مستوياتُ التغييرِ الدستوري

 مستوياتُ التغييرِ الدستوري

يستخدم المصلحون سُلطة التعديل الدُّستوري في التغييرات من جميع الأنواع، من الصغير إلى الكبير، وعبْر كامل نطاق التغيير الدُّستوري، ويمكن للتعديل أن يُحَسِّن الدُّستور عندما تتطلب الظروف تعديلًا بسيطًا، ويمكنه أن يؤدي إلى تغييرٍ جذريٍّ في الدُّستور يرقَى إلى حد بناء الدُّستور من جديدٍ، فنحن إذن نواجه تغييراتٍ تتدرج من الاعتيادي إلى الثوري. وتطرح الاستخدامات المختلفة جدًّا لسُلطة التعديل سؤالًا لم تتم مقاربته بشكل ٍكافٍ في الغالب: هل سُلطة التعديل ملائمةٌ لكل أنواع التغييرات الدُّستورية، أم يجب استخدام تلك السُّلطة فقط في أنواعٍ معينةٍ من التغيير؟

الاعتياديُّ والفنيُّ

يُستخدم التعديل بشكلٍ عامٍّ لتنقيح الدُّستور لمواجهة احتياجاتٍ غير متوقعةٍ تُفصح عن نفسها: إما كأمرٍ لازمٍ، أو مناسبٍ لحُسن سَير عمل الحكومة، ففي فرنسا والولايات المتحدة -على سبيل المثال- أَخفق التصميم الدُّستوري الأصلي في أن يأخذ في الحسبان على نحوٍ مناسبٍ أمورًا طرأت في الاختيار الرئاسي، فقد قدَّم دُستور الولايات المتحدة طريقةً للتعامل مع وفاة الرئيس، ولكن ليس فيها الوضوح الكافي في حالة عجز الرئيس، وقد دفعت الحاجة إلى قيادةٍ رئاسيةٍ يعتمد عليها في حقبة الحرب الباردة -قرين ذكريات الحالة الصحية المتدهورة للرئيس دوايت إيزنهاور ((Dwight Eisenhower، واغتيال الرئيس جون ف كينيدي (John F. Kenedy) عام 1963م- الكونجرسَ والولاياتِ إلى تمرير التعديل الخامس والعشرين الذي تمت المصادقة عليه عام 1967م، ويفوض التعديل نائب الرئيس في القيام بمهام الرئيس عندما يعلن الرئيس المنتخب أنه غير قادرٍ على القيام بواجباته بشكلٍ مؤقتٍ، ووَضع التعديل كذلك إجراءاتٍ تمكن نائب الرئيس والحكومة معًا من إعفاء الرئيس من منصبه إلى أن يؤكد قدرته على استئناف مهام رئاسته.

وعقب قيام الولايات المتحدة بتعديل دُستورها لتأمين الرئاسة بوقتٍ وجيزٍ، حذا البرلمان الفرنسي حذوها عام 1976م؛ ليضع في الحسبان إمكانية الوفاة أو العجز خلال الانتخابات الرئاسية، وحاليًا تفوض المادة (7) من الدُّستور بعد مراجعتها المجلسَ الدُّستوري في تأجيل الانتخابات في ظروفٍ محددةٍ منصوصٍ عليها في حالة وفاة أو عجز مرشح، فعلى سبيل المثال يمكن للمجلس أن يؤجل الانتخابات إذا تُوفي مرشحٌ رسميٌّ للرئاسة قبل الجولة الأولى من التصويت. وكانت تلك التعديلات في الولايات المتحدة وفرنسا تحسيناتٍ ضيقةً، ولكنها مع ذلك ضروريةٌ لكلٍّ من الدُّستورَين.

وقد حفزت الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008م إلى تعديلٍ محددٍ ولكنه مهمٌّ في الدُّستور الإسباني، الذي نادرًا ما عُدِّل بشكلٍ رسميٍّ، وكانت هذه المرة على ضوء الضرورات السياسية والاقتصادية، ففي استجابةٍ لظهور الاضطراب المالي العالمي وافقت إسبانيا على تعديلٍ متوازنٍ في الميزانية عام 2011م؛ لتخفيض العجز إلى الحد الذي وضعه الاتحاد الأوروبي منسوبًا إلى إجمالي الناتج المحلي للبلاد، وتشترط المادة (135) الآن، مع بعض الاستثناءات، أن "الدولة والمجتمعات ذات الحكم الذاتي لن تتحمل عجزًا هيكليًّا يتجاوز الحد الموضوع بمعرفة الاتحاد الأوروبي بالنسبة للدول الأعضاء "، ورأت إسبانيا ضرورةً للتصدي لأزمةٍ متصاعدةٍ، وأصرَّ صناعُ القانون على التعديل باعتباره الأداة المناسبة للقيام بذلك.

تدفعنا التجديدات السريعة للدُّستورَين: اليوناني والتركي إلى مناقشة العلاقة بين الوقت والتغيير: هل ينبغي أن تستغرق التغييرات الدُّستورية بعيدة المدى في طرحها والمصادقة عليها الوقت ذاته الذي تستغرقه التغييرات الميكانيكية الصغرى؟

وعلى نحوٍ مشابهٍ أُدخلت تغييراتٌ دستوريةٌ اعتياديةٌ على الترتيبات الفيدرالية؛ ففي كندا جرى عام 1886م تعديل قانون شمال أمريكا البريطاني لعام 1867م؛ لتفويض برلمان كندا بمنح المقاطعات تمثيلًا في مجلسَي الشيوخ والعموم، وفي عام 1915م جرى تعديلٌ آخرُ على التقسيمات الخاصة بمجلس الشيوخ في البلاد على ضوء قَبول أربع مقاطعاتٍ جديدةٍ عقب الاتحاد، وكان كلٌّ من تلك التعديلات ضمانًا معززًا للدستور، ناتجًا عن تغييراتٍ سابقةٍ لتوسيع اتحاد الأقاليم والمقاطعات التي تتكون منها كندا، وكانت تعديلات 1886م و1915م تعديلاتٍ عمليةً معياريةً (Standard)، لا جريئة ولا ضخمة، وكان الغرض من كلٍّ منهما هو تحقيق انسجام الدُّستور مع الوقائع القانونية والسياسية الجديدة للفيدرالية. وكذلك كان الحال في أستراليا، فقد فوض تعديلٌ أُجري عام 1910م الحكومةَ الاتحادية في أن تتحمل الديون التي تكبدتها الولاية في أي وقتٍ عوضًا عن أن يكون ذلك مقصورًا على التاريخ الذي بدأ فيه العمل بالدُّستور، وألغت أستراليا ثماني كلماتٍ من النَّص الأصلي للفصل 105، مُزيلةً الإشارة الحصرية التي كانت تتضمنها إلى ديون الولاية بجملة: "كما كانت عليه عند تأسيس الكومنولث"، ومطلقةً العِنان للحكومة الاتحادية في التدخل عندما تجد في المستقبل ضرورةً لتأمين السلامة المالية للاتحاد.

وتدخل تعديلاتٌ كثيرةٌ حول العالَم في نطاق المقارنة في مجال التعديل الدُّستوري، فقد عدَّلت لكمسبورج دُستورها عام 1983م؛ لتحديث نَص اليمين الذي يؤديه النواب والمسؤولون الحكوميون عند توليهم مناصبهم، وعدَّلت جنوب إفريقيا دُستورها كذلك؛ لتحديث قواعد أداء اليمين لديها، فأوضح التعديل الأول الذي أُجري بعد عامٍ من إصدار الدُّستور أن نائب الرئيس لا يلزمه إعادة أداء اليمين إذا كان قد سبق له أداؤها خلال الفترة الرئاسية القائمة. وفي بنجلاديش أكد التعديل السادس عام 1981م أن نائب الرئيس المنتخب رئيسًا، سيتوقف عن شغل منصب نائب الرئيس عندما يصبح رئيسًا. ويُلزم التعديل الخامس عشر لدُستور سريلانكا مفوضية الانتخابات بأن تُصادق -في أسرع وقتٍ ممكنٍ بعد إعلان جداول التصويت- على عدد الأعضاء الذين يجوز إعادة انتخابهم (entitled to return) في كل مقاطعة. وكل تلك التعديلات هي تغييراتٌ فنيةٌ صغيرةٌ مقارنةً بالتعديلات الأكثر ضخامة التي انتهجها المصلحون بشكلٍ واضحٍ.

الثورةُ والتجديدُ

وقد استُخدم التعديل من أجل تحقيق أهدافٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ كبرى، فلننظر إلى التعديل الثاني والأربعين للدُّستور الهندي، وهو تعديلٌ ضخمٌ تردد صداه في أرجاء كل الأفرع الثلاثة للحكومة؛ فقد غيَّر -عندما تم إدخاله عام 1976م- خمسًا وخمسين قاعدةً، وأضاف جزأين جديديْن تمامًا إلى الدُّستور[1].

The Constitution of India: A Contextual Analysis
The Constitution of India: A Contextual Analysis

بيد أن التعديل -فضلًا عن تلك التغيرات في الشكل- أحدث تعديلاتٍ أساسيةً ضخمةً في الدُّستور، بشكلٍ محددٍ عبْر إدخال قيمٍ جديدةٍ للاشتراكية والعلمانية في المقدمة، وإلزام المواطنين بواجباتٍ جديدةٍ، وتفويض البرلمان في أن يمارِس سُلطةً أوسع على القضاء، وتغيير العلاقة بين الرئيس ومجلس الوزراء، ومنع المحاكم من مراجعة التعديلات الدُّستورية، ولقد تجاوزت تلك التغييرات التعديلات الروتينية والفنية التي تجري لإصلاح دُستورٍ ما إلى حدٍّ بعيدٍ، بل لقد وصف البعض تلك الحزمة من التعديلات الشاملة الكبيرة بأنها خلقٌ لدُستورٍ جديدٍ، وكان هذا موقف المحكمة العليا الهندية؛ فقد رفضت المحكمة السماح بأجزاء محوريةٍ من ذلك التعديل الهائل؛ لأن هذه الحزمة من الإصلاحات -من وجهة نظر المحكمة- من شأنها أن تدمر "الهيكل الأساسي" للدُّستور[2].

بالنسبة للمحكمة كانت تلك التغييرات استبدالًا للدُّستور متنكرًا في هيئة تعديلٍ دُستوريٍّ. وتطرح تلك اللحظة الفارقة في تاريخ الهند السياسي الحديث سؤالًا مركزيًّا حول دَور المحاكم في التغيير الدُّستوري: هل ينبغي أن يكون للمحاكم السُّلطة في إبطال إصلاحٍ رغم أنه يستوفي الشروط المحددة في القواعد المقررة للتعديل؟

إن إعادة التنظيم السياسية للهياكل الحكومية من شكلٍ إلى آخرَ ليست تعديلًا روتينيًّا أو فنيًّا، إنها تُعَدِّل عمليًّا كل شيءٍ ذي أهميةٍ في دولاب عمل الحكومة، من مركز سُلطة صنع القرار إلى هيكل المساءلة التشريعية، إلى الطبيعة الخاصة للديمقراطية. ومؤخرًا في عام 2017م أنجزت تركيا تحولًا ناجحًا من نظامٍ برلمانيٍّ إلى نظامٍ رئاسيٍّ فائقٍ (Psesedential -Super)، يمنح الرئيس عمليًّا سُلطاتٍ بلا حدودٍ. كان التعديلُ حزمةً من 18 مادةً جديدةً أعادت -في عمومها- صياغة، أو ألغت 67 مادةً موجودةً في الدُّستور، أو مايزيد على 40 بالمئة من كامل النص، واستغرق الأمر أقل من عامٍ من الاقتراح إلى المصادقة. ووقع تحويلٌ مماثلٌ في اليونان عام 1986م، فقد عدَّلت البلاد دُستورها من النظام شبه الرئاسي إلى شكلٍ خالصٍ عمليًّا من الحكومة البرلمانية الآن، مع تقليص سُلطات الرئيس على نحوٍ حادٍّ، وزيادة سُلطات البرلمان بشكلٍ كبيرٍ، وقد طال التغيير 11 مادة في الدُّستور، واستلزم سَنةً واحدةً لإتمامه منذ البدء وحتى الختام، وهي فترةٌ قصيرةٌ نسبيًّا للتداول والمناقشة حول تغييرٍ بهذا الحجم. وتدفعنا تلك التجديدات السريعة للدُّستورَين: اليوناني والتركي إلى مناقشة العلاقة بين الوقت والتغيير: هل ينبغي أن تستغرق التغييرات الدُّستورية بعيدة المدى في طرحها والمصادقة عليها الوقت ذاته الذي تستغرقه التغييرات الميكانيكية الصغرى؟

وأحيانًا تُحوِّل التعديلاتُ الدُّستورية الدُّستورَ إلى شكلٍ يتعذر التمييز فيه بين ما إذا كان يستهدف التيسير أم الانحياز إلى مصلحة ما؛ ففي فنلندا -على سبيل المثال- كان للبلاد في وقتٍ ما دستورٌ مجزأٌ يتألف من مجموعةٍ من القوانين العليا المنفصلة والمستقلة، ولكن نصًّا رئيسيًّا موحدًا قام الآن بتحديث الدُّستور من أجل القرن الحادي والعشرين، وأدمج القواعد الأساسية لحكومة البلاد في صيغةٍ يسهُل التعامل معها[3]، وأسقط ذلك الدُّستورُ الفنلندي الجديد الذي وُضع عام 2000م كلَّ التشريعات الدُّستورية السابقة، وأدمج كل القوانين العليا السابقة عليه في 13 فصلًا[4]، والدُّستور المدون الجديد أقلُّ في عدد كلماته بعدة آلاف عن التشريعات العليا التي حل محلها مجتمعةً، بتخفيضه العدد الإجمالي من نحو (23,000) كلمة إلى حوالي (13,000)، وبقطع النظر عن تلك التغييرات الاستثنائية في الشكل، فقد أدخل الدُّستور الفنلندي الجديد المدمج تغييراتٍ مهمةً في محتوى الدُّستور، وبشكلٍ أكثر وضوحًا من خلال توسيع سُلطات البرلمان، وتقليص سُلطات الرئيس، ودَسترة الوضع الخاص لجُزر آلاند[5]، وهذا النَّص الدُّستوري الجديد لفنلندا قد تم اقتراحه والموافقة عليه كتعديلٍ دُستوريٍّ عاديٍّ، ولكن هل كان أكثر من مجرد تعديلٍ؟

وفي الدانمرك عدَّل الشعب دُستوره عام 2009م؛ لإعلان التزامه بالمساواة بين الجنسين فيما يتعلق بالخلافة الملكية، وهي منطقةٌ من القانون ظلت لمدة ألف عامٍ مقصورةً بشكلٍ تمييزيٍّ على الرجال، واليوم يصبح المولود الأول لأي ملكٍ في المستقبل -صبيًّا كان أو فتاةً- الوريثَ والملكَ أو الملكةَ للبلاد في نهاية المطاف، وكان الدُّستور في السابق يمنح ذلك الحق حصريًّا للأكبر من الأولاد الذكور حتى ولو كان له أختٌ تكبره في السن. (تولت ملكة الدانمرك الحالية، الملكة مارجريت الثانية، العرش عام 1972م؛ نتيجة لتعديل عام 1953م الذي جعل المرأة مؤهلةً فقط إذا لم يكن لها إخوةٌ ذكورٌ، أكبر أو أصغر منها). ويَمَسُّ ذلك الإصلاح الدانمركي حقًّا أساسيًّا على خلاف التعديلات المتعلقة بفصل السُّلطات في فلندا واليونان والهند وتركيا. ويحق للمرء أن يتساءل عما إذا كان يجبُ معاملة التغييرات في الحقوق بنفس معاملة التغييرات التي تعيد موازنة توزيع السُّلطات؟ ويطرح السؤال نفسه فيما يتعلق بوضع الدساتير: هل يتعين على واضعي الدساتير أن يَصيغوا قواعدَ مستقلةً لتعديل الحقوق والهياكل الحكومية؟ وهل يكفي نوعان متمايزان من إجراءات التعديل؟

مدى تأثيرِ التَّعديلِ

يمكن أن يرقى كون التغيير الدُّستوري إصلاحًا فنيًّا أو تغييرًا ثوريًّا من ناحيةٍ أخرى بالنَّظر إلى آثاره، فقد استُخدمت سُلطة التعديل لتحويل الدُّستور وفقًا لأي عددٍ من الآثار المقصودة وغير المقصودة، فهل أثرُ التعديل عنصرٌ في تعريف تغييرٍ دُستوريٍّ معينٍ على أنه تعديلٌ؟ بطريقةٍ أخرى: هل يتعين أن يمارِس أي تعديل تأثيرًا محدود المجال سلفًا لكي يمكن تصنيفه بشكلٍ دقيقٍ كتعديلٍ؟ أم يجب علينا أن نُصنف كلَّ تغييرٍ في الدُّستور تمت الموافقة عليه من خلال اتِّباع قواعد التعديل على أنه تعديلٌ، بصرف النظر عن تأثيره في القانون، وما يتبعه في السياسات والمجتمع؟

فلننظر إلى مدى الآثار التي يمكن أن تكون للتعديل، ولنسأل إذا ما كانت جميعها ملائمةً. لقد كان من شأن تعديلٍ أن يحول كلًّا من القانون والمجتمع: كان دستور 1976م في البرتغال قائمًا على مبادئ الماركسية اللينينية، لكن التعديلات الدُّستورية في عامي 1982 و1989م أطلقت عملية كبرى لـ"نزع الماركسية"؛ من أجل إزالة الطابع العسكري عن البلاد، من أجل استبدال محكمةٍ دُستوريةٍ جديدةٍ بمجلس الثورة، وإزالة لغة الحقبة الماركسية، بما في ذلك الإشارات إلى مجتمعٍ بدون طبقاتٍ[6]. لقد كانت تلك التغييرات أساسيةً في تأثيراتها في مجمل أركان القانون والمجتمع البرتغالييْن؛ فهل يتعين علينا أن نُسمي تغييرًا بهذه الضخامة تعديلًا، أم أنه شيءٌ أكثر؟

وبصرف النظر عن مدى اتفاق المرء مع ساركوزي، فإن التعديل بإزالة لفظة "العِرق" سوف يجعل التغيير في دستور البلاد ظاهرًا للجميع.

أثرٌ آخرُ لتعديل دُستورٍ مدونٍ هو نشر التغيير عبر كتابةٍ جديدةٍ، ومؤخرًا سعى المصلحون في فرنسا إلى إلغاء كلمة "عِرق" من الدُّستور، فالدُّستور يُقِر في المادة الأولى بأنَّ "المساواة بين جميع المواطنين أمام القانون، بصرف النظر عن الأصل أو العِرق أو الدِّين"، وسوف يستبدل اقتراح التعديل المثير للجدل "الجنس" (Gender) بـ"العِرق" في مراجعةٍ للدُّستور المدوَّن؛ لضمان المساواة في ظل القانون بقطع النظر عن "الأصل أو الجنس أو الدِّين"، وقد استوفت تلك الصيغةُ الجديدة حظها من الأنصار والنقاد، بيد أن واحدًا كان صاخبًا في اعتراضه على نحوٍ ظاهرٍ؛ فقد اعترض الرئيس السابق نيقولا ساركوزي بأن التعديل سوف يكون شكليًّا محضًا، وقال: "إذا ألغينا كلمة عنصرية فهل يعني ذلك أنها لم تعد موجودةً؟ هذا لغوٌ"[7]، لقد كُتبت كلمة "عِرق" أصلًا في دُستور 1946م في فرنسا بعد الحرب في تكتلٍ ضد الأيديولوجيا النازية العنصرية، واستمرت في دُستور ديجول الجديد عام 1958م، ويعتقد ساركوزي أن البلاد يجب أن تُبقي على لفظة "العِرق" في الدُّستور؛ لكي تتذكر ماضيها؛ "حتى لا ينسى أحدٌ أبدًا الملايين من ضحايا أكبر مشروعٍ عِرقيٍّ عرَفه العالَم على الإطلاق"[8]. وبصرف النظر عن مدى اتفاق المرء مع ساركوزي، فإن التعديل بإزالة لفظة "العِرق" سوف يجعل التغيير في دستور البلاد ظاهرًا للجميع. إن الإشهار أثرٌ ملحوظٌ للتعديل الرسمي، ولكن حتى إذا كان للتعديلات المحددة بدقةٍ آثارٌ بعيدة المدى، فإلى أي مدى يمكنُ -ويجبُ- أن تصل؟

يُظهرُ بعض التعديلات الأيرلندية حول الإجهاض استخدامَ سُلطة التعديل في إحداث تأثيرٍ آخرَ: في تسوية الخلافات، عندما يكون هناك خلافٌ حادٌّ يمكن للتعديلٍ أن يحل المسألة في ظل القانون. إن التسوية لا يمكنها أن تكون، ولا ينبغي لها أن تكون دائمةً، طالما أن الدُّستور يظل قابلًا للتغيير طبقًا لتفضيلات أولئك الذين ترتبط بهم، ولكن تسويةً منجَزةً عبْر تعديلٍ دُستوريٍّ -على فرض أن هناك مشاركةً واسعةً ذات تمثيلٍ صحيحٍ في إصدارها- يمكنها أن تحقق للقانون الاستقرار، والقدرة على التوقع.

بيد أن التعديل -رغم قدرته على تسوية الخلاف في الوضع القانوني الراهن- ليس بوسعه تسوية الخلاف في السياسات والمجتمع الأكبر، فقد كانت المناقشة حول التعديل الثامن للدُّستور الأيرلندي مُفَرِّقَةً إلى درجة أن مراقبًا وصفها بأنها التقسيم الثاني للبلاد[9]، ولقد أصبح تعديل عام 1983م -ذاك الذي يحمي حق من لم يولدوا بعد في الحياة- رسميًّا بدعم نسبة 66,9 بالمائة في استفتاءٍ وطنيٍّ، وقد سعى مزيدٌ من الاستفتاءات والمناهضات القضائية إما إلى نقض أو إلى الحد من تأثير التعديل الثامن، وبصرف النظر عما يمكن أن يقال بشأنه، فقد خلق التعديل يقينًا قانونيًّا حول مدى السماح بالإجهاض، على الرغم من أن بعض الشكوك التي لا يمكن تجنبها ظلت قائمةً على التُّخوم، مثل وقت تطبيق الحظر ومكانه. وخلال الأعوام التي تلت ذلك عاشت أيرلندا ثورةً هادئةً: فقد أصبح الناس في جميع أنحاء البلاد تدريجيًّا أكثر دعمًا لسيادة المرأة على جسدها واختيارها، وتُوج ذلك بدعم 66,4 من الناخبين لإلغاء التعديل الثامن عندما وافقوا على التعديل السادس والثلاثين في عام 2018م، بنفس الهامش تقريبًا الذي تم به تبني التعديل الثامن قبل خمسة وثلاثين عامًا على نحو يسترعي الانتباه. وقد نشهد لاحقًا تشكيل ائتلافٍ سياسيٍّ صاعدٍ قويٍّ بما يكفي لكي يعكس القاعدة، ولكن قانون الإجهاض في أيرلندا مستقرٌّ في ظل الدُّستور في الوقت الراهن.

إن التطور الحاصل بشأن الإجهاض في القانون والمجتمع الأيرلندييْن يطرح أن وجهات النظر الشعبية قد تغيرت إلى حدٍّ بعيدٍ قبل يوم الاستفتاء، وعندما وصل المقترعون للإدلاء بأصواتهم كانوا ببساطةٍ -ولكن على نحوٍ أكثر أهميةً- يؤكدون تغيرًا اجتماعيًّا متواريًا تحت سطح القانون الذي كان بالفعل قد تجذرَ في البلاد قبل التصديق على التعديل السادس والثلاثين. هنا -إذن- يقع تأثيرٌ إضافيٌّ للتعديل الرسمي: أن يعكس في القانون التغير الحاصل في المجتمع. وقد يكون للتعديل ذلك الأثر، سواء أكان ثانويًّا أو رئيسيًّا. ويقدم التعديل السابع عشر في الولايات المتحدة إيضاحًا جيدًا؛ فلقد غيرَ الطريقة التي يجري بها اختيار المرشحين السياسيين لمجلس شيوخ الولايات المتحدة، فلم يعد الشيوخ يُختارون من قِبل المجالس التشريعية في الولايات كما كان مشترطًا في الدُّستور الأصلي[10]، ومنذ التعديل السابع عشر أصبح الشيوخ يُنتخبون بالاختيار المباشر من الناخبين المؤهلين في كل ولايةٍ.

United States Const
          دستور الولايات المتحدة الأمريكية

ولم يستغرق التصديق على التعديل السابع عشر وقتًا طويلًا، فقد وافق عليه الكونجرس في 13 مايو 1911م، وصادق عليه ثلاثة أرباع الولايات بعد أقل من عامٍ بحلول 8 إبريل 1912م، وقد يبدو من التصديق السريع على التعديل السابع عشر أن صناع القانون قد مارسوا قدرًا ضئيلًا من التداول بشأنه، ولكن إصلاح مجلس الشيوخ كان موضع اهتمامٍ سياسيٍّ شعبيٍّ على مدار مئة عامٍ تقريبًا[11]، وبحلول الوقت الذي وافق فيه الكونجرس على التعديل السابع عشر وأحاله إلى الولايات، كان أكثر من نصف الولايات قد تبنَّى بالفعل انتخاباتٍ مباشرةً لمجلس الشيوخ، أو شيئًا قريبًا للغاية من ذلك، بالقانون أو بالممارسة[12]، فعلى سبيل المثال كان على الولايات أن تُجري انتخاباتٍ تكون نتائجها "استرشادية" للمشرعين اسميًّا، ولكن في الواقع ثبت أن من المتعذر تجاهل نتائجها بما أنها كانت تمثل من حيث الأساس تعليمات للمجالس التشريعية للولايات[13]، وبحلول عام 1913م كانت 43 ولايةً قد تطورت بحكم القانون أو الممارسة إلى انتخاب ممثليها في مجلس الشيوخ حتى قبل أن يصبح الأمر لازمًا بموجب تعديلٍ دُستوريٍّ[14]، ويمكن فَهم التعديل السابع عشر باعتباره مؤكِّدًا لتغييرٍ قد تم إنجازه بدرجةٍ كبيرةٍ على المستوى دون الوطني، لقد تم تصنيف ذلك التغيير على أنه تعديلٌ، وتمت الموافقة عليه كتعديلٍ، ولكن مدى اعتباره تعديلًا من الناحية الموضوعية ينصرفُ بدرجةٍ كبيرةٍ إلى موضوعه ومرجعيته ومجاله وغرضه، كما سوف أشرح في الفصل الثاني[15].

ربما كان صدور التعديل السابع عشر أمرًا محتومًا، ولكن لا يجب علينا أن نقلل من أهمية التعبئة التي أدت إلى المصادقة النهائية عليه. إن التعديل يحظى بالمشروعية، ليس فقط لكونه قانونًا، ولكن كذلك بسبب كيف أصبح قانونًا. لقد أعطت العملية الديمقراطية لصنع القرار -التي أَدخلت الانتخابات المباشرة للشيوخ في السياسة الأمريكية- مشروعيةً اجتماعيةً للتعديل، وهذا يُبرزُ تأثيرًا آخرَ استُخدمت سُلطة التعديل لتحقيقه: حيثما تكون عملية التعديل حرةً وعادلةً يُنتجُ التعديل مشروعيةً اجتماعيةً، ويُسبغُ مصداقيةً ومرجعيةً على النتيجة.

ويظهر التعديل الأول على الدُّستور الكندي الحديث كيف يمكن أن يكون التعديل مضفيًا للمشروعية. لقد عزز إعلانُ تعديل الدُّستور الصادر عام 1983م -الذي تم تبينه بعد إصلاحٍ رئيسيٍّ في الدُّستور مباشرة- حقوقَ شعوب السكان الأصليين في المطالبات بالأراضي والاتفاقات التعاهدية، والمشاورة في التعديلات الدُّستورية المستقبلية. لقد استُبعدت تلك التغييرات من الحزمة الأولى للتغييرات في الدُّستور، وقد حانَ الوقتُ الآن لجعلها رسميةً، وقد كان بوسع البرلمان أن يختار تمرير تلك الترتيبات المصيرية كقوانينَ عاديةٍ، أو كان بوسع الحكومة الفيدرالية في ذلك الوقت أن تضع بسلوكها تلك التغييرات موضع الممارسة بدون صياغتها في قانونٍ، ولكنْ تم النظر إلى تلك التغييرات على أنَّ لها من الأهمية ما يكفي لتدوينها في الدُّستور من خلال عملية التعديل الدُّستوري المتشابكة والمرهقة واللازمة لتحقيق ذلك: موافقةٌ من غرفتَي البرلمان، وكذا من ثلثَي المقاطعات العشر، مع تمثيل المقاطعات المصادِقة نصف إجمالي عدد سكان المقاطعات على الأقل. إن تلك التعبئة غير العادية للأطراف السياسية الفاعلة حملت رسالةَ دعمٍ مشجعةً لشعوب الأرض الأصليين، وتضاعفَ أثرها باعتبارها إقرارًا بأخطاء الماضي، والتزامًا بتصحيحها. وفي أعقاب التعديل مباشرةً كان بوسع الشعوب الأصلية في كندا الشعور بالارتياح للاستخدام الناجح لإجراءات تعديلٍ صعبةٍ من أجل تقنين حقوقهم.

وعلى الرغم من أن التعديل الرسمي يمكن أن يؤدي إلى مراجعاتٍ تتعلق بالنصوص إلى الحد الذي يمكن أن يَعُدَّهُ الممثلون السياسيون والشعب مرجعًا للمناقشة والتعبئة، فإن التعديل الرسمي لا يمكنه في حد ذاته أن ينبئنا بكيفية تقييم طبيعة التغيير الدُّستوري وأهميته

ويُعَدُّ إلقاء غلالةٍ من المشروعية على وضع القانون عندما يكون غرضه الحقيقي هو تعزيز انتصارٍ أو غزوٍ تزييفًا للأثر المشرعن للتعديل، وهناك تأثيراتٌ محتملةٌ كثيرةٌ تزيد عن تلك القائمة القصيرة، وعلى سبيل المثال، فإن ما أصبح معروفًا في النهاية بالدُّستور الياباني "الجديد" لعام 1946م لم يتم تبنيه على أنه دُستورٌ جديدٌ بالكامل، ولكن كتعديلٍ على دُستور الميجي (Meiji) القديم[16]، وكانت المادة 73 من دُستور الميجي تستلزم أغلبيةً خاصةً من ثلثَي كامل الأعضاء في كلٍّ من المجلسيْن للموافقة على التعديل؛ ومن ثَم يقوم الإمبراطور بإصداره، وفي 3 نوفمبر 1946م جعلَ الإمبراطور الدُّستورَ "الجديد" رسميًّا، مشددًا على أن التعديلات قد أُجريت طبقًا لدُستور الميجي، قائلًا: "إنني مبتهجٌ بأن أساس إقامة اليابان الحديثة قد تم إرساؤه وفق إرادة الشعب الياباني، وبموجب هذا أُصادق على وأصدر التعديلات في الدُّستور الإمبراطوري الياباني التي تمت بعد مشاورة المجلس الخاص، وموافقة البرلمان الإمبراطوري (Diet)، الصادرة طبقًا للمادة 73 من الدُّستور المذكور"[17]. وقد سمح تبني دُستور 1946م كتعديلٍ على دُستور الميجي ليابان ما بعد الحرب بالاحتفاظ بِصِلتها بالماضي، وبإنجاز تغييرٍ دُستوريٍّ مهمٍّ مع الاحتفاظ باستمراريةٍ قانونيةٍ رسميةٍ. ولكن محتوى ذلك التعديل الدُّستوري -وبصفةٍ خاصةٍ التزام البلاد الجديد بالمسالمة في المادة التاسعة- كان له أثرٌ سياسيٌّ ذو أهميةٍ مماثلةٍ: لقد أعطى للولايات المتحدة والعالَم تَذكِرةً دائمةً بانتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. إن شكل ذلك التعديل الدُّستوري وتأثيره يطرح سؤالًا أساسيًّا سوف نعود إليه، فذلك التغيير عام 1946م قد تم كتعديلٍ بسيطٍ، ولكن هل يرقى إلى شيءٍ أكثر من ذلك؟

***

إن بعض التعديلات الدُّستورية هي تدابير للشؤون الداخلية، وبعضها الآخر يترتب عليه بشكلٍ واضحٍ تحويلاتٌ في القانون والمجتمع، وأحيانًا لا يكون واضحًا في وقت التغيير ما إذا كان الإصلاح الدُّستوري ثانويًّا أو رئيسيًّا. وعلى الرغم من أن التعديل الرسمي يمكن أن يؤدي إلى مراجعاتٍ تتعلق بالنصوص إلى الحد الذي يمكن أن يَعُدَّهُ الممثلون السياسيون والشعب مرجعًا للمناقشة والتعبئة، فإن التعديل الرسمي لا يمكنه في حد ذاته أن ينبئنا بكيفية تقييم طبيعة التغيير الدُّستوري وأهميته، فيجب أن نعلم أيضًا التاريخ ذا الصلة والسياسات، والقوانين المتعلقة بالاختصاص، وكذلك أيضًا كيف تم تلقي التغيير من قِبل النخبة القانونية المعنية والشعب؟

 هل يهم ما إذا كان التغيير في الدُّستور تعديلًا تقنيًّا أو تعديلًا يحوِّل الدُّستور؟ إن الإجابة مهمةٌ لفَهم التغيير إما كتعديلٍ أو كدُستورٍ جديدٍ، أو ربما شيء آخر، والإجابة مهمةٌ كذلك لتحديد ما إذا كانت التغيرات ذات المجال المتنوع تتطلب بالمقابل إجراءاتٍ مختلفةً للإصدار؟ لا زال على النظرية والتصميم الدُّستورييْن أن يجيبا على هذه الأسئلة.

الهوامش

[1]  (Arun K. Thiruyengadam, The Constitution of India: A Contextual Analysis (Hart Publishing, 2017) 216.

[2] (Minerva Mills Ltd. v. Union of India, (1981) 1 S.C.R. 206.

وقد اجتاز الجزء الأكبر من التعديل الثاني والأربعين الرقابة الدستورية للمحكمة، وسوف أتناول قضية مصانع ميرفا في إطارها القانوني والسياسي الأوسع في الفصل الرابع.

[3] قبل عام 1999م كان هناك أربعة قوانين ذات مستوى دُستوري: وثيقة الحكومة (1919/94)، وقانون البرلمان (01928/7)، وقانون المحكمة العليا، وقانون المسؤولية الوزارية (1922/274). انظر:

JaakkoHusa, The Constitution of Finland: A Contextual Analysis (Hart Publishing, 2011) 23.

وكان هناك كذلك قانونان لهما وضعٌ خاصٌّ: قانون حق تقرير المصير آلاند (199/1144)، وقانون اكتساب المِلكية العقارية في آلاند (1975/3).

[4] Finland Const., s. 131.

[5] أشكر إلين هوفبيرج (Elin Hofverberg) في مكتبة الكونجرس؛ لمساعدتها في تجميع هذه المادة من ذلك الدمج الدستوري وتفسيرها.

[6] انظر:

Catarina Santos Botelho, "Constitutional Narcissism on the Couch of Psychoanalysis: Constitutional Unamendability in Portugal and Spain" (2019) 21 European Journal of Law Reform 346, 361-62.

[7] “‘Race’ Out, Gender Equality In as France Updates Constitution” (June 28, 2018) France 24.

[8] "Francois Hollande to Remove Word ‘Race’ from French Constitution" (February 1, 2013) The Telegraph.

[9] Tom Hesketh, The Second Partitioning of Ireland: The Abortion Referendum of 1983 (Brandsma Books, 1990).

[10] United States Const., art. I, s. 3 (استُبدل).

[11] انظر:

George H. Haynes, The Election of Senators (Henry Holt and Co., 1912)101-04.

[12] David A. Strauss, "The Irrelevance of Constitutional Amendments" 16 Harvard Law Review 1457, 1497.

[13] Jay S. Bybee, "Ulysses at the Mast: Democracy, Federalism, and the Sirens' Song of the Seventeenth Amendment" (1997) 91 Northwestern University Law Review 500, 537.

[14] ElvaWiegand, "A History of the Movement for the Direct Election of Senators" (June 1934) Master's Thesis, Department of History, University of Southern California, 49.

[15] أشرحُ تلك الملامح الأربعة الرئيسية للتعديل في الفصل الثاني.

[16] Robert E. Ward, "The Origins of the Present Japanese Constitution" (1956) 50 American Political Science Review 980, 1004,n.59.

[17] Harold S. Quigley, "Japan's Constitutions: 1890 and 1947" (1947) 41 American Political Science Review 865, 866;

مقتبسًا:

Official Gazette, extra, Nov. 3, 1946, p. 1.