في نقد التأسيس النهضوي للتراث

تراث عالم

  

     تناقش هذه الدراسة بعضَ المضمرات التأسيسية التي استند إليها فكرُ النهضة في عودته إلى التراث، وتعامله مع قطاعاته المعرفية المتنوِّعة، وتنطلق بالأساس من استشكال الصيغ القرائيَّة التي استعاد بها هذا الفكر مضامينَ التراث، ومساءلة المقاصد التي رام بلوغها من خلال ذلك.
فالسؤال الأساسي الذي لازم فكر النهضة في انشغاله بالتراث وتفاعله مع قضاياه هو سؤالٌ يتعلَّق بالبحث عن "الصيغة المُثْلَى" التي يتعيَّن أن يُستعاد بها هذا التراث حتى يكون قادرًا على تأدية المقاصد المرجوَّة منه في استئناف الفكر وتغيير الواقع. إذ دفعت وضعية الضعف التي آلتْ إليها الحضارة العربية الإسلامية مقارنةً بقوة حضاراتٍ مجاورة، ومظاهر النكوص التي عمَّت مختلف مناحيها المادية والرمزية- روَّادَ النهضة إلى التفكير في الحلول والمخارج الكفيلة بمجاوزة ذلك، والبحث عن الأسباب والشروط المُحفزة على النهوض والتقدُّم.
ولهذا تنصرفُ هذه الدراسة -على وجه التحديد- إلى بحثِ ما يُفترض أنه صيغة مُثْلى للاستعادة على نحو ما وقع الاختلاف بين المواقفِ النهضوية في إقرارها والدفاع عنها، وتحليل الوسائل المنهجيَّة والقرائيَّة المتفاوتة التي اعتمدتها هذه المواقف في تمثُّل التراث، وفهم نصوصه وقضاياه في ضوئها؛ ذلك أن ما ميَّز هذا الفهم في الصيغ الاستعادية التي اندرج فيها أنه كان فهمًا صراعيًّا وأيديولوجيًّا، وأنه لم ينطبق على التراث في حدود سياقه الزمني الخاص؛ أي في حدود تحقُّقه في تجربة تاريخية وحضارية معيَّنة لها اقتضاءاتها واستلزاماتها الخاصَّة، وإنما انطبق عليه موجَّهًا بمتطلبات تجربة الحاضر، ومنساقًا وراء ضغوطها وإكراهاتها.
وقد أتاح لنا هذا التحليل بيان الآثار المترتِّبة على ذلك الخلط بين السياقِ الزمني للتجربة التراثية والسياقِ الزمني لتجربة الحاضر، كما مكَّننا من كشف مكامنِ العنف والصراع المستحكمة في علاقة المواقف المذكورة بعضها ببعض، نتيجةَ الزجّ بالتراث في خضمِّ واقعٍ صراعيٍّ مستجَد، والتذرع به للتعبير عن أغراضٍ وحاجاتٍ أيديولوجية راهنة. وهو الوضع الذي استحال معه التراث إلى ملكيَّة أيديولوجيَّة تتصارع عليها المواقف والتوجُّهات، إمَّا من أجل الظَّفَر بها وبَسْط الهيمنة عليها، لكونها تمثِّل في اعتقاد البعض الموردَ الذي لا ينضب من "الحلول" و"الوصفات العلاجية" لمآزق الفكر ومعاطب الواقع، وإمَّا من أجل تصفية الحساب معها واطراحها عند البعض الآخر بدعوى تراجع قيمتها، وتحجُّرها في شكل عائقٍ يحولُ دون الانخراط في العصر والاندراج في تحولاته.
     ولهذا تعمد هذه الدراسة -وهي تتعقَّب طائفةً من المواقف النهضويَّة المستعيدة للتراث- إلى تحليل عينةٍ من مضمراتها التأسيسية التي أمسى التراث بها موضوعًا خاضعًا في تمثلاتها لأقصى مراتبِ التنميط الأيديولوجي والانتقائية الاستعمالية؛ إذ لم يتحدَّد التراث في هذه التمثلات بما هو تجربة فكرية وإنسانية حدثت في الماضي، وبما هو الأُفق الزمني الذي تشكَّلت فيه بدايات الفكر وجذوره الأولى التي ما فتئت تمضي وما انفكَّت تعود وتتواتر؛ بل أضحى في تلك التمثلات عبارةً عن ملكيَّة صراعيَّة يتنازع عليها المتنازعون، ويتخاصمون على مَنْ تؤول إليه مشروعية تملُّكها، وأحقيَّة الاستيلاء على مقاليد تدبيرها واستعمالها.
     ومن هذا المنطلق رأينا تنظيم هذه الدراسة في جزأين: تناولنا في جزئها الأول الصراع الذي احتدم بين التقليديين والحداثيين حول مضامين التراث، ووقفنا عند السُّبل القرائيَّة التي انتهجوها في استعادتها، وإعادة تشكيلها في ضوء مسلَّمات كل قراءة ومراميها الأيديولوجية.
     أما الجزء الثاني منها، فاتجهنا فيه إلى تحليل جملة من مضمرات التأسيس النهضوي للتراث على نحو ما استترت في خطاب التقليديين والحداثيين على حدٍّ سواء. وقد أفردنا لآلية "المقايسة" بين الماضي والحاضر -بوصفها آليةً تأسيسيةً مضمرةً في كل قراءةٍ للتراث- وقفةً تحليليةً أتاحت لنا الحديث في القراءات التقليدية عن "مقايسة فيلولوجية" تقضي بردِّ الحاضر إلى الماضي بوصفه أصلًا تاريخيًّا مجردًا، واختزاله فيه بنحوٍ مطابقٍ يلغي كلَّ مسافة زمنيَّة فاصلة بينهما، والحديث عن "مقايسة نظرية" في القراءات الحداثية تميل إلى بناء تماثلاتٍ غير مسوَّغة بين مجموعة من الأنظار والمعارف الحديثة، وبين ما يبدو أنه قريبٌ منها أو يُشبهها من أنظار ومعارف تراثيَّة.
     ويجدر التنبيه في البداية إلى أن بعضًا من عناصر التحليل في هذه الدراسة قد استوحيناه من جملة من الأنظار التي صار يُتمثل بها التراث في الوعي التأويلي (الهيرمينوطيقي) المعاصر، فقد حدثت مراجعاتٌ عديدةٌ في هذا الوعي أعادت إلى التراث اعتباره وفاعليته اللذيْن افتقدهما مع فكر الحداثة. وبموجب هذا لم يعُد يُنظَر إلى التراث على أنه طائفةٌ من المسبقات (préjugés) التي يؤدي استدعاؤها عند مزاولة فهمٍ من الفهوم أو نوعٍ من أنواع التفكير النسقي إلى إعاقة مجرياتهما والتشويش على صفائهما ونسقيتهما، وذلك إلى الحدِّ الذي استوجب من مُفكري الحداثة تنحية هذه المسبقات، وإقامة تعارضٍ بين مفهومِ العقل ومفهومِ التراث. فهذا التعارض وُضع موضعَ سؤال، وقُوِّضت مرتكزاته الميتافيزيقية، وأضحى العقل ذاته يُنظَر إليه على أنه مفهوم تاريخيٌّ يتجذَّر في التراث ولا ينفصل عنه؛ لأنه مفهومٌ يلتبس بحدود الوجود التاريخي الذي يتحقَّق فيه، و"يحيل على ما تصوره تراثًا ما (في زمنٍ ما) تصورًا عقلانيًّا، وبذلك فإنَّ تصورنا للعقل يتجذَّر في التراث، ولا معنى لإقامة تعارض بينهما".
     وبهذا الوصل بين العقل وتحقُّقاته في الوجود التاريخي استعادت المسبقات التراثية حيويتَها في الوعي التأويلي المعاصر، وصارت مطلبًا لا يمكن مجاوزتُه أو التخلِّي عنه عند القيام بتأويل نصٍّ من النصوص أو أثرٍ من آثار الماضي أو الحاضر. فهي تمثل لكلِّ أثرٍ قيد التأويل أفقًا مرجعيًّا من الفهوم المسبقة (précompréhensions)، وذاكرةً متواترةً من التقاليد الفهميَّة التي لا تنقطع عن هذا الأثر؛ بل توجد في تواصلٍ وتفاعلٍ معه. ولهذا يؤكِّد بعض كبار المتؤولة في عصرنا أنه إذا كانت هنالك من شروط مُنتجة للتأويل، فإن ما يبرز في مقدمتها هي تلك الفهوم المسبقة النابعة من ارتباطها الوثيق بالأشياء المؤولة ذاتها.
     كما أنَّ التعامل مع التراث لم يعُد تعاملًا مع موضوعٍ نمطيٍّ متجانسٍ يقبل الخضوع لنوعٍ من التجريد النظري والمنهجي مثلما يجري ذلك في سائر موضوعات العلوم وأشيائها.
لقد بات الانشغالُ بالتراث انشغالًا بنصوصٍ تمتدُّ بينها أواصرُ من الحوار والتفاعل بالغة الحيويَّة والتشابك، أي بنصوصٍ معبِّرة تفكِّر وتتكلَّم، وليس انشغالًا بنصوصٍ معزول بعضها عن بعض، أو ساكنة وفاقدة لأسباب الحياة. ولهذا يجري التعامل مع مختلف النصوص والآثار التراثيَّة على أنها خبراتٌ بشريةٌ متنوِّعة بالمعنى والحقيقة، وأن فهم حدود هذه الخبرات وإنتاجيتها متوقفٌ على وصلها في الآن نفسِه بالسياق الزمني والفكري الذي انبثقت فيه، وبما آلتْ إليه في سياقاتٍ زمنيَّة لاحقة.
     بات التراث -إذن- في الوعي التأويلي المعاصر يحيل على التجربة الأولى للفكر، تلك التجربة التي تمدُّنا بالشروط القبليَّة (a priori) لفهم التحولات التي آلَ إليها هذا الفكر، وتجلية الكيفيات التي غدا يحدث بها ويتحقَّق من عصرٍ إلى آخر. وبذلك عُدَّت كلُّ عودة إلى نصوصِه ومتونِه المعرفيَّة المختلفة عودةً لا إلى حقائقَ ثابتةٍ ومعانٍ مسكوكةٍ تعلو على الزمن أو تستقلُّ عنه؛ وإنما هي عودةٌ إلى خبراتٍ بالحقيقة مخصوصة ونوعيَّة بقدر ما تضرب بجذورها في أُفقها التاريخي الخاص وتحتكم إلى شروطه ومقتضياته، وتمتدُّ أيضًا في الآفاق اللاحقة لتقيم بخبراتها المستجدة بالحقيقة روابطَ عميقةً من النَّسَب الفكري والقرابة التاريخية؛ إذ بمقتضى هذه الروابط يتجلَّى الفكر في كل أُفقٍ من تلك الآفاق بما هو صيرورة لا تكفُّ عن تجديد نفسها، ولا تتوقَّف عن الإحالة على جذورها ومحاورة بداياتها.