الإحداق الإثنو-طائفي والحكم المنقسم

الإحداق الإثنو-طائفي والحكم المنقسم

يتضمَّن "دليل الخليج" نتائجَ أول محاولة لإجراء إحصاءٍ سكانيٍّ ممنهجٍ في البحرين في مطلع القرن العشرين، والذي أشرف عليه طاقمُ عملٍ تابع لمؤلِّفه لوريمر. ومن المفيد البدءُ بإيراد الفقرات المتعلِّقة بالكامل:

"تتشكَّل الإمارة إذن... من أربع مدن بتعداد 60,800 شخص، و104 من القرى بتعداد 38,275، ما حصيلته 99,075 شخصًا. يضاف إلى ذلك حوالي 200 من غير المسلمين (non-Mohammedans) القاطنين في المنامة، ليكون الحاصل الإجمالي 99,275 من السكان. ومن مجموع ما يقارب 100 ألف شخص، يُقدَّر تعداد السُّنة بحوالي 60 ألف شخص، وغالبيتهم من سكان المدن، مقابل قرابة 40 ألفًا من الشيعة، وأغلبهم من سكان القرى"[1].

Gazetteer of the Persian Gulf. Vol. II. Geographical and Statistical
                        كتاب دليل الخليج لـ J G Lorimer

ويتابع: "أما الجماعة (community) الكبرى في الإمارة -ولا يمكن وصفها بالقبيلة- فتتكوَّن دون شكٍّ من...البحارنة، الذين يشكِّلون جُلَّ أتباع الطائفة الشيعية... أما بقية السكان فينتمون إلى قبائل وطبقات اجتماعية سُنيَّة شتَّى، فيما عدا قلَّة من الأجانب من إيران وعرب البصرة والهندوس واليهود...إلخ"[2].

إذن، يضع لوريمر التقسيمات المبدئية التالية لتحليل السكان المحليين في البحرين: فهو يرصد الطائفتَيْن الإسلاميتَيْن السُّنية (60%) والشيعية (40%) بوصفهما عنصرين أساسيَّيْن على صعيد "الجماعة" (community)، ويقسِّم السُّنة أساسًا إلى"قبائل" وهَوَلة، في حين تتكوَّن الجماعة الشيعية المحلية من البحارنة، فضلًا عن مجموعاتٍ صغيرةٍ من "الأجانب" التي تقطن الجزر.

جدول (1): تركيبة سكان البحرين من منظور الطائفة مطلع القرن العشرين حسب لوريمر

الطائفة

المدن

القرى

الإجمالي

السُّنة

44,800

14,200

59,000

الشيعة

16,000

24,075

40,075

غير المسلمين

200

0

200

الإجمالي

61,000

38,275

99,275

 المصدر:
QDL, ‘Gazetteer of the Persian Gulf. Vol. II. Geographical and Statistical. J G Lorimer. 1908’ [‎238] (265/2084), IOR/L/PS/20/C91/4, http://www.qdl.qa/en/archive/81055/vdc_100023515712.0x000042.

 

لا شكَّ أن لوريمر قد اعتمد في تصنيفه على استقراء عددٍ من القرائن الاجتماعية الموجودة محليًّا. ففي البحرين -حيث تُعَدُّ الأغلبية الساحقة من السكان مسلمةً وناطقةً باللغة العربية- تبرز الطائفة الدينية مصدرًا واضحًا للتمايز بين الأشخاص؛ إذ يمكن تعريف وجود أعداد مُعتبَرة من الطائفتَيْن حتى من غير استخدام أدوات الإحصاء السكاني الحديث. وبالإضافة إلى ذلك، قد تبدو هذه الثنائية واضحةً للوهلة الأولى، فالفرد ببساطة إما أن يكون من السُّنة أو الشيعة، إذا ما استثنينا حالاتٍ معدودةً من الزواج المختلط وتغيير الطائفة. ولكن كما سنرى لاحقًا، فإن حتى هذه الثنائية الواضحة (سُنَّة/شيعة) عُرضة للَّبس؛ إذ ثمة مذاهب متعدِّدة لا يمكن حصرها ببساطة في ثنائية كهذه.

أما الهُويات "الإثنية"، فهي بطبيعتها أكثر مرونةً والتباسًا وأقلُّ ثباتًا كتصنيفات اجتماعية[3]. وهنا يتحتَّم علينا البدء باستعراض معرِّفات الهويات الاجتماعية المختلفة التي يمكن رصدها على أراضي البحرين. ولنتناول "الهَوَلَة" أولًا[4].

في يومنا هذا، عادة ما يُعرِّف الهولة أنفسهم كسُنَّة يتمتَّعون بروابط تاريخية واجتماعية وأُسرية على ضفتي الخليج، ولكنهم يستقون هُويتهم من الثقافة العربية أساسًا، وينظرون لأنفسهم تبعًا لذلك كعرب. هذا التصوُّر الذاتي كان عرضةً للخلاف والتجاذب من أطراف شتَّى، فضلًا عن اتِّسامه بشيء من الهُلامية كمركَّب اجتماعي. فحسب المرحلة التاريخية والجهة المعنيَّة ومنظورها، نجد الهولة يُنعتون من قِبَل أطراف متعدِّدة بالعرب تارةً وبالفرس تارةً أخرى، وبعرب فارس تارةً وبالفرس المستعربين تارةً أخرى. وكما سيتضح على مدى سرد هذا الكتاب، فقد كان هناك اختلافٌ في نطاق هذا التصنيف الاجتماعي (الهولة) ومرونته؛ إذ يحدث أن يضمَّ التصنيف أحيانًا من يعدون من خلفية "عوضي" -مثلًا- ولا يشملهم التصنيف في أحيانٍ أخرى.

وأكثر القبائل نفوذًا في البحرين هي قبيلة "العتوب" التي تنتسب إليها أسرة آل خليفة الحاكمة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن كون المرء من "عرب القبائل" في البحرين -وخاصةً في الفترة الحديثة- يُعَدُّ تصنيفًا اجتماعيًّا يحدِّد هُوية الفرد وخلفيته.

وإذا ما انتقلنا إلى الأفراد الذين يُسمَّون بـ"البحارنة" اليوم، فعادة ما يُعَرِّفون أنفسهم كعرب شيعة تمتدُّ جذورهم إلى القرى والبلدات الزراعية والبحرية في جزر البحرين[5]. وكما هو الحال مع الهولة، فإن تصنيف "البحارنة" قد أبدى مرونةً وهلاميةً في التعريف عبر التاريخ، فضلًا عن تعرُّضه للمراجعة والتجاذب من أطراف متعدِّدة، وإن كان بطرقٍ تختلف عن "الهولة"[6]. وكما سنكشف لاحقًا، فإن هذا التصنيف تارةً ما يضم "الحساويين" و"القطيفيين" و"المسقطيين" والأشخاص ذوي الصلة بالعراق (الحِلَّة والبصرة مثلًا)، أو تلك المتصلة بمناطق في إيران (المحمَّرة) أحيانًا، ويستبعدها أحيانًا أخرى.  

وأخيرًا، يجري اليوم استخدام مصطلح "قبيلي" للإشارة إلى أولئك الأفراد الذين يُشهرون انتماءهم إلى قبائل شبه الجزيرة العربية. وقد تكون القبيلة أشهرَ أنواع التشكيلات السياسية في المنطقة التي تناولها غير عملٍ بالنقاش والتحليل، بما فيها مقدمة ابن خلدون، الذي بحث القبيلة بوصفها نموذجًا للتلاحم الاجتماعي-الاقتصادي-السياسي المبنيِّ على "العصبية"[7]. وأكثر القبائل نفوذًا في البحرين هي قبيلة "العتوب" التي تنتسب إليها أسرة آل خليفة الحاكمة[8]. وتجدر الإشارة هنا إلى أن كون المرء من "عرب القبائل" في البحرين -وخاصةً في الفترة الحديثة- يُعَدُّ تصنيفًا اجتماعيًّا يحدِّد هُوية الفرد وخلفيته، مماثلًا لما هو الحال مع "الهولة" و"البحارنة".

ورغم اشتراك هؤلاء جميعًا في اللغة والدين، نجد لوريمر يتناول كلًّا من تلك الفئات على حدة بوصفها "جماعة" أو "مجتمعًا صغيرًا" (community) منفصلًا واضح المعالم، وأحد مكونات السكان "المحليين". كما توخَّى لوريمر الإشارة إلى وجود جالياتٍ صغيرةٍ من "الأجانب" جُلُّهم -حسب رأيه- من "الفرس"، وأكثرهم من الشيعة مع نَزْر يسير من السُّنة. وأغلبهم قد ينعتون أنفسهم بـ "العجم" في يومنا هذا، ويُعدون من أهالي البحرين المحليين، لا من "الأجانب"[9]. ولكن انطوت صفة "الأجانب" على تداعياتٍ قانونية وسياسية واجتماعية بالغة الأثر في زمن لوريمر، كما سنرى بعد قليل[10].

 

الإحداق الإثنو-طائفي (The Ethno-Sectarian Gaze)[11]

ما من شكٍّ في أن هذه المُعرِّفات قد وُجدت في البحرين قبل مجيء لوريمر، وإن كانت دائمًا عرضةً للتغيُّر والانزياح بوصفها مركَّبات اجتماعية. لكن سَرعان ما بدأت هذه المُحدِّدات -كما أتت في توظيف لوريمر لها- تفرض نفسها شكلًا جديدًا من أشكال المعرفة والفرز الاجتماعي. ولم يكن هذا بالشاذ عن الممارسة الاستعمارية في أماكن أخرى[12]. فكما يقول أحد الباحثين:

"تجلَّى هذا الإحداق الاستعماري في أنشطة التفتيش والاستجواب والتفحُّص والتلصُّص والمراقبة، التي رافقت الاختراق الاستعماري لبلدٍ ما. ففي التوصيف الإثنوغرافي والبحث العلمي، فضلًا عن أنشطة التدقيق الفضولي التي فرضها المُستعمِر على المُستعمَر، جرى الجمع بين مهارات المُتلصِّص وواضعِ الخرائط؛ إذ تتبدى هذه النظرة في الكتابات وكأنها من منظور الطائر المُحلق في الأعالي، وتتجسد في تبوُّء الكاتب أو الرَّحالة نقطة فوقية تعطيه صورة المطلع العليم عندما يستغرق في إعادة إحياء مشهدٍ ما"[13].

لقد تميَّز الإحداق الاستعماري هذا في البحرين بتوسُّله للنظرة الإثنو-طائفية، وهي مقاربة منهجية اتخذت من الفوارق الإثنية والطائفية وحداتٍ رئيسةً لتعريف طبيعة المجتمع المحلي وتكوينه، والسلطة والممارسات والخطابات السياسية فيه. وبذلك كان الإحداق الإثنو-طائفي مَنطِقًا ومنهجًا معرفيًّا لمقاربة السكان المُستعمَرين من موقع المُستعمِر، الذي يَرى أن الأراضي المُستعمَرة تتكوَّن أساسًا من "جماعات" أو "مجتمعات صغيرة" (communities) مختلفة وواضحة المعالم، وأن الوحدة الأساسية لمقاربة هذه المجتمعات وأنشطتها وقوانينها وتركيبها الاجتماعي وفهمها وفرزها هي الطائفة الدينية والإثنية[14]. وحسب هذا المنهج، فإن تركيز البريطانيين على هذه المُحدِّدات وتقعُّرهم فيها يؤدي إلى إبراز الفوارق الإثنو-طائفية وتقديمها على أنها كتلٌ اجتماعية ضخمة متضادة وواضحة المعالم، قوام كل منها عدَّة آلاف عضو (سواء بين "الشيعة" مقابل "السُّنة" أو بين "البحارنة" مقابل "الهولة" مقابل "القبائل"). فتشكَّلت أدوات الإحصاء والمؤسسات والقوانين وأنماط التحشيد وغيرها من أجهزة السلطة وانتظمت حول تلك الاختلافات الإثنو-طائفية التي يجري رفعها إلى مستوى المُعرِّفات الرئيسة الكبرى التي ينطلق منها التحليل الاجتماعي والسياسي.

وفي المقابل، تُهمل هذه التصنيفات المتضادةُ المقوِّماتِ الجامعة من ناحية الإثنية أو الدين (كاللغة العربية والإسلام). أما الفروقات في العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الأخرى، كعلاقات القربى والطبقة الاجتماعية والجغرافيا والتجارة وعلاقات الإنتاج، فتتوارى أمام التقسيمات الإثنو-طائفية التي تأخذ المقام الأول. ولا يعني ذلك تجاهل البريطانيين لتلك العوامل الأخرى، فقد أبدوا اهتمامًا ملحوظًا بتوثيق مختلف أوجه الاقتصاد والمجتمع والحكم حتى أدقّ التفاصيل، وإنما دائمًا مع الحفاظ على الاختلافات في الإثنية والطائفة بوصفها وحداتٍ أوَّليَّة رئيسة تشكِّل أساس بنية المجتمع المحلي، من وجهة النظر البريطانية.

ويمسك البحارنة بزمام زراعة النخيل وحصادها وغيرها من الأعمال الزراعية، بيد أنهم يعتمدون -إلى حدٍّ ما أيضًا- على مهنة الغوص وغيرها من المهن البحرية، إنما ليس بمقدار أقرانهم السُّنة

وكما هو الحال مع أنماط الاستشراق الأخرى، فعلى الرغم من أن الإحداق الإثنو-طائفي انطلق من قراءاته الاستعمارية المبنية على المعطيات المحلية، فإنه ما انفكَّ يتحوَّل ويتخذ شكلًا مستقلًّا، فيما يشبه انطباعات الرسَّام عن الجسد البشري، حيث قد لا تتطابق الصورة والواقع بالضرورة، بل يحتم على الأولى أن تُسطِّح الثاني وتقدِّمه من منظور الرسَّام الذي قد يركِّز على جانب معيَّن من الجسد الذي أسر اهتمامه، فيما يواري التضاريس والأبعاد الأخرى الأقل أهميةً من منظوره. إلا أن ثمة فرقًا جوهريًّا هنا بين الإحداق واللوحة، حيث إن الإحداق الإثنو-الطائفي الاستعماري قد يتفاعل بدوره ويؤثر في المجريات على أرض الواقع، بما ينجم عنه تبعاتٌ ملموسة.

لنعُد إلى الاقتباس من لوريمر لإلقاء المزيد من الضوء على هذه المسألة:

"رغم تشكيل البحارنة للفئة الأكبر عددًا في المجتمع، فهم ليسوا الفئة الأهم سياسيًّا، بل إن موقعهم السياسي أقرب إلى عمَّال السُّخرة (serfdom). ويمسك البحارنة بزمام زراعة النخيل وحصادها وغيرها من الأعمال الزراعية، بيد أنهم يعتمدون -إلى حدٍّ ما أيضًا- على مهنة الغوص وغيرها من المهن البحرية، إنما ليس بمقدار أقرانهم السُّنة".

ويُردف: "ويمثِّل الهولة الجماعةَ السُّنية الكبرى، لكنهم من أهل المدن ويعتمدون على التجارة ولا يتمتَّعون بمقدار عالٍ من التضامن فيما بينهم. لذا فإنهم غير ذوي أهمية باستثناء دورهم التجاري. ويُعَدُّ العتوب والسَّادة والدواسر القبائلَ الأكثر نفوذًا في البحرين"[15].

تكشف هذه الفقرة عن تصدُّر المنطق الإثنو-طائفي لتحليل الجماعات ومكوناتها من المنظور الاستعماري، كما نلاحظ في تعريف فئات السكان المجتمعية وحصرها أساسًا حسب الفوارق الإثنو-طائفية، لكنها أيضًا تكشف عن عددٍ من الإشكالات التي ينطوي عليها تبنِّي تلك الفوارق منطلقًا أساسيًّا لفهم المشهد السياسي. فعلى سبيل المثال، يصف لوريمر الهولة بكونهم "لا يتمتَّعون بمقدار عالٍ من التضامن فيما بينهم"، في حين يَعدُّ البحارنة الحلقةَ السياسية الأضعف، وهي إشارة ضمنية إلى أن الممارسة السياسية المنظمة -وفقًا لهذه القوالب الإثنو-طائفية- لم تكن هي القاعدة بين مَنْ تنطبق عليهم هذه المعرِّفات الاجتماعية. بل وحتى التحشيد السياسي المبني على القبيلة كان آخذًا في التحوُّل فيما بين الأفراد ذوي الخلفيات القَبَليَّة في خضمِّ التفاعل الاجتماعي الناتج عن الحياة في المدن خلال هذه الفترة، كما سيبيِّن سردنا في الفصل التالي.

خريطة تاريخية للبحرين تُظهر المدن والقرى
                              خريطة للبحرين تُظهر المدن والقرى

إلا أنه ليس من المستغرب استخدام الاستعمار البريطاني -متجليًا في شخص لوريمر- للتصنيف السياسي المبني على الإثنو-طائفية. فقد وُلِدَ هذا المنهج من رحِم ضرورات الحكم، الذي يستدعي -فيما يستدعيه- ترميز الرعايا وتنظيمهم، واستنباط الأُطر القانونية اللازمة وإضفاءها عليهم[16]. وكدأبهم في مستعمراتٍ أخرى، شرع البريطانيون في تخطيط مختلف تفاصيل الجغرافيا والتاريخ والثقافة والمجتمع وفرزها وترقيمها في البحرين. وتكفي نظرة واحدة في صفحات موسوعة لوريمر "دليل الخليج" -التي يتعدَّى عدد صفحاتها 4700 صفحة- للكشف عن الدور الرئيس الذي أُنيط بالبحرين فيما يتعلق بمصالح بريطانيا الاستعمارية في الخليج؛ إذ حظيت بتمحيصٍ أدقَّ وأشملَ بمراحل من باقي جاراتها في المنطقة، في تجلٍّ واضحٍ لتسخير المعرفة في خدمة الاستعمار. فمنطق السلطة يُحتم إخضاع السكان لفنون حكمها، وهو ما استدعى فرز مكونات المجتمع وترميزها وَفْقَ طبقاتٍ وفئاتٍ صارمة وواضحة، تعكس فهم المُستعمِر لمجرى الأمور على أرض الواقع، وتمكِّنه من إدارة المجتمع وفرض أشكال معيَّنة من الممارسة عليه، وفي حالة البحرين كان الخيار أن تكون هذه التقسيمات إثنو-طائفية[17].

لقد مثَّل استخدام البريطانيين مسح الأراضي والإحصاءات السكانية بدايةَ إدخال فنون الحكم وتقنياته الحديثة إلى البحرين. وكما كان الحال في مناطق أخرى من الإمبراطورية، اعتمد البريطانيون في رسم الخرائط وعمليات الإحصاء على فرزٍ منهجيٍّ للفئات الاجتماعية حسب تصنيفات مُبتسرة، غايتها اختزال المركَّبات الاجتماعية المعقَّدة وتقنينها في خاناتٍ بسيطة واضحة المعالم، بهدف "ترسيخ الهُويات الجماعية وإضفاء الصيغة الرسمية عليها"، في تعالقٍ عضويٍّ بين "تقنيات الحكم" وتقنيات القياس والتقدير[18]. وكان المنطق الرئيس الذي افترضته هذه العملية هو إمكانية تحديد التصنيفات الاجتماعية ومزاوجتها مع أدوات الحكم من مسوحٍ وإحصاءاتٍ رسمية، بغرض قياس الفئات الاجتماعية كمّيًّا ومقارنة بعضها ببعض.

وعلاوة على ذلك، جرى التعاطي مع تلك التصنيفات على افتراض أنها تحيل إلى فئاتٍ ثابتةٍ ذات طابَع عِرقي، تماشيًا مع المناهج الفكرية العِرقية الرائجة في أوروبا خلال القرن التاسع عشر[19]، بدلالة مقولات لوريمر المتكررة حول "الأعراق (races) المختلفة التي تستوطن البحرين"[20]. وقد اعتاد لوريمر -وغيره من ضباط الاستعمار البريطاني- استخدام مصطلحات مثل "العِرق" و"الفصيلة" (breed) و"السكان الأصليين" (aboriginals) عندما يتعلق الأمر بتصنيف المجموعات المحليَّة المختلفة[21]. وهكذا، لم يكن بالإمكان فهم محددات الهُوية المحلية إلا بعد تمريرها تحت عدسة عِرقية اختزلت السكان في هذه المصطلحات والمفاهيم ذات المنطق والمرجعية الغربية. ويستمرُّ هذا المنهج في الهيمنة على الأدبيات باللغة الإنجليزية حتى اليوم، برغم أفول الاستعمار الرسمي في المنطقة منذ أجيال[22].

وغنيٌّ عن القول أن العلاقات الاجتماعية على أرض الواقع تبقى أكثر تعقيدًا مما يطرحه هذا الخطاب الإثنو-طائفي. ففي البداية، تتميز قرائن الهُوية الاجتماعية -كالإثنية- بضبابية التخوم الفاصلة بينها (fuzzy boundaries)، فنجدها تتقاطع وتتفاعل مع بعضها بعضًا بطرق شتَّى[23]. ولا عجب، فمثل هذه المرونة تُعَدُّ جزءًا لا يتجزَّأ من طبيعة أي مركَّب اجتماعي، لا سيما إذا ما قِيس بأدوات الإحصاء السكاني التي تفترض تصنيفاتٍ جامدة وحصرية[24]. وفضلًا عن ذلك، تبقى الاعتبارات الإثنو-طائفية مجرَّد عاملٍ واحدٍ من بين طيفٍ من العوامل المؤثرة في التفاعل الاجتماعي في البحرين مطلع القرن العشرين. بل إنها -في كثير من الأحيان- لم تكن العامل الأهمَّ في تحديد التفاعل المجتمعي والسياسي، خاصةً إذا ما قورنت بعلاقات القربى، والطبقة الاقتصادية (class)، والمهنة، والموقع الجغرافي، وحياة المدن في مقابل القرى الزراعية، وذلك خلافًا لما استنَّته الممارسات الاستعمارية من إعلاءٍ لشأن الإثنية والطائفة على غيرها من الاعتبارات. فكما سيتبيَّن لنا، فقد استخدم المستعمر البريطاني تعريفاتٍ تلفُّها إشكالياتٌ من الغموض والضبابية والتناقض، وجرى إسقاطها بشكل متكرِّر عبر أزمنة وشخصيات مختلفة. لكن بقي افتراضه الرئيس الثابت خلالها جميعًا، أنه بالإمكان تعريف هذه الفئات الإثنو-طائفية وتحديدها بوضوح وحياد، وأنها -وفقًا لذلك- قابلة للتوظيف أساسًا موضوعيًّا للحكم والتحليل السياسي.

لا شكَّ أن التصنيفات الاجتماعية التي تُستعمل في الإحصاء هي جزءٌ لا يتجزَّأ من أنظمة الحكم الحديث كافَّة، وذلك استجابة لحاجة معظم الدول الحديثة لفرز السكان حسب فئات معيَّنة في سبيل حوكمتها، مثل "مواطن" مقابل "أجنبي" أو "بدون جنسية"، أو "لاجئ" مقابل "مهاجر". لذلك يصبح السؤال الرئيس: ما هي ممارسات الحكم الحديث السارية في المجتمع، وما هي أنماط الفرز والتصنيف التي يجري التركيز عليها والإعلاء من شأنها داخل كل نظام؟ وفيما يخص الحكم الاستعماري البريطاني في البحرين، لماذا كانت الاختلافات الإثنو-طائفية هي أساس فرز المجتمع وتصنيفه، والتي جرى إعلاؤها على كل الاختلافات الأخرى، وما هي ممارسات الحكم والاستقراء وأنماط القياس المترتبة على ذلك؟ وبمعنى آخر، ما الذي دعا البريطانيين إلى اعتماد الإثنيات والطوائف مفتاحًا أساسيًّا لفهم المجتمع ورسم الخريطة السياسية في البحرين؟ للكشف عن عملية بروز فنون الحكم المبنية على الاختلافات الإثنو-طائفية هذه، لا بدَّ من تقديم سرد للحِقب الزمنية لظهور تلك الممارسات، واستعراض السياق التاريخي لحكم الاستعمار البريطاني في البحرين خلال الربع الأول من القرن العشرين.

 

حقبة الاستعمار البريطاني المتأخر

لن يستغرب أيُّ قارئ لتاريخ الإمبراطورية البريطانية من استخدامها للتصنيفات الإثنو-طائفية أساسًا لممارسات الحكم الاستعماري، فقد وثَّق ذلك أكثر من مؤرخ، لا سيما في الولايات الأميرية الهندية (India Princely States)، والهند البريطانية (The British Raj)، وإفريقيا، وجنوب شرق آسيا (كماليزيا وبورما)، حيث جرى إعلاء مذاهب وإثنيات شتَّى وتقنينها في مناطق وأزمنة مختلفة، عبر أدوات الإحصاء وأنظمة الدولة ومؤسساتها[25]. ففي الهند، اتجه حكام الاستعمار البريطاني إلى فرز السكان واستقرائهم حسب شبكة واسعة من الأديان والطبقات (castes)، وأسبغوا عليها صيغةً رسميةً عبر سلسلة من القوانين والتنظيمات المفصَّلة[26]. أما في ميانمار (بورما) الخاضعة لحكومة الهند البريطانية، فقد لجأ ضباط الاستعمار إلى حُكم المجتمع وَفْقَ تصنيف أكثر من مئة دين وإثنية مختلفة[27]. والحقُّ أن مثل هذه المنظومات المعرفية القائمة على الفرز العِرقي والإثني للمجتمع تشكِّل عمودًا من أعمدة الاستعمار منذ بداياته، حيث يرجع تاريخها إلى فترة الاستعمار الإسباني لأمريكا الجنوبية[28].

ويمثِّل الربع الأخير من القرن التاسع عشر هيمنةَ "عصر الإمبراطوريات"، ونعني تحديدًا الإمبراطوريات الأوروبية[29]. فقد تميزت هذه الفترة بتغلغل الاستعمار الأوروبي في أنحاء العالم كافَّة، لا سيما في إفريقيا والعالم العربي. وفي المقابل، شهدت هذه الفترة أفولَ نجم الإمبراطوريات الإقليمية التقليدية من عثمانيين وقاجار. كما كانت هذه الحقبة سابقةً على تأسيس عصبة الأمم وطموحها الرامي إلى ترسيخ مبادئ المساواة والسيادة بين الدول. لذا فإن وقائع سردنا في هذا الكتاب تقع في تلك الفترة الانتقالية الفاصلة، التي شهدت ذروة الاستعمار الأوروبي في مقابل انحدار الإمبراطوريات الإقليمية، بينما لم تزل الأفكار التحرُّرية وحركات المساواة العالمية في طورها الجنيني.

كان التدخل البريطاني الصريح في شؤون الحكم في البحرين أمرًا واضحًا في بداية القرن العشرين، وكان الجهاز الإداري للإمبراطورية المناط بأمور الجزر الصغيرة آنذاك هو الحكومة البريطانية في الهند. ولم يكن لوريمر نفسه بغريبٍ على أنماط الحكم الاستعمارية البريطانية في الهند؛ إذ انحدر من أسرة ذات تاريخٍ طويلٍ في خدمة "الراج البريطاني"، وكان هو نفسه مسؤولًا في إقليم البنجاب في المحافظة الشمالية الغربية الحدودية بالهند[30]. وقد سطَّر لوريمر دليله الموسوعي خلال فترة "السياسة الأمامية" (Forward Policy) التوسُّعية في الخليج، التي اختطَّها الحاكم العام للهند البريطانية اللورد كرزون.

رسميًّا، خضعت المؤسسات السياسية التي أنشأها البريطانيون لتصريف أمور الحكم في الخليج لسلطة حكومة الهند البريطانية، بل إن معظم القائمين على الحكم البريطاني في الخليج كانوا من أصحاب الخبرة في الحكم الاستعماري في الهند. ومعظم هؤلاء الذين يُنعتون بـ "ذوي الخليج" (Gulfites) هم من خريجي الخدمة السياسية الهندية (Indian Political Service (IPS))، "بتراتبيتها القائمة على مجموعة من السادة الفكتوريين وأقاربهم المنخرطين في سلك الخدمة في الهند وغيرها من البلاد، والمنتمين إلى البرجوازية الصاعدة التي تلقَّت تعليمها في المدارس الخاصة"[31]. وقد صعد نجم هؤلاء إبَّان إغلاق شركة الهند الشرقية (East India Company) عام 1859م على خلفية التمرُّد الهندي العظيم على الشركة بين عامي 1857-1858م؛ إذ انتقلت السلطة إلى الحكومة البريطانية في الهند، بما يشتمل عليه ذلك من إعادة هيكلة للنظام السياسي. كما انحدر معظم ضباط بريطانيا في الخليج من أُسر استوطنت المستعمرات الهندية لأجيال، فنجد مثلًا أن آباء 24 ضابطًا -على الأقل- من أصل 66 ضابطًا بريطانيًّا في الخليج بين عامي 1858 و1947م، قد انخرطوا في سلك الخدمة في الهند في مرحلة ما من تاريخهم المهني[32]، وبالمثل عمل أقارب 20 ضابطًا آخرين هناك أيضًا.

وتتميَّز الدراسات الغربية التي تناولت الحكم البريطاني في البحرين والخليج بكونها تعتمد المنظور الإثنو-طائفي نفسَه الذي يرسِّخه الأرشيف البريطاني، من دون نقدٍ أو تمحيصٍ في أغلب الحالات، وهو ما تسعى هذه الدراسة إلى الكشف عنه وتفكيكه. والحقُّ أن المقاربة النقدية للأرشيف البريطاني لا تمنحنا فقط مادةً ثريةً لسير الأحداث التاريخية التي شهدتها البلاد، بل قد يكون الأهم أنها توثِّق لنا رؤية الحُكم البريطاني لتلك الأحداث وسُبل التعاطي معها. فحالما نتبنَّى هذه المقاربة النقدية، ستتبيَّن لنا الخاصية المنهجية الأبرز للأرشيف، أَلَا وهي هَوَس المسؤولين البريطانيين المُولعين بالتحليل الإثنو-طائفي على مرِّ السنين وتعاقب المسؤولين والحكومات.

ولأجل "إنصاف" كلٍّ من هذه المجتمعات الصغيرة بالإضافة إلى الاعتراف بـ "الخصائص الفريدة" لكلٍّ منها، أُدخلت مبادئ المحاصصة والتمثيل النسبي لكل طائفة وإثنية في الممارسات السياسية.

وبالإضافة إلى هيمنة الإحداق الإثنو-طائفي، تكْمُن العلامة الفارقة الأخرى للحكم البريطاني في القرن التاسع عشر في التسويغ المستمر لما يُسمَّى بـ "الإمبريالية العادلة"، التي تدَّعي العمل لمصلحة الإنسان المُستعمَر. ويشير ديبيش تشاكرابارتي (Dipesh Chakrabarty) في هذا الصدد إلى إحدى أغرب مفارقات القرن التاسع عشر، والمتمثِّلة في تزامن تحوُّل البريطانيين إلى ليبراليين داخل بلادهم، مع صعودهم بوصفهم رعاة أكبر إمبراطورية شهدتها المعمورة[33]. وقد تجلَّت هذه المفارقة في حرص الكثير من ضباط الاستعمار على توخّي الإنصاف والحياد في معاملة الفئات المجتمعية المتنافسة التي كانت -في نظرهم- تشكِّل السكان المحليين الخاضعين لحكمهم. ولذلك فُرزت الفئات المجتمعية بناءً على الإحداق الإثنو-طائفي، ولأجل "إنصاف" كلٍّ من هذه المجتمعات الصغيرة بالإضافة إلى الاعتراف بـ "الخصائص الفريدة" لكلٍّ منها، أُدخلت مبادئ المحاصصة والتمثيل النسبي لكل طائفة وإثنية في الممارسات السياسية.

وكما سنرى، فإن ضباط الاستعمار البريطاني قد أبدوا اهتمامًا خاصًّا بطريقة معاملة فئات مجتمعية معينة -حسب فرزهم الإثنو-طائفي- لا سيما الأقليات والفئات المضطهدة والمقهورة حسب رؤيتهم. ولا يعني ذلك -بطبيعة الحال- أن البريطانيين أنفسهم لم يشاركوا في القَسْر والاضطهاد، الأمر الذي تكرَّر باستمرار. بل إنه -في كثير من الأحيان- جرى توظيف هذا الحرص المزعوم على مصلحة الأقليات ذريعةً لتعزيز النفوذ البريطاني في المنطقة. لكن هذا لا ينفي أن ما كان يحرِّك بعض المسؤولين الأفراد هو اهتمام حقيقي بتخفيف المحن التي رأوا أن "فئات مجتمعية محلية" مظلومة تتعرض إليها. وقد مثَّل وجود العشرات من الرعايا الهنود في البحرين الحالةَ الأولى للتدخل البريطاني في شؤون الخليج المحلية، بحسبانهم "أقلية" تستدعي حماية التاج[34]. وقد ازداد هذا الحرص على أوضاع "الأقليات" مع تصاعد التدخل البريطاني في شؤون البحرين، بل امتدَّ حرص المسؤولين البريطانيين ليشمل جميع "الأجانب" في البلاد، فضلًا عن "الشيعة" في "المجتمع المحلي"، ولا سيما "البحارنة" منهم.

لكن هذا الحرص على الرَّفاه النسبي فيما بين الطوائف والمجموعات المختلفة حسب رؤيتهم، لم يعنِ الابتعاد عن ممارسات الحكم المطلق، بل مضت تلك الممارسات نحو المزيد من الترسُّخ والتقنين. فقد استمرت نظرة الضابط البريطاني إلى رعايا الإمبراطورية كسكان بدائيين في حاجة ماسَّة إلى التوجيه الحضاري، وإنْ استحقوا شيئًا من الإنصاف في المعاملة والوقاية من تجاوزات نظام الحكم "الاستبدادي"، ويكون ذلك عبر ترشيد قنوات ذلك النظام ومأسسة أركانه. فكان لكلٍّ من هذه "المجموعات المحلية" والجاليات -بعد حصرها عبر أدوات الإحصاء وغيرها من أدوات كميَّة- الحقُّ المبدئيُّ في الاعتراف الرسمي والمعاملة العادلة من قِبَل السلطات، وتمثيل مصالحهم في الأنظمة القانونية والمحاكم ومؤسسات الدولة.

ويعود توظيف هذه التوليفة من الإحداق الإثنو-طائفي ومقومات "الاستبداد العادل" (benevolent despotism) إلى ما يُسمَّى بـ "الحكم غير المباشر" (indirect rule)، وهو مصطلح بريطاني استعماري يشير إلى توسُّط الحاكم "المحلي" بين الحكم البريطاني والسكان المحليين، عوضًا عن بسطِ الحكم المباشر دفعةً واحدةً من مركز الإمبراطورية. وقد شهدت الهند أولَ توظيف لهذا النمط من الحكم، ليمتدَّ في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين إلى جُلِّ المستعمرات البريطانية في إفريقيا. وقد يكون أشهر تجسيد له هو نظام التمييز العنصري (الأبارتهايد) المعتمَد في جنوب إفريقيا، الذي علَّق عليه رئيس وزراء جنوب إفريقيا الأسبق جان سموتز (Jan Smuts) بالقول: "لا يكفي أن يخضع السكان المحليون لقادتهم فحسب، بل يجب أن يخضعوا لـ "المؤسسات المحلية" كذلك"[35].

وبرزت "الإثنية" بوصفها أحد أهم أركان الحكم غير المباشر الذي يركِّز على بناء المؤسسات والقوانين "العُرفية" (customary) ذات الطابع الإثني، بزعم استقائها من "تقاليد محليَّة". وقد كان للتقسيمات والفوارق الاجتماعية دورٌ رئيسٌ في تشكيل تصوُّر تلك المؤسسات العُرفية والإثنية، حيث يسلِّم هذا التصوُّر بوجود فوارق حصرية بين فئات المجتمع، ما يدعو إلى تسليط الضوء عليها، بل وإبرازها بوصفها عناصر إثنية وأحيانًا عِرقية متمايزة. وهكذا، فعِوَضًا عن النظر إلى السكان بوصفهم مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، جرى تصويرهم رعايا ينتمي كلٌّ منهم إلى طائفة أو إثنية معينة بالولادة. وهكذا حظيت كلٌّ من هذه الإثنيات والطوائف بمؤسساتها الرسمية الخاصة التي تعكس طبائعها العُرفية، بتوجيه من الإمبراطورية وإيعاز منها، فانتظمت أجهزة الدولة الكولونيالية حول عمادَي الإثنية والطائفة، وتشظى الرعايا في حفنة من الأقليات الإثنو-طائفية، لكلٍّ منها "ممارساتها العُرفية" الخاصة التي ثُبِّتت في شكل قوانين ومؤسساتٍ رسمية تحت إشراف التاج البريطاني.

يجنح مفهوم الحكم غير المباشر إلى التقليل من دور الفاعلين المحليين، بمن فيهم الحاكم المحلي، حيث نادرًا ما يتطرق إلى التوترات القائمة بين الحاكم المحلي ومعاقل الإمبراطورية، ناهيك عن الخلافات القائمة بين القوى الإمبريالية والإقليمية المحيطة.

ولا يعني كل ما ذُكر أن ممارسات هذا النمط من الحكم والقوانين التي ينطوي عليها جاءت نتيجةً لمؤامرة خارجية نفذها ضابط الاستعمار حسب اعتبارات مُختلَقة لا حظَّ لها من الواقع. وفي المقابل، لا يعني أنها جسَّدت قبولًا وانعكاسًا كُليَّيْن لواقع الممارسات القائمة في "المجتمع المحلي". فكما يشير محمود ممداني، فإن الانتقال من الحكم المباشر إلى الحكم غير المباشر ترتَّب عليه "الاعتراف بتاريخ البلدان المُستعمَرة وقدرة سكانها على الفعل السياسي"، فضلًا عن محاولة تناول الأعراف المحلية بشيءٍ من التحليل المنهجي. وقد حدث ذلك عبر إبراز العناصر الاستبدادية في الأعراف والتقاليد، ومن ثَمَّ استخلاصها في تصوُّر معيَّن للأحكام والقوانين العُرفية:

"كان الغرض هو تجاوز تصوُّر الأعراف بوصفها ظاهرة أحادية والتركيز على تفكيك خطوطها المتعدِّدة، من أجل تحديد العناصر الاستبدادية وصقلها والبناء عليها، ليجري التصديق رسميًّا على المنتج في صيغة أحكام عُرفية. وعادة ما كان ينفذ هذه العملية الحلفاء "المحليون" (ويشار إليهم باسم "الزعماء" (chiefs)) بالنيابة عن القوى الاستعمارية عبر نموذج الحكم غير المباشر... وبهذا جمع الزعيم في شخصِه بين مفاصل السلطة كافَّة: القضائية والتشريعية والتنفيذية والإدارية"[36].

لذلك فدائمًا ما كان الحُكم غير المباشر ميدانًا للصراع بين قوى متعدِّدة، لكن لا بدَّ من استيعاب أن الأرضية والمؤسسات الحاكمة لذلك الصراع ترجِّح مصالح الاستعمار -ومن ثَمَّ زعمائه المحليين- في المقام الأول، "فلا توازن القوى ولا المواجهة كانت متكافئة"[37]. وفي هذا السياق من الحكم غير المباشر ومؤسساته، أُنتجت الإثنو-طائفية بوصفها منهجًا معرفيًّا وخطابًا وممارسة.

الحكم المنقسم النزاعي (Divided and Contested Rule)

استُخدم مفهوم الحُكم غير المباشر بشكل موسَّع ومُثمِر لدراسة الخارطة العامَّة للحكم الاستعماري وفهمِها، إلا أنه يفتقر للدقَّة اللازمة لتحليل الظواهر التي يعتني بها هذا الكتاب. ففي البداية، يقتضي المفهوم -ضمنًا- مقابلةً واضحةً بين الحكم المباشر والحكم غير المباشر، بيد أن الممارسة تشهد على عكس ذلك، فالتخوم الفاصلة بين هذين النمطَيْن من الحكم مُلتبِسةٌ في أغلب الأحيان، ما يقف عائقًا أمام الاعتماد على المفهوم منطلقًا تحليليًّا[38]. وبالإضافة إلى ذلك، يجنح مفهوم الحكم غير المباشر إلى التقليل من دور الفاعلين المحليين، بمن فيهم الحاكم المحلي، حيث نادرًا ما يتطرق إلى التوترات القائمة بين الحاكم المحلي ومعاقل الإمبراطورية، ناهيك عن الخلافات القائمة بين القوى الإمبريالية والإقليمية المحيطة.

لهذا السبب آثرنا استخدام صيغة مطوَّرة لمفهوم "الحكم المنقسم"، الذي نستعيره من المؤرخة ماري لويس (Mary Lewis)[39]، وهو مفهوم يسعى إلى تحليل الحكم الاستعماري من زاوية السيادة. وسنرصد -فيما يلي من فصول- الكيفية التي دشَّن بها نظام الاستعمار البريطاني مراكزَ مزدوجةً للسلطة والصلاحيات القضائية (jurisdictions) تمتَّع البريطانيون فيها بـ "سيادة مشتركة" (co-sovereignty) تتقاطع مع سيادة الحاكم المحلي. وقد تجسَّدت تلك السيادة المشتركة على أرض الواقع في سماح البريطانيين للحاكم المحلي بالحفاظ على منظومة الأعراف والضرائب والقضاء وأدوات القَسْر والمؤسسات الدينية كما عهدها، بينما شَرَع البريطانيون بدورهم في تدشين منظومتهم القضائية وأجهزتهم الحكومية الخاصة جنبًا إلى جنب الحاكم المحلي، حيث يقع الرعايا "الأجانب" ضمن صلاحيات الحكم البريطاني، فيما تشمل صلاحيات الحاكم المحلي الرعايا "المحليين".

وقد رأيتُ توسعة المصطلح إلى "الحكم المنقسم النزاعي" (“divided and contested rule”) لإبراز الطبيعة النزاعية الطاغية حتى على أبسط التعريفات لنطاق السيادة بين الحكم البريطاني والحاكم المحلي في البحرين، فنجد أن الاثنين لم يتفقا قطُّ على تعريف مَنْ هو "الأجنبي" مقابل "المحلي"، ومن ثَمَّ لم يكن ثمة توافقٌ بين الطرفَيْن حول نطاق الرعايا الواقعين تحت سيطرتهم. وكما سنرى، فقد سعى البريطانيون إلى صياغة تلك التعريفات حسب اعتبارات إثنو-طائفية، وسيشكِّل ذلك قاعدةً قانونيةً ومؤسسيةً للتحشيد السياسي الإثنو-طائفي في البحرين.

فخلال الفترة الممتدَّة بين عامي 1900 و1923م، سيجتهد كلٌّ من البريطانيين والحكَّام المحليين لمصالحة التناقضات الناجمة عن النزاعات السيادية في النظام الجديد، وسيناور كلٌّ منهم -قدر استطاعته- عبر التوترات الإثنو-طائفية المتصاعدة، في صراعٍ متقاطعٍ مع الفاعلين على الساحة المحلية والقوى الإقليمية المحيطة، مما سيعيد صياغة الساحة السياسية وتشكيلها. وبدوره، أدى هذا التفاعل بين شتَّى الأطراف، والصراعات التي أفرزها الإحداق الإثنو-طائفي ونموذج الحكم المنقسم إلى زعزعة نظام الحكم حدَّ الانهيار؛ إذ تصاعدت حدَّة التصعيد الإثنو-طائفي حتى وصلت إلى ذروةٍ من العنف والاضطراب تعدَّت ما كان مقبولًا للبريطانيين، ما دعاهم -في نهاية المطاف- إلى إعادة ترتيب النظام السياسي بأكمله في شكلٍ آخر أكثر ملاءمةً لمصالحهم.

 

Accordion title 1

[1]  ليس من همِّنا هنا إثبات مدى صحَّة هذه الأرقام من عدمها، التي أثارت الكثير من الجدل والنقاش بين المهتمين حول دقتها. بل همُّنا الأول هو تفكيك ونقد المنطق الذي انطلقت منه هذه الخانات الإحصائية الإثنو-طائفية التي اعتمدها لوريمر، كما نبيِّن في النقاش التالي.

[2] QDL, ‘Gazetteer of the Persian Gulf. Vol. II. Geographical and Statistical. J G Lorimer. 1908’ [‎238] (265/2084), IOR/L/PS/20/C91/4, http://www.qdl.qa/en/archive/81055/vdc_100023515712.0x000042.

[3]  تتناول العديد من الدراسات هذه الجزئية، انظر على سبيل المثال:

Patricia M. E. Lorcin, Imperial Identities: Stereotyping, Prejudice and Race in Colonial Algeria (London: I.B. Tauris, 1995).

[4]  للمزيد حول تاريخ الهولة بوصفهم فئة اجتماعية، راجع: عبد الرزاق محمد صديق، صهوة الفارس في تاريخ عرب فارس (بيروت: مطبعة المعارف، 1993م)؛ جلال خالد هارون الأنصاري، تاريخ عرب الهولة والعتوب (بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2011م).

[5]  للمزيد حول البحارنة بوصفهم فئة اجتماعية يجمع بين أفرادها تصوُّر ذاتي محدد، راجع:

Laurence Louër, Transnational Shiʿa politics: religious and political networks in the Gulf (New York: Columbia University Press, 2008).

[6] كما سنرى لاحقًا، فإن من أكبر أوجه التباين بين استعمالات تصنيف "البحارنة" مقارنة بـ"الهولة" هي ظاهرة التحشيد السياسي بناءً على وعي الأفراد بهُوية اجتماعية-سياسية تحت لواء "البحارنة"، فيما لم نشهد ظاهرةً مماثلةً فيما يخص "الهولة" في تاريخ البحرين الحديث، حيث يجنح الهولة عمومًا إلى التحشيد السياسي بناءً على هُوياتٍ أكثر اتساعًا، من وطنية وقومية وإسلامية. 

[8]  للمزيد حول علاقة أسرة آل خليفة بقبيلة العتوب، راجع: محمد النبهاني، التحفة النبهانية (البحرين: د.ن، 1923م).

[9]  للمزيد حول العجم في البحرين بوصفهم فئة اجتماعية ذات تصوُّر ذاتي محدد، راجع: "تاريخ العرق الفارسي في البحرين"، صحيفة "الوقت"، 28 أكتوبر 2009م،  النص موجود على موقع سنوات الجريش   http://www.jasblog.com/wp/?p=3200.

[10]  نتجاوز التعاطي مع باقي الفئات التي صنَّفها لوريمر ضمن "الأجانب" من هنود (هندوس ومسلمين) ويهود ومسيحيين، وذلك لضآلة حجمها نسبيًّا خلال تلك الفترة، حيث لم تتعدَّ العشرات من الأفراد. ومن المهم أيضًا تبيان أن هناك خلفيات اجتماعية أخرى لم يتناولها لوريمر بالعمق نفسِه في تصنيفاته المبدئية، مثل مَن يعدُّون أنفسهم من خلفيات بلوشية أو إفريقية.

[11]  الإحداق حسب "معجم الغني" مصدر أَحدَق، ويعني: الإحاطة والمحاصرة، وإمعان النظر. وقد اخترت المصطلح ترجمةً لـ “gaze”؛ لأنه يغطي -في رأيي- أهمَّ جانبَيْن للمفهوم، حيث إنه يشير إلى التمعُّن من وجهة نظرٍ معيَّنة، بالإضافة إلى أن وجهة النظر هذه تحاصر وتختزل ما يُنظر إليه عبر منطق يجعل الإثنية والطائفية أساسَ الرؤية. وبالإمكان أيضًا استعمال مصطلح "التحديق" ترجمةً مرادفةً. وفي المقابل، كان المترجم يفضِّل مصطلح "المعاينة" لسلاسته وجمعِه معنيي التفحُّص والتدقيق معًا، وحسبي أنه قد يكون اختيارًا موفقًا، إلا أني آثرتُ الاستمرار مع "الإحداق"، وأتحمَّل وحدي تبعات هذا الاختيار. (المؤلف)

[12]  ثمة كمّ كبير من الأدبيات التي تتناول استخدام المعارف الاستعمارية لترسيخ النفوذ الأوروبي الإمبريالي في العالم العربي، مما لا يتسع المقام لتفصيله هنا. ويبقى المرجع الأساسي في هذا الصدد هو كتاب "الاستشراق" لإدوارد سعيد:

Edward Said, Orientalism (New York: Vintage, 1979).

[13] Elleke Boehmer, Colonial and postcolonial literature: migrant metaphors (Oxford: Oxford University Press, 2005).

[14]  تبرز هنا إشكالية رئيسة في ترجمة مصطلح “community”، كونه مفهومًا مركزيًّا لفهم منطق "الإحداق الاستعماري"، حيث كان البريطانيون يرون أن جوهر فهم الساحة الاجتماعية هو تكوُّنها أساسًا من عددٍ من المجتمعات الداخلية الصغيرة (communities)، تتكوَّن كلٌّ منها من عدَّة آلاف نسمة، وتتمتَّع كلٌّ منها بهُوية وروابط داخلية واضحة المعالم، تميزها وتضعها في موقع تباين واضح مع غيرها. وفي حالة "الإثنو-طائفية"، فإن أساس التكوين والفرز بين كلٍّ من هذه المجتمعات الداخلية المختلفة هو الإثنية والدين. وقد يكون مصطلح "الطائفة" -كما كان يُستعمل تاريخيًّا- قريبًا من المعنى المنشود هنا لـ “community”، حيث كان يشير إلى فئة من ضمن الجمع (وليست بالضرورة أن تكون دينية، راجع المقدمة)، إلا أن نمط استخدام مصطلح "الطائفة" في عصرنا الحالي -الذي يحصره بالهُويات الدينية- سيجعل استعماله في هذا السياق مربكًا خلال الدراسة. لذلك اعتُمد مصطلح "جماعة"، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المقصود بـ”communities”  قد يكون أقرب إلى مجتمعات ثانوية.

[15] QDL, ’Gazetteer of the Persian Gulf. Vol. II. Geographical and Statistical. J G Lorimer. 1908’ [‎240] (267/2084), IOR/L/PS/20/C91/4 http://www.qdl.qa/en/archive/81055/vdc_100023515712.0x000044.

[16] James C. Scott, Seeing like a state: How certain schemes to improve the human condition have failed (New Haven: Yale University Press, 1998).

[17]  من الأهمية بمكان في هذا الصدد مراجعة مفهوم فوكو حول "فنون الحكم"governmentality :

Michel Foucault, Security, territory, population: Lectures at the Collège de France 1977—1978 (Uasingstoke: Macmillan, 2009).

ولدراسة تطبيقية حول دور مفهوم "فنون الحكم" في عمليات الإحصاء السكاني في الولايات المتحدة، راجع:

Matthew G. Hannah, Governmentality and the mastery of territory in nineteenth-century America (Cambridge: Cambridge University Press, 2000).

[18] Dipesh Chakrabarty, Habitations of modernity: Essays in the wake of subaltern studies (Chicago: University of Chicago Press, 2002), 83.

[19] Michael Banton, Racial theories (Cambridge: Cambridge University Press, 1998).

[20] QDL, ‘Gazetteer of the Persian Gulf. Vol. II. Geographical and Statistical. J G Lorimer. 1908’ [‎241] (268/2084), IOR/L/PS/20/C91/4, https://www.qdl.qa/en/archive/81055/vdc_100023515712.0x000045.

[21] QDL, ‘Persian Gulf Gazetteer Part II, Geographical and Descriptive Materials, Section II Western Side of the Gulf’ [‎67v] (137/286), IOR/R/15/1/727, https://www.qdl.qa/en/archive/81055/vdc_100023206838.0x00008a; QDL, ‘Gazetteer of the Persian Gulf. Vol. II. Geographical and Statistical. J G Lorimer. 1908’ [‎208] (231/2084), IOR/L/PS/20/C91/4, https://www.qdl.qa/en/archive/81055/vdc_100023515712.0x000020; Bill Ashcroft, Gareth Griffiths, and Helen Tiffin. Post-colonial studies: The key concepts (London: Routledge, 2013), 4–5.

[22]  على سبيل المثال، ثمة جنوح في الدراسات المكتوبة بالإنجليزية إلى استخدام صيغة مطوَّرة من الخطاب الاستعماري حول "السكان الأصليين" لرسم تصوُّر معيَّن عن تاريخ البحرين، مفاده الآتي:

مثَّل الخليج على مَرِّ الدهور حلقة وصل كزموبولوتية (cosmopolitan) فريدة، تكوَّنت منذ الزمن الغابر من خليطٍ من الطوائف والإثنيات المختلفة. لكن البحرين كانت الشاذة في كون البحارنة (الشيعة) هم المكون الوحيد للسكان الأصليين (indigenous) المحليين. وفي عام 1783م، احتلَّ البحرين السُّنة الذين قدموا من بعد 30 كيلومترًا بقيادة آل خليفة واستحوذوا عليها. وقد وصل الحال ببعضهم إلى تصوير هذا كحالة من "الاستعمار الاستيطاني" (settler colonialism) في اقتلاعٍ لذلك المفهوم عن جذوره المرتبطة بالاستعمار الأوروبي. وبهذا يجري تسطيح تاريخ تفاعل اجتماعي امتدَّ مئات السنين عبر دين ولغة وموارد وجغرافيا مشتركة، في قوالب عِرقية مختزلة تمتثل للمصطلحات والمفاهيم الغربية، بحيث يؤدي "السُّنة" دورَ المستوطن الاستعماري الأوروبي الأبيض، ويضطلع "الشيعة" بدور "السكان الأصليين" (ونلاحظ هنا أصداء مماثلة للنظرة الاستشراقية التي ترى في التوسُّع المبكِّر للإمبراطورية الإسلامية حركة استيطان استعماري انطلقت من شبه الجزيرة العربية، على غرار الاستعمار الاستيطاني الأوروبي في العصر الحديث).

 وقد برز خطاب مشابه منذ نهايات القرن العشرين في البحرين والخليج، يرتكز على مفهوم "السكان الأصليين"، لا سيما في الأوساط التي تعتمد منظورًا إثنو-طائفيًّا للسياسة. وقد سال حِبر كثير في محاولة شتَّى الأطراف إثبات "أصالتها" وأولويتها على الغير في البحرين والخليج، ما أدى ببعضهم إلى توسل "العلمية العنصرية" (scientific racism) التي تحاول إسقاط مكونات اجتماعية على دراسات بيولوجية (مثل ربط تحاليل الجينات DNA بتقسيمات اجتماعية). وتتجلَّى المفارقة في أن دليل لوريمر ذاته قد أصبح بمثابة حجر الأساس والمرجع الذي لا يأتيه الباطل لدعم هذه الخطابات. ومن نافل القول الإشارة إلى المغالطات المنطقية والعينية (empirical) التي تشوب مثل هذه الخطابات، لا سيما في منطقة شهدت تفاعل الطائفتَيْن الإسلاميتَيْن الكُبريين (ناهيك عن غيرهما من أديان ومذاهب) منذ فجر الإسلام، فضلًا عن كونها موطنًا لجماعات بشرية شتَّى اعتمدت على البحر والزراعة والصحراء للعيش آلاف السنين. للاطلاع على نقدٍ عينيٍّ ومنطقيٍّ لهذا الاستقراء الإثنو-طائفي للتاريخ، والنظرة الدونية التي ينطوي عليها في محاولته للتشكيك في شرعية "الآخر" حسب تصورات جامدة للطائفة والإثنية، راجع: نادر كاظم، طبائع الاستملاك (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2007م)، ص75-85؛ سنان أنطون، "السكان الأصليون والبقية: إشكاليات المصطلح"، السفير، 22 مارس 2016م: http://assafir.com/article/482731

[23] Chakrabarty, Habitations of modernity, 87.

[24]  ينطوي تعريف الإثنية على أحد أبرز الإشكالات المنهجية التي ما فتئت تقضُّ مضجع علماء الأنثروبولوجيا والاجتماع. فبينما اعتمد المستعمر البريطاني على مقاربة الفئات الإثنية في البحرين على أساسٍ عرقيٍّ جامد، يتجه العديد من علماء الأنثروبولوجيا اليوم إلى تصوير الإثنية بوصفها هُوية اجتماعية مركَّبة ومرنة، لأفراد يجمع بينهم التصور الذاتي لأنفسهم كجزء من فئة اجتماعية محددة وقائمة على خليطٍ من الخصائص المشتركة (من لغة ودين ونَسَب...إلخ) مقارنةً بالفوارق المتصوَّرة لفئات أخرى في المجتمع. للمزيد حول الإثنية راجع:

Thomas Hylland Eriksen, Ethnicity and nationalism: Anthropological perspectives.(London: Pluto Press, 2002).

[25] Barbara N. Ramusack, The Indian princes and their states (Cambridge: Cambridge University Press, 2004), 212; Mahmood Mamdani, Citizen and subject: Contemporary Africa and the legacy of late colonialism (Princeton: Princeton University Press, 1996).

[26] Nicholas B. Dirks, Castes of mind: Colonialism and the making of modern India (Princeton: Princeton University Press, 2011).

[27] Adam Simpson, Nicholas Farrelly, and Ian Holliday (eds.), Routledge Handbook of Contemporary Myanmar (Abingdon: Routledge, 2017).

[28] Anibal Quijano, ‘Coloniality of power and Eurocentrism in Latin America,’ International Sociology 15,2 (2000): 215–232.

[29] Eric Hobsbawm, The Age of Empire: 1875–1914 (London: Weidenfeld & Nicolson, 1987).

[30] Fereydun Vahman and Garnik Asatrian, ‘Lorimer, David i. In Persia’, Encyclopedia Iranica, http://www.iranicaonline.org/articles/lorimer-david-i-in-persia.

[31] Paul Rich, Creating the Arabian Gulf: The British Raj and the Invasions of the Gulf (Maryland: Lexington Books, 2009), 16.

[32]  المرجع السابق، ص54. ومن بينهم الشخصيات الرئيسة التالية في دراستنا: نوكس (Knox)، وميد (Meade)، وبريدو (Prideaux)، وبراير (Prior)، وشيكسبير (Shakespear)، وتريفور (Trevor).

[33] Chakrabarty, Habitations of Modernity, 85.

[34]  على سبيل المثيل، حاول الشيخ جاسم -مؤسس الأسرة الحاكمة في قطر- طرد مجموعة من الهنود عام 1882م، لكن بريطانيا أجبرته على الاعتذار منهم والاستمرار في استضافتهم بالبلاد. راجع: Rich, Creating the Arabian Gulf, 55.

[35] Mahmood Mamdani, ‘Historicizing power and responses to power: indirect rule and its reform,’ Social Research (1999): 859–886, 870.

[36] M. Mamdani, ‘Historicizing Power’, 874.

[37] Ibid, 873.

[38]  لمثال على ضبابية الحدود بين أطياف الحكم المباشر وغير المباشر، انظر:

Michael H. Fisher, Indirect Rule in India: Residents and the Residency System 1764–1857 (Oxford: Oxford University Press, 1998), 395.

[39] Lewis, Divided Rule.

 

الكلمات الدلالية