عندما تغدو العلمانيَّة قناعًا لليمين المتطرّف
ترأَّست مارين لوبين (Marine Le Pen)، بتاريخ 10 سبتمبر/أيلول 2010، اجتماعًا عموميًّا بمدينة ليون (Lyon)، ألقت خلاله كلمة، في إطار الحملة الانتخابيَّة الداخليَّة لحزب الجبهة الوطنيَّة (Front national) من أجل انتخاب زعيم جديد للحزب. وقد انعقد هذا التجمّع في إحدى القلاع الانتخابيَّة لمنافسها على الزعامة برونو غولنيش (Bruno Gollnisch)، وكانت إلى ذلك الحين قد قامت بعمليَّة إغراء إعلامي، بحيث اعتبر بعض مناضلي حزبها أنَّ تدخُّلاتها فيه كانت جدّ معتدلة. فقد أرادت في هذا التجمّع أن ترضيهم وتستحوذ عليهم، وأن تقوِّي أيضًا تأثيرها في الرأي العامِّ. وقد كانت تلك مهمَّة مزدوجة الصعوبة؛ إذ كان يتوجّب عليها الاستمرار بالظهور بمظهر الزعيمة ذات التوجّه الوسطي، وفي الوقت ذاته الفوز على منافسها. لذا كان عليها من أجل إنجاز هذه المهمَّة المستحيلة استعارة قناعٍ؛ ألا وهو قناع العلمانيَّة.
ففي خطابها هذا، وبعد أن أحالت إلى الحرب العالميَّة الثانية، قارنت ماري لوبين الصلوات التي يؤدِّيها المسلمون في شوارع بعض المدن الكبيرة (في باريس ومرسيليا بصفة خاصّة) بـِ«الاحتلال»، حيث قالت: «يوجد عشرة أو خمسة عشر مكانًا يرتادها بصفة منتظمة عدد من الأشخاص لاحتكار الأماكن العامَّة. إنَّه احتلال لأجزاء من الملك العمومي، ولأحياء يُطبَّق فيها القانون الديني. ومع أنَّه لا توجد مدرّعات ولا جنود، إلَّا أنَّ الأمر يتعلَّق باحتلال». إنَّ الكلمات المستعملة هنا، قد انْتُقيت بذكاء قصد الإيحاء بأنَّ «أجزاءً» بأكملها من التراب الفرنسي قد انتزعت من نظام الجمهوريَّة وأصبحت خاضعة «للقانون الديني» أي للشريعة، مثلما هو الأمر في إيران والمملكة العربيَّة السعوديَّة.
مارين لوبين بطلة جديدة للعلمانيَّة
وكان من الطبيعي أن تُثير هذه التصريحات استنكارًا في صفوف اليمين واليسار. فقد ردَّ عليها الناطق باسم الحزب الاشتراكي الفرنسي، بينوا هامون (BenoÎt Hamon) بما يلي: «حُرِّرت مرسيليا على يد الجزائريّين، واليوم تقول مارين لوبين إنَّ أحفاد محرِّري مرسيليا محتلُّون، في حين كانت عائلتها السياسيَّة، أي أقصى اليمين الفرنسي، تتعاون مع المحتلِّ». أمَّا السكرتير الوطني لحزب أوروبَّا الإيكولوجيَّة- الخضر (Europe Ecologie -Les verts)، سيسيل ديفلو (Cécile Duflot)، فقد اعتبر تلك التصريحات «مدعاة لليأس والرداءة، وهي كالعادة، تصريحات مثيرة جدًّا للقلق»؛ لأنَّها تستثير في نفوس المواطنين «كراهيَّة عبثيَّة وشعورًا بالخوف من الغزو».
كما لم يجد اليمين أيضًا في هذا الخطاب ما يستهوي. فقد اعتبر جون فرانسوا كوبي (Jean-François Copé)، الذي أصبح مؤخَّرًا قائدًا جديدًا لحزب الاتحاد من أجل حركة شعبيَّة، أنَّ مارين لوبين «لها نفس شخصيَّة أبيها [...]، ونفس أدواته، ونفس ما يصدر عنه من خلط ومن آراء». في حين أكَّد الناطق الرسمي باسم الحكومة، فرانسوا باروان، أنَّ تصريح ماري لوبين يشكّل «توضيحًا إضافيًّا» للاختلاف بين القوميّين والوطنيّين: «الوطنيّون هم من يحبُّون أهلهم، بينما القوميّون هم من يكرهون الآخرين».
ونحن نتفهَّم هذه الإدانة العامَّة، لكن لا ينبغي في الوقت نفسه أن ننخدع؛ فرُدود الفعل هذه، هي ما تنتظره مارين لوبين وتتمنَّاه، وهذا ما جرت عليه العادة دومًا مع حزب الجبهة الوطنيَّة! وهو ما يوضِّح مدى تعقُّد المشكلة. ولعلَّ باتريك مينوتشي (Patrick Mennucci)، السكرتير الوطني للحزب الاشتراكي، هو الوحيد الذي كان حاسمًا في تلك الردود المتوقَّعة، حيث وضَّح أنَّ «من يلجؤون إلى الصلاة في الشارع مرغمون على القيام بذلك؛ لضيق القاعات المخصَّصة للصلاة».

وفي مواجهة ردود الفعل هذه، مارست مارين لوبين -كما كان يفعل والدها وما بالعهد من قدم- نوعًا من التراجع الظاهري الذي يؤكِّد -في الواقع- تصريحاتها السابقة، مع تحويل الأنظار عن مركز الجدل. فقد أوضحت: «كان يمكنني أيضًا[1] الحديث عن الاحتلال الإنكليزي في عهد جان دارك (Jeanne D’Arc)». وهذا قول يرسّخ -ضمنيًّا- فكرة كون أجزاء بأكملها من التراب الفرنسي قد احتُلّت من قبل أعداء، وأنّ على جان دارك الجديدة طردهم خارج المملكة، عفوًا خارج الجمهوريَّة! وختمت قائلة: «إنَّ عددًا كبيرًا من المسلمين [...] يدينون هذا النوع من السلوك. وهم يقفون إلى جانبي دفاعًا عن العلمانيَّة».
إنَّ «العلمانيَّة» كلمة سحريَّة تسمح بحجب المظهر المخزي للآراء والمواقف المتبنَّاة، وخاصَّة حين يتمّ إقرانها بكلمة «الطائفيَّة»! فبتاريخ 9 سبتمبر/أيلول 2010، وخلال برنامج Le Grand Jury RTL-Le Figaro، المذاع على أمواج الراديو وشاشة التليفزيون، قالت ماري لوبين، ضيفة البرنامج، بنبرة حادَّة: إنَّ «مبدأ العلمانيَّة جوهري». وعندما لاحظ مدير تحرير صحيفة لوفيغارو (Le Figaro) إيتيان موجوت (Etienne Mougeotte) هو أيضًا، بأنَّ بعض المسلمين إن كانوا يصلُّون في الشارع، فلأنَّ المساجد لا تسع جميع المصلِّين، ردَّت عليه مارين لوبين فورًا: «إنَّك بهذا تدافع عن الطائفيَّة»، وأضافت: «أولئك الذين لا يجدون مكانًا في المسجد، ما عليهم إلَّا الصلاة في بيوتهم». ومع أنَّ ما قالته يتناقض مع قانون 1905 الذي ينصُّ (في مادَّته الأولى) على ضمان الجمهوريَّة الممارسة الحرَّة للعبادة وعلى مظهرها العمومي (المتضمَّن في المادَّة 25)، إلَّا أنَّ ذلك لا يهم في نظرها، ما دام الخطاب الحالي حول العلمانيَّة يزعم في الغالب أنَّها تحصر الدين في الدائرة الشخصيَّة الحميميَّة!
وفي اليوم نفسه، وفي أثناء جولتها الأخيرة من الحملة الانتخابيَّة الداخليَّة من أجل رئاسة حزب الجبهة الوطنيَّة، حدَّدت مارين لوبين «المواضيع الأساسيَّة للحملة الانتخابيَّة الرئاسيَّة المقبلة» حسب الترتيب التالي: العلمانيَّة، والهجرة، وانعدام الأمن، والاقتصاد، والتخلِّي عن العملة الأوروبيَّة الموحدة (اليورو). هنا يتقدَّم الدفاع عن العلمانيَّة على المقارنة التي عقدتها سابقًا بين الصلاة في الشارع والاحتلال. وما دام هذا التوظيف للعلمانيَّة يسير على ما يرام، فقد ثابرت عليه في مناسبات عديدة. فقد ثارت ثائرتها بتاريخ 3 أبريل/نيسان 2011، من منبر قناة BFMTV، ضدَّ «الخروقات التي تتعبرَّض لها العلمانيَّة على يد بعض الجماعات السياسيَّة الدينيَّة الإسلاميَّة، التي تسعى إلى فرض القوانين الدينيَّة على حساب قوانين الجمهوريَّة»، واستنتجت قائلةً: «إنَّ ذلك هو سبب انتكاس العلمانيَّة». وبعد عودتها من العُطْلة، استعادت اللازمة نفسها حين أكَّدت على صفحات جريدة لوفيغارو بأنَّ «الملك العمومي» ينبغي أن يكون خاليًا من المظاهر الدينيَّة (الإسلاميَّة!)، مصرِّحةً باستنكار: «لماذا لا يُطبَّق قانون 1905؟ [...] بأيِّ حقٍّ تهزأ السلطة، على هذا النحو، بالعلمانيَّة؟».
وقد تلقَّيْتُ خلال شهرين مكالمات هاتفيَّة من عدَّة صحافيّين يسألونني: بما أنَّ فرنسا علمانيَّة، ألا يتوجَّب منع مثل هذه الصلوات؟ وحين كنت أحاول التذكير بالمقارنة التي قامت بها ماري لوبين بين الصلاة في الشارع والاحتلال، من حيث إنها هي أصل هذا الاهتمام الإعلامي بالموضوع، كانوا يردُّون بأنَّ هذا ليس أبدًا هو المشكل، بل المشكل هو ضرورة اتخاذ موقف بشأن الصلوات في الشارع في حدّ ذاتها.
الصلوات في الشارع: من الاحتلال إلى العلمانيَّة
أكَّدت مارين لوبين على أن تشبيهها السابق للصلاة في الشارع بالاحتلال، لم يكن قولًا مُنْفَلِتًا. وبالفعل، فهي على وعي تامٍّ بما تفعل، وبأنَّها تقوم به بطريقة فعَّالة. فقد قامت في مرحلة أولى بإثارة ردود فعل عاصفة، وهو ما سمح لها بأن «تتطرَّف يمينًا»، وأن تردّ اتهام منافسها بأنَّها مرشَّحة النظام. لكنَّها قامت بسرعة، ودون أن تتنصَّل بأيِّ شكل عمَّا بدر منها، بتحويل الحديث حول موضوع الاحتلال وقلب الوضعيَّة لصالحها. وقد نجحت في ذلك أيَّما نجاح، إلى حدّ أنَّه لم يتمّ حقًّا الكشف عن الكيفيَّة التي حدث بها الأمر. فبفضل هذا التوظيف المخادع (استدعاء العلمانيَّة)، تحوَّلت تصريحاتها التي اعتُبرت في البداية مستهجنة، إلى تصريحات مشروعة، قادرة على أن تغدو بؤرة النقاش العمومي، وهو لعمري النقاش الذي ستزعم -فيما بعد- أنها وحدها سمحت بانطلاقه، في مواجهة العمى المزمن والخطير للطبقة السياسيَّة.
وبالفعل، فإنَّ هذا النقاش اختُزل، عدّة أسابيع، في السؤال الآتي: «ألا يتعيَّن، باسم العلمانيَّة، إدانة الصلوات في الشارع؟»، وقد تلقَّيْتُ خلال شهرين مكالمات هاتفيَّة من عدَّة صحافيّين يسألونني: بما أنَّ فرنسا علمانيَّة، ألا يتوجَّب منع مثل هذه الصلوات؟ وحين كنت أحاول التذكير بالمقارنة التي قامت بها ماري لوبين بين الصلاة في الشارع والاحتلال، من حيث إنها هي أصل هذا الاهتمام الإعلامي بالموضوع، كانوا يردُّون بأنَّ هذا ليس أبدًا هو المشكل، بل المشكل هو ضرورة اتخاذ موقف بشأن الصلوات في الشارع في حدّ ذاتها. أليست أمرًا «غير مقبول»؟
لقد تمّت مطالبتي بتقديم رأي حاسم حول هذا الموضوع. وكنت قد أجبت -بشكل عامٍّ- بأنَّ المسألة معقَّدة، وقد سبق التطرُّق إليها قبل ماري لوبين، من قبل مسؤولين معنيِّين بها، مثل وزير الداخليَّة السابق، عن الحزب الاشتراكي، دانييل فايان (Daniel Vaillant) في باريس، الذي اعتبر المسلمين الذين يقومون بذلك في ذروة فصل الشتاء القارس، يفضِّلون أن يكون لهم عدد كافٍ من أماكن العبادة، ووَعَد بإيجاد حلول لهذا المشكل بطريقة تدريجيَّة، وخاصَّة من خلال تشييد مسجديْن في المقاطعة التابعة له، غير أنَّ ذلك سيتطلَّب بعض الوقت... لكن مثل هذه العبارة تبدو مسبقًا جدّ طويلة بالنسبة إلى أغلبيَّة محاورِيَّ[2].
ومع ذلك، اقتنعت بأنَّ هؤلاء الصحافيين معادون لخطاب ماري لوبين؛ إذ أرعبهم كُره الأجانب والعنصريَّة. كما اقتنعتُ أيضًا، من جهة أخرى، بأنَّ الحقَّ في المعلومة جزءٌ من الديمقراطيَّة، واعتبرتُ قانون 1881 حول حريَّة الصحافة من القوانين الأساسيَّة للجمهوريَّة. لكن، كما سأتحدَّث عن ذلك فيما بعد، يوجد تضارب قويٌّ في نظام التواصل مع الجمهور، ليس من السهل الوعي به.
وعلاوة على ذلك، حتى عندما يتمّ استعادة أقوالي، أو تتوفَّر لي فرصة للحديث بطريقة مباشرة، فإنَّ كلماتي ليست أبدًا -على ما يبدو- جازمة بما يكفي لكي تؤثّر فيما أسمّيه «المشاهد الإعلامي العادي» (médiaspectateur moyen). ومع ذلك، فإنَّ العديد من الصحافيّين بحثوا بجديَّة في هذه المسألة، وأنتجوا مقالات قيمة. وعلى سبيل المثال، فقد خصّصت صحيفة ليبيراسيون (Libération)، بتاريخ 22 سبتمبر/أيلول 2010، افتتاحيّتها وثلاث صفحات لبحثٍ مضادٍّ حول الصلوات في الشوارع، بيَّن أنَّ الأمر يتعلّق بتجمّعات مصلّين قليلي العدد، يجتمعون بهدوء لمدّة ساعة يوم الجمعة لأداء الصلاة، وهو أمر بعيد كلّ البعد عن توهّم «ميلشيات دينيَّة» محتلّة لأجزاء من التراب الوطني. لكن المفارقة هي أنَّه منذ اللحظة التي خلط فيها الخطاب الإعلامي بين «الاحتلال» و«الصلوات في الشارع والعلمانيَّة»، وحتى التقارير المصوّرة التي حاولت الكشف عن حقيقة الوقائع، كلّ ذلك ساهم في إعطاء أهميَّة لما تحوَّل لاحقًا إلى «قضيَّة».
وبما أنَّ هذه القضيَّة اكتست أهميَّة إعلاميَّة، فإنَّ السياسيّين ما لبثوا أن دخلوا على الخطّ. فبتاريخ 16 فبراير/شباط، صرّح نيكولا ساركوزي، في أثناء استقباله في قصر الإيليزي النوّاب البرلمانيّين عن حزب الاتحاد من أجل حركة شعبيَّة، بما يلي: «ما هي الحدود التي نضعها للإسلام؟ لا يمكن أن نسمح بأن يقبل المجتمع الفرنسي بهيمنة الإسلام في بلدنا. نحن مجتمع علماني [...]. يجب أن يكون لدينا نقاش حول مسألة الصلاة في الشارع. في بلد علماني لا ينبغي أن يُسمع صوت الأذان». إنَّ ساركوزي يخلط -بطريقة إراديَّة أو غير إراديَّة- بين الصلوات في الشارع وبين الأذان المرتفع من مآذن المساجد في البلدان ذات الأغلبيَّة المسلمة، والحال أنَّه إذا وجدت في فرنسا مساجد ذات مآذن (يوجد منها تقريبًا عشرون مسجدًا)، فإنها بالمقابل، من دون مؤذّنين.
وفي مساء اليوم السابق على هذا الاستقبال، كان بنوا هامون (Benoît Hamon) قد اعتبر، من على منبر قناة BFMTV، بأنَّ الصلوات في الشارع «لا يمكن القبول بها لأمد طويل». واقترح «القيام بمفاوضات ومشاورات حول هذه المسألة، مع وضع جدول زمني لإيجاد حلول لها». غير أنَّه ألحَّ -بصفة خاصّة- على الضرر الذي تلحقه هذه الصلوات بالعلمانيَّة: «لا يوجد أيُّ سبب لكي تكون العلمانيَّة غير مضمونة وغير محصّنة [...] يبدو لي، عن اقتناع علماني، أنَّ هذه الوضعيَّة غير مقبولة». وهكذا، انتقلنا خلال ثلاثة أشهر، من شجب ما قالته مارين لوبين حول هذه الصلوات، إلى إجماع واضح على إدانتها.
إنَّ كلًّا منهم يُذكِّر بـ«العلمانيَّة»، حاثًّا على الاعتقاد، أوَّلًا: بأنّه يكفي استخدام الكلمة نفسها لقول الشيء نفسه، وثانيًا: بأنّه ينبغي أن نتكلَّم كثيرًا حول العلمانيَّة، لا من أجل ازدهارها، بل بغرض الدفاع عنها، وأخيرًا: بأنّه في غضون هذا الخريف (2010-2011)، يأتي أخطر إيذاء للعلمانيَّة (ما دامت هي ما يتمّ الحديث حولها أكثر)، مرّة أخرى، من المسلمين من خلال صلواتهم في الشارع.
نجد أنَّ المتوسّط الحسابي لتقدير عدد المساجد ذات المآذن في فرنسا، هو 191 مسجدًا، وهو تقدير بعيد جدًّا عن الواقع: إذ يوجد حاليًّا 90 مسجدًا، ثلاثة أرباعها دون مآذن
إنتاج اعتقاد جماعي خاطئ
وكانت حصيلة هذا الاهتمام بالموضوع أن أجرت مؤسّسة هاريس أنتاراكتيف (Haris interactive) في شهر مايو/أيّار استبيانًا حول موضوع الصلوات في الشارع. وحول السؤال المفتوح الذي طرحه الاستبيان[3]: «كم شارعًا في فرنسا، في نظركم، يؤدي فيه المسلمون صلاة الجمعة؟». كان المتوسّط الحسابي للعدد الذي قدّمه المستجوَبون هو... 185 شارعًا! لكن هذا الرقم لا صلة له بالواقع، بل هو يفوق بكثير ذاك الذي سبق أن ادّعته مارين لوبين، ولنتذكّر أنها صرّحت بوجود ما يتراوح «بين عشرة إلى خمسة عشر شارعًا يؤدِّي فيها المسلمون صلاة الجمعة»، وهو ما يمكن الاستناد إليه لأنَّها غالت بالأحرى في تقدير عدد هذه الأماكن ولم تخفضه، بينما قدَّر المجلس الفرنسي للديانة الإسلاميَّة من جهته، هذا العدد بـِ«أقلّ من عشرة». وبما أنَّ هذه الأرقام قابلة للمقارنة من الجميع، فإنَّ زعيمة الجبهة الوطنيَّة، وبطريقة فطنة، لم تُرِدْ أن تُبالغ في تقدير هذا العدد، مخافة أن تغدو تصريحاتها موضع شكٍّ.
ذلك أنها لو ذكرت 90 أو 110 أماكن للصلاة في الشارع، فإنَّ ذلك سيستثير بطريقة مباشرة ردود فعل الصحافيّين والمعلِّقين والسياسيّين وشخصيّات أخرى، لإدانة هذه الفِرية الخرقاء، ملحِّين على أنَّ الأمر لا يتعلَّق إلَّا ببعض الحالات المعزولة، وهو ما كان سيقلِّل من قيمة تصريحاتها ويمنع سهولة أن تكون سبب ذاك التضخيم الإعلامي للموضوع. لكن ماري لوبين لم تبتعد، في هذا الصدد، عن تقدير محتمل؛ إذ لم يسبق أبدًا أن قدّم أحدهم رقمًا ضخمًا، خاطئًا بجلاء، مثل هذا الذي أعرب عنه هؤلاء المستجوَبون: 185 شارعًا للصلاة!
ومع ذلك، فهذا العدد الزائغ -تبعًا لنتائج الاستبيان سالف الذكر- هو المتوسِّط الحسابي لمجموع الآراء التي عبَّر عنها الفرنسيّون المستجوبون حول هذا الموضوع! وقد تحصَّل ذلك؛ لأنَّ «المستجوَبين الذين تفوق أعمارهم 65 عامًا»، قد ارتأوا وجود 74 مكانًا للصلاة في الشارع (وهو ما يفوق العدد الذي أشارت إليه مارين لوبين من خمس إلى سبع مرَّات). أمَّا أولئك المتراوحة أعمارهم «بين 18 و24 عامًا»، وهم -بلا شكّ- أكثر حساسيَّة وتأثُّرًا بالصدى الإعلامي، فقد ارتفع الرقم عندهم إلى 320 مكانًا! كما لم يمثّل الانتماء إلى طبقة عُليا ضمانةً ضدّ السقوط ضحيَّة استيهامات خالصة؛ إذ نجد الرقم المقدّم من قبل الكوادر وأصحاب المهن الحرة هو 200!
ها نحن أمام اعتقاد خاطئ كليَّةً، يصوغ المخيال الاجتماعي ضدّ المسلمين، دون أن يتم الكشف عنه ومحاربته؛ لأنّه مضمر بالكامل. إنَّه متجذّر في هذه الفكرة البسيطة: إذا كانوا يحدّثوننا كثيرًا عن هذه المسألة، فلأنها ليست منحصرة في بعض الحالات المعزولة. وبما أن المعلومة تتكرّر، فإنَّ الأمر يتعلّق إذن بمشكل حقيقي وبحالات متعدّدة. وفي الاستبيان نفسه، نجد أنَّ المتوسّط الحسابي لتقدير عدد المساجد ذات المآذن في فرنسا، هو 191 مسجدًا، وهو تقدير بعيد جدًّا عن الواقع: إذ يوجد حاليًّا 90 مسجدًا، ثلاثة أرباعها دون مآذن[4]. أمَّا الأماكن الأخرى المخصّصة لممارسة العبادة الإسلاميَّة، فهي مجرّد قاعات لأداء الصلوات[5] .
ولا أحد -بما في ذلك اليمين المتطرّف- مسؤول، بطريقة مباشرة، عن هذا التقدير المغالي والرهيب لعدد أماكن الصلاة في الشارع؛ لأنّه لا أحد يغامر بإعطاء أرقام خاطئة مثل هذه. فمارين لوبين تعرف ممارسة لعبة البلياردو؛ فهي ليست فجّة فحسب، بل وأفلحت أيضًا في صنع معتقدات تتجاوز ما قالته (فهي عندما طرحت لأوّل مرّة هذا الموضوع للنقاش، صرّحت بأنَّ عدد هذه الشوارع التي تستعمل للصلاة يتراوح بين عشرة أو خمسة عشر، لكن ما تمخَّض عن هذا التصريح من ردود فعل ومن اهتمام، رفع عدد هذه الشوارع إلى 180! وبكلّ تأكيد، فإنَّ هذا النجاح ليس من صنعها هي فقط، فقد رأينا دور النقاش الإعلامي في ذلك).
ويمكن لكل شخص أن ينتقل بسهولة من الخوف الماتع إلى الخوف المرعب؛ إذ يكفي أن يأخذ التخييل والخيال (المبدع للخوف الماتع) مظاهر واقعيَّة لكي يثير خوفًا حقيقيًّا، بل خوفًا أكثر انفعاليَّة أيضًا من المتعة التي يمكن للمرء الشعور بها وهو جالس على مقعده المريح، يقرأ حكاية عجائبيَّة أو يشاهد سلسلة تليفزيونيَّة.
«ما يُخيفُني هو أن يتمَّ التلاعب بمخاوفنا»
لا يمكننا الحديث عن التأثير أو الضغط الإعلامي دون توضيح أنَّ الأمر يتعلّق بضغط اجتماعي يُقحم ما يسمّى بلغة سوسيولوجيَّة التفاعلات بين مختلف الفاعلين. ذلك أنَّ مجموعة بأكملها من الفاعلين تقف وراء هذا التأثير، ومن بينها -بطبيعة الحال وكما رأينا- السياسيّون، وكذلك القرّاء والمستمعون ومشاهدو التليفزيون المتورّطون أيضًا في بناء نظام اتّصال جماهيري ضاغط يرفع نسبة المتابعة الإعلاميَّة بقدر ارتفاع حساسيَّة المشهد الإعلامي. إنهم يملكون سلطة (الانخراط أو الانسحاب) في هذا النظام، وإن لم يكن لديهم، بطبيعة الحال، كلّ السلطات. إنَّه نظام ثقافة جماهيريَّة يمكن نعته -كما سنرى فيما بعد- بـ«الوحش الوديع».
ولنُذكّر بهذا الصدد، بما تحظى به الأفلام والمسلسلات التلفزيونيَّة المخيفة من إقبال ونجاح، وهي استحضار حديث للحكايات العجائبيَّة: فهي أيضًا قائمة على المتعة التي يستشعرها المرء من خلال الخوف. ويمكن لكل شخص أن ينتقل بسهولة من الخوف الماتع إلى الخوف المرعب؛ إذ يكفي أن يأخذ التخييل والخيال (المبدع للخوف الماتع) مظاهر واقعيَّة لكي يثير خوفًا حقيقيًّا، بل خوفًا أكثر انفعاليَّة أيضًا من المتعة التي يمكن للمرء الشعور بها وهو جالس على مقعده المريح، يقرأ حكاية عجائبيَّة أو يشاهد سلسلة تليفزيونيَّة. ذلك أنَّه يكفي، لكي يعيش هذا الرعب، أن يخطر بباله إمكانيَّة أن يكون مَعنيًّا -ولو بقدر ضئيل- بما يُعرض عليه. إلَّا أنَّ نظام الاتصال الجماهيري يخلط، أكثر فأكثر، بين الخيال والواقع. بل هو يحجب -إن لم يكن يُلغي أحيانًا- ما بينهما من حدود. ومن هنا تتطور منطقة ملتبسة، يغدو فيها اللعب خطيرًا.
في مسيرة المثليين (Gay Pride) التي تمت في يونيو/حزيران 2011، وُزّعت مناشير تُصوّر شابًّا تخترق جسده عدّة إبر، مرفوقة بالشعار التالي: «ما يخيفني هو أن يتمّ التلاعب بمخاوفنا». إنَّ أولئك الذين حاولوا التصدّي لهذا التلاعب بالمخاوف، الموجّه ضدّ المسلمين، يجدون أنفسهم متّهمين برفض الوقائع الماديَّة، وإنكار الواقع، وعدم إيلاء أيّ أهميَّة لـ«خطر الإسلامويَّة المتطرّفة». إلَّا أنَّ الرهان الأساسي يوجد في مكان آخر، كما يبيّنه التضخيم الهائل لعدد أماكن الصلاة في الشارع (وعدد المآذن) عند الرأي العامّ. إنّها مغالاة تخدم الإسلامويَّة المتطرّفة؛ إذ هي تسعى إلى عزل المسلمين عن بقيَّة المجتمع، وتجعل إدانة الغرب أمرًا مغريًا في صفوف ضحايا مثل هذه التمثّلات الاجتماعيَّة.
ويمكن تقديم أمثلة أخرى كثيرة. ولنتذكّر بالخصوص أن المذبحة التي حدثت في شهر يوليو في جزيرة إيتويا (Utoya ) النرويجيَّة، كانت مسبوقة بانفجار قاتل في حيّ الوزارات في أوسلو (Oslo). والفرضيَّة التي ربطت في البداية سبب الحادث بانفجار قارورة غاز، سرعان ما تحوّلت في الخطاب الإعلامي إلى عمليَّة إرهابيَّة. وقد صرّح بعض «الخبراء» في الحين -يوجد الكثير ممّا يمكن قوله حول تأثير ردود الفعل المباشرة هذه، ونتائجها الاجتماعيَّة!- بأنَّ لهذه العمليَّة طابعًا إسلامويًّا.
وقد روت امرأة مسلمة، من منبر جريدة لوموند (Le Monde)، أنها سمعت في المذياع، وهي تستقل سيّارة أجرة، أحد هؤلاء «الخبراء» يقدّم هذه المعلومة المزعومة. وقد حكت كيف تغيّر فجأةً سلوك سائقة سيّارة الأجرة: «رأيتُ نظرتها المُتّهِمة منعكسة على المرآة الأماميَّة، ورفضَت التحدث إليَّ. كنت في غاية الاضطراب، وقلت لنفسي: "لن يكون لنا عيش هنا بعد اليوم"».
ومع مذبحة جزيرة إيتويا، فإنَّ حقيقة هذا الاعتداء المزدوج، هي أسوأ بكثير. فقد تبيّن أنَّ مرتكبه يُسمّى أنديرس بيرينغ برايفغ (Anders Behring Breivig)، وهو «نرويجي ذو ملامح نرويجيَّة» . والحالة هذه، وبعد أن تمَّ التعرّف إلى المجرم، هل ستعتبر سائقة سيارة الأجرة نفسها شريكة في المسؤوليَّة عن هذه الجريمة، وهل ستخشى كلّ رجل أشقر وطويل يصعد سيارتها؟ بالطبع لا! فالمشكل يكمن هنا: في النظرة الطائفيَّة لأولئك الذين يُتّهمون بسهولة بالنزعة الطائفيَّة، وفي نفي فردانيَّة أولئك الذين تختلف انتماءاتهم الحقيقيَّة أو المفترضة عن انتماءاتنا.

لماذا تبدو مارين لوبين ذات مصداقيَّة؟
إنَّ «الاستحواذ على العلمانيَّة» من قبل مارين لوبين، عمليَّة مليئة بالتناقضات، كما بَيَّنت ذلك -بسهولة- كارولين فوريست (Caroline Fourest) وفياميتا فينر (Fiammetta Venner). غير أنّهما لم تفسِّرا لماذا وكيف يبدو هذا «الاستحواذ» ذا مصداقيَّة، وفعَّالًا اجتماعيًّا وسياسيًّا. وتتطلّب محاولة الكشف عن هذه الفعاليَّة تفكيرًا نقديًّا حول العلمانيَّة المهيمنة اليوم، أي التمثّلات المهيمنة حول العلمانيَّة، المبنيَّة اجتماعيًّا وسياسيًّا. وهذا التفكير يتجاوز مجرّد إدانة مارين لوبين، وهو ما كنّا نتمنّى أن تقوم به هاتان الباحثتان.
لقد تمَّ تغيير العلمانيَّة! أمّا العلمانيَّة التاريخيَّة، فليس بإمكان زعيمة الجبهة الوطنيَّة مطلقًا أن تستند إليها أو أن تتبنّاها. وهي وإن كانت تُذكّر -بسهولة- بقانون 1905 الذي يفصل بين الدولة والكنائس؛ فلأنّه قابل للتأويل بطريقة خاطئة. ففي حركة واحدة، يمكن لهذا القانون أن يُقدَّس وأن يُزدَرى، وغالبًا ما نجعله يقول عكس ما قاله - حيث يُمارس عليه نوع من الاغتصاب الرمزي! وسأوضِّح فيما بعد كيف ولماذا يتمّ ذلك. ويبدو لي أنَّ من الأسباب المهمَّة لذلك، هو أنَّ تاريخ العلمانيَّة لم يعد يُدرس عمليًّا، وعندما يدرس القليل منه في مراكز تكوين الأساتذة، فإنَّ المفتشين العامّين في وزارة التربية الوطنيَّة، يطالبون بحذف هذه المادّة.
ويشهد على ذلك تقرير أوبان (Obin) الذي لا يرى «كيف يمكن لمعرفة الكيفيَّة التي انتهت بها الصراعات بين الجمهوريَّة والكنيسة الكاثوليكيَّة منذ قرن، أن تساعد على معالجة المشاكل» المرتبطة بالتأثير الحالي الذي تمارسه الجماعات الدينيَّة داخل المجتمع، والذي يعتبره أولئك المفتِّشون خطيرًا[6]. وسنرى، على العكس من ذلك، أنَّه من الأساسي معرفة العلمانيَّة التاريخيَّة، وخاصّة كيف أمكن تجاوز «الصراع بين الدولة والكنيسة الكاثوليكيَّة»، لكي نتمكَّن من تفكيك الوضعيَّة الحاليَّة.
ولعلَّه من المناسب الآن، أن نختم هذا الفصل الأوَّل بتفكير مقتضب حول اللغة.
تشكّل اللغة واقعًا رمزيًّا أساسيًّا. فعندما نُحرم من الكلمات، فإنَّنا لا نملك الوسائل الضروريَّة للتدخّل والفعل في الواقع المادّي الملموس. لكن الكلمات يمكن أن تكون مضلِّلة، وغالبًا ما يشكّل تضخيم بعض الكلمات مؤشِّرًا مفارقًا على هذا التضليل. فمن سخريَّة التاريخ، ألَّا يتضمّن قانون 1905 لفظ «علمانيَّة»، ومع ذلك فهو ما يزال يعتبر اليوم القانون الأساسي للعلمانيَّة. ولئن كانت ماري لوبين تطالب صراحة بالعلمانيَّة، فإنَّ هذه الكلمة تأتي على لسانها طوعًا، لكنَّها علمانيَّة مُزيفة... توجد علاقات قوى في استخدام الكلمات، مثلما هو الأمر في استخدام المِلكيَّة والأسلحة والسلطة.
- الهوامش
-
[1] لكم أن تعجبوا هنا بكلمة "أيضًا"!
[2] وددت لو كتبت «محاوريّ ومحاوراتي»، «أولئك واللواتي»؛ لأنّ استعمال المذكّر كصيغة محايدة، يمكن أن يكون أداة هيمنة. لكن ذلك للأسف، سيجعل كتابي غير مقروء. وقد تخلّيت عن استعمال ذلك، وأطلب من قارئاتي وقرّائي تفهّم هذا المشكل.
[3] بحث استطلاعي شمل 1005 أفراد كعيّنة تمثيليّة للساكنة الفرنسيّة، تزيد أعمارهم عن ثمانية عشر عامًا. وقد أنجز باعتماد العيّنة الحصصيّة لفائدة اتّحاد طلبة يهود فرنسا وجمعية مناهضة العنصرية (SOS-racisme).
[4] لكن هذه المسألة غير مهمَّة؛ لأنّ المآذن، عكس ما هو عليه الأمر بالنسبة إلى الصلوات في الشارع، والتي يمكن أن تكون مزعجة للمسلمين أنفسهم أو للجيران، لا تزعج إلَّا كارهي الإسلام. وفي عشرينيات القرن الماضي شهدت باريس إنشاء جامع باريس بمئذنته الشاهقة، وبتمويل عمومي. (انظر الصفحة 119 من هذا الكتاب).
[5] إذ قارنّا، على سبيل المثال، بين عدد أماكن العبادة الإسلاميّة والمسيحيّة في فرنسا، نجد 90 مسجدًا و1962 قاعة صلاة، أي ما مجموعه 2052 محلّ عبادة فوق التراب الفرنسي القارّي (2368 مكان عبادة إذا احتسبنا أقاليم ما وراء البحار)، بينما توجد بها 45 ألف كنيسة كاثوليكية و3 آلاف محلّ عبادة بروتستانتية (من بينها 1800 قاعة صلاة).
[6] يوصون بالاستعاضة عن تدريس تاريخ العلمانيّة بـ»مساهمات معرفيّة لا تخلو من فائدة« (كذا) حول هذه الجماعات. ولذلك، لا بدّ أن يكون الأمر ضارًّا لكي يُدرس! فلن تُدرس سوى الجماعات الدينيّة التي تعتبر ضارّة دون محاولة معرفة كيف تمّ تجاوز النزاعات العنيفة في الماضي. ومن هنا، يتمّ الخلط بين التعليم الجامعي وما تبثّه وسائل الإعلام: فمفتّشونا ضمن منطق "الوحش الوديع" (انظر ص 74 وما بعدها).