:
Jan Verplaetse, Localizing the Moral Sense: Neuroscience and the Search for the Cerebral Seat of Morality, 1800-1930, (Springer, 2009, p. 193).
(المترجمان).
[8] J. F. NISBET: The Insanity of Genius, 3d ed., London, 1893, pp. xvi, xxiv.
[9] ماكس نوردو MAX NORDAU (1849 - 1923) في كتابه الضخم بعنوان: "التلف Degenration".
[10] H. MAUDSLEY: Natural Causes and Supernatural Seemings, 1886, pp. 257, 256.
[11] انظر: متَّى 7: 16. (المترجمان)
[12] Autobiography, ch. xxviii.
[13] الهلوسة هي تجربة الإحساس بغير الموجود (رؤية أشياء غير موجودة أو سماع أصواتٍ غير موجودة، على سبيل المثال)، أما الوهم فهو هذا الشيء نفسه غير الموجود الذي يُدرك حسيًّا من خلال الهلوسة. (المراجع)
[14] هذه الأعراض هي أقرب ما يكون إلى ما يُعرف في الطب النفسي الحديث بـ Obsessive Compulsive Disorder (OCD)، أو الوسواس القهري كما هو مشهور عربيًّا. (المراجع)
[15] يبدو أن العقل المتفوق، وكما بيَّن ذلك البروفيسور باين Alexander Bain (1818 - 1903) على نحوٍ باهر، لا يتألَّف من شيءٍ أكثر من تألُّفه من تطوُّر كبير في ملكة التربيط الذهني (بين الأشياء: الأفكار، المفاهيم، الأحداث...) على أساس التشابُه.
[16] أحيلكم على نقدٍ للنظرية التي تربط العبقرية بالجنون في:
Psychological Review, ii. 287 (1895).
[17] يستعير ويليام جيمس هذا المفهوم من الفيلسوف الألماني يوهان فريدريك هربارت Johann Friedrich Herbart (1776 - 1841)، فيقول: "كل انطباع يأتي من الخارج - سواء كان جملة نسمعها، أو شيئًا نراه، أو رائحة نشمها - بمجرَّد أن يدخل وعينا يتحرك في اتجاهٍ ما، ويدخل في علاقاتٍ ارتباطية مع ما هو موجود هناك بالفعل، وفي الأخير ينتج ما نسميه رد فعلنا. ما يحدِّد هذه الصلات والعلاقات هي تجاربنا السابقة ونوعية الانطباع الحاضر ... إن هذه الطريقة في التناول الجُوَّاني للأشياء هي عملية الإدراك، والمفاهيم التي يلاقيها ذلك الانطباع الحاضر، والتي تستوعبه، يسميها هربارت (الكتلة الاستيعابية)". (Talks to Teachers on Psychology, 1899, ch. XIV). (المترجمان)