الدين والديمقراطية والأحزاب السياسية

الدين والديمقراطية والأحزاب السياسية

نضع بين أيديكم الفصل الأول من كتاب «أقنعة الدين السياسية - الدين والأحزاب السياسية في الديمقراطيات المعاصرة» لمؤلّفه لوقا أوزانو، أستاذ العلوم السياسية في جامعة تورين، إيطاليا، الذي ستصدر ترجمته الكاملة عن مركز نهوض للدراسات والبحوث بترجمة: د.السيد عمر، ومراجعة: أ. إسلام أحمد. 

1

نموذج العلمنة

يسعى هذا الفصل -كما سلف القول في المقدمة- إلى مراجعة وعرض أبرز الأدبيات السابقة حول دور الدين في الأحزاب السياسية عامة، وفي الديمقراطيات المعاصرة بوجه خاص. ولا مندوحة من أن تكون نقطة البداية في هذا السياق هي ما يسمى بـ«أطروحة العلمنة»، التي صاغت موقف معظم أدبيات العلوم الاجتماعية تجاه الدين منذ القرن التاسع عشر حتى العقود الأخيرة من القرن العشرين على الأقل.

وهذا المنظور يرى في الدين عاملًا رجعيًّا لا يتناغم مع التحديث، وأنه محكوم عليه بأن يكون مجرد شأن خاص للأفراد، أو أن يزول من الوجود بالكلية. وانبثقت هذه الفكرة أيضًا من سيادة رؤية كلية ترى في الحداثة عملية خطية وأحادية الاتجاه، تقود حتمًا إلى قيام المجتمع العقلاني (rational society). وقد تأثر هذا المنظور بشدة بالأفكار الوضعية التي نشأت في القرن التاسع عشر. وواقع الأمر أن أوغست كونت (Auguste Comte) رائد الوضعية، قد اقترح أحد أكثر تمثيلات «أطروحة العلمنة» وضوحًا وتحديدًا، وذلك من خلال قانونه المسمى بـ«قانون المراحل الثلاث»، وفيه يُلخص تقدم الإنسانية من المرحلة اللَّاهوتية (التي تتسم بتفسير الظواهر الطبيعية استنادًا إلى آلهة مُجسَّدة) إلى المرحلة الميتافيزيقية (التي تتسم بتفسير تلك الظواهر استنادًا إلى مفهوم مجرد للألوهية) إلى مرحلة الوضعية (التي تتسم بانتصار العقل والمنهج العلمي).

وفي الوقت نفسه، ظهر مستجد آخر ربما يساعد على تفسير سبب القبول الواسع لفكرة العلمانية في القرن العشرين في كل من الغرب الليبرالي والشرق الشيوعي، وهو وصفُ كارل ماركس (Karl Marx) مؤسس الفكر الاشتراكي المعاصر، الدين بأنه «أفيون الشعوب» (opium of the people)، بمعنى أنه التعبير ما قبل النقدي عن «آهة المخلوق المضطهَد» (sigh of the oppressed creature)، بما يمنح الطبقة العاملة المستغلَّة سعادة وهمية، تحرمها في نهاية المطاف من الانخراط في النضال من أجل الحرية وتحسين ظروف الحياة.

وفي المقابل، قدم إيميل دوركهايم (Émile Durkheim)، أحد مؤسسي العلوم الاجتماعية الحديثة، تفسيرًا «وظيفيًّا» (functionalist) للدين. ومع أن هذا التفسير يشاطر كونت وماركس في تصورهما السلبي للدين، فإن اهتمامه انصب على معناه الاجتماعي، وعلى الحاجة إلى الفلسفات العقلانية لتطوير رموز وإجراءات تحل محل نظيرتها الدينية في مجريات الحياة اليومية للبشر. ومن المقارَبات «الاختزالية» (reductionist) الأخرى للدين، مقارَبة سيغموند فرويد (Sigmund Freud) مؤسس التحليل النفسي (psychoanalysis)، الذي فسر الدين على أنه عُصاب (neurosis) ونكوص إلى مرحلة طفولية قائمة على الاعتماد على إله (هو بدوره -في زعم فرويد- إسقاط لصورة الأب).

بيد أن الإسهام الكلاسيكي الأشد تأثيرًا في أدبيات العلوم السياسية والاجتماع السياسي هو مفهوم «نزع السحر عن العالم» (disenchantment of the world/die Entzauberung der Welt)، الذي طرحه ماكس فيبر (Max Weber)، والمرتبط بفكرة التحول من التسويغ التقليدي أو الكاريزمي للقوة إلى نظام قانوني-عقلاني (legal-rational order) . ويؤكد فيبر أن تطور المنهج العلمي وعقلنة المجتمع يقتضيان ضمنيًّا إزالة الغموض عن العالم الذي يفقد ما كان له من سمات سحرية لدى الناس في العصور القديمة والوسطى. إلا أن فيبر -على النقيض من كونت- يكشف أوجه قصور هذه العملية التي يتولد عنها كل من فقدان معنى الحياة الآدمية (human life)، وإضفاء الطابع البيروقراطي على المجتمع (bureaucratization of society).

ولا يتسع المجال في هذا الكتاب لدراسة مستفيضة ومحكمة للجدل الدائر في علم الاجتماع حول العَلْمَنة في القرنيْن العشرين والحادي والعشرين. ومع ذلك، فإن من الإسهامات العلمية الأساسية التي لا بُدَّ من الإشارة إليها في هذا المضمار، إسهام توماس لوكمان (Thomas Luckmann). فقد طرح لوكمان تفسيرًا وظيفيًّا للدين والعلمنة، وفيه انتقد المُقارَبة الاجتماعية التقليدية التي تُركِّز على الكنائس، وطرح مفهوم «الدين اللَّامرئي» (invisible religion) غير المرتبط بالمؤسسات الدينية، وهو ما يقود إلى القول بأن الدين لم يتلاشَ مطلقًا في العالم الحديث، بل بات حاضرًا في أشكال مختلفة (وهي فكرة حاكتها إلى حد ما غريس ديفي Grace Davie حين صاغت مفهوم «الاعتقاد دون الانتماء» (believing without belonging). وممن قدموا إسهامات علمية لها وزنها في هذا الصدد بيتر بيرغر (Peter Berger) الذي يتفق مع لوكمان (وكان بينهما تعاون علمي) على فكرة البناء الاجتماعي للواقع (social construction of reality).

وقد عرَّف بيرغر العلمنة بأنها: «العملية التي تُزال بها هيمنة المؤسسات والرموز الدينية عن قطاعات في المجتمع والثقافة»، ورأى أن التصنيع وتطور العلم الحديث هما المحفزان الأساسيان لمثل تلك العملية. ومن المثير للانتباه أنه ظل -مع ذلك- على قناعة بأن المسيحية عامة، والبروتستانتية خاصة، لعبت هي الأخرى دورًا [في عملية العلمنة]، وذلك بالإسهام في إزالة الجوانب السحرية للعالم. وبهذا بات المقدس والدنيوي واقعَين منفصلَين، ومن النادر حدوث اتصال بينهما.

في المقابل، فإن بريان ويلسون (Bryan Wilson) يُعتبر في أوساط علماء الاجتماع أحد المؤيدين بقوة لفكرة فاعلية نموذج العلمنة، بالرغم من عدم تحمسه بأي حال من الأحوال للوضع الأخلاقي للعالم المُعلْمَن. فالعلمانية في رأيه (عند تعريفها بأنها عملية تفقد عبرها الأفكارُ والممارساتُ والمؤسساتُ الدينية معناها الاجتماعي) هي نتيجة حتمية للحداثة، التي تعني أيضًا انحسارًا لفكرة «الجماعة» (community)، ويتعين تفسيرها على أنها عملية تطورية (evolutionary). فدور الدين في العالم الحديث محكوم عليه أن يظل هامشيًّا، ويقف دوره عند حد تقديم بعض السلوان لأناس هم أسرى نظام اجتماعي بلا روح. غير أن ديفيد مارتن لا يقول بفكرة الحتمية هذه، بل ينطلق من فكرة تفكيك أسطورة العلمنة، وينتقد مقولة عالميتها، ويطرح بدلًا من ذلك فكرة نسبية تلك الظاهرة (التي تتطور -من وجهة نظره- بأشكال مختلفة، وفق عوامل من قبيل درجة التعددية في كل بلد، والديانة التي ينتمي إليها أغلبية سكانها) .

ومن الضروري -أخيرًا- الإشارة إلى إسهامات كاريل دوبيلير (Karel Dobbelaere)؛ لأهميتها الحيوية في تسليط الضوء على الواقع متعدد الأبعاد للعلمنة، الذي يتضمن ثلاثة مجالات مختلفة: المجال اجتماعي (إزالة الطابع الكهنوتي laicization)، والمجال المؤسسي (التغيير الديني religious change)، والمجال الفردي (المشاركة participation). وبحسب رؤية دوبيلير، فإن فكرة العلمنة لا يمكن تطبيقها إلا على المجال الأول (أي على المجتمع)؛ وأما التغييرات التي تحدث على المستوييْن الآخرين فعملياتٌ ثانوية، ولا يمكن تفسيرها بأنها انحسار للدين، بل هي تعبير عن تكيفه مع العالم المعاصر.

ويتضح من هذا العرض الموجز أنه لا يكاد يوجد اتفاق بين العلماء والباحثين حول ما تعنيه العلمنة على وجه الدقة، وما إذا كانت تنطبق على مختلف مجالات الحياة المعاصرة، وكيفية تطبيقها فيها. فبعض الإسهامات السابقة شككت في فكرة الاختفاء الفعلي للدين من المجال العام في أرجاء العالم (بدليليْن، أولُهما: دوامُ العامل الديني بكل جلاء وإصرار في كثير من سياقات البلدان النامية. وثانيهما: الدورُ المركزي الذي لعبته الأحزاب الديمقراطية المسيحية في عملية نشر الديمقراطية في أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية). وفضلًا عن ذلك، كان هناك جدل مهم حول مزاعم «الطابع الاستثنائي» للولايات المتحدة، بوصفها سياقًا لم تكن أطروحة العلمنة قابلة للتطبيق فيه بحذافيرها، أو حتى حول فكرة أن مفهومَ العلمانية نفسَه يُشير إلى ظاهرة تمتاز بها القارة الأوروبية .

2

وبالرغم من ذلك، فإن فكرة أن الدين يتحول بوتيرة متصاعدة إلى عامل هامشي في العالم الحديث كانت تحظى بالقبول لدى معظم النخب المثقفة في الكتلة الشيوعية والغرب الليبرالي. بيد أن وجهة النظر هذه باتت محل شك في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن العشرين؛ إذ وقعت حينها تطورات مفاجئة في مناطق مختلفة من العالم توحي بعودة الدين إلى المجاليْن العام والسياسي. ولم تشمل تلك الظاهرة الجديدة منطقة الشرق الأوسط والعالم النامي فحسب (مع قيام الثورة الإسلامية في إيران عام ١٩٧٩م، وبداية الجهاد ضد الغزو السوفيتي لأفغانستان في العام ذاته، وتولي اليمين اليهودي السلطة في إسرائيل عام ١٩٧٧م، ونشأة حزب «بهاراتيا جاناتا» في الهند عام ١٩٨٠م)، بل إنها شملت الغرب أيضًا (بظهور حركة اليمين المسيحي في الولايات المتحدة في أواخر السبعينيات من القرن العشرين)، بل شملت العالم الشيوعي أيضًا (بنشأة النقابة العمالية الكاثوليكية «تضامُن» Solidarność في بولندا عام ١٩٨٠م).

إلا أن الأوساط الأكاديمية كانت بطيئة جدًّا في الاعتراف بهذه العمليات الجديدة وتحليلها بشكل صحيح. فلم تظهر أولى التقييمات الدقيقة لهذه الظاهرة إلا بعد بروزها بعشر سنوات، في كتاب بروس لورانس (Bruce Lawrence) المعنوَن بـ«أنصار الله» (Defenders of God)، وبوجه خاص مع ظهور كتاب جيل كيبل (Gilles Kepel) «انتقام الإله» (La revanche de Dieu) نظرًا لما كان له من أصداء عالمية واسعة. فقد حلل ذلك الباحث الفرنسي ظاهرة الإحياء الديني عالميًّا، في كل من العالم المسيحي واليهودي والإسلامي، ووضعها في إطار كونها نتيجة لما تمخضت عنه التحولات الاجتماعية والسياسية السريعة في العالم المعاصر من عمليات تشريد وقلق اجتماعي.

ومع أن دراسة كيبل -ذلك المفكر الماركسي التنشئة- لا تتعارض بالضرورة مع أساسيات نظرية العلمنة، وما تزال تفسر عودة الدين على أنها نتيجة عمليات اجتماعية واقتصادية، فإنها تبوأت مكان الصدارة في الجدل الذي أعقبها بكل مشاربه ورؤاه المختلفة. وقد تكون أهم رؤية في هذا الصدد ما قدمه خوسيه كازانوفا في كتابه المعنوَن بـ«الأديان العامة في العالم الحديث» (Public Religions in the Modern World)، الذي تحدث فيه صراحة عن «قيام التقاليد الدينية باستعادة دورها في الشأن العام وتطويره، وهي التقاليد الدينية نفسها التي افترضت نظريات العلمنة والنظريات الدورية للإحياء الديني أنها قد أصبحت هامشية وغير ذات شأن في العالم الحديث» وأنها «ترفض القبول بالدور الهامشي والمخصص الذي حددته لها نظريات الحداثة وكذلك نظريات العلمنة» .

وقد أدت أيضًا فكرة أن الدين يمكن أن يلعب دورًا حاسمًا في العالم المعاصر، لا أن يزول منه، إلى ذيوع مفهوم «الأصولية» (fundamentalism)، وهو تعبير شائع تبنَّته كل من وسائل الإعلام الجماهيري، وكثير من الباحثين، في تأطيرهم لعملية عودة الدين مجددًا على الصعيد العالمي. وفي هذا السياق، يعد كتاب لورانس «أنصار الله» السالف ذكره، أول دراسة تعترف بأن العلاقة بين ظاهرة الإحياء الديني العالمية وبين الحداثة معقدة وليست أحادية المعنى. فالأصولية -في نظر لورانس- تعني ضمنيًّا رفض قيم الحداثة (أي العلمانية والتعددية والنسبية)، ولكنها مع قبول منافعها الوسائلية (أي ابتكاراتها التقنية وأدواتها التنظيمية). وألقى لورانس الضوء أيضًا على الآثار المعقدة لعودة الدين، التي تُعتبَر رد فعل من مجموعات اجتماعية هَمَّشت النخب العلمانية هوياتها.

وقد طُوِّرت دراسة هذه الموضوعات في السنوات اللاحقة ضمن «مشروع الأصولية» (Fundamentalism Project)، وهو مشروع علمي متعدد التخصصات واسع النطاق ترعاه جامعة شيكاغو، أثمر سلسلة كتب في خمسة مجلدات. واقترح محررو تلك السلسلة تعريفًا للأصولية من تسع نقاط، تنصب النقطة الأولى منها على الاستجابة لتهميش دين ما، مقابل «أديان أخرى، و/أو جماعات عرقية، [وهو تهميش] من جانب سلطة علمانية (إمبريالية أو محلية) تسعى إلى علمنة المجال المقدس وتحديده، أو من جانب توليفة متنوعة من تلك القوى». وخلاصة القول أنه بالرغم من أن الأدبيات المتصلة بعودة الدين والأصولية الدينية بالغة التعقيد، ولا يمكن سبر أغوارها هنا على نحو مناسب، فإن لها أهمية خاصة، وذلك لكونها تطرح تساؤليْن حول نقطتيْن حيويتيْن بالنسبة لتحليل العلاقة بين الدين والسياسة، أولاهما: هل يتوافق وجود الدين في المجال العام مع الحداثة والتعددية والديمقراطية؟ وثانيهما: هل بوسعنا اعتبار الدين عاملًا أوليًّا في العمليات الاجتماعية والسياسية؟ أم أنه مجرد بنية فوقية للظواهر الاجتماعية-الاقتصادية الأساسية؟

ومع بداية الألفية الثالثة، اهتم المنظرون السياسيون على الصعيد المعياري، بهذه الأسئلة عند تقويم مقبولية الدين والحجج الدينية في المجال العام للديمقراطيات المعاصرة. وفي هذا السياق، سعى جون رولز (John Rawls) إلى الإجابة عن سؤال «كيف يمكن للمواطنين المتدينين أن يكونوا أعضاء أوفياء في مجتمع ديمقراطي»، بإشارته إلى «إمكانية إدخال المبادئ العقلانية الشاملة، دينية كانت أو غير دينية، في النقاش السياسي العام في أي وقت، شريطة أن تُقَدَّم في الوقت المناسب، وفي صورة حجج سياسية ملائمة وكافية لمؤازرة ما يقال أن تلك المبادئ الشاملة المطروحة للنقاش تنادي به أيًّا كان؛ لا بوصفها حججًا نابعة من تلك المبادئ الشاملة وحدها» .

وهذا التوجيه إلى ترجمة المبادئ الشاملة، من شاكلة المبادئ الدينية، إلى مسوغات سياسية هو ما سماه رولز «الشرط» (proviso). وعند يورغن هابرماس (Jürgen Habermas) وجهة نظر أخرى. فبالرغم من انطلاقه في تحليله الفلسفي من منظور ماركسي بحت تواق إلى زوال الدين، أو توجهه -في بعض كتبه التي صدرت لاحقًا- إلى اعتباره مسألة خاصة، فإنا نجده قد انفتح في آخر مرحلة من مساره البحثي على الدور العام للعامل الديني في الديمقراطيات المعاصرة. وقد أشار في كتابه «بين المذهب الطبيعي والدين» (Between Naturalism and Religion)، على وجه الخصوص، إلى وجوب «السماح [للمتدينين] بالتعبير وبتبرير قناعاتهم بلغة دينية، حتى إذا لم يكن بالإمكان إيجاد ‹ترجمات› علمانية لها» ، بل إنه وصل إلى حد التأكيد على وجود حدود للعقلانية العلمانية، وأن بوسع العقل الحديث أن يتعلم من العقل الديني.

بل إن هابرماس شكَّك -في مؤلفاته اللاحقة- في فكرة العلمانية ذاتها، وطرح مفهوم «المجتمع ما بعد العلماني» (post-secular society) و«العقل ما بعد العلماني» (post-secular reason)، الذي «انبثق من عملية تعلم جُوّانيَّة في التقليد التنويري، ووصل إلى نبذ ادعائه الإحاطة بكل أشكال ما هو صحيح وذا قيمة، وبات على استعداد لقبول كل ما يمكن أن يتعلمه من الدين». وفي هذا السياق، تصبح كيفية بناء المطالب السياسية أمرًا حاسمًا أيضًا. وقد سلطت شانتال موف (Chantal Mouffe) الضوء -بوجه خاص- على حقيقة أن المسائل السياسية المرتبطة بالدين تُصَاغ عادة بلغة تستعصي على القياس (لا محل فيها لإمكانية الحلول الوسط)، وهو ما يتعارض مع المقاربة الفردانية والعقلانية التي تُهيمن على الفكر الليبرالي.

برز مفهوم «العلمانيات المتعددة»، مع ملاحظة أن عمليات العلمنة تتطور بشكل يختلف باختلاف السياق الجغرافي أو الثقافي وباختلاف الأزمنة أيضًا، ليمثّل نقدًا موجهًا لأدبيات العلوم الاجتماعية المتشبّعة عادة بأفكار ومفاهيم غربية و/أو مسيحية.

وبالطبع، فإن وجهات النظر هذه لا تُشكك في مفهوم العلمنة وحسب، بل في فكرة الحداثة ذاتها، بوصفها عملية خطية لها معنى واحد وطريق واحد. ولقد نحا شموئيل أيزنشتات (Shmuel Eisenstadt) هذا المنحى الفكري بطرح فكرته عن «الحداثات المتعددة» (multiple modernities) التي تنظر إلى العالم المعاصر «بوصفه سردية لتشكيل وإعادة تشكيل -بصورة مستمرة- برامج ثقافية متعددة»، حيث «لا يُعتبَر نموذج الحداثة الغربي النموذج ‹الصحيح› الوحيد». وقاد التفكير على هذا النحو إلى إدراك أنه لا يلزم بالضرورة النظر إلى العلمنة نفسها على أنها عملية أحادية المعنى، لكون كل منطقة وكل ثقافة لها دوافع وتطورات فريدة خاصة بها. ومن هنا برز مفهوم «العلمانيات المتعددة» (multiple secularities)، مع ملاحظة أن عمليات العلمنة تتطور بشكل يختلف باختلاف السياق الجغرافي أو الثقافي وباختلاف الأزمنة أيضًا، ليمثّل نقدًا موجهًا لأدبيات العلوم الاجتماعية المتشبّعة عادة بأفكار ومفاهيم غربية و/أو مسيحية.

ويكشف استعراض ذلك الجدل، بكل وضوح، حقيقة أن كلًّا من مفهومَي الدين والعلمنة هما مفهومان متعددَا الأبعاد، يمكن تطبيقهما بطرائق مختلفة في مجالات الحياة الإنسانية المختلفة. ويغدو ذلك الوضع أشد تعقيدًا حين ننتقل من علم الاجتماع إلى العلوم السياسية، ونضيف إلى النموذج رافدًا سياسيًّا. وكما يُبيِّن لوقا أوزانو وألبيرتا جيورجي، فإن بالإمكان تحديد ثلاثة معانٍ بديلة متمايزة لمجالات تأثير العلمنة (رغم ما قد يكون بين تلك المعاني من تداخُل وتشابك أحيانًا)، أولها: عملية علمنة المجال السياسي (التي تتضمّن فصلًا بين الكنيسة والدولة، وحرية الاعتقاد الديني لكل المواطنين)، وثانيها: علمنة المجال الديني (التي تتضمّن تغييرًا داخل الطوائف الدينية وتطورًا في هوياتها وتنظيمها وعلاقاتها مع العالم)، وثالثها: علمنة المجال الاجتماعي (مما يشي بتحويل المجتمعات الدينية إلى جماعات فرعية متخصصة، وتقليص دور الدين في مجريات حياة الناس اليومية) .

وبالإضافة إلى ما سبق، فإن فهم دور كل من الدين والعلمانية في السياسة يقتضي -كما بيَّن جيفري هاينز- التمييز بين الأوجه المختلفة للظاهرة الدينية، «وأولها: الدين من منظور كونه بِنيةَ أفكار ورؤى (أي الدين بوصفه لاهوتًا وقانونًا أخلاقيًّا)؛ وثانيها: الدين بوصفه نوعًا من التنظيم الرسمي (الكنسي الإكليريكي، على سبيل المثال)؛ وثالثها: الدين بوصفه مجموعة اجتماعية (social group) (الحركات الدينية، مثلًا)». ولكل وجه من أوجه الدين المختلفة هذه أشكالُ تأثير شديدة التبايُن في النظام السياسي. وفضلًا عن ذلك، فإن تأثير الدين -كما أوضح جوناثان فوكس (Jonathan Fox)- يمكن أن يحدث عبر قنوات مختلفة، تشمل صانعي السياسة ذوي التوجه الديني، والقاعدة الانتخابية المتدينة، إما بوصفه مصدرًا للشرعية أو سببًا للصراع. ومما يزيد هذه النقطة وضوحًا أن بالإمكان -إمبيريقيًّا- اكتشاف أنماط شديدة الاختلاف للتفاعل بين الدين والسياسة في الديمقراطيات المعاصرة. فعلى سبيل المثال، ومع اقتصار هذا العرض على الغرب، بوسعنا العثور على حالات ذات تأثير ديني قوي فيما يتعلق بالقيم، مع فصل مؤسسي صارم (كما هو الحال في الولايات المتحدة)، وحالات توجد فيها كنيسة وطنية، ولكنها ذات تأثير بالغ الضآلة فيما يتعلق بالقيم (كما هو الحال في الدنمارك)، وحالات ذات تأثير لكل من القيم والمؤسسات (كما هو الحال في إيطاليا واليونان). وسوف نفصل هذه القضايا في المحور التالي، مع التركيز بوجه خاص على الدراسات والجدل حول دور الدين في الديمقراطيات المعاصرة وفي عمليات التحول الديمقراطي.

الأديان والديمقراطية والتحول الديمقراطي

إن القبول الواسع النطاق لنموذج العلمنة من جانب علماء الاجتماع، فيما يتعلق بدراستهم للديمقراطية والدمقرطة، يشي بالطبع بأنهم غالبًا ما أهملوا دور الدين في عمليات التحول الديمقراطي. والواقع أننا لو نظرنا في أمهات الدراسات التي تتناول موضوع التحول الديمقراطي، فسنرى أن مؤلفيها تعمدوا التركيز إما على العوامل الاجتماعية-الاقتصادية، أو على العلاقات بين الطبقات الاجتماعية؛ بينما كان دور الدين يناله غالبًا الإهمال أو يُوصَم بأنه سلبي تمامًا.

وانبثقت من هذا الموقف الفكري أطروحة ما يُسمّى بـ«الاستثنائية الغربية» (Western exceptionalism) القائمة على رؤية نظرية لتوجُّهٍ يفترض أن الديمقراطية لم تتطور على نحو كامل إلا في أوروبا والدول الأنغلوسكسونية، لكونها -بزعمهم- هي المناطق الوحيدة التي حققت عملية العلمنة بنجاح. ووفق هذا المنظور، فإن ما أضفى على البلدان الأنغلوسكسونية ذلك الطابع الفريد فيما يتعلق بالتحول الديمقراطي هو «الليبرالية الدستورية […] الساعية إلى حماية الاستقلال الذاتي والكرامة للفرد في مواجهة الإكراه، أيًّا كان مصدره: الدولة أو الكنيسة أو المجتمع». ولم يقتصر النقد الذي تلقّته وجهة النظر هذه على علماء اجتماع غير غربيين وحسب، بل من مفكرين غربيين لهم وزنهم العلمي الكبير، مثل ستيبان الذي بيَّن أنها تقوم على «تفسير خاطئ» للواقع، مرتبط بذرائع معيارية ترمي إلى استبعاد الدين من المجال العام، وبالفرضية القائلة بأن للديمقراطية شروطًا تأسيسية فريدة، وكذا بتقديس «الجدار الفاصل» بين الكنيسة والدولة في الغرب، الذي هو -غالبًا- مجرد وهم.

واقترح ستيبان نفسه فكرة بديلة مختلفة للفصل بين السياسة والدين (وهي فكرة لا تتضمن إقصاء الدين من المجال العام)، تكون أكثر انفتاحًا على إمكانية تطوير وإقامة الديمقراطية خارج الغرب المسيحي، وذلك عندما نحت مفهوم «التسامحان التوأمان» (twin tolerations). إذ يرى ستيبان أنه «يجب ألا يكون للمؤسسات الدينية امتيازات دستورية تتيح لها فرض سياسات عامة على الحكومات المنتخبة ديمقراطيًّا» مع تمكينها في الوقت نفسه من «نشر قيمها علانية في المجتمع المدني، وأن تكفُل منظمات وحركات في المجتمع السياسي».

ويسمّي دانيال فيلبوت (Daniel Philpott) هذا الترتيب المؤسسي بحالة «التمايز التوافقي» (consensual differentiation case) «المتسمة بالاستقلال الذاتي عبر الاتفاق المتبادل «بين الكيانات الدينية ومؤسسات الدولة، في السلطة القانونية المؤسِّسة لكل منهما». ويتناقض هذا النوع من الترتيب -في رأي خوان خوسيه لينتس (Juan José Linz)- مع الحالات المتصفة بالفصل العدائي بين الكنيسة والدولة، أو بتعبير أحمد كورو (Ahmet Kuru)، مع حالات العلمانية الحازمة (assertive) غير السلبية (passive). وتتسم تلك الحالات من العلمانية بعمليات علمنة تفرضها السلطات السياسية من أعلى إلى أدنى، لا تتناغم بالضرورة مع عملية التحول الديمقراطي، وقد تُسفر في بعض الحالات عن قيام أنظمة حكم سياسية تتسم بتقديس السلطات والأيديولوجيات والشعائر العلمانية، التي تعد «ديانة سياسية».

ولقد انصبت دراستنا حتى الآن على مناقشة دور الدين -بوصفه أحد صنوف النشاط الإنساني- في الممارسة السياسية والمجال العام، إلا أن العقود الأخيرة شهدت بروز نقاشات ما تزال محل اهتمام كبير، حول موقف أديان معينة من الديمقراطية، سواء كان موقفًا معاديًا أو مناصرًا. ويميل الباحثون المشاركون في تلك النقاشات -على ما بينهم من خلافات- إلى الإجماع على فكرة أن تأثير الدين في السياسة والمجتمع، ومن ثَمَّ في الديمقراطية وعمليات التحول الديمقراطي، ليس تأثيرًا أحادي المعنى، بل هو قابل للتغيير، حسب قيم كل ديانة بعينها وخصائصها الأخرى.

وتطرح المجموعة الأولى من الباحثين المتبنين لهذا الرأي فكرة «جوهرية» (essentialist) عن الأديان، فحواها أن كل ديانة تتضمن منظومة من المعتقدات والأحكام والصور الإدراكية للمجتمع، يمكن أن تكون مواتية للديمقراطية بدرجة ما، وتميل لعدم التغيير أو التطور في الزمان والمكان. وواقع الأمر، أنه بالرغم من إدراك هذه المجموعة -في بعض الحالات- أن الأديان لا يمكن أن تعتبر متجانسة تمامًا، فإنهم يرون أن كل ديانة تتسم بـ«معتقدات جوهرية» (core beliefs)، تمثل القاسم المشترك لكل نسخها، على الرغم مما بينها من اختلافات.

ويرتبون على ذلك قولهم بأن تأثير كل ديانة -إيجابيًّا كان أو سلبيًّا- على الديمقراطية في أغلب الأحوال أمرٌ محدَّد سلفًا ومحتوم. وقد تشكلت وجهة النظر هذه في أول أمرها، في صيغة أطروحة ما يسمّى بـ«الاستثنائية البروتستانتية» (Protestant exceptionalism). ووفق هذه الأطروحة، فإن الأخلاق البروتستانتية (كما وصفها فيبر في دراسته الشهيرة عن البروتستانتية وميلاد الرأسمالية)، هي أو بعض السمات الأخرى للمسيحية البروتستانتية، مرتبطة -على نحو لا انفصام له- بتطور كل من الرأسمالية الحديثة والحقوق السياسية والمدنية، التي تجعل إيجاد الديمقراطية التمثيلية في عداد الأمور الممكنة. ويقدم ستيف بروس (Steve Bruce)، على سبيل المثال، قائمة تتضمن سمات عديدة للبروتستانتية، يفترض أنها مواتية لتطوّر الديمقراطية، من قبيل حزبيتها (factionalism)، وتركيبتها المثمرة الجامعة بين الفردانية (individualism) والمجتمعية (communitarianism)، وتشجيعها للأبجدة (alphabetization) .

واعتاد المناصرون الأوائل لمقولة الاستثناء البروتستانتي، لا سيّما في الولايات المتحدة، المقارنةَ بين البروتستانتية والكاثوليكية، التي صُوِّرَت على أنها غير ملائمة للديمقراطية، بسبب ما يزعمه هؤلاء من افتقارها إلى القيم البروتستانتية سالفة الذكر، وبسبب «الولاء المزدوج» المزعوم لدى الكاثوليك: الولاء لكل من الدولة الديمقراطية وبابا روما (وهو موقف ناجم أيضًا عن التوجه الملتبس الذي اتخذته الكنيسة الكاثوليكية تجاه الديمقراطية حتى منتصف القرن العشرين). بيد أن هناك دراسات جديدة منذ النصف الثاني من القرن العشرين، تسلط الضوء على الدور الذي لعبته الكنيسة الكاثوليكية في عملية التحول الديمقراطي في دول جنوب أوروبا وأمريكا اللاتينية، مما قاد إلى بروز أطروحة ما يسمّى بـ«الاستثنائية المسيحية» (Christian exceptionalism)، التي تؤكد على أن المسيحية ككل (أو الغرب المسيحي، على الأقل) لها خصوصيتها المواتية للديمقراطية. إلا أن باحثين آخرين يشكّكون في تلك المقولة، من بينهم -على سبيل المثال- بروس الذي يسلط الضوء على ما بداخل المسيحية من اختلافات، فيما يكشف ستيبان التقاليد السلطوية والتوجه السكوني (quietist)، التي يبدو أنها مرتبطة بالأرثوذكسية الشرقية.

أدّى تشكيك كثير من الباحثين في التوافق بين الديمقراطية والإسلام، بوجه خاص، إلى طرح البعض مقولةَ «الاستثنائية الإسلامية» التي تدور حول فكرة الزعم بأن الإسلام أقل من الأديان الأخرى توافقًا مع الديمقراطية.

ومن جهة أخرى، تعتبر البوذية أيضًا ديانة من الديانات غير المسيحية التي تُوصَم عادة بـ«السكونية» (مع أن الباحثين المحللين لما تسمى بالحركات «البوذية المشاركة» (engaged Buddhism) في جنوب شرق آسيا، على استعداد لتحدي تلك المقولة)، بينما يشير آخرون إلى إمكانية أن يكون استقرار الديمقراطية الهندية مرتبطًا بالتقاليد الدينية الهندوسية (وتعدديتها، المشابهة إلى حد ما لنظيرتها البروتستانتية، مع مراعاة مقتضيات اختلاف الحال). وأما الأديان الأخرى، فإن كثيرًا من الباحثين يرون أنها غير مواتية للديمقراطية. وذاك هو الوضع بالنسبة للكونفوشيوسية، وبالنسبة للإسلام، على وجه الخصوص، وهو الذي استأثر بقدر كبير من النقاش الراهن حول الدين والديمقراطية. وقد أدّى تشكيك كثير من الباحثين في التوافق بين الديمقراطية والإسلام، بوجه خاص، إلى طرح البعض مقولةَ «الاستثنائية الإسلامية» (Muslim exceptionalism) التي تدور حول فكرة الزعم بأن الإسلام أقل من الأديان الأخرى توافقًا مع الديمقراطية. وبالنظر لخصوصية ومدى الجدل الدائر حول العلاقة بين الإسلام والديمقراطية، فسوف نخصه بمراجعة شاملة في الفصل التاسع.

وعلى العكس من مؤلفات المفكرين القائلين بأن لكل دين جوهر لا يتغير (essentialists)، فإن إمكانية تغير الأديان هي مدار منظومة أخرى من المقارَبات المنهجية، بافتراض أن موقف التقاليد الدينية تجاه السياسة ليس ثابتًا، بل يتأثر بالمسارات التاريخية وبالسياقات الاجتماعية، ومن ثَمَّ من الوارد أن تتغير تلك التقاليد عبر الزمان والمكان. ويرتكز هذا التصور النظري بالأساس على مفهوم تعدد المشارب في الديانة الواحدة، مما يوجب علينا -بتعبير ستيبان- «تَوخّي الحذر من افتراض أن أي عقيدة دينية تكون مناصرة للديمقراطية أو مناهضة لها بشكل مطلَق». ومن هذا المنظور «غدت فكرةُ أن الاعتقاد الديني يمكن أن يمثل أمام نوع معين من السياسة، وهو الديمقراطية، عقبة يستحيل تخطيها، فكرةً غيرَ مسلَّم بها، على أساس أن كافة الأديان تحتاج إلى تفسير لتحديد معناها في سياقات معينة. وبهذا المنطق، فالمعتقد الديني مشروط سياسيًّا واجتماعيًّا، لا يُحدِّد، ولا يستطيع أن يُقرر أو يصف، نوعًا معينًا من السياسية».

وتؤيّد أيضًا بيبا نوريس (Pippa Norris) ورونالد إنغلهارت (Ronald Inglehart)، وجهة النظر هذه، الناقدة لكل من المقارَبات الجوهرية والتفسيرات الحرفية للأديان، القائمة على قراءة كتبها المقدسة، وليس على تجلياتها السياسية؛ حيث يقرران أن العديد من الدراسات عن العالم الإسلامي «تحمل اعتراضًا على فكرة وجود ثقافة إسلامية واحدة، وتُشير إلى وجود خلافات كائنة بالفعل بين المسلمين، وتباينات جوهرية بين مليار مسلم يعيشون في دول إسلامية متنوعة […]، فمنهم الراديكالي والمعتدل، ومنهم التقليدي والحداثي، ومنهم المحافظ والليبرالي، ومنهم المتشدد والمعتدل».

3

إن فهم طبيعة عمل «تعدد المشارب»، وكيف لها أن تصبح أساسًا للعلاقة بين الدين والسياسة في سياق بعينه، يثبت أيضًا مدى نجاعة مفهوم «اللاهوت السياسي» (political theology)، الذي بلوره فيلبوت وعرَّفه بأنه «منظومة الأفكار التي تتبنّاها جهة دينية ما حول السلطة السياسية الشرعية». فهذا المفهوم يؤكد أولًا على فكرة إمكانية وجود تفسيرات متعددة للقانون الديني، حيث إن «أتباع دين ما قد يلتقون على بعض مبادئ اللاهوت السياسي»، بينما «تلتقي فصائل أو جماعات معينة منهم على طائفة أخرى من مبادئه». وإضافة إلى ذلك، فاللاهوتات السياسية قد تتغير وتتطور، حيث إنها لا تتأثر «بالتعاليم القديمة التكوينية وحسب، بل بالتطور التاريخي، وبظروف الزمان والمكان»، وبنشاط المفكرين والمنظّرين الأيديولوجين، حتى من العهود الماضية.

وبينما يعود التبني الراهن لمقولة إمكانية تغير تقليد ديني ما غالبًا، إلى الرغبة في الدفاع عن الإسلام في مواجهة أطروحة «الاستثنائية الإسلامية»، يبدو أن هذه المقولة باتت محل قبول حتى لدى بعض المفكرين القائلين بأن لكل دين جوهر لا يتغير، وذلك حين يتعلق الأمر بالمسيحية. وهذا هو الحال بالنسبة إلى صمويل هنتنغتون (Samuel Huntington)؛ الذي يرى في كتابه «صدام الحضارات وإعادة صياغة النظام العالمي» (The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order)، على ما يبدو، أن تقاليد كل دين هي معطًى ثابت، وهي إما أن تكون مواتية للديمقراطية أو غير مواتية لها، على نحو لا محيد عنه. إلا أنه في كتابه «الموجة الثالثة» (The Third Wave) يبدو أكثر انفتاحًا على إمكانية حدوث تغير داخل التقاليد الدينية، على الأقل إذا نظرنا في تقييمه لدور الكنيسة الكاثوليكية في عملية التحول الديمقراطي في جنوب أوروبا وأمريكا اللاتينية، بالرغم من مواقف الفاتيكان السابقة المناهضة للديمقراطية .

وبالرغم من أن النقاشات السابقة المتعلقة بمسألة التوافق بين الأديان والديمقراطية ما تزال نقاشات نظرية إلى حد كبير، ينحو الجدل الراهن في المقابل، صوب الاتصاف بالطابع العملي بدرجة أكبر فيما يتعلق بالأحزاب الدينية التوجه، وبفرصة قبولهم أو عدم قبولهم على أنهم أطراف شرعية في اللعبة الديمقراطية. وهذا النقاش على وجه التحديد هو مدار البحث في المحور التالي (وسيكون أيضًا النقطة البحثية المحورية في الفصل التاسع فيما يخص الإسلام).

الدين والسياسة الحزبية

لم تكن دراسة دور الدين في الأحزاب السياسية والسياسة الحزبية استثناءً من السياق السابق وصفه، والمُستلهَم من معطييْن، هما: أطروحة العلمنة، والارتياب الواسع النطاق في الفاعلين ذوي التوجه الديني. ونتيجة لذلك، تقاعس علماء السياسة عن الانخراط في تحليل مقارن معمق للدور الذي يلعبه أولئك الفاعلون عامة، ولدور الأحزاب الدينية التوجه بالأخصّ، في عمليات التحول الديمقراطي. ولم يسد تلك الفجوة جزئيًّا إلا بعض الدراسات الحديثة .

علاوة على ذلك، فإن الأحزاب ذات الهوية الدينية صمدت في مواجهة وصمة التشويه السلبي لها. وكما سلفت الإشارة في مقدمة هذه الدراسة، فإن نانسي روزنبلوم (Nancy Rosenblum) أعادت التذكرة بوجهة النظر هذه بشكل فعال، بقولها إن الأحزاب الدينية لم ينظر إليها غالبًا على أنها أحزاب حقيقية، بل اعتُبِرَ أنها «انتهازية وغير مخلصة للديمقراطية الانتخابية […]، وتتسم بكونها أيديولوجية بلا هوادة، ومتشددة بلا متسع للحلول الوسط، ومتطرفة»، فضلًا عن كونها معادية للحداثة، وسلطوية داخليًّا وخارجيًّا. وهي تعتبر سلبية بالنسبة للتحول الديمقراطي، على وجه الخصوص، بسبب ما يُزعَم من أن «رؤيتها الطائفية» تحبِّذ عدم الاستقرار السياسي. وبتعبير آخر، فإن «السياسة التي ترتكز على المقدَّس يُنظر إليها عادة، على أنها مناقضة للديمقراطية الليبرالية». وقد عانت الأحزاب السياسية الكاثوليكية من وصمة التشويه هذه بالفعل فيما بين أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، حينما جرى التشكيك في مؤهلاتها الديمقراطية، بدعوى عدم التناغم بين مشاركتها في الديمقراطية وولائها للفاتيكان. وخضعت تلك الرؤية -كما أسلفنا القول- للمراجعة، بعد قيام الدليل على وجوب ذلك، في ضوء الدور الذي لعبته الأحزاب المسيحية الديمقراطية في عملية التحول الديمقراطي في أوروبا الغربية وفي أمريكا اللاتينية.

وعلى النقيض من ذلك، فإن هذا الإحساس بالريبة قد بلغ ذروته الآن بالنسبة للأحزاب الإسلامية، التي ينظر إليها كثيرون على أنها أحزاب معادية للنظام، وخطرة على الاستقرار الديمقراطي وعلى الحقوق المدنية (خاصة فيما يتعلق بحقوق المرأة والأقليات الدينية). ويؤدي هذا التصور عادة (كما سنبيِّن في الفصل التاسع من هذا الكتاب)، إلى ظاهرة إقصاء الأحزاب الإسلامية من كثير من النظم السياسية، وإلى اضطهاد المتشددين الإسلاميين، بوتيرة ليست نادرة، بسبب أفكارهم لا أكثر. وقد وصفت جيليان شويدلر (Jillian Schwedler) هذه الظاهرة بأنّها «مفارقة» مشاركة الإسلاميين في الانتخابات، مع تبرير ظاهرة الإقصاء، بل حتى وضع قيود على الديمقراطية بذريعة «الخوف من احتمال أن تأتي الانتخابات الديمقراطية إلى سدة الحكم بنظام معاد للديمقراطية». وتلاحظ شويدلر أنه مع ذلك ليس هناك دليل إمبيريقي على أن ثمة أحزاب دينية فازت في انتخابات ديمقراطية، ثم أقامت نظام حكم غير ديمقراطي، بل هناك -على العكس- حالات كثيرة لتخريب قوى علمانية للديمقراطية، مع كون هدفها الرسمي المعلن هو حماية علمانية الدولة وحقوق المواطنين.

ويبدو أنه قد تبلورت وجهتَا نظر بخصوص هذه القضية. فمن جهة، ينظر بعض العلمانيين بعين الريبة للأحزاب ذات التوجه الديني كافة، حتى لو كانت معتدلة، بدعوى أنها ربما تخفي «أجندة خفية» ترمي إلى إقامة نظام حكم ثيوقراطي، بينما تتظاهر باحترام القيم الديمقراطية. في المقابل، واستنادًا إلى فكرة «تعدد المشارب في الديانة الواحدة»، هناك فريق آخر من العلماء على قناعة بإمكانية وجود أحزاب معتدلة دينية التوجه، بل حتى الأحزاب الراديكالية يمكن أن تدخل في عملية تحول تقودها إلى الاعتدال، وتصبح لاعبًا شرعيًّا في السياسة الديمقراطية. ومنبع هذه الفكرة هو الأدبيات التي تتناول عملية اعتدال الأحزاب الشيوعية (communist) في أوروبا الغربية، وتحوُّلها إلى أحزاب ديمقراطية اجتماعية (social-democratic). وتوحي هذه الفكرة -وفقًا للتصنيف الذي نتبناه في هذا الكتاب للأحزاب الدينية التوجه، ونصفه في الفصل الثالث- بحدوث تطور من نمط الحزب «الأصولي» إلى نمط الحزب «المحافظ». وتوجد حاليًا عدة دراسات تستخدم هذا الإطار المنهجي في تحليل الأحزاب الديمقراطية المسيحية، ودورها في عملية التحول الديمقراطي في أوروبا الغربية، فضلًا عن عدد يسير من المحاولات البحثية المهمة الرامية إلى المقارنة بين أحزاب تستلهم فكرها من تقاليد دينية مختلفة. ومع ذلك، فإن معظم الدراسات الحديثة في هذا الموضوع تتمحور حول الأحزاب الإسلامية.

بتعبير شويدلر، يمكن تعريف «عملية الاعتدال» (moderation) بأنها «عملية تغيير يمكن وصفها بأنها حركة على مسار متدرِّج من الراديكالية إلى الاعتدال، تكافئ الزيادةُ في الاعتدال مقدارَ التحرك عليه في الاتجاه المضاد للممارسات الأكثر إقصائية (من تلك النوعية التي ترى أن كافة المنظورات البديلة غير شرعية، وخطيرة بالتبعية)». وهنا يرد السؤال: كيف يمكن تفعيل هذا المفهوم؟ ترى غونَش مراد توزغر أن بالإمكان تفكيك هذا المفهوم إلى بُعدَين مختلفين:

الاعتدال الأيديولوجي، ويمكن تعريفه بأنه عملية يتبنى عبرها الفاعلون السياسيون أفكارًا لا تتعارض مع مبادئ السيادة الشعبية، والتعددية السياسية، وتقييد سلطة الدولة التعسفية. ويقتضي ذلك في معظم الأحوال توسيعًا مستمرًا لحدود العمل السياسي المتناغم والمبرَّر داخليًّا. أما الاعتدال السلوكي، وهو متعلّق بتكييف استراتيجيات انتخابية تصالُحية وغير صدامية، تسعى إلى تسوية تساوُمية وسلمية للمنازعات، وذلك على حساب الاستراتيجيات غير الانتخابية التحريضية والصدامية، التي قد لا تكون عنيفة بالضرورة، ولكن قد تتضمن أفعالًا مثيرة للجدل.

ومن الممكن «قياس» هذه الأبعاد -بتعبير إمبيريقي- عبر عدة مؤشرات، منها قبول دولة مدنية لا دينية، وقبول القيم والإجراءات الديمقراطية، وقبول مجتمع ونظام سياسي تعدديَّين، والتعاون مع الأحزاب العلمانية، وقبول المفاهيم العالمية لحقوق الإنسان والمساواة، والتخلّي عن النماذج المعرفية للعلاقات الدولية القائمة على الصراع الحضاري، وقبول اقتصاد السوق الحر. وبالطبع، ليس ثمة اتفاق بين الباحثين حول المحتوى الدقيق لهذه القائمة من المؤشرات، التي قد يشير بعضها إلى التغريب، والقبول غير النقدي لنظام عالمي يقوم على الرأسمالية والهيمنة الغربية، لا على الاعتدال. وعلاوة على ذلك، سنجد أن مفهوم الاعتدال نفسه يعاني من العديد من أوجه القصور، إذا وضعنا في الاعتبار -بتعبير مانفرد بروكر (Manfred Brocker) ومرجام كونكلر (Mirjam Künkler)- أن «الاعتدال قد يتباين -بالطبع- من قضية لأخرى»، وأنه «ليس بلا رجعة»، وأنه «ليس تصنيفًا، بل هو عملية» خاصة بـ«تغيير ينبغي فهمها على أنها حركة على مسار متدرِّج من الراديكالية إلى الاعتدال». وفضلًا عن ذلك، فإن الأحزاب ليست «فاعلًا وحدويًّا»؛ بل تتضمن، في الغالب، فصائل متباينة المواقف، وقد تكشف عن وجود فوارق مهمة بين المركز والهامش و/أو بين نخبة الحزب والمتشددين في قاعدته الجماهيرية.

ثم إنه لا يكاد يكون هناك اتفاق بين الباحثين حول العوامل التي تقود حزبًا ما إلى الاعتدال. ومع ذلك، فبحوزتنا مجموعة معتبرة من الإسهامات العلمية التي تدور حول فرضية ما يسمى «الاعتدال عبر الإدماج»، التي «تؤكد على الطرائق التي تقدِّم من خلالها المؤسسات والفرص السياسية محفزاتٍ لجماعات كانت مستبعَدة في السابق، للدخول في النظام والتخلي عن التكتيكات الأكثر راديكالية، و‹اللعب وفق القواعد›». وطبقًا لهذه الفرضية، تجنح الأحزاب المدمجة في السياسة الانتخابية الديمقراطية إلى الاعتدال، «لكي تغدو قادرة على المنافسة في بيئة تعددية، حيث يتعين عليها تصميم قواعد مشتركة، وحيث تحتم عليها القيود المفروضة على المشاركة أن تُراجِع مواقفها الأيديولوجية الصارمة، من أجل تحقيق بعض أهدافها السياسية، على أقل تقدير» .

مصدر الاعتدال قد يكون هو التعلُّم الاجتماعي، وليس القيود والحوافز من داخل البيئة نفسها. فعامل الاعتدال الحقيقي في هذا المنظور، هو التفاعلات والتنشئة الاجتماعية مع الفاعلين الآخرين، بشكل مستوحى من مختلف الأيديولوجيات.

وبالرغم من الرواج الكبير لفرضية «الاعتدال عبر الإدماج»، فإنها محل انتقادات جوهرية، تسري على بعض حالات الدراسة المتضمنة في هذا الكتاب، مثل الهند وتركيا وتونس. وأول تلك الانتقادات هو قول بعض الباحثين إن المحفزات الحيوية للسير في اتجاه الاعتدال، لا يلزم بالضرورة أن يكون مصدرها هو المشاركة الديمقراطية، بل يمكن أن تكون ثمرة تفاعل استراتيجي مع المؤسسة العلمانية والجيش «يفرض» الاعتدال على الأحزاب الدينية. وترى طائفة أخرى من الباحثين أن مصدر الاعتدال قد يكون هو التعلُّم الاجتماعي، وليس القيود والحوافز من داخل البيئة نفسها. فعامل الاعتدال الحقيقي في هذا المنظور، هو التفاعلات والتنشئة الاجتماعية مع الفاعلين الآخرين، بشكل مستوحى من مختلف الأيديولوجيات. وترى دراسات أخرى أن عوامل تنشأ داخل الأحزاب ذاتها، تتعلق بروح الوسطية وتصوّرها للمصلحة الذاتية، وبديناميات النقاش داخل الحزب، يمكن أن تقود إلى اعتدال أيديولوجي، لا في مواقف الإدماج وحسب، بل حتى في مواقف الإقصاء. وعلاوة على ذلك، فإن الديناميات الداخلية للأحزاب والحركات الاجتماعية ترتبط بالدور الذي تلعبه العلاقات بينها في تحقيق الاعتدال.

فتلك العلاقات عنصر قد يقوم الدليل على أهميته الحيوية في الأحزاب الدينية التوجه، بالنظر إلى «العلاقة الترابطية» (associational nexus) بينها وبين المنظمات والحركات الدينية، التي سلطت روزنبلوم الضوء عليها بوصفها سمة متواترة للأحزاب الدينية. وفي هذه الحالة، تتجلى في الغالب أهمية عملية تحقيق الاستقلال الذاتي للحزب عن الحركات الاجتماعية. وإذا لم يحدث ذلك، فإن علاقة الحزب مع الحركات الاجتماعية يمكن أن تسفر إمّا عن الدفع به باتجاه التحول الديمقراطي، أو الدفع به إلى نقيض ذلك، لقيامها بدور العامل المرسخ للأيديولوجيات غير المتسامحة وممارسات العنف، وذلك يتوقف على طبيعة الحركة وأيديولوجيتها. وسلطت تلك الأدبيات أيضًا، وبوجه عام، الضوءَ على أهمية ما ينتج عن التغيرات في القاعدة الاجتماعية للحزب وفي وضعيته الاجتماعية-الاقتصادية وفي توجهه من تأثير [في مَيل الحزب نحو الاعتدال]، خاصة فيما يتعلق بالدور الإيجابي الذي يلعبه ظهور «طبقة برجوازية ورِعة» (pious bourgeoisie) داخل المجموعات الاجتماعية المناصرة للحزب .

وبالطبع فإن الاعتدال ليس هو المسار الوحيد للتغيير بالنسبة لأي حزب سياسي. فمن مقتضى وضع عامل الاعتدال في الحسبان أن يكون هناك اعتبارٌ أيضًا للمفهوم المقابل له، أي «التثوير الجذري» (radicalization)؛ وهو مفهوم إشكالي، ربما بدرجة تفوق مفهوم الاعتدال، بسبب ترويج الإعلام لاستخدامه فيما يتصل بالتطرف والإرهاب الإسلامي. علاوة على ذلك، فقد طرح الباحثون تعريفات مختلفة للغاية لهذا المفهوم، الذي قد يكون مطلقًا وقد يكون نسبيًّا، مما يُثير علامات استفهام في حقول مختلفة، سواء في السياسة الداخلية (بالنسبة للمقاربات المستوحاة من اعتبارات أمنية، في مقابل المقارَبات التي تركز على الاندماج) أو في الشؤون الخارجية( ).

ونعني بالتثوير الجذري في تحليلنا له عند تطبيقه على الأحزاب الدينية التوجه -كما هو وارد في التصنيف المطروح في الفصل الثالث من هذا الكتاب- تحوُّلَ حزب سياسي ما من نمط الحزب المحافظ أو الحزب التقدمي أو حزب المعسكر (وهي الأنماط التي يجمع بينها التوجه الديمقراطي غير الصدامي) إلى النمط الأصولي أو النمط القومي (الذي يتسم بالميل إلى الصراع أو -في أحسن الظروف- بغموض موقفه من الديمقراطية). وهذا يعني أيضًا وجود مساريْن مختلفيْن للتثوير (ومن ثَمَّ وجود اتجاهيْن نحو الاعتدال). وكما سيتضح بشكل أكبر في الفصليْن الثاني والثالث، فإنه بينما يقتضي مفهوم «التثوير الجذري» ضمنيًّا تعميق الانقسام الديني-العلماني، يدور «الاعتدال» حول تعميق الانقسامات العرقية-الدينية الكائنة بالفعل (في المجتمعات المنقسمة تقليديًّا)، أو الانقسام الجديد بين التيارَين المجتمعي-التقليدي والتحرري-العالمي (في المجتمعات المتقدمة، بتأثير عمليات العولمة والهجرة).

وكما سنبين لاحقًا، فإن هذه العملية الأخيرة تتضمن أيضًا تبنّي بعض سمات النمط «القومي» (لا سيّما تقديس الأرض والقومية والتمحور حول النظر إلى الجماعات العرقية-الدينية الأخرى على أنها عدو) من جانب حزب ديني التوجه، كان تركيزه الأساسي في السابق هو الانقسام الديني-العلماني. وأخيرًا، فإنه بالنظر إلى أنماط الأنظمة الحزبية، وليس إلى كل حزب وكل ائتلاف حزبي على حدة، فإن كلا نمطي التثوير الجذري يولد ظاهرة الاستقطاب بالنسبة للأنظمة الحزبية والسياسية، وهي ظاهرة نُعرِّفها هنا بأنها «عملية يتجمع عبرها الأفراد حول مواقف متنافرة، بينما يتناقص عدد من يتبنون مواقف تصالحية فيما بينهم».


المراجع

- Aldridge, Alan. Religion in the Contemporary World: A Sociological Introduction. Cambridge; Malden, MA: Polity, 2000.

- Almond, Gabriel A., Emmanuel Sivan, and R. Scott Appleby. “Fundamentalism: Genus and Species.” In Fundamentalisms Comprehended, edited by Martin E. Marty and R. Scott Appleby, 399–424. Chicago: University of Chicago Press, 1995.

- Anderson, John. “Does God Matter, and If So Whose God? Religion and Democratization.” In Routledge Handbook of Religion and Politics, edited by Jeffrey Haynes, 192–210. Abingdon: Routledge, 2009.

- Asad, Talal. Formations of the Secular: Christianity, Islam, Modernity. Stanford, CA: Stanford University Press, 2003.

- Bardon, Aurélia, Kristina Stoeckl, Maria Birnbaum, and Lois Lee, eds. Religious Pluralism: A Resource Book. Florence: European University Institute, 2015.

- Bashirov, Galib, and Caroline Lancaster. “End of Moderation: The Radicalization of AKP in Turkey.” Democratization 25, no. 7 (2018): 1210–30.

- Berger, Peter, Grace Davie, and Effie Fokas. Religious America, Secular Europe? A Theme and Variation. Aldershot, UK; Burlington, VT: Ashgate Publishing Co., 2008.

- Berger, Peter L. The Sacred Canopy: Elements of a Sociological Theory of Religion. New York: Doubleday, 1967.

- Berman, Sheri. “Taming Extremist Parties: Lessons from Europe.” Journal of Democracy 19, no. 1 (2008): 5–18.

- Boix, Carles, and Susan Carol Stokes. “Endogenous Democratization.” World Politics 55, no. 4 (2003): 517–49.

- Brocker, Manfred, and Mirjam Künkler. “Religious Parties Revisiting the Inclusion-Moderation Hypothesis—Introduction.” Party Politics 19, no. 2 (2013): 171–86.

- Bromley, Simon. “Islamic Exceptionalism—Myth or Reality?” In Democratisation, edited by David Potter, David Goldblatt, Margaret Kiloh, and Paul Lewis, 321–44. London: Wiley-Blackwell, 1997.

- Bruce, Steve. “Did Protestantism Create Democracy?” Democratization 11, no. 4 (2004): 3–20.

- Burchardt, Marian, Monika Wohlrab-Sahr, and Matthias Middell. Multiple Secularities beyond the West: Religion and Modernity in the Global Age. Boston; Berlin; Munich: Walter de Gruyter, 2015.

- Casanova, José. Public Religions in the Modern World. Chicago: University of Chicago Press, 1994.

- Cavatorta, Francesco. “Civil Society, Islamism and Democratisation: The Case of Morocco.” The Journal of Modern African Studies 44, no. 2 (2006): 203–22.

- Cavatorta, Francesco, and Fabio Merone. “Moderation through Exclusion? The Journey of the Tunisian Ennahda from Fundamentalist to Conservative Party.” Democratization 20, no. 5 (2013): 857–75.

- Clark, Janine A. “The Conditions of Islamist Moderation: Unpacking Cross-Ideological Cooperation in Jordan.” International Journal of Middle East Studies 38, no. 4 (2006): 539–60.

- Comte, Auguste. Cours de Philosophie Positive. Paris: J. B. Ballière et fils, 1864.

- Dahl, Robert A. Polyarchy: Participation and Opposition. New Haven, CT: Yale University Press, 1972.

- Davie, Grace. Religion in Britain since 1945: Believing without Belonging. Oxford; Cambridge, MA: John Wiley & Sons, 1994.

- Dobbelaere, Karel. “Trend Report: Secularization: A Multi-Dimensional Concept.” Current Sociology 29, no. 2 (2016).

- Durkheim, Émile. The Elementary Forms of Religious Life. Oxford: Oxford University Press, 2001.

- Eisenstadt, S. N. “Multiple Modernities.” Daedalus 129, no. 1 (2000): 1–29.

- Ferrara, Alessandro. “The Separation of Religion and Politics in a Post-Secular Society.” Philosophy & Social Criticism, January 1, 2009.

- Fox, Jonathan. Political Secularism, Religion, and the State: A Time Series Analysis of Worldwide Data. New York: Cambridge University Press, 2015.

- “Religion as an Overlooked Element of International Relations.” International Studies Review 3, no. 3 (2001): 53–73.

- Fox, Jonathan, and Shmuel Sandler. Bringing Religion into International Relations. New York: Palgrave Macmillan, 2006.

- Freud, Sigmund. The Future of an Illusion. New York: W. W. Norton & Company, 1961.

- Frisch, Hillel, and Menachem Hofnung. “Power or Justice? Rule and Law in the Palestinian Authority.” Journal of Peace Research 44, no. 3 (2007): 331–48.

- Fukuyama, Francis. “Confucianism and Democracy.” Journal of Democracy 6, no. 2 (1995): 20–33.

- Gentile, Emilio. “Political Religion: A Concept and Its Critics—A Critical Survey.” Totalitarian Movements and Political Religions 6, no. 1 (2005): 19–32.

- Gill, Anthony James. Rendering unto Caesar: The Catholic Church and the State in Latin America. Chicago: University of Chicago Press, 1998.

- Habermas, Jürgen. Between Naturalism and Religion: Philosophical Essays. Cambridge: Polity, 2008.

- Hale, William. “Christian Democracy and the AKP: Parallels and Contrasts.” Turkish Studies 6, no. 2 (2005): 293–310.

- Hale, William, and Ergun Ozbudun. Islamism, Democracy and Liberalism in Turkey: The Case of the AKP. Abingdon: Routledge, 2009.

- Hamid, Shadi. Temptations of Power: Islamists and Illiberal Democracy in a New Middle East. Oxford; New York: Oxford University Press USA, 2014.

- Harris, Ian. Buddhism and Politics in Twentieth-Century Asia. London; New York: A&C Black, 1999.

- Haynes, Jeffrey. “Religion, Secularisation and Politics: A Postmodern Conspectus.” Third World Quarterly 18, no. 4 (1997): 709–28.

- The Routledge Handbook to Religion and Political Parties. Abingdon: Routledge, 2019.

- Huntington, Samuel P. The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order. New York: Simon & Schuster, 1997.

- The Third Wave: Democratization in the Late Twentieth Century. Norman: University of Oklahoma Press, 1991.

- Ishiyama, John T. “Communist Parties in Transition: Structures, Leaders, and Processes of Democratization in Eastern Europe.” Comparative Politics 27, no. 2 (1995): 147–66.

- Jaffrelot, Christophe. “Refining the Moderation Thesis. Two Religious Parties and Indian Democracy: The Jana Sangh and the BJP between Hindutva Radicalism and Coalition Politics.” Democratization 20, no. 5 (2013): 876–94.

- Kalyvas, Stathis N. “Commitment Problems in Emerging Democracies: The Case of Religious Parties.” Comparative Politics 32, no. 4 (2000): 379–98.

- The Rise of Christian Democracy in Europe. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1996.

- Karakaya, Suveyda, and A. Kadir Yildirim. “Islamist Moderation in Perspective: Comparative Analysis of the Moderation of Islamist and Western Communist Parties.” Democratization 20, no. 7 (2013): 1322–49.

- Kepel, Gilles. La Revanche de Dieu: Chrétiens, juifs et musulmans à la reconquête du monde. Paris: Seuil, 1991.

- Kirdiş, Esen. “Wolves in Sheep Clothing or Victims of Times? Discussing the Immoderation of Incumbent Islamic Parties in Turkey, Egypt, Morocco, and Tunisia.” Democratization 25, no. 5 (2018): 901–18.

- Künkler, Mirjam, and Julia Leininger. “The Multi-Faceted Role of Religious Actors in Democratization Processes: Empirical Evidence from Five Young Democracies.” Democratization 16, no. 6 (2009): 1058–92.

- Kuru, Ahmet T. “Passive and Assertive Secularism: Historical Conditions, Ideological Struggles, and State Policies toward Religion.” World Politics 59, no. 4 (2007): 568–94.

- Lawrence, Bruce B. Defenders of God: The Fundamentalist Revolt against the Modern Age. London: Taurus, 1989.

- Linz, Juan J. “The Religious Use of Politics and/or the Political Use of Religion: Ersatz Ideology versus Ersatz Religion.” In Totalitarianism and Political Religions, Volume 1: Concepts for the Comparison of Dictatorships, edited by Hans Maier, 107–25. Abingdon: Routledge, 2004.

- Lipset, Seymour Martin. Political Man. The Social Bases of Politics. Garden City, NY: Doubleday & Co., 1960.

- Luckmann, Thomas. The Invisible Religion: The Problem of Religion in Modern Society. New York: Macmillan Publishing Company, 1967.

- Luna, Juan Pablo, Felipe Monestier, and Fernando Rosenblatt. “Religious Parties in Chile: The Christian Democratic Party and the Independent Democratic Union.” Democratization 20, no. 5 (2013): 917–38.

- Madeley, John. “A Framework for the Comparative Analysis of Church–State Relations in Europe.” West European Politics 26, no. 1 (2003): 23–50.

- Mainwaring, Scott P. Christian Democracy in Latin America: Electoral Competition and Regime Conflicts. Stanford, CA: Stanford University Press, 2003.

- Martin, David. A General Theory of Secularization. New York: Harper & Row, 1978.

- Marx, Karl. Critique of Hegel’s “Philosophy of Right.” Cambridge: Cambridge University Press, 1977.

- Minkenberg, Michael. “Democracy and Religion: Theoretical and Empirical Observations on the Relationship between Christianity, Islam and Liberal Democracy.” Journal of Ethnic and Migration Studies 33, no. 6 (2007): 887–909.

- Moore, Barrington. Social Origins of Dictatorship and Democracy: Lord and Peasant in the Making of the Modern World. Boston, MA: Beacon Press, 1966.

- Mouffe, Chantal. Agonistics: Thinking the World Politically. London; New York: Verso, 2013.

- On the Political. London; New York: Routledge, 2005.

- Nasr, Vali. “The Rise of ‘Muslim Democracy.’” Journal of Democracy 16, no. 2 (2005): 13–27.

- Neumann, Peter R. “The Trouble with Radicalization.” International Affairs 89, no. 4 (2013): 873–93.

- Norris, Pippa, and Ronald Inglehart. Sacred and Secular: Religion and Politics Worldwide. New York: Cambridge University Press, 2004.

- Öztürk, Ahmet Erdi. “An Alternative Reading of Religion and Authoritarianism: The New Logic between Religion and State in the AKP’s New Turkey.” Southeast European and Black Sea Studies 19, no. 1 (2019): 79–98.

- Ozzano, Luca. “A Political Science Perspective on Religious Fundamentalism.” Totalitarian Movements and Political Religions 10 (2009): 339–59.

- Fondamentalismo e democrazia. La destra religiosa alla conquista della sfera pubblica in India, Israele e Turchia. Bologna: Il Mulino, 2009.

- “Introduction: Religion, Democracy and Civil Liberties.” European Political Science 12, no. 2 (2013): 147–53.

- Ozzano, Luca, and Francesco Cavatorta, eds. Religiously Oriented Parties and Democratization. Abingdon; New York: Routledge, 2014.

- Ozzano, Luca, and Alberta Giorgi. European Culture Wars and the Italian Case: Which Side Are You On? London: Routledge, 2016.

- Philpott, Daniel. “Explaining the Political Ambivalence of Religion.” American Political Science Review 101, no. 3 (2007): 505–25.

- Portier, Philippe. “Religion and Democracy in the Thought of Jürgen Habermas.” Society 48, no. 5 (2011): 424–43.

- Przeworski, Adam, Michael E. Alvarez, Jose Antonio Cheibub, and Fernando Limongi. Democracy and Development: Political Institutions and Well-Being in the World, 1950–1990. Cambridge: Cambridge University Press, 2000.

- Rawls, John. “The Idea of Public Reason Revisited.” The University of Chicago Law Review 64, no. 3 (1997): 765–807.

- Rokkan, Stein. Citizens, Elections, Parties: Approaches to the Comparative Study of the Processes of Development. Oslo: Universitetsforlaget, 1970.

- Rosenblum, Nancy L. “Religious Parties, Religious Political Identity, and the Cold Shoulder of Liberal Democratic Thought.” Ethical Theory and Moral Practice 6, no. 1 (2003): 23–53.

- Rustow, Dankwart A. “Transitions to Democracy: Toward a Dynamic Model.” Comparative Politics 2, no. 3 (1970): 337–63.

- Sartori, Giovanni. Parties and Party Systems: A Framework for Analysis. Cambridge: Cambridge University Press, 1976.

- Schmitt, Carl. Political Theology: Four Chapters on the Concept of Sovereignty. Chicago: University of Chicago Press, 2006.

- Schwedler, Jillian. “A Paradox of Democracy? Islamist Participation in Elections.” Middle East Report, no. 209 (1998): 25–29+41.

- “Can Islamists Become Moderates? Rethinking the Inclusion-Moderation Hypothesis.” World Politics 63, no. 2 (2011): 347–76.

- Faith in Moderation: Islamist Parties in Jordan And Yemen. Cambridge: Cambridge University Press, 2006.

- “Islamists in Power? Inclusion, Moderation, and the Arab Uprisings.” Middle East Development Journal 5, no. 1 (2013): 1350006-1–1350006-18.

- Sedgwick, Mark. “The Concept of Radicalization as a Source of Confusion.” Terrorism and Political Violence 22, no. 4 (2010): 479–94.

- Stepan, Alfred C. “Religion, Democracy, and the ‘Twin Tolerations.’” Journal of Democracy 11, no. 4 (2000): 37–57.

- Tepe, Sultan. Beyond Sacred and Secular: Politics of Religion in Israel and Turkey. Stanford, CA: Stanford University Press, 2008.

- “Moderation of Religious Parties: Electoral Constraints, Ideological Commitments, and the Democratic Capacities of Religious Parties in Israel and Turkey.” Political Research Quarterly 65, no. 3 (2012): 467–85.

- “The Perils of Polarization and Religious Parties: The Democratic Challenges of Political Fragmentation in Israel and Turkey.” Democratization 20, no. 5 (2013): 831–56.

- Tezcür, Güneş Murat. Muslim Reformers in Iran and Turkey: The Paradox of Moderation. Austin: University of Texas Press, 2010.

- Toft, Monica Duffy, Daniel Philpott, and Timothy Samuel Shah. God’s Century: Resurgent Religion and Global Politics. New York: W. W. Norton & Company, 2011.

- Warner, Carolyn M. “Christian Democracy in Italy: An Alternative Path to Religious Party Moderation.” Party Politics 19, no. 2 (2013): 256–76.

- Weber, Max. The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalism. New York: Scribner, 1958.

- The Vocation Lectures: Science as a Vocation, Politics as a Vocation. Indianapolis, IN: Hackett Publishing Company, Inc., 2004.

- Wegner, Eva, and Miquel Pellicer. “Islamist Moderation without Democratization: The Coming of Age of the Moroccan Party of Justice and Development?” Democratization 16, no. 1 (2009): 157–75.

- Wickham, Carrie Rosefsky. “The Path to Moderation: Strategy and Learning in the Formation of Egypt’s Wasat Party.” Comparative Politics 36, no. 2 (2004): 205.

- Wilson, Bryan R. Religion in Secular Society. London: C. A. Watts, 1966.

- Yavuz, M. Hakan. The Emergence of a New Turkey: Democracy and the AK Parti. Salt Lake City: University of Utah Press, 2006.

- Yilmaz, Ihsan. “Muslim Democrats in Turkey and Egypt: Participatory Politics as a Catalyst.” Inside Turkey 11, no. 2 (2009): 93–112.