الحداثة في الشرق الأوسط والعالم العربي

حداثة عمارة رأسمالية

ملخص

دأب مفكِّرو وقادة الشرق الأوسط والعالم العربي، منذ القرن التاسع عشر، على تجريب كل السُّبل التي من شأنها أن ترقى بهذه المنطقة من العالم إلى المستوى الذي بلغته أوروبا والغرب عمومًا. وقد اهتدى هؤلاء القادة وأولئك المفكِّرون إلى أن أنجع تلك السُّبل يتمثَّل في تحديث طرق العيش القديمة وأنماط التفكير العتيقة في شتَّى مناحي الحياة، وذلك حسب المعايير الغربية. لكن تبنِّي خيار الحداثة والتحديث في الشرق الأوسط لم يكن سهلًا البتة، وتطلَّب قطع ثلاث مراحل تختلف من حيث الوسائل والمقاربات التي فرضتها الظروف الخاصَّة لكل دولة من دول المنطقة التي لم تبلغ بعدُ مبتغى التنمية والتقدُّم المنشودين، وذلك بسبب الاضطرابات الاجتماعية والسياسية التي ما فتئت تعرفها بلدان المنطقة بفعل مشاكل داخلية صرفة تارةً، وبدافع الأجندات الإمبريالية الغربية تارةً أخرى.

تقديم

يُعَدُّ اكتشاف الحداثة واتجاهاتها الفكرية أمرًا مهمًّا للغاية، ما دامت عبارة الشرق الأوسط هي الأخرى حديثةً لم تَرَ النور إلَّا مع مطلع القرن العشرين. لقد شكَّل سقوط الإمبراطورية العثمانية في عام 1922، وتقسيمها إلى دولة تركيا ودول عربية جديدة، منعرجًا فارقًا في تطوُّر ما أصبح معروفًا بالشرق الأوسط. وأدى ظهور دول قومية واحتكاكها بالغرب الحديث إلى انخراطها في تجارب الحداثة والتحديث، والتي تختلف من دولة إلى أخرى.

ويمكن أن نستعرض بإيجازٍ معالم الحداثة والتحديث في هذه المنطقة بتقسيمها إلى دولٍ عربية مثل: مصر والعراق وبلاد الشام (سوريا ولبنان وفلسطين) والمغرب الكبير (المغرب والجزائر وتونس وليبيا) من جهة، وإلى إيران وتركيا من جهة أخرى[1].

ينبثق التحديث في الشرق الأوسط عن ثلاثة تياراتٍ فكرية يشترك أصحابها - سواء كانوا مفكِّرين أو نشطاء أو مبدعين - في السعي وراء مبتغى التغيير. لقد ظهرت أولى حركات الإصلاح خلال القرن التاسع عشر، وتمخضت عن إنشاء دساتير وبرلماناتٍ في المملكات الفارسية[2] والعربية والعثمانية. وعُني ثاني تيارات التحديث بما يمكن أن نسميه بالمذهب القومي. وسعى المفكِّرون خلال هذه المرحلة إلى إيجاد مصادر قومية للتقدُّم والتنمية، وهذا بخلاف المرحلة الأولى التي تميَّزت بانبهارٍ واضحٍ من قِبل الشرقيين بالغرب. أما التيار الفكري الثالث، فقد اتسم بإرادة قوية في التقدُّم، الشيء الذي فتح المجال أمام الليبرالية التي أحدثت تحولاتٍ جوهريةً في الحقل السياسي؛ إذ عمد الأكاديميون في هذه المرحلة إلى تحليل مجتمعاتهم اعتمادًا على الآليات النقدية الحديثة المستمدَّة من المعارف الغربية.

وفي الوقت الذي انتعش فيه التحديث الفني خلال هذه المراحل الثلاث، واجهت التجربة الفكرية للتحديث العديد من المعوقات. فقد عرف الشرق الأوسط الحداثة عندما كان مسرحًا لأحداثٍ متسارعة ومتعدِّدة خلال المئة عام الماضية، وخاضعًا للإمبريالية الغربية، الشيء الذي أزَّم الوضع السياسي غير المستقر أصلًا في المنطقة، وصعَّب مسار انخراطها في تجربة الحداثة.

 

[1]  ليست إسرائيل معنيةً هنا، ما دامت هي أقرب إلى الغرب منها إلى الشرق الأوسط، من حيث بنياتها الثقافية والاجتماعية والسياسية.

[2]  عُرفت إيران ببلاد فارس حتى عام 1935 عندما طلب رضا شاه إلى المندوبين الأجانب اعتماد لقب "إيران". لذا حرصنا على استعمال كلمتي "فارس" و"فارسي" عندما نقصد الحديث عن إيران في فترة ما قبل هذا التاريخ.