دراسة: هل "العقل العربي" معياري؟

معياري

أقامت فلسفة الحداثة شروخًا فاصلة، من أخطرها ذلك الفصل المختل بين العلم والقيم، الذي انساقت فيه مختلف توجهاتها الفلسفية والعلموية.

أقامت فلسفة الحداثة شروخًا فاصلة، من أخطرها ذلك الفصل المختل بين العلم والقيم، الذي انساقت فيه مختلف توجهاتها الفلسفية والعلموية. وكان لهذا الشرخ تأسيس مفاهيمي منطقي جدّ مختل، إذ يقوم على فصلٍ ماهوي بين نوعيْن من الأحكام هما: أحكام الواقع، وأحكام القيمة، مع تسييج مطلب العلوم، سواء المسماة بالعلوم الدقيقة أم تلك التي توسم بالعلوم الإنسانية، في بحث «ما هو كائن» دون التعدية إلى «ما ينبغي أن يكون».

وفي هذا بالضبط تُقرَّظ المعرفة العلمية بوصفها معرفة «موضوعية»؛ لأنها تَحُدُّ نظرها وبحثها في «الكائن»، على عكس النظر القيمي الذي ليس سوى إعمال لمنظار معياري «غير موضوعي»!

ولم يبق ذلك الفصل في مستوى توصيف موقف أو رؤية منهجية، بل أمسى -ويا للمفارقة- حكمًا «قيميًّا» ينفي قيمة حكم القيمة، حتى صار يكفي للتنقيص من رأي ما أن يقال عنه «إنه مجرد حكم قيمي (أخلاقي)»!

وقد كان أول من استخلص هذا التمييز بين أحكام الواقع وأحكام القيمة، المنطقي والفيلسوف اللاهوتي "رودولف لوتز" Rudolf Hermann Lotze في القرن التاسع عشر؛ حيث نبه إلى خطورته، ووجوب مراجعته لصالح أحكام القيمة. وفي فلسفة القرن العشرين كان تحليل الفيلسوف الأمريكي "هيلاري بتنام" Hilary Putnam([1]) هادمًا جذريًّا لهذا الفاصل المختل؛ حيث أبان عن خلله، داعيًا إلى استبعاده على مستوى نظرية الحكم، مع استبقاء الوقائع والقيم بوصفهما متداخليْن.

كما أن تلك النظرة العلموية تلقت انتقادات فلسفية وجيهة، مع إدمونت هوسرل وهيدغر وبرجسون ومحمد إقبال وإدغار موران... إذ عُدَّت من أهم أسباب أزمة الإنسية الأوروبية، حتى صارت اليوم مسائلة العلم الطبيعي ذاته من مدخل قيمي شائعة في كثير من مراكز البحث في فلسفة العلم.

لكن بالرغم من شيوع هذه النظرات النقدية التي -كما قلنا- بدأت منذ نهاية القرن التاسع عشر واشتدت في بداية القرن العشرين، فإن الفكر الفلسفي العربي استمر في تكرار هذا التمييز ليس فقط على أنه وصف بل على أنه حكم استهجاني للنظرة القيمية! إذ تبناه أشهر نُظَّار الفكر في عالمنا العربي. وأوضح مثال على ذلك الأستاذ الجابري في سلسلته عن «بنية العقل العربي». حيث لم يتنبه إلى أن أثمن دلالة تحملها اللغة العربية في تعريفها للعقل هي بالضبط تلك الدلالة التي كانت محل استهجانه، وأعني بها الدلالة المعيارية القيمية التي صارت بارزة في المعاجم العربية التي كُتِبَت بعد القرن الرابع الهجري. حيث احتقر الجابري التعريف المعياري للعقل في اللسان العربي، رافعًا في المقابل من دلالة العقل في الألسن الأوروبية التي تُفيد الموضوعية والعلمية حسب زعمه!

وما يلفت الانتباه هنا هو أن الأستاذ طرابيشي الذي خصَّ سلسلة الجابري بنقد مفصل، يتتبعها فقرة تلو أخرى، لم يتنبَّه إلى الاقتطاعات التي أجراها الجابري على النصوص المقتطفة من «لسان العرب» من أجل تثبيت أطروحته عن الدلالة المعيارية للعقل العربي، مع أنه كان حريصًا على تتبع شواهد الجابري واختبار النصوص التي يوردها من أجل كشف اقتطاعاته الانتقائية.

وعدم انتباه طرابيشي إلى الاقتطاعات التي أجراها الجابري من أجل بناء حكمه على معيارية العقل العربي، يُظهر أن النظرة اللَّامعيارية إلى العقل أمر متمكن من وعي المتفلسفة العرب المعاصرين، إلى درجة أنه حتى عند اشتداد نقد بعضهم لبعض، لم يتنبهوا إلى اختبار تلك النظرة بمحاسبة نقدية مركزة!

وهذا الاستهجان لربط المعرفي بالأخلاقي نستثني منه عددًا من المفكرين العرب الذين كانت لهم عناية بالمسألة الأخلاقية، وعلى رأسهم فيلسوف الأخلاق الأستاذ طه عبد الرحمن، الذي عبر في مختلف كتاباته عن مركزية الأخلاق في الوجود الإنساني.

وإذا كان من الواجب اليوم إعمال المساءلة القيمية للعلم؛ فإنه في إطار ثقافي عام أكثر وجوبًا. ومبتدأ ذلك نقد وضعانية نظرية العقل، بتجاوز الموقف الاستهجاني للمعنى القيمي المعياري. إذ إن ذلك ضروري لنتمكن من الانفتاح على نظرية أوسع مدى وأقدر إجرائية من الدلالة الإبستيمولوجية التي نراها حسيرة ضيقة. حيث إن الدلالة المعيارية للعقل ليست ضرورية لمعالجة مشكلة الفصل المختل بين العقل والقيم فحسب، بل هي ضرورية أيضًا للإسهام في معالجة كثير من الإشكالات التي تبدو محض إبستيمولوجية، وأهمها إشكالات تتعلق بأخطر مسألة من مسائل نظرية المعرفة، ألا وهي مسألة التأسيس.

وبما أن أَبْيَنَ نموذج لاستهجان الدلالة المعيارية للعقل في الفكر العربي المعاصر، هو ما أشرنا إليه أعلاه، أي ما سطره الأستاذ الجابري في سلسلته «نقد العقل العربي» فإننا سنتخذه مادة للتحليل والنقد.

وفرضيتنا في هذا البحث، ليست فقط نقيضة تمامًا لما أذاعه الجابري، بل أيضًا تبدو مفارقة لما بدأنا به مقالنا هذا!

أما عن كونها نقيضة لما انتهى إليه الجابري، فذلك لأننا سنثبت أن الأصول الدلالية للفظ العقل في المعاجم العربية الأولى، تُفيد الدلالة المعرفية وليست المعيارية.

وأما عن أن فرضيتنا فتبدو مفارقة لما بدأنا به مقالنا هذا. فذلك جلي؛ لأننا بدأنا بنقد النزعة العلموية التي ترفع من شأن المعرفي على المعياري. ومن ثَمَّ فحاصل بحثنا من أجل تخليص العقل العربي من الصفة المعيارية التي ألصقها به الجابري؛ هو إيقاعه في مَسَبَّة أكبر وهي أصالة صفته المعرفية، وضمور المعنى المعياري القيمي من أصوله الدلالية!

غير أن مفتاح نفي تلك المفارقة هو في نقدنا لنظرية «النسبية اللسانية» التي تقول بإشراط اللغة للفكر.

ومن ثَمَّ ينقسم البحث إلى مطلبيْن:

الأول: إثبات أن الدلالة الأصيلة للفظ العقل في المعجم العربي دلالة معرفية.

والمطلب الثاني: هو نقد نظرية «النسبية اللسانية» التي أذاعها سابير ووورف، وغيرهما من الحتميين القائلين بمشروطية الفكر للغة.

-1-

أصالة الدلالة المعرفية للفظ العقل في اللسان العربي

 

يُطلق الأستاذ الجابري في الفصل الأول الذي عَنْوَنَهُ بـ«عقل ثقافة» من كتابه «تكوين العقل العربي» حكمًا يُفيد بأن «النزعة المعيارية» تحكم العقل العربي، بينما العقل الأوروبي تحكمه «النزعة المعرفية الموضوعية». وعلى أساس هذا التمييز يُقدم تقريظًا للعقل الأوروبي في مقابل التنقيص من العقل العربي، قائلًا في سياق التوصيف والمفاضلة:

«إذا كان مفهوم العقل في الثقافة اليونانية والثقافة الأوروبية الحديثة والمعاصرة يرتبط بـ«إدراك الأسباب» أي بالمعرفة... فإن معنى«العقل» في اللغة العربية، ومن ثَمَّ في الفكر العربي، يرتبط أساسًا بالسلوك والأخلاق»[2].

وبعد تقريره، دون مقرر، لعقلانية وعلمية العقل الإغريقي الأوروبي ومعيارية العقل العربي يقول مفاضلًا: «إن النظرة المعيارية نظرة اختزالية، تختصر الشيء في قيمته، ومن ثَمَّ في المعنى الذي يُضفيه عليه الشخص (والمجتمع والثقافة) صاحب تلك النظرة. أما النظرة الموضوعية فهي نظرة تحليلية تركيبية: تُحلِّل الشيء إلى عناصره الأساسية لتعيد بناءه بشكل يبُرز ما هو جوهري فيه»[3].

لكن إذا رجعنا إلى مظان المواد التي بنى بها الجابري هذا التعميم، سنلاحظ أنها جدّ انتقائية، حيث اكتفى ببضع سطور من «لسان العرب»، مع تغييب المعاجم الأولى. بل حتى ما انتقاه من معجم «اللسان» أجرى فيه حذفًا للدلالة المعرفية، لتتبقى له الدلالة المعيارية بارزة. كما اكتفى باستحضار أربع آيات من القرآن الكريم، مع إغفال آيات أخرى كثيرة حرص على عدم إيرادها. بل حتى تلك الآيات الأربع لم يتعمق في بحث دلالاتها، بل اكتفى بالإيراد مُتْبِعًا كل آية بدلالة مختزلة لإثبات حكمه[4].

وبما أن التاريخ الفعلي لمعاني العقل –حتى في السياق الأوروبي– لا يخلو من حضور للدلالة الأخلاقية، وبما أن دلالة العقل في اللسان العربي هي الأخرى لا تخلو من وفرة استحضار الدلالة المعرفية، فإن الأستاذ الجابري اصطدم بمشكلة لم يستطع تخطيها إلا باصطناع حيلة متهالكة، وهي القول بأن ما نجده من دلالة أخلاقية في العقل الأوروبي، ليس منطلقًا بل نتيجة، في حين أن ما نجده من دلالة معرفية في العقل العربي لا يكمن في المنطلق؛ لأن أساس العقل العربي ليس المعرفة بل الأخلاق: «وفرق كبير –يقول الجابري- بين الاتجاه من المعرفة إلى الأخلاق، والاتجاه من الأخلاق إلى المعرفة. في الحالة الأولى: وهي حالة الفكر اليوناني-الأوروبي، تتأسس الأخلاق على المعرفة. أما في الحالة الثانية: حالة الفكر العربي، فتتأسس المعرفة على الأخلاق»[5].

ما ورد في كتاب الجابري مليء بالثغرات، أولها أنه لم يفعل أكثر من الحرص على عدم ضبط البدايات، ليس فقط في السياق العربي بل في السياق اليوناني أيضًا!

ومنطوق هذا النص يقتضي أن يكون كاتبه قد ارتكز إلى بناء تقريره على استحضار تاريخ التجربتيْن الحضاريتيْن العربية والأوروبية، فحدد ماهية البدء والمنتهى في تينك التجربتيْن. لكن لا وجود لأي قراءة استقصائية مسندة لهذا الحكم. بل ما ورد في كتاب الجابري مليء بالثغرات، أولها أنه لم يفعل أكثر من الحرص على عدم ضبط البدايات، ليس فقط في السياق العربي بل في السياق اليوناني أيضًا!

ولنبدأ بتخصيص هذا المقال ببيان تخطيه للبدايات في تشكُّل الدلالة المعجمية للفظ العقل في تاريخ المعجم العربي، حيث ننبه إلى أن إغفال الأستاذ الجابري للمعاجم العربية الأولى، هو خرق لما «أجمع» عليه حذاق العربية، أي إن الدلالات الأصيلة لا تلتمس فيما بعد القرن الرابع الهجري.

وبالرجوع إلى معاجم القرن الرابع وما قبله، نجد أن مادة العقل ترد أساسًا بدلالة معرفية، وليس بدلالة أخلاقية، ودليل ذلك أنها تغيب من أول معاجم العربية، أي «العين» للفراهيدي (القرن الثاني الهجري)، ثم تحضر بضمور فيما جاء بعده من معاجم!

ثم حتى في استحضاره تعاريف العقل من «لسان العرب»، كان الأستاذ الجابري انتقائيًّا، لإحساسه بأن محتوى المادة اللغوية لا يسعفه.

فلنبدأ بتتبع ما استحضرَه وضبط ما غَيَّبَه من ذلك المحتوى، قبل الانتقال إلى بيان الدلالة التي حضر بها دال العقل في المعاجم العربية الأولى.

يقول الجابري: «نجد هذا الجانب الأخلاقي القيمي، ليس فقط في الكلمات التي جذرها (ع . ق . ل) بل أيضًا في جميع الكلمات التي ترتبط معها بنوع من القرابة في المعنى مثل ذهن، نهى، حجا، فكر، فؤاد. . . وهذه أمثلة. قال في لسان العرب: «العقل: الحجر والنهى، ضد الحمق، والعاقل هو الجامع لأمره ورأيه، مأخوذ من عقلت البعير إذا جمعت قوائمه». وأيضًا: «العاقل من يحبس نفسه ويردها عن هواها، أخذ من قولهم اعتقل لسانه إذا حبس ومنع الكلام… وسمي العقل عقلًا لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك أي يحبسه! وجاء في لسان العرب كذلك: «النهى: جمع نهية، والنهية تنهى عن القبيح» . أما الحجا فهو «التفطن إلى المغالط ومنه الأحاجي أي الأغاليط» . وواضح أن الأمر يتعلق هنا -حتى في هذه الكلمة التي تُفيد «التفطن»- بالجانب القيمي وليس بالجانب المعرفي وحده (=الأغاليط وليس الأسباب)… وبالرغم من أن كلمة «ذهن» تُفيد الفهم أساسًا، إلا أن هذا «الفهم» يرتبط هو الآخر بالحكم القيمي، ففي لسان العرب: «يقال ذهنني عن كذا بمعنى ألهاني عنه». والذهن أيضًا: القوة…. أما «الفؤاد» فهو «من التفوؤد» أي التوقد. ويورد صاحب لسان العرب حديثًا نبويًّا وصف فيه الفؤاد بالرقة، والقلب باللين، مما يوحي بأنه ذو بطانة وجدانية مثله مثل القلب. ويضيف لسان العرب: «والمفؤود: المصاب في فؤاده بوجع»، مما يؤكد الدلالة العاطفية التي أشرنا إليها. أما كلمة «فكر» فمع أنها تُفيد: «إعمال الخاطر في الشيء»، فهناك ما يُضفي على هذا «الخاطر» معنى قيميًّا، «يقال ليس لي في هذا الأمر فكر، أي ليس لي فيه حاجة»[6].

هذا هو المسند الذي بنى به الأستاذ الجابري تقريره لتلك النتيجة التي وضعها ابتداء وهي: «إن معنى العقل في اللغة العربية، ومن ثمَّ في الفكر العربي يرتبط أساسًا بالسلوك والأخلاق»[7].

والانتقائية بادية هنا في طريقة بناء المعطى المسند للنتيجة. وتنكشف عندما نعود إلى المعجم ذاته الذي استقى منه، حيث سنلاحظ أن الجابري قفز على دلالة أخرى واردة في «لسان العرب»، وهي معنى العقل كـ«فهم»، إذ كتب ابن منظور: «وعَقَلَ الشيءَ يَعْقِلُه عَقْلًا فَهِمه»[8]، وحتى عندما استحضر الجابري لفظ «الفهم» لم يورد الاقتطاف الذي أوردناه أعلاه، بل حرص على تغييبه، وقفز إلى موضع آخر من معجم «لسان» العرب، فأورد منه اقتطافًا فيه ربط قيمي بين الذهن والفهم، حيث قال:

«وبالرغم من أن كلمة «ذهن» تفيد الفهم أساسًا، إلا أن هذا «الفهم» يرتبط هو الآخر بالحكم القيمي، ففي لسان العرب: «يقال ذهنني عن كذا بمعنى ألهاني عنه»[9].

وحتى في هذا المقتطف لمعنى لفظ «الذهن» في «لسان العرب» أجرى الأستاذ الجابري أسلوبه في اجتزاء دلالات النصوص؛ حيث غيَّبَ أزيد من أربعة أسطر[10]، واكتفى بأربع كلمات تناسب موقفه!

ثم كما أسلفنا القول، لم يستحضر الجابري من المعاجم العربية إلا «لسان العرب» مع تغييب المعاجم الأولى. ولو لم يفعل لوجد الدلالة المعرفية موفورة، ومثال ذلك ما ورد في معجم «العين» للفراهيدي في مادة العقل:

«العَقل: نقيض الجهل. عَقَل يَعْقِل عَقلًا فهو عاقل. والمعْقُول: ما تَعْقِلُه في فؤادك. ويقال: هو ما يُفهم من العقل، وهو العقل واحد، كما تقول: عدمت معقولًا أي ما يُفهم منك من ذهْن أو عقل»[11].

فماذا نلحظ في هذا التعريف الأسبق زمنيًّا من «لسان العرب» بأزيد من خمسة قرون؟!

بَيِّنٌ أنه متمحور حول الدلالة المعرفية، وحتى إذا تتبعنا ما تلا الفقرة التي أثبتناها أعلاه، سنلحظ أن ما أورده الفراهيدي من سطور وشواهد شعرية لا تتجاوز معنى عقل كإمساك، وعقال كربط، وعقيلة كوسم للمرأة...

أما الدلالة الوحيدة التي يظهر فيه بعض المعنى الأخلاقي، فلا تجاوز كلمة واحدة هي «زكا»، مع وصلها بلفظ الإدراك؛ وذلك في قوله «وعَقَلَ المَعْتُوهُ ونحوه والصَّبيُّ: إذا أَدْرك وزَكا»[12]، دون أن يبين المقصود من «زكا» هل يعني النمو فقط أم يعني الصلاح. لكن على فرض تعدية المعنى إلى الصلاح الأخلاقي -مع أن اقتران لفظ «زكا» بالصبي يُفيد النمو إلى مرحلة النضج- فذاك كما قلنا مسبوق بأولية الإدراك، وبذلك تكون الدلالة جمعًا بين المعرفي والأخلاقي، مع ضمور المعنى الثاني؛ حيث كان للمعنى المعرفي الحضورُ المهيمن.

وهذا يُفيد بأن أول معاجم العربية لم ير في لفظ العقل إلا أنه دال معرفي أساسًا. وأن الدلالة القيمية المعيارية لن تظهر في المعاجم العربية إلا لاحقًا!

وبالفعل إذا انتقلنا من «كتاب العين» إلى معجم «مقاييس اللغة» لابن فارس، سنلحظ بداية حضور المعنى الأخلاقي للعقل؛ حيث يرد فيه: «العقل، وهو الحابس عن ذميم القول والفعل»[13]، ثم بعد هذه العبارة استحضر ابن فارس التعريف المعرفي للعقل من معجم الخليل كاملًا، ثم أتبعه بإيراد دلالات ألفاظ العاقلة، والمعاقل والمعقلة، والعقال، والعقيلة، والعقاقيل ...وغيرها. وبجمع الدلالات نلحظ أن تعريف العقل في معجم «مقاييس اللغة» هو أيضًا تعريف معرفي، مع إضافة ضامرة تفيد معناه الأخلاقي.

كما أن أقدم شاهد شعري في موضوعنا هذا، هو ذاك البيت المنسوب إلى بشر بن الهذيل الفزاري (حوالي 426م)، حيث استعمل فيه لفظ «عقول» في مقابل الجسوم، أي كتقريظ لقدرة التفكير والإدراك. يقول بشر:

ولا خير في طول الجسوم وعرضِها /// إذا لم تَزِنْ طولَ الجسوم عقول

وفي شعر امرئ القيس يرد لفظ العقل بمعنى الفهم في مقابل نقص الإدراك الطفولي:

ماذا يَشُقُّ عليك من ظُغُنٍ/// إلا صباكَ وقلةُ العقلِ؟

وفي شعر الشنفرى (حوالي 554م):

لعمرك ما بالأرض ضِيقٌ على امرئ/// سرى راغبا، أو راهبا، وهو يعقلُ

وفي شعر دُريد بن الصُّمة يرد فعل العقل بمدلول الفهم:

وإلا فأنتم مثل من كان قبلكم/// ومن يعقل الأمثال غير الأكايس

وإتياننا بمعجم «العين» و«مقاييس اللغة»، وبأقدم الشواهد الشعرية، نريد به التنبيه إلى ما أشرنا إليه أعلاه، وهو وجوب التماس الأصول في البدايات لا اللواحق.

وإتياننا بمعجم «العين» و«مقاييس اللغة»، وبأقدم الشواهد الشعرية، نريد به التنبيه إلى ما أشرنا إليه أعلاه، وهو وجوب التماس الأصول في البدايات لا اللواحق. ومن ثَمَّ فإن استناد الجابري على «لسان العرب» لابن منظور وكأنه المرجع الأوحد في تأصيل الأصول الأولية لدلالات الألفاظ العربية، هو خرم في الاستدلال؛ إذ لو التفت إلى المعاجم الأولى، لأدرك وجوب مساءلة أطروحته مساءلة متشددة عن سبب غياب الدلالة المعيارية للعقل في معجم الفراهيدي (ق2 هـ) وضمورها في معجم ابن فارس (ق4 هـ)؛ لأنهما أول المعاجم، وينتميان إلى ما قبل نهاية القرن الرابع الهجري، الذي هو حد زمني يشترط الأخذ به في مقام الاحتجاج على أصالة الكلم العربي. وليس الاكتفاء بـ«لسان» ابن منظور الذي ينتمي إلى القرن السابع الهجري.

وهذا ليس تشكيكًا في قيمة «لسان العرب» بل معلوم أن من مصادر[14] ابن منظور معجميْن ينتميان إلى القرن الرابع، هما: «تهذيب اللغة» للأزهري، و«صحاح» الجوهري. لذا فكلامنا ليس على ابن منظور بل على نقد لطريقة التماس أصول دلالة العقل العربي عند صاحب «نقد العقل العربي»، وكيفية البناء على المواد المقومة للبحث. ومستمسكنا في النقد هو إذا كانت الدلالة المعيارية للعقل غائبة من أول معجم عربي (العين)، و ضامرة جدًّا في التالي له (مقاييس اللغة)، فإن هذا يقلب استدلال الجابري رأسًا؛ إذ يلزمه بأن يقول: إن دلالة العقل في أصول اللسان العربي دلالة معرفية!  

ثم من الملاحظ أن استدلال الجابري معلق على «حبل»! حيث كل الحكاية مأخوذة من إشارة لسان العرب إلى معنى «عقال»، أي الحبل الذي تربط به الدابة، إذ استنادًا إلى هذه الإشارة استنتج اللغويون أن وظيفة العقل، كوظيفة الحبل، حيث «يمنع صاحبه من الوقوع في المهالك». وهي الدلالة التي بنى عليها الجابري حكمه بأن العقل العربي عقل معياري لا معرفي.

لكن بضبط تاريخية التطور الدلالي للفظ العقل، لاحظنا أن هذه الدلالة غير واردة في معجم «العين». وإذا انتقلنا إلى أقدم المصادر اللغوية التي كَوَّنَ بها ابن منظور معجم «اللسان»، أي ذينك المعجميْن اللذيْن ينتميان إلى القرن الرابع الهجري، أعني «صحاح» الجوهري و«تهذيب» الأزهري، فإن المفاجأة التي تتبدى واضحة هي أننا لا نلقى في معجم «الصحاح» استعمال لفظ «عقال» بالمعنى الأخلاقي. حيث إن النص الوراد فيه مقتصر على تعريف «العقال» بـ«الحبل»، دون تعدية التوصيف إلى الربط بينه وبين وظيفة العقل، بالقول بأنه ما سُمي عقلًا إلا لأنه يعقل صاحبه عن ذميم الأفعال ومهالك السلوك، بل اقتصر الجوهري على معنى «الربط»، وذلك بإيراد قول الأصمعي:

«عَقَلْتُ البعير أعْقِلُهُ عَقْلاً، وهو أن تثني وظيفَه مع ذراعه فتشدّهما جميعًا في وسط الذراع، وذلك الحبل هو العِقالُ، والجمع عُقُلٌ».

أما ربط العقل بالعقال، وتوسعة مدلوله إلى المانع الأخلاقي، فنجده في معجم الـ«تهذيب»؛ حيث نقرأ: «سمي عقلُ الإنسان -وهو التمييز الذي به فارق جميع الحيوان- عقلًا لأنه يعقله، أي يمنعه من التورط في الهَلَكة، كما يعقل العقالُ البعيرَ عن ركوب رأسه»[15].

وهكذا نلحظ أن معنى العقل تطور في المعاجم العربية من الدلالة المعرفية إلى الدلالتيْن المعرفية والمعيارية. وخلال هذا التطور الدلالي استعمل لفظ «عقال» مصدرًا. فشاع حضور الوصل الدلالي بين العقل والعقال في المعاجم لاحقًا.

وخلاصة الاستقصاء، هي أن معنى العقل في المعاجم العربية غير مقصور على الدلالة الأخلاقية، بل إن هذه الدلالة ضامرة بالقياس إلى الدلالة المعرفية. وهذا مناقض تمامًا لما يزعمه صاحب «تكوين العقل»، الذي يُقرر بلغة جازمة لا أثر فيها لحِسِّ الاحتراس: «إن العقل في التصور الذي تنقله اللغة العربية المعجمية يرتبط دومًا بالذات وحالاتها الوجدانية وأحكامها القيمية»[16].

وعليه، فيمكن أن نختزل تقويمنا للتحليل الذي قدمه الأستاذ الجابري، في كونه يحمل ثلاثة اختلالات رئيسة:

أولها: أن مستند استدلاله كان مناشزًا لقواعد الحجاج اللغوي، التي تقضي بألا تلتمس الدلالات الأصيلة فيما بعد القرن الرابع. حيث بيَّنا أن دلالة لفظ العقل في اللغة العربية كانت في المعاجم الأولى تُشير أساسًا إلى المعنى المعرفي!

وثاني الاختلالات: أنه سلك مسلكًا انتقائيًّا، إذ حرص على ألا ينقل من دلالات المعجم العربي إلا ما يُفيد الدلالة المعيارية. وحتى عندما نقل الدلالة المعرفية حرص على ألا يورد إلا تلك التي تحمل أيضًا منطوقًا أخلاقيًّا صريحًا، ليتحقق له صرفها إلى المعنى القيمي حصرًا.

وثالث الاختلالات: أنه لم يستقرئ استعمالات مشتقات لفظ العقل في القرآن الكريم، إذ تفيد بالضبط عكس ما قرره، أي إن المعنى المعرفي كان له حضور مميز إلى جانب المعنى القيمي.

ثم نُضيف إلى ذلك اختلالًا آخر، لكنه ليس خاصًّا بالأستاذ الجابري، بل بناقده الأستاذ طرابيشي الذي لم يتنبه لهذه الثغرات في تأصيل لفظ العقل، مع أنه كان حريصًا جدًّا على اختبار كل فقرة من فقرات كتاب الجابري للاستدراك عليه.

لكن هل يعني تأكيدنا على أصالة وأسبقية الدلالة المعرفية للعقل في اللسان العربي، أننا سنبني عليها كما بنى الجابري على وهم أسبقية الدلالة المعيارية؟

أي هل نقول ضدًّا على أطروحة الجابري:

 بسبب كون دلالة العقل في الأصول اللغوية العربية الأولى دلالة معرفية، فإن المنزع المهيمن على العقل العربي كان وسيظل هو النزوع المعرفي وليس الأخلاقي؟!

ثم إذا أبطلنا هجائية الأستاذ الجابري القائمة على نسبة المعيارية الأخلاقية إلى العقل العربي، ونسبنا الخاصية المعرفية له، ألسنا نشرع في المقابل في إطلاق هجائية أخرى، وهي افتقار العقل العربي للأخلاقية بسبب غلبة الدلالة المعرفية؟!

ألم نبدأ مقالنا هذا بنقد النظرية العلموية التي تفصل بين المعرفي والقيمي، وتفاضل بينهما لصالح البعد المعرفي؟! إذن إذا كنا قد خلَّصنا العقل العربي من صفة المعيارية التي ألصقها به الجابري، ألسنا في المقابل قد أوقعنا ذلك العقل في جرم أكبر وهو أصالة صفته المعرفية، وضمور المعنى المعياري من أصوله الدلالية؟!

هذا استنتاج لا يصح إلا إذا أخذنا بفرضية إشراط اللغة للفكر. والحال أن هذه الفرضية هي مقدمة الجابري. حيث لم يسلك وراء البحث عن أصول دلالة العقل في اللسان العربي، إلا لأنه يعتقد بمعتقد الحتميين من فلاسفة اللغة، الذين يتبنَّون نظرية «النسبية اللسانية» بوصفها منطقًا منهجيًّا في تحليل الأنساق الثقافية.

ولذا لا بُدَّ من وقفة عند نظرية إشراط اللغة للفكر؛ لأنها الأرضية التي تُسند حكم  الجابري على العقل العربي بأنه معياري، وهي التي تُسند أيضًا حكمًا أكثر جذرية وشمولًا، وهو أنه عقل لا تاريخي جامد؛ بسبب: «لا تاريخية اللغة العربية وطبيعتها الحسية»[17].

ونحن لا نعتقد بحتمية علاقة اللغة بالفكر، ولو أننا انتهجنا النهج ذاته لقلنا بحسية اللغات الأوروبية.

ونحن لا نعتقد بحتمية علاقة اللغة بالفكر، ولو أننا انتهجنا النهج ذاته لقلنا بحسية اللغات الأوروبية. ولن نعدم معطيات مطواعة لبناء حكم مختل كهذا، كأن نقول مثلًا: بما أن لفظ «معنى» (سنس sens) في الألسن الأوروبية يدل على «الحس»، ويعود في أصله إلى اللفظ اللاتيني سينسوس sensus الذي يفيد الإدراك بالحواس، فإن اللغات الأوروبية لغات حسية، وأنها ولا بُدَّ ستجعل من التفكير الأوروبي المشروط بها تفكيرًا حسيًّا، لا يثق إلا فيما تدركه الحواس!

إذن لو انتهجنا طريقة التفكير التي اعتمدها الجابري لنقلنا اتهامه للعربية بأنها لغة حسية إلى الألسن الأوروبية، ولأقمنا هجائية ضدها بسبب «ابتذالها» لأثمن بُعد من أبعاد الفكر، أي «المعنى» عندما سجنته في لفظ الحس!

لكننا لا نقول بهذا الربط العلِّي بين الحمولة الدلالية لـ«المورفيم» وبين التفكير به، ومن ثم فحتى لو افترضنا أن المنزع المهيمن على الفكر الأوروبي هو المنزع الحسي، فإن تفسير ذلك لا يجب أن يكون بمجرد إرجاعه إلى تأثير من لغته. بل لغته هي ذاتها نتاج يحتاج إلى تفسير؛ لأنها ليست فاعلًا مطلقًا، بل هي فاعل ومفعول داخل جدلية سياقات أوسع: ثقافية ومجتمعية.

وعليه، فلا بُدَّ من تصحيح معنى علاقة اللغة بالفكر، بتجاوز نظرية «النسبية اللسانية».

-2-

نقد «النسبية اللسانية»

 

يقول الأستاذ الجابري: «ما أكدته دراسات حديثة عديدة من كون اللغة –أي لغة– تحدد أو، على الأقل[18]، تسهم مساهمة أساسية في تحديد نظرة الإنسان إلى الكون»[19].

ولبيان النظرية والاستدلال عليها، أحال الجابري على هردر وهمبولدت وسابير وشافت. وقد ركز ناقده طرابيشي على بيان افتقار تلك الإحالات إلى الدقة والأمانة.

وبالفعل فإن أطروحة هردر وكذا سابير أقل تطرفًا وجذرية مما نجده لدى الجابري في تصوره لنظرية إشراط اللغة للفكر. كما أن هذه النظرية لا يعبر عنها هردر ولا همبولدت، ولا بالأحرى الماركسي آدم شافت، بل الذي نادى بها صراحة هو بنيامين لي وورف[20]، الذي لم يستحضره الجابري!

لكن تشديد طرابيشي على نقد استحضار الجابري لسابير، لا مسوغ له. أجل لدى سابير خلال تطوره الفكري موقفان متعارضان، لكن ذلك لا يعني أن الجابري أخطأ في الإحالة عليه؛ إذ يجوز لأي كاتب أن يُحيل على مفكر واتخاذه مرجعًا في حيثية يتفق معه فيها، وإن تراجع ذلك المفكر نفسه عنها لاحقًا.

وعندما يُشدد طرابشي على خطأ الجابري في الإحالة على سابير بدعوى أن هذا الأخير مال في آخر حياته إلى نظرية مخففة لا تقول بإشراط حتمي في علاقة اللغة بالفكر، لنا أن نشدد في المقابل ضدًّا على طرابيشي بأن نزعم أنه لم يتنبه إلى دلالة كون نظرية إشراط اللغة للفكر، لم تُصَغ في الفكر اللساني المعاصر إلا بالصيغة التركيبية، القائلة بـ«فرضية سابير - وورف» «Sapir-Whorf". وما تزال هذه الصيغة التي بُنيَت في الدراسات اللسانية والأنثروبولوجية في منتصف القرن العشرين، تستعمل إلى اليوم، بوصفها تعبيرًا عن إشراط اللغة للفكر.

كما أن تعريض طرابيشي بمحدودية معلومات الجابري مجرد إيغال في الاهتجاء؛ لأن نظرية «النسبية اللسانية» ليست بضاعة مزجاة أو متقادمة، كما يريد أن يوحي بذلك طرابيشي في قوله:

«إن أيًّا من رواد اللسانيات الحديثة –وكم بالأولى المعاصرة- لا يرد له ذكر في مرجعياته: لا بنفنست وشومسكي، ولا مارتينه وغاردنر، ولا حتى سوسير أو بلومفليد. فبضاعة الجابري من العلم اللغوي تبدأ كما رأينا مع هردر وهمبولت، وتنتهي عند سابير الذي توفي عام 1939م، أو بالأحرى... عند تلميذه بنيامين لي وورف المتوفى بدوره عام 1941م»[21].

بل إذا استعملنا الأسلوب ذاته في حق طرابيشي؛ لأتينا بعشرات أسماء لللسانيين والأنثروبولوجيين الذين لا ذكر لهم في كتابه، ولقلنا إن تعريضه باستعمال الجابري لأسماء قديمة، للإيحاء بأنه يتشبث بنظرية من سقط متاع فلسفة ولسانيات القرن التاسع عشر وبداية العشرين، يدل على أن طرابيشي كان غافلًا عن تحول جلي في اللسانيات والأنثروبولوجيا، بدأ في الثمانينيات ثم اشتد منذ بداية التسعينيات[22]، حيث أعيد الاعتبار إلى نظرية «النسبية اللسانية»، واستعيدت أفكار وورف لتوكيدها، وهذا واضح في أعمال اللساني الأمريكي جون إي. لوسي John A. Lucy، وخاصة في كتابه الصادر عام 1992م المعنون بـ«التنوع اللغوي والفكر» Language diversity and thought، الذي كان علامة على عودة قوية لنظرية إشراط اللغة للفكر في الأنثروبولوجيا والعلوم المعرفية Cognitive science.

وعليه فالنظرية التي تشبث بها الجابري ليست مزجاة، ولا هي من سقط متاع اللسانيات كما يوحي بذلك طرابيشي. بل كان لها وما يزال حضور حتى اليوم في الأوساط العلمية، حيث أعيد الاعتبار من جديد إلى أطروحات بواس Boas وسابير Sapir وورف Whorf، مع جورج لاكوف George Lakoff، وكذا في أعمال نيكولاس إيفانس Nicholas Evans، وستيفان س. لوفينسن Stephen C. Levinson اللذين استعادا نظرية النسبية اللغوية في مواجهة أطروحة تشومسكي[23].

لكن إذ نشير إلى هذا التحول الذي بدأ منذ نهاية ثمانينيات القرن العشرين، فليس للأخذ به، بل لرد تهمة قدامة النظرية التي يوحي بها طرابيشي في نقده لاستعمال الجابري لها.

أما عن موقفنا منها، فحاصل من النظر في راهن السجال حول فرضية سابير- وورف، إذ لم تستطع أطروحة «النسبية اللغوية» أن تفرض فكرتها القائلة بإشراط اللغة للتفكير، بل منتهى ما وصلت إليه هو تأثير بعض الدوال في التفكير، وخاصة مفاهيم العدد، والمكان والزمان، والألوان.

من اعتساف القائلين بإشراط اللغة للتفكير أنهم قصروها على الدوال وأنظمة التركيب النحوي، دون الانتباه إلى أهم شيء وهو المحتوى الثقافي للسان اللغوي.

-3-

من لحاظ اللغة إلى لحاظ النسق الثقافي

 

إن أقْوَمَ قيل يمكن أن نتخذه مقتربًا لفهم علاقة اللغة بالتفكير هو -في تقديرنا- ما قاله جاكوبسون ردًّا على مؤسس الأنثربولوجيا الثقافية واللسانية فرانز بواس Boas، أي: «إن الاختلاف الحقيقي بين اللغات لا يكمن فيما يمكنها أو لا يمكنها التعبير عنه، ولكن فيما يجب وما لا يجب على المتحدثين بها أن ينقلوه»[24].

لكننا ندخل في «ما يجب وما لا يجب» أكثر مما أدخله جاكوبسون، أي ندخل كل البنية الثقافية بأوسع مدياتها. ذلك لأنه من اعتساف القائلين بإشراط اللغة للتفكير أنهم قصروها على الدوال وأنظمة التركيب النحوي، دون الانتباه إلى أهم شيء وهو المحتوى الثقافي للسان اللغوي.

إن الكائن البشري لا يتعلم اللغة دوالًّا وتركيبًا بطريقة مفرغة من الحمولة الثقافية. لذا يجب أن نُدخل في «ما يجب وما لا يجب قوله» ما يجاوز ذلك المدى الشكلاني الضيق الذي يُعلي من سلطة قواعد الدلالة والتركيب اللغوي، حتى صار شعار الواهمين: «لا نتكلم اللغةَ بل اللغة تتكلمنا». وبما أن اللغة تُتَعَلَّم محملة بالقيم، فإن كان ولا بُدَّ من استعمال لفظ الإشراط، فلا ينبغي لداعي «النسبية اللسانية» أن يتحدث عن إشراط اللغة للفكر، بل عن إشراط الفكر للفكر! أو بتعبير أدق: يجب أن يتحدث عن تأثير الثقافة في المنتمين إليها، مع تصحيح فهم ذلك التأثير، بعدم تمثله بوصفه تنميطًا حتميًّا.

أما دوال العربية ونظام نحوها فقد نطق بها شاعر الرسول ﷺ حسان بن ثابت كما نطق بها كفار قريش! وهي بذلك ككل اللغات أداة مطواعة لتنوع واختلاف أغراض الاستعمال.

ألا ترى أن الهند تستبطن ما يقرب من ألف لغة مختلفة، ومع ذلك ثمة بين أقوامها مشتركات ثقافية؟

فكيف ستفسرها من مدخل الدوال اللغوية وهي مختلفة صوتيًّا ودلاليًّا؟!

أليس التفسير بالتاريخ والتمثلات الدينية أكثر نجاعة وإجرائية من الإحالة على الدوال اللغوية؟

أليس التفسير بالتاريخ والتمثلات الدينية أكثر نجاعة وإجرائية من الإحالة على الدوال اللغوية؟ أليست الإحالة على «الفيدا» أفيد في فهم «العقلية» الهندية من الانحصار في المعجم اللغوي، الذي هو -كما أسلفنا- متشظ ومتعدد، وليس معجمًا واحدًا؟

ألا ترى تأثير الكتاب المقدس في الشعوب الأوروبية كان أكثر من تأثير لغاتها الهندو-أوروبية؟ أليس تأثير القرآن الكريم في ثقافات الشعوب الاسلامية أَبْيَنُ من تأثير ألسنها المختلفة؟

إذا نظرنا من هذا اللحاظ إلى موضوع بحثنا، أي لفظ العقل في السياق العربي، فإن مفتاح فهم تحوله الدلالي ينبغي إرجاعه إلى أثر القرآن أكثر من إرجاعه إلى المعنى الاشتقاقي اللغوي. إذ بالعود إلى النص القرآني، نجد أن ذلك اللفظ لا يرد بصيغة الاسم المصدري(عقل)، ولا بصيغة اسم الفاعل(عاقل/عاقلون)، ولا باسم المفعول(معقول)، وإنما يرد بصيغة فعلية فحسب. الأمر الذي يُفيد بأن العقل لا يحضر في النص القرآن بوصفه ذاتًا أو جوهرًا، بل بوصفه فاعلية. ومن ثَمَّ لم يكن القرآن معنيًّا بتحديد دلالة أحادية للعقل، بل بما أنه يستحضره على أنه فاعلية، فقد ضبط مختلف المعاني التي تحتملها تلك الفاعلية؛ لذا توزعت دلالاته بين فاعلية العقل بوصفه تفكرًا، وفاعليته بوصفها ضابطًا أخلاقيًّا.

ولهذا نرى أن الربط بين العقل والأخلاق في معاجم أواخر القرن الرابع الهجري، لم يكن بسبب الأصول اللغوية، بل بسبب التشكيل القرآني لحضارة دينية، يُعطى فيها للسلوك الأخلاقي المرتبة الأولى في التفاضل.

وختامًا؛ إن محصلة ما سبق هو أن الإطار المنهجي المساعد على تحليل حضارة أو نسق ثقافي، ينبغي ألا يُختَزل في شكلانية اللغة ودلالية دوالها وأنظمة تركيبها النحوي، بل ينبغي أن يتسع لاستيعاب الأُطر الثقافية والمجتمعية، قصد ضبط الأصول المؤسسة لرؤيتها للعالم.

وهذا الإطار المنهجي يُحررنا من ذلك المعتقد الواهم الذي يربط عِلِّيًّا بين اللغة والفكر. ومن ثَمَّ فحتى عندما قررنا بأن أصول دلالة العقل في المعاجم العربية الأولى يُهيمن عليها المعنى المعرفي، فإن ذلك في تقديرنا ليس مستندًا لبلورة حكم تعميمي على الثقافة العربية، إذ لا يلزم عنه حتمًا أن تلك الثقافة تنفي البعد القيمي، وتمتثل للنزوع المعرفي، لمجرد أن لفظة «العقل» في معجمها مثقلة بالدلالة المعرفية. فلا نبني على أصالة هذه الدلالة، إلا ما تقبل أن يُبنى عليها، وهو في نظرنا لا يجاوز القول بأن اللفظ حمل في أصوله الأولى دلالة معرفية انضافت إليها لاحقًا الدلالة القيمية، بفعل التأسيس القرآني لحضارة دينية.


[1] Hilary Putnam, The Collapse of the Fact/Value Dichotomy and. Other Essays. Cambridge, MA: Harvard University Press (2002).

[2] محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط10، 2009م)، ص29-30.

[3] الجابري تكوين العقل العربي، م س، ص32.

[4] مثال ذلك قوله :«فالقرآن يؤنب المشركين لكونهم لا يميزون بين الحق والباطل، بالمعنى الأخلاقي: «لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون» (الأعراف آية 179). وهكذا فالقلب والعقل هنا بمعنى واحد، ولا يفقهون يفسرها: «الغافلون». والمعنى القيمي واضح في الكلمتيْن معًا». الجابري، تكوين العقل العربي، م س، ص31.

[5] الجابري تكوين العقل العربي، م س، ص30.

[6] الجابري، تكوين العقل العربي، م س، ص30.

[7] الجابري، تكوين العقل العربي، م س، ص29-30.

[8] ابن منظور، لسان العرب، ج11، دار صادر بيروت 1997م، ط1، ص458.

[9]  الجابري، تكوين العقل العربي، م س، ص30.

[10]  هذا هو التعريف الكامل للفظ «ذهن» في لسان العرب، ويتبين منه أنه مثقل بالمعنى المعرفي الذي غَيَّبَهُ الجابري :«الذِّهْنُ: الفهم والعقل. والذِّهْن أَيضًا: حِفْظُ القلب، وجمعهما أَذْهان. تقول: اجعل ذِهْنَك إلى كذا وكذا. ورجل ذَهِنٌ وذِهْنٌ كلاهما على النسب، وكأَنَّ ذِهْنًا مُغيَّر من ذَهِنٍ. وفي النوادر: ذَهِنْتُ كذا وكذا أَي فهمته. وذَهَنتُ عن كذا: فَهِمْتُ عنه. ويقال: ذَهَنَني عن كذا وأَذْهَنَني واسْتَذْهَنَني أَي أَنساني وأَلهاني عن الذِّكْرِ. الجوهري: الذَّهَن مثل الذِّهْنِ، وهو الفِطْنة والحفظ. وفلانُ يُذاهِنُ الناس أَي يُفاطنهم. وذاهَنَني فذَهَنْتُه أَي كنت أَجْوَدَ منه ذِهْنًا. والذِّهْنُ أَيضًا: القوَّة؛ قال أَوس بن حَجَر: أَنُوءُ بِرجْلٍ بها ذِهْنُها وأَعْيَتْ بها أُخْتُها الغابِرَه والغابرة هنا: الباقية».

[11] الخليل بن أحمد الفراهيدي،كتاب العين، ج1، تحقيق: مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، دار الهلال، ب ت، ص156.

[12] الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، ج1، نفسه.

[13] ابن فارس، مقاييس اللغة، ج 4، تحقيق: عبد السلام هارون، مكتب الإعلام الإسلامي، طهران 1404م، ص69.

[14]  يقول ابن منظور عن كتابه : «ما تصرفت فيه بكلام غير ما فيها من النص؛ فليعتد من ينقل عن كتابي هذا أنه ينقل عن هذه الأصول الخمسة» ج1/ ص8.

ومقصود ابن منظور بتلك الأصول الخمسة، كتاب «تهذيب اللغة» للأزهري (ت370هـ) و«تاج اللغة وصحاح العربية» للجوهري (ت 393هـ)، و«المحكم والمحيط الأعظم في اللغة» لابن سيده (ت458)، و«التنبيه والإيضاح عما وقع في الصحاح» لابن بري (ت582)، و«النهاية في غريب الحديث والأثر» لابن الأثير (ت606هـ).

[15]  أبو منصور الأزهري، تهذيب اللغة، ج3، تحقيق: رياض زكي قاسم، (بيروت: دار المعرفة، 1422-2001م)، ص25.

[16]  الجابري، تكوين العقل العربي، م س، ص31. وتسويد لفظ «دومًا» مني.

[17] محمد عابد الجابري، نقد العقل العربي، ج1، تكوين العقل العربي، (بيروت: ط10، 2009م)، ص87.

[18]  على الرغم مما في عبارة الجابري هذه من تخفيف (أي قوله: « أو، على الأقل، تساهم» فإن المتكرر في نصوصه يُفيد تبنيه «للنسبية اللسانية».

[19] الجابري ،تكوين العقل العربي، م س، ص76.

[20] اهتبل طرابيشي عدم تركيز الجابري على وورف فرصة للتسفيه، حتى إنه قال إن : «الجابري... يبدو أنه يمارس الوورفية بغير علمه، بالكيفية نفسها التي كان السيد جوردان يمارس بها النثر».

انظر هامش رقم 94، طرابيشي، إشكاليات العقل، م س، ص128.

واستعمال طرابيشي لرمز «السيد جوردان «من مسرحية موليير» البورجوازي النبيل، إسفاف وشدة في الانتقاص من الأستاذ الجابري، حيث يصور موليير جوردان كرجل بالغ الغباء والسذاجة، ويحاول بأي وسيلة أن يترقى إلى الطبقة النبيلة، فيأخذ دروسًا في الموسيقى والرقص، والفلسفة التي لم يدرك منها شيئًا سوى أنها نثر؛ فينتهي إلى الدهشة والفرح بأنه كان طوال حياته يتكلم نثرًا دون أن يدري! وهذه المماثلة بين الجابري وجوردان مجرد انتقاص مجاني من طرابيشي.

[21]  طرابيشي، إشكاليات العقل العربي،م س، ص124.

[22]  للتنويه: إن الفصل الذي خصصه طرابيشي لمسألة «إشكالية اللغة والعقل» وارد في كتابه «نقد نقد العقل العربي (ج2)، إشكاليات العقل العربي» الذي أصدره في أواخرالتسعينيات، وبالضبط عام 1998م.

[23]  استعادة نيكولاس إيفانس وستيفان لوفينسن للنسبية اللسانية في مواجهة تشومسكي واضحة بشكل خاص في بحثهما المشترك المعنون بـ«أسطورة اللغة العالمية: التنوع اللغوي وأهميته للعلم المعرفي».

Nicholas Evans and Stephen C. Levinson,The myth of language universals: Language diversity and its importance for cognitive science,Cambridge University Press,2009.

[24]  Roman Jakobson, Essais de linguistique générale – 1. Les fondations du langage, trd Nicolas Ruwet,Minuit Paris 2003.