الإسلام الحداثي: مراجعة كتاب «الإسلام والتحديث: مشروعات التجديد في العالم الإسلامي (1840 - 1940م)»

كتاب الإسلام والتحديث مشروعات التجديد في العالم الإسلامي

نشر مركز نهوض للدراسات والبحوث في العام الماضي (2020م) ترجمة كتاب أستاذ علم الاجتماع والدراسات الشرق-أوسطية تشارلز كورزمان (Charles Kurzman): "الإسلام والتحديث: مشروعات التجديد في العالم الإسلامي (1840-1940م)"، وبذلك يكون هو الكتاب المرجعيّ الثاني الذي يُنقل إلى اللغة العربية من مؤلفات/تحرير كورزمان، وذلك بعد ترجمة كتابه المرجعيّ الأول "الإسلام الليبرالي"، الذي يمكن عدُّه الكتابَ المتمِّم لمشروع كورزمان في مسعاه التعريفيّ بأفكار النهضويين والتنويريين المسلمين في العصر الحديث؛ رغم كونه الأقدم ترجمةً إلى اللغة العربية، والأقدم كتابةً في لغته الأصلية.
 يندرج كتاب كورزمان -الذي نعرضه هنا- ضمن نوعيَّة الكتب المعروفة بالكتب المرجعيَّة (SOURCE-BOOK)، التي تهدف إلى أن تكون مهادًا موضوعيًّا ومرجعًا جامعًا للباحثين؛ بغيةَ تكوين رؤيةٍ قاصدةٍ تجاه الموضوع المبحوث([1]).

ينصبُّ عمل كورزمان في هذا الكتاب على تقديم ترجماتٍ تعريفيةٍ لقرابة خمسين عالمًا ومصلحًا يندرجون ضمن تقليدٍ دينيٍّ يصطلح عليه كورزمان بـ "الإسلام الحداثي"([2]). وعلى الرغم من كونِ هذا الكتاب كتابًا "مرجعيًّا"، فإنَّ قيمة المادة المعرفية التي حواها الكتاب قد تركَّزت أساسًا في مقدمة المحرر، حيث نجح -عبر معالجاته المُركَّزة والذكيَّة في نَظْم مقالات الكُتَّاب المتناثرة في عقدٍ ممسودٍ ومتينٍ- في توضيح الصورة الإجمالية لأفكار المسلمين الحداثيين، بعد رصدِ قيم التحديث التي اشتملت عليها أعمالهم.
 ولأجل ذلك، بدا العمل ضعيفًا من جهة المعالجات البحثية للشخصيات المُترجَم لها؛ إذ لم يتجاوز التناول الترجمي أو السِّير-ذاتي (Biography) أن يكون تضميناتٍ عامَّةً لنصوصٍ مختارةٍ من كتبهم أو مجلَّاتهم ودراساتهم، دون دراسة تفصيلية للنصِّ الذي تمَّ إيراده، أو دراسة تفصيلية لعموم أعمال المُترجَم له أو أفكاره، والاكتفاء بما أُشير إليه في مقدمة كورزمان على موقع الشخصية ضمن خارطة "الإسلام الحداثي".

مَنْ هم المسلمون الحداثيون؟

حاول كورزمان تعريف "المسلم الحداثي" عبر استحضاره عدَّة محكَّات يمكن عدُّها حدودًا عامَّة، ينطوي تحت أعطافها العديد من المفكِّرين المسلمين منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين([3])، وتدور في جملتها حول "التبنِّي الواعي لقيم الحداثة"، والاستفادة من القيم الحداثية الغربية المتعلِّقة بالتعليم الحديث، وإنصاف المرأة، والحراك الدستوري، والدولة الحديثة، وتجديد القول الديني...إلخ.
وهنا يشدِّد كورزمان على كون الحركة الإسلامية الحداثية هذه ليست حديثةً فقط، بل حداثية أيضًا، أي إنها تسعى إلى "خلقِ جوٍّ من الوفاق بين القيم الحداثية والدين الإسلامي"، وهي بذلك تفترق عن ثلاثة تياراتٍ معروفة حيال موقفها من جدل الإسلام والحداثة:
1- المؤسسة العُلمائية التقليدية التي تقطع مع هذه القيم الحداثية دون التفكير فيها بدايةً (التقليد).
2- الحركات الإسلامية التي تقطع مع هذه القيم الحداثية، والتقليل من شأنها من خلال الارتداد الهويَّاتي الذي يعمد إلى نفي القيم الحداثية عبر الاكتفاء بما لدى المسلمين من قيمٍ إسلامية (الأصالة).
3- الحركات العلمانية التي تتبنَّى القيم الحداثية، مع نفيها إمكانية التوافق بين هذه القيمِ والقيم الإسلامية، بل وجعل القيم الإسلامية من مُعيقات التحديث والارتحال نحو القيم الحداثية (القطيعة).

التحديات المركَّبة: من السياسي إلى الثقافي

يشير كورزمان إلى أن المسلمين الحداثيين قد واجهوا تحديًا لم يألفه غيرهم من الإصلاحيين السابقين عليهم؛ أَلَا وهو "تحدي الحداثة". فلم تكن الحداثة محض مجموعة من المُثل والأفكار المنسلخة عن الواقع، فيُكتفى بكتابٍ من قبيل "الرد على الحداثة" لتجاوزها أو الردِّ عليها كما يفعل البعض بتأثيرٍ من انتشار العقلية الكلامية في عالمنا العربي اليوم إزاء التعامل مع الحداثة، وكأن الحداثة محضُ فكرة تنتمي إلى المعجم الفلسفي والفكري، يُكتفى بتأليف كتابٍ يجيء على صيغة "الرد على الحداثة" لتجاوزها وغلق ملفها، والانتقال إلى ملفٍ آخر (الرد على المعتزلة، على سبيل المثال)! بل كانت وضعًا تاريخيًّا وسياسيًّا غير مسبوقٍ، ارتبط أساسًا بالتوسُّع الإمبريالي الأوروبي، وما فرضه من تحدياتٍ خمسة بحسب كورزمان:

1- التحدي العسكري وتطوُّر الأنظمة الحربية، التي سمحت للأوروبيين بغزو مناطق كبيرة من العالم الإسلامي.
2- التحدي الاقتصادي من خلال سيطرتها على طرق التجارة، واستحداث العديد من الصناعات والمخترعات غير المسبوقة.
3- التحدي المعرفي من نُظُم المعرفة التي أنتجها.
4- التحدي السياسي وبناء النُّظُم السياسية القومية الحديثة.
5- التحدي الثقافي بمعناه العملي من ممارساتٍ وسلوكياتٍ غير مألوفة في العالم الإسلامي.

سُلطتا الماضي والاعتماد

يرى كورزمان أن المسلمين الحداثيين قد واجهوا تحديًا آخر غير "تحدي الحداثة"، وهو التحدي الداخلي الذي يمكن تسميتُه بـ "ممانعة قوى الوضع القائم". وهنا يتحدَّث كورزمان عن قوتَيْن أو سلطتَيْن جعلتا من خوض رجالات الفكر الحداثي الإسلامي مغامراتِهم الفكرية أشدَّ كلفةً: تمثَّلت السلطة الأولى في "سلطة الماضي"، التي رفضت الممارسات الاجتهادية، وضيَّقت على أصحابها. وهنا يشير كورزمان إلى عملية اقتياد السلطة العثمانية العلماء والشيوخ بتهمة الاجتهاد، وهي إشارة تتفق مع ما أورده المؤرخ اللبناني وجيه كوثراني في كتابه "الذاكرة والتاريخ" من أن جمال الدين القاسمي قد زُجَّ به في السجن؛ لعثور السلطات العثمانية على بعض كتب الحديث النبوي في منزله، ولأن كتب الحديث من المصادر الأصلية؛ فمظنَّة الاجتهاد هنا أوكد.

وأما السلطة الثانية فتمثَّلت في "سلطة الاعتماد"، فعلى فرض سماح رجال التقليد للمسلمين الحداثيين بالاجتهاد، فإن نفيًا آكدًا من مجال التأثير سيحاصرهم، وهو أمر مرتبط بامتلاك السلطة العلمائية التقليدية لمفاصل التعليم والقضاء والإفتاء وخطب الجمعة ونحوها. ومن هنا يمكن قراءة ذيوع فكرة المجلَّات والصحف الحديثة عند أغلب رجال الحداثة الإسلامية، وكذلك إنشاء المعاهد التعليمية الحديثة، والمسارح، والكتابة الروائيَّة، وغيرها من وسائل التأثير التي عُرفت آنذاك كما أدركها كورزمان.

بين الغربي والكولونيالي

  يشير كورزمان إلى قدرة الروَّاد المسلمين الحداثيين على تجاوز التوتُّر القائم بين القيمِ الحداثية الغربية والممارساتِ الكولونيالية التي ترافقت لدى حَملة هذه القيم من الغربيين، بحيث استطاعوا التمييز بين الغربي والكولونيالي، ولم تُعقهم الدعوة إلى "جهاد المستعمر" والمشاركة في حركات التحرُّر العربي والإسلامي من الاستفادة من القيم الحداثية الغربية المتعلِّقة بالتعليم الحديث، وإنصاف المرأة، والحراك الدستوري، والدولة الحديثة، وتجديد القول الديني.

موسوعة الإسلام الحداثي: الامتياز والتعثُّر

 إن إشارات كورزمان الثريَّة كثيرةٌ وعديدةٌ، ولا يتَّسع المجال لذكرها، مثل حديثه عن التباينات العريضة لدى التيار الإسلامي الحداثي، فعلى الرغم من وجود قدرٍ متفق عليها عند غالبهم، فإن الاختلاف لم يكن غائبًا عن هذا التيار (خاصةً في الموقف من التصوف، والتعليم الديني، والسلطة الاستعمارية...إلخ)، وإشارته أيضًا إلى وجود آباءٍ لهذا الإسلام الحداثي يرجع غالب الأبناء إليهم (الأفغاني، وعبده، ورضا ..)، وكذلك إشارته إلى لحظة أفولِ الإسلام الحداثي.

ومن الإشارات الذكيَّة والمُلفتة في هذا العمل، التي يمكن عدُّها الفائدةَ الأكبر في هذا الكتاب، هي إشارته إلى الإسلام الحداثي غير العربي، أي الحديث عن جهود مفكِّرين ومصلحين مسلمين لا نكاد نعرف عنهم شيئًا؛ إمَّا لبُعْد المكان، وإمَّا لاختلاف اللسان. وبذلك يخرج كورزمان عمَّا يسميه مارشال هودجسون (Marshall Hodgson)  بـ "المزاج الاستعرابي"([4]) في الفكريْن الغربي والعربي على السواء، حالَ الحديث عن الإسلام. ولأجل ذلك، عمد كورزمان إلى تقسيم الكتاب على ست قاراتٍ أو مناطق جغرافية:
1- أفريقيا.
2- إيران وأفغانستان.
3- الدولة العثمانية.
4- الإمبراطورية الروسية.
5- جنوب آسيا.
6- جنوب شرق/شرق آسيا.

ويلاحَظ هنا أن تقسيمه في هذا الكتاب قد بُني على معيارٍ ديموغرافيٍّ، في حين بُني السَّبر والتقسيم في كتابه الآخر "الإسلام الليبرالي" على معيارٍ فكريٍّ يقوم على عدَّة أفكار: رفض الثيوقراطية، والديمقراطية، وحقوق المرأة، وحقوق غير المسلمين، وحرية الاعتقاد، والتقدُّم. ومردُّ ذلك إلى أنَّ انحيازات "المسلمين الليبراليين" وخياراتهم كانت أكثر وضوحًا من خيارات "المسلمين الحداثيين".

 وقد تكلَّم كورزمان في كل نطاقٍ جغرافيٍّ عن قرابة عشرة مفكِّرين. ففي الحديث عن إفريقيا تناول كلًّا من: رفاعة رافع الطهطاوي، وخير الدين التونسي، ومحمد عبده، وقاسم أمين، وباحثة البادية، ومحمد رشيد رضا، والشيخ الأمين بن علي المزروعي، وعبد الله عبد الرحمن، وعبد الحميد ابن باديس، ومحمد أحمد محجوب. وبالمرور على كلٍّ من إيران وأفغانستان، تحدَّث عن: جمال الدين الأفغاني، وميرزا ​​مالكوم خان، ومحمد حسين نائيني، ومحمود طرزي. أما الدولة العثمانية، فكان لها النصيب الأكبر من التراجم؛ إذ جاء الحديث عن: عبد القادر الجزائري، وعلي سوافي، ونامق كمال، وشمس الدين فراشري، وعبد الرحمن الكواكبي، ومحمود شكري الآلوسي، وعبد الله جودت، وموسى كاظم، وجمال الدين القاسمي، ومنصوري زاده سعيد، وضياء غوكالب، وجمال الدين تشاوشيفيتش، وعبد القادر المغربي، وخالدة أديوار. ومن الإمبراطورية الروسية: إسماعيل باي غاسبرينسكي، ومنور قاري، وأحمد أغاييف، وعبد الله بوبي، ورضا الدين بن فخر الدين، وعبد الرؤوف فطرت، وموسى جار الله بيجي، وموسى بهيودي، وعبد الحميد شلوبان. ومن جنوب آسيا: خواجا ألطاف حسين حالي، وشيراغ علي، وسيد أحمد خان، ومحمد إقبال([5])، ومحمد عبد الخضر مولوي، وأمير علي، وأبو الكلام آزاد، ومحمد أكرم خان. ومن جنوب شرق/شرق آسيا: أعضاء جريدة الإمام، وأحمد دحلان، وأحمد سوركتي، والحاج أغوس سالم، وأحمد حسن، ومحمد هاشم الأشعري، ويعقوب وانغ تشاي.

واستطرادًا على النقطة الأخيرة، فإذا قارنا بين عمل كورزمان وبين أبرز موسوعة تأريخيَّة للفكر النهضوي الإسلامي، الذي لا يبتعد كثيرًا عن "الإسلام الحداثي"، أي موسوعة محمد رجب البيومي: "النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين"؛ سنجد أن الفرق بينهما في الأسماء التي استحضرها كورزمان، والأسماء التي استحضرها البيومي، والتي لم تخرج في غالبها عن النطاق العربي إلَّا قليلًا، مع ملاحظة ضعف المعالجات النقدية والبحثية في عمل كورزمان، مقارنةً بأعمال غيره في العربية أو الإنجليزية، من قبيل أعمال رضوان السيد، وهشام شرابي، ويغيا نجاريان، وألبرت حوراني، وإبراهيم أبو ربيع.


الهوامش:

[1] للأسف فإن ثقافة "الكتب المرجعية" التي يتعاهد على تأليفها غير واحدٍ من المختصين في الموضوع الواحد، تكاد تكون غائبةً في عالمنا العربي، في الوقت الذي يُصدر العالم الغربي سلاسلَ كاملةً تُعنى بالكتب المرجعية، مثل: سلسلة بلاكويل، وروتليج، وغيرهما.

[2] يحسن بنا قبل تحديد معنى "الإسلام الحداثي" الذي قصده كورزمان في عمله الوقوف على ملاحظة نقدية رافقت إخراج الكتاب في نسختيه العربيتَيْن؛ إذ بإزاء النسخة التي صدرت عن مركز نهوض للدراسات والبحوث، صدرت نسخةٌ أخرى عن دار جسور للترجمة والنشر في فترة زمنية متقاربة. وعامَّة القول أن مُترجمي الكتاب إلى العربية في نسختيه المختلفتَيْن (نهوض وجسور) عمدا إلى تغيير عنوانه من "الإسلام الحداثي" في أصله الإنجليزي (MODERNIST ISLAM) ليصير عنوانه:
 1- في نسخته العربية الصادرة عن مركز نهوض: "الإسلام والتحديث: مشروعات التجديد في العالم الإسلامي (1840-1940م)".
 2- في نسخته العربية الصادرة عن دار جســـور: "روَّاد التجديد في الإسلام (1840-1940م)".
 وبذلك يكون تصرُّف عامَّة المترجمين والمراجعين في ترجمتهم لعنوان الكتاب اجتهادًا غير موفقٍ أبدًا، وينوء عن إيضاح مقصد كورزمان بالإسلام الحداثي. وفيما يبدو أن توجُّس المترجمين من الدخول في جدل "الإسلام" و"الإسلامات" كان الدافع إلى تغيير العنوان. ومن المعلوم أن هذا الجدل يتناول طبيعة الخبرة التاريخية وأثرها في إنتاج الأنماط الدينية المتباينة، بحيث يصبح الحديث عن "الإسلام" لا معنى له من غير استحضار طبيعة هذا الإسلام (إسلام ليبرالي، صوفي، حداثي، ماركسي، شيعي، فقهي...)، وكأن الإسلام -بوصفه دينًا- لا يمتلك شيئًا ثابتًا ليقوله، بل يتموضع بحسب القراءة التي يُقارب من خلالها.

[3] لم يوضِّح كورزمان سبب اختياره هذه المرحلة التاريخية بشكلٍ جيِّد.

[4]  المزاج الاستعرابي من الأفكار التي حاول نقدها مارشال هودجسون في كتابه "مغامرة الإسلام" (The venture of islam)، أي النظر إلى الإسلام بوصفه موقوفًا على العرب، مكانًا وفكرًا، وعدم الالتفات إلى تفاعلات الإسلام مع الأقوام-الأماكن غير العربية، من أتراك وهنود وغيرهما.

[5] نلاحظ أن محمد إقبال قد أورده كورزمان في كتابيه "الإسلام الحداثي" و"الإسلام الليبرالي"!