التعبئة السياسية الافتراضية

مقاربة سوسيو-سياسية

مقدمة:

دأبت مقاربة علم السياسة على تناول موضوع التعبئة السياسية من منظور نظريات التواصل السياسي وعلم الاجتماع السياسي، باعتبار أن الأدوار السياسية مقسمةٌ في المجتمع بين مؤطرين تقليديين يقومون بدور التوعية والتعبئة السياسية من داخل نسق المؤسسات التقليدية الرسمية المؤطرة قانونيًّا في إطار الديمقراطية التمثيلية، ومتلقين واقعيين منخرطين في العملية التواصلية باعتبارهم مستهدفين أساسيين لفعل التوعية والتعبئة السياسية، في حين تتوخى المقاربة السوسيولوجية الاقتراب أكثر من نبض المجتمع لمعرفة الأشكال الجديدة للتوعية والتعبئة السياسية، والتي تعتبر شبكات الإنترنت من أبرزها، والتي لم تعد تعترف بالحدود المرسومة من قِبل تلك المؤسسات؛ لذلك سأقوم في هذا المقال بالمزاوجة بين المقتربين في تحليل ظاهرة التعبئة السياسية الافتراضية.

سعت شبكات الإنترنت لخوض غمار التعبير السياسي مع توقد أول شرارة من شرارات الحراكات الشعبية في عام 2011، بل إن هذه الشبكات كانت وراء انطلاق الاحتجاجات الشعبية من حيث القوة التعبوية التي تتمتَّع بها دون سائر الوسائط والمؤسسات التقليدية، فكان لحملات التحسيس بهشاشة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي وجدت في شبكات الإنترنت مجالًا أرحبَ للتعبير عنها، الدورُ الحاسم في تجييش الناس ودفعهم للخروج إلى الشارع العام؛ ووجد المؤطرون لهذه الحملات من الوسائل والإمكانيات الإلكترونية ما ليس متيسرًا في حالات التعبئة الجماهيرية الواقعية، وهكذا قام هؤلاء بإنزال العشرات من الهاشتاغات والصور والفيديوهات والعبارات التي تنتقد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والتي تلقى تجاوبًا أسرعَ وأوسعَ من قِبل عددٍ كبيرٍ من روَّاد المواقع والشبكات الإلكترونية. وهكذا استطاع أولئك المؤطرون تحقيق إنجازاتٍ مبهرة على مستوى التعبئة الجماهيرية بشكلٍ أسرعَ، مما يمكن أن تقوم به المؤسسات والوسائط التقليدية التي تشتغل على أرض الواقع. فسرعة تداول المحتوى الإلكتروني، وسرعة انتشاره، ومدى تأثيره في المتلقين قضى في العمق على الطرائق التقليدية في التعبئة والتوعية السياسية، بل وخلخل العديد من المسلَّمات الميدانية، وأربك المؤطرين التقليديين إن لم يكن قد قام بإزاحتهم من المشهد السياسي وبتنحيتهم جانبًا.

انطلق روَّاد شبكات الإنترنت (Social médiats)  من الواقع المرفوض ليصوغوا استراتيجيتهم التواصلية الجديدة التي ترتكز على التوعية والتعبئة الافتراضية، فقد أدى الانحباس السياسي لما قبل الحراكات الشعبية في عام 2011 وما نتج عنه من معضلاتٍ اقتصادية واجتماعية إلى نوعٍ من الإقصاء الاجتماعي لفئاتٍ عريضة من المجتمع خاصةً فئة الشباب، هؤلاء الذين وجد أغلبهم نفسه في مواجهةٍ مباشرة مع شبح البطالة بعد سنواتٍ متواصلة من التحصيل الدراسي والعلمي في الجامعات والمعاهد، ولم يكونوا راضين عن واقعهم الذي فُرض عليهم جراء السياسات الاقتصادية والاجتماعية اللاشعبية للحكومات، فقرروا معارضة هذه الحكومات في البداية وممارسة النقد والتحسيس بالواقع المرفوض. وهكذا تمت صياغة أسس تواصل سياسيٍّ جديد قائم على نشر كمٍّ هائلٍ من المعلومات والمعطيات التي تهدف إلى نقد ذلك الواقع وبلورة المطالب عبر شبكات الإنترنت، التي أصبح لها متعهدون جدد غير أولئك التقليديين الذين كانوا مكبَّلين بالبيروقراطية الحزبية. فقد أدت سرعة نشر المعلومات والمعطيات وتداولها في شبكات الإنترنت التي تروم نقد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وربطها بفشل السياسات المتبعة؛ إلى استقطاب أتباع ومتعاطفين، بل ومؤطرين افتراضيين يعملون وفق أجنداتٍ فردية في الغالب على التحسيس بضرورة تجاوز الأغلال التي تفرضها الأوضاع المرفوضة، والانطلاق نحو تأسيس أسسٍ وقواعد تعبوية جديدة، تهدف إلى نقد الواقع بغية تجاوزه نحو الأفضل في البداية، قبل أن يتحوَّل ذلك النقد إلى دعوة صريحة إلى إسقاط الأنظمة السياسية مع تزايد زخم العملية التواصلية الافتراضية وانخراط أعدادٍ هائلة من الرافضين في هذا المشروع السياسي الافتراضي، لدرجة أن البعض أطلق على ثورات الربيع الديمقراطي اسم ثورات الفيسبوك[1].

إن ما يميز التوعية والتعبئة السياسية الافتراضية هو كونها لم تعد لها قواعد جاهزة معروفة مثلما كان لنظيرتها التقليدية، كما أن المتعهدين لهذه التعبئة السياسية لم يعودوا هم أنفسهم المتعهدين القدامى، والذين يظلون قابعين في المقرات الحزبية ينتظرون ما ستسفر عنه المؤتمرات والهيئات المركزية، بل إن سرعة المبادرة لدى هؤلاء تتجاوز سقف كل التوقعات المحتملة؛ فليس لها مكان خاصٌّ ولا زمان خاصٌّ، وأعضاؤها ليسوا معروفين وأماكنهم ليست معروفة أيضًا، كما أنهم لا يعرفون بعضهم ولا يتقاسمون المرجعية الأيديولوجية نفسها في الغالب؛ لذا فمكانها هو المجال الأرحب لشكبات الإنترنت، وزمانها هو الزمن السياسي الممتدُّ واللامرئي. غير أن هذه الاستراتيجية التواصلية الجديدة وإن كانت تتخذ من العالم الافتراضي نقطةً لانطلاقها، فإنها تستهدف في النهاية تغيير الواقع الذي ترى منذ البداية أنه ليس واقعها المرغوب. وهكذا فالتغيير السياسي الافتراضي يبدأ بالتوعية لينتقل إلى التعبئة ثم إلى النزول إلى الشارع ورفع المطالب التي تمت بلورتها في العالم الافتراضي[2].

أولًا: التعبئة السياسية الافتراضية والفضاء العمومي الافتراضي:

سعى أحد روَّاد المدرسة النقدية أو مدرسة فرنكفورت، وهو يورغن هابرماس (Yurgen Habermas)، إلى بناء نظرية أطلق عليها اسم “الفضاء العمومي”، هذا الفضاء بحسبه هو مجال تداوليٌّ بامتياز للآراء المختلفة أيًّا كان منشؤها، سياسيًّا أم دينيًّا أم اجتماعيًّا أم اقتصاديًّا، وهدفه هو تحقيقُ فعل تواصليٍّ لمناقشة الأمور التي تدخل في دائرة اهتمام الشأن العام، وهذا الفضاء العمومي هو فضاء ديمقراطيٌّ شبيه بالأجورا (Agora) الإغريقية، حيث يتمُّ فيه تداول الآراء والمعلومات بحرية تامَّة. وبحسب هابرماس، فلا بدَّ من شرط الحرية لتحقيق الفضاء العمومي، من أجل تحقيق عدالة اجتماعية تقوم على الفعل التواصلي[3]. ورغم المآخذ التي أُخذت على هذا الطرح الهابرماسي من قِبل العديد من الفلاسفة والمفكِّرين الإمبريقيين، خاصةً حنة أرندت (Hana Arandt) ونانسي فريزر (Nancy Fraser)، باعتبار الفضاء العمومي الذي يدعو إليه هابرماس(Habermas)  تؤطره الأيديولوجيا الليبرالية-البورجوازية، ولا يمكن تعميمه نظرًا لحصره داخل الأنموذج البورجوازي-الويستفالي، فإن الفكرة في حدِّ ذاتها فكرةٌ حسنة بالنظر إلى إمكان تجاوز معيقاتها الإمبريقية وكذا مآزقها النظرية والفلسفية. وبالرغم من انتفاء شرط الحرية، فإنه يمكن طرح سؤال إمكان إسقاطها على التوعية والتعبئة السياسية الافتراضية في بلدان دول العالم الثالث، بالقول بجدوى إنجاز فعل تواصليٍّ إلكترونيٍّ منفصل عن الدولة وفضاء لإنتاج ونشر الخطاب النقدي تجاه الدولة، باعتبار أن نانسي فريزر (Nancy Frazer) تعتبر أن الفضاء العمومي الهابرماسي يختصُّ فقط بالأنموذج البورجوازي، وتقترح من أجل تجاوز مأزق الوطنية الذي يحاصره الانفتاحَ على الحركات الاجتماعية في دول العالم الثالث مثل حركات الأقليات العرقية والإثنية، والحركات النسائية، وحركات حقوق الإنسان، وحركات الثقافات واللغات المهمشة …إلخ [4]. ويمكن أن تصلح فكرة الفضاء العمومي الإلكتروني التي تقوم على حقيقة فسح المجال لكل هذه الحركات للتعبير عن آرائها بكل حرية في البلدان التي تنتمي إليها، ومن أجل ممارسة التعبئة السياسية بهدف خلق الإجماع حول القضايا الرئيسة التي لا تتقاسم الرؤية نفسها بشأنها مع الدولة. إن الفضاء العمومي هو تجمُّع لأشخاصٍ خصوصيين يجتمعون للصراع حول المصلحة العمومية أو المصلحة المشتركة، إلا أن تجمُّعهم في الحالة الافتراضية يختلف عنه في الحالة الواقعية الفيزيائية، خاصةً مع كون هذه الفكرة كانت صالحة في أوروبا في ظل صراع الدولة الحديثة مع الإقطاع.

 يمكن اعتبار فكرة الفضاء العمومي قاعدةً نظريةً لاعتبار التوعية والتعبئة الافتراضية جزءًا من الفضاء العمومي الهابرماسي، ويمكن إعادة تسميته بالفضاء العمومي الافتراضي، خاصةً لكون شرط وجوده الذي هو الحرية يمكن تلمسها في الشبكات الإلكترونية، هذا الفضاء العمومي الذي تولد من أزمة الدولة الوطنية وعدم رغبتها في الإنصات للرأي الآخر المختلف، خاصةً آراء الشباب حول القضايا المرتبطة بوضعهم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. لقد حلَّ هذا الفضاء العمومي الافتراضي محلَّ الآليات التعبوية التقليدية أو الأدوات الأيديولوجية للدولة حسب لويس ألتوسير وكارل ماركس، وهي في حالة دول العالم الثالث: المدرسة، والمسجد، والإعلام، والأحزاب السياسية. ويمكن اعتبار الظروف التاريخية لأوروبا في ظلِّ الإقطاع والاستبداد الكنسي مشابهةً لما تعيشه دول العالم الثالث حاليًا من استبداد الدولة الوطنية وتغول الحركات الأصولية، بحيث أضحت هنالك حاجة للتعبئة السياسية الافتراضية، باعتبار أن الوسائط التقليدية أضحت مخترقةً من قِبل الدولة ولم تعد تقوم بالأدوار التعبوية التي كانت منوطةً بها أو أن تلك الأدوار قد تمَّ تجاوزها لعدم فاعليتها وعدم قدرتها على خلق التعبئة المرجوَّة بالزخم والأهداف المنشودة[5].

ثانيًا: من التعبئة الميدانية إلى التعبئة الافتراضية:

بالرجوع إلى الإسطوغرافيا خاصةً كانط وهيجل وماركس، فإن استعمال العقل بجرأة يفترض الشجاعة والاستقلالية والمسؤولية والإرادة، ويميز كانط بين الاستعمال الخاص للعقل والاستعمال العمومي له، ويتداخل في هذا الأخير الفعل السياسي بالممارسة السياسية بواسطة الدعاية لتوجيه الرأي العام، وعلاقة العمومية بالفعل التواصلي تظهر عندما تصير العمومية معيارًا لكل القيم بحكم أن أيَّ فعل إنسانيٍّ إنما يهدف إلى الاهتمام بقضايا الشأن العام. تشتغل نظريات الفعل الاجتماعي لكلٍّ من تالكوت بارسونز (Talcot Parsonz) [6] وروبرت ميرتون (Robert Merton)  وماكس فيبر (Max Weber)، على الفعل الفردي والاجتماعي باعتبار الفرد ذاتًا فاعلة واعية حرَّة في اختياراتها، كون الفعل الاجتماعي نابعًا من حاجة الفرد – وهو يتمثَّل قيم الجماعة التي ينتمي إليها – إلى تغيير مجموعةٍ من الأشياء التي يراها على غير الشكل الذي يرضيه، حيث يتحوَّل الفعل الاجتماعي إلى سلوك فرديٍّ ينتج الفعل متأثرًا بقيم وثقافة الجماعة التي ينتمي إليها، وفي بعض الأحيان الحاجة إلى تغيير تلك القيم والتمثلات نفسها المحركة للفعل الفردي باعتباره إنسانًا، أي حيوانًا سياسيًّا واجتماعيًّا بالدرجة الأولى. ولتفسير الظاهرة المرتبطة بهذا الفعل، لا بدَّ من دراسة قيم وثقافة المجتمع الذي ينتمي إليه الفاعل، وهذا هو مذهب بارسونز وميرتون (Parsonz and (Merton، وهو ما يُسمَّى بالمدرسة السلوكية الأمريكية. بينما يذهب ماكس فيبر (Max Weber)  في اتجاه مغاير، بحيث يربط الفعل الاجتماعي بمجموعةٍ من الشروط الاجتماعية والثقافية، ويميز بين نوعين من الفعل: الفعل التقليدي أو الداخلي للفرد، وهو مرتبط بالمجال العاطفي والذي يستلزم من أجل فهم الظاهرة المرتبطة به الاهتمامَ بالمجال العاطفي الشخصي للفرد نفسه والشروط الاجتماعية المتحكِّمة فيه؛ وبين الفعل الاجتماعي على المستوى الجمعي باعتبار الفرد عضوًا في جماعة. وبالنسبة إلى م. فيبر (M.Weber)، فإن الفرد يعتبر مسؤولًا عقلانيًّا عن أفعاله، وأن أي فعل ما هو إلا فعل فردي نابع من الاختيار الشخصي العقلاني (نظرية الاختيار العقلاني). وبهذا، فالسوسيولوجيا عند بارسونز وميرتون تعتبر تفسيريةً في حين تعتبر فهميةً لدى م. فيبر.

إن تحول التعبئة السياسية من الميداني إلى الافتراضي باعتماد الجهاز المفاهيمي والنظري للسوسيولوجية التفسيرية لبارسونز وميرتون (Parsonz and Merton)  والفهمية لفيبر (Weber)  يفترض أن الظاهرة الاجتماعية ناتجةٌ عن تأثُّر الفاعلين الأفراد بقيم وتمثلات وثقافة المجتمع الذي ينتمون إليه. وعلى هذا المستوى، فإن الفعل الاجتماعي المرتبط بالتعبئة السياسية الافتراضية مرتبطٌ بدينامية مجتمعية تتحكَّم فيها وتصوغها العديد من القيم والتمثلات الاجتماعية، هذه القيم والتمثلات تتمحور حول دور الحركات الاجتماعية والنُّخب السياسية والنُّخب الحاكمة ودور الإعلام الرسمي في المعادلة الاجتماعية  والسياسية. وهكذا فتراكم الشعور بالغبن والتهميش والهدر الذي يشعر به الشباب، أدى إلى تكوُّن قناعاتٍ تحولت إلى قيمٍ اجتماعية لديه ثم إلى سلوك جماعيٍّ وفرديٍّ، وتتمثَّل هذه القناعات في فساد المحيط السياسي الحزبي، وعدم قدرة النُّخب السياسية والنقابية على تجاوز عتبة التشخيص وعلى براغماتيتها وجشعها الواضح للعيان[7]. كما أن النُّخب الحاكمة أضحت بالنسبة إليه معيقًا لكل تنمية منشودة، وعائقًا مسؤولًا ومباشرًا عن جلِّ الإخفاقات الاجتماعية والاقتصادية التي يعتبر هو ضحيتها الأولى. لقد أصبح المجال الافتراضيُّ الاختيار العقلانيَّ الأوحد المتوفِّر أمام انسداد أفق الحوار والإنصات، وشيوع ثقافة الإقصاء والنفي، وانتشار الممارسات القمعية من قِبل السلطة وسيطرة الاستبداد، مما أدى إلى كون اختيار الوسيلة الإلكترونية بشكل عقلانيٍّ يرتكز على تحديد الهدف المتمثِّل في استهداف الميدان السياسي المفضي إلى تناول الشأن العام بشكلٍ يناقض التوجُّه الحزبي والرسمي، من أجل نشر تلك القيم الجديدة والمتمثِّلة في رفض ذلك الواقع الذي أنتجها، والعمل على تجاوزه وفق ترسانة مفاهيمية جديدة قوامها: الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد وعدالة توزيع الثروة وتكافؤ الفرص وفسح المجال أمام الشباب…إلخ. وهنا يجب التمييز بين مستويات وعي افتراضية متعدِّدة بتعدُّد الوسائط والشبكات الاجتماعية، مثل: فيسبوك وتويتر وانستغرام ويوتوب وغيرها، بيد أنَّ لكلِّ واحدةٍ من هذه الوسائط الرقمية نوعًا معينًا من الشرائح الاجتماعية التي ترتادها.

ثالثًا: أيديولوجية المواقع والشبكات الاجتماعية:

لقد غدت المواقع والشبكات الاجتماعية المتعدِّدة مجالًا لتصريف الأفكار والمواقف والرؤى على اختلاف مضامينها، سياسية، وعقدية، وثقافية، ورياضية وغيرها؛ وذلك بفعل ذلك الطوفان الهائل من المعلومات التي يتمُّ تداولها بسرعة على مدار الساعة دون توقُّف، فيتم تناول الأحداث المحلية والعالمية بسرعة فائقة، والتركيز على الاختلالات التي تشوب السياسات العمومية والقرارات السياسية والاقتصادية على المستوى المحلي والكوني، ويتم توثيق تلك الاختلالات بواسطة التقنيات الإعلامية المتعدِّدة المتوفرة (فيديوهات – صور – حوارات صحفية – بلاغات – بيانات – مقالات ودراسات إلكترونية …إلخ)، يتمُّ من خلالها نقل الواقع بشكلٍ ممنهجٍ ولافتٍ للنظر ومؤدلج أحيانًا، والتركيز على السلبيات ورصد الخروقات والتعثرات والتناقضات، وهو ما يبيِّن قلق المتعهد أو مستخدم الشبكات الاجتماعية من سوء الأوضاع الاجتماعية، واستبدال الأيديولوجيات القديمة بأيديولوجية الإنترنت، ونشر قيم الديمقراطية والثقافة المدنية، ونشر الإرهاب والتطرف والقيم السلبية، فقد أصبح الإنترنت مجالًا تسرح فيه الجماعات الإرهابية وتنشر أفكارها وأيديولوجياتها، وأصبحت شبكة الإنترنت وسيلة اتصالٍ جماهيرية جديدة، أزاحت التلفزيون والراديو من المشهد الإعلامي، وتعمل على استقطاب كافة الأعمار والتوجهات والاتجاهات السياسية والفكرية، مما أدى إلى انتشار وسائل التواصل في القرى والمدن، واستهداف مختلف شرائح المجتمع، وتجاوز مشكلات الأعمار والنوع والطبقة الاجتماعية[8].

غير أن خطورة استعمال وسائل التواصل الاجتماعي تكْمُن في تنميط الرأي العام، خاصةً بحكم ارتكازه على جلِّ مكونات العملية التواصلية (السمعي – البصري – الحسي). وإذا كانت المشاركة السياسية تقتضي أن النشاط الذي يقوم به الأفراد يستهدف التأثير في القرارات السياسية التي يتخدها المسؤولون، فإن المشاركة السياسية الافتراضية تعمل من خلال تبادل الرأي في نوادي الدردشة والتعليقات على “الفيسبوك” و”تويتر“، ونقل ملفات “PDF”، وتسهيل عملية وضع المحاضرات الجامعية بواسطة تقنية (DATA CHAW)، والإغاثة، والدعوة إلى التبرع، والدعوة إلى التظاهر، والدعوة إلى التضامن، والإعلام الرقمي البديل، والإعلام الافتراضي، والشبكات الاجتماعية، والمنتديات الإلكترونية، والمجموعات البريدية، ومواقع الويب، وغيرها من أشكال شبكات الإنترنت المتعدِّدة؛ تعمل جميعها على تشكيل الوعي ذاته الذي يهدف إلى التأثير في تلك القرارات، بحيث أضحت عوامل السِّن والمهنة أو النوع والجنسية والعوامل النفسية والاجتماعية كلها عوامل دون أية أهمية أمام رغبة الشباب في التغيير[9]. وهكذا أصبحت الشبكات الإلكترونية جزءًا مهمًّا من ثورة إلكترونية عرفتها البشرية في مجال التواصل الاجتماعي، يمكن استخدامها كوسيلة سياسية في المساهمة في الحراك السياسي والاجتماعي والنضال السياسي الافتراضي أو الإلكتروني، ويمكن إيراد أن نشطاء الفيسبوك في المغرب – على سبيل المثال – قاموا بمجموعة من الفعاليات النضالية من أبرزها: الحملة الوطنية لإلغاء مهرجان موازين، والتنسيقية الوطنية لإلغاء معاشات الوزراء والبرلمانيين، ومجموعة مقاطعة بعض المنتجات والمواد الاستهلاكية، وشباب مغربي ضد الفساد والاستبداد…إلخ؛ فأصبحت الشبكة أو المنصَّة وسيلةً للنضال السياسي والحضاري، وكل ذلك يمكن أن يساهم في التغيير السياسي ونشر قيم الديمقراطية والمواطنة وترسيخ فلسفة حقوق الإنسان والتأثير في القرارات السياسية وتشكيل الرأي والصورة والموقف السياسي، خاصةً من خلال توظيف المسيرات الاحتجاجية والتضامنية، والوقفات الاحتجاجية، وإصدار البيانات التضامنية والتنديدية.

إلا أن للشبكات الإلكترونية أيضًا بعض المثالب يمكن إجمالها في تنميط الوعي وتزييفه بحكم أن المحتوى الإلكتروني يعكس الأطر الفكرية والأيديولوجية الحاكمة لمستخدم هذه الشبكات، والتي خلقت أشكالًا جديدة من الفعل الجماعي قوامها فضاءات بديلة اختصَّت بجماعاتٍ افتراضية ذات أهدافٍ مشتركة (سياسية، فنية، ثقافية، رياضية…إلخ)، وبروز قادة رأي عام جدد لهم منابرهم الإعلامية وتقنياتهم الخاصَّة لحشد الجماهير وتعبئة الأفراد أو ما بات يُعرف بمفهوم التسلل الشبكي، وهو يعني قيام المستخدم باستعمال أقنعة إلكترونية متعدِّدة من أجل إخفاء هويته وصورته. وهكذا أصبحت تلك المواقع مرتعًا للجماعات المسلَّحة والتنظيمات الإرهابية، وتكشف الحروب الإلكترونية التي يشنها الأفراد والجماعات الطابع الأيديولوجي لهذه الحروب، وكذلك أصبحت تلك المواقع مجالًا للصراع حول المعاني والأفكار والتصورات والقيم ومنصات لصراعٍ أيديولوجي-فكري، عقائدي، مذهبي أو سياسي، وصراع نفوذ ومصالح، وفرض طريقة التفكير أو ما يجب أن يفكِّر فيه المستخدم، وهو جوهر مضمون الإعلام المؤدلج الذي يعني مجموعة أفكار وتصورات وسلوكات يتمُّ تسويقها بشكل إيجابيٍّ أو سلبيٍّ وتستهدف سلوك المتلقي بحكم أن الممارسة الإعلامية بشكلٍ عامٍّ ما هي إلا نتاج رؤية أيديولوجية ذات مضامين متعدِّدة، وتستعمل أدوات متعدِّدة منها: الديالكتيك، والسطحية، والحجج والبراهين والأدلَّة، أي الحجاج والتداولية من أجل تسويق تلك المضامين ونشرها[10].

رابعًا: ديمقراطية التواصل في الزمن الرقمي:

لقد ساهمت الشبكات الإلكترونية في عولمة النضال الافتراضي وفي دمقرطة التواصل الرقمي، بحيث أصبح بإمكان أي شخصٍ في أي مكانٍ في العالم مهما كان مستواه الثقافي أو الاجتماعي أن يتواصل بكل حرية مع ملايين الأشخاص من مختلف الجنسيات والحساسيات الدينية والأيديولوجية والإثنيات والثقافات، وأصبح بإمكان التنظيمات السياسية والثقافية وجميع الحساسيات أيًّا كان توجُّهها أن تنشر أفكارها عبر منصات وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية. وهكذا، فإن الأحزاب السياسية والمنظمات ذات التوجهات والحساسيات المختلفة (جمعيات بيئية – جمعيات معارضة للعولمة – جمعيات دينية أو ثقافية – منظمات التحرير وغيرها )، أصبح بإمكانها التواصل مع نظيرتها في جميع بقاع العالم والدعوة إلى عقد الاجتماعات أو الدعوة إلى التظاهر أو نشر أفكارها ودعوة أنصارها أو المتعاطفين معها إلى موائد افتراضية للنقاش حول مجمل القضايا التي تدخل في صميم اهتمامها، ولم يعد بإمكان الدول مراقبة ذلك الكم الهائل من الأنشطة التي تدار تفاصيلها على المستوى الافتراضي؛ بل إن أغلب الأنشطة السياسية التي تتحوَّل إلى نشاطاتٍ واقعية لا تنطلق في الأصل إلا من خلال الوسائط الرقمية[11].

 تواجه الدولة في العالم الثالث تحديات كبيرة مرتبطة بهذا المجال، ورغم محاولتها إصدار تشريعات تتوخَّى تنظيم المجال الإلكتروني أحيانًا أو محاربة الجريمة الإلكترونية أو الحد من الحريات الشخصية من خلال مراقبة المواقع والمنصات الاجتماعية، فإنها ليست قادرةً على الإحاطة الشاملة بكل الأنشطة الإلكترونية التي تدار وقائعها عبر الوسائط الرقمية والشبكات الإلكترونية، وهذا الأمر وإن كان يعزِّز ديمقراطية التواصل الرقمي فإنه يوسع مجالها ويجعل من الصعب على الدولة مهما كانت غير ديمقراطية أن تراقب المجال الافتراضي المتفلت والمترامي جدًّا، مما يجعلها مطوقةً بواقعٍ لا تعرف كيف ترصده، فهي من جهة تريد مراقبة جميع الأنشطة التي تقع في مجالها السيادي، وفي الوقت نفسه هي مطوقة باتفاقيات التجارة الإلكترونية ومستلزمات الاستثمار الرقمي، وكذلك بإكراهات والحريات العامة، فتجد نفسها مطوقةً بإكراهات الحفاظ على الأمن والاستقرار واحترام الخصوصيات الشخصية وضمان الحريات الفردية والجماعية خاصةً في المجال الإلكتروني. وهذا الأمر يطرح إشكالية الفضاء العمومي الهابرماسي أمام الواقع الإمبريقي لدول العالم الثالث الموسوم بالاستبداد والتخلُّف، بحيث تتحوَّل الشبكات الاجتماعية في بعض الأحيان إلى مجالٍ للتطرف في جميع الاتجاهات ونشر الأفكار التي تحدُّ من الحرية وتشيع ثقافة الاستبداد وإلغاء الآخر، وهذا مؤشر على انسداد الأفق الحواري ورفض الآخر المختلف. ويساهم حراس المعبد في الإعلام الموجَّه في إشاعة هذه القيم أيضًا، وذلك من خلال تسييج وسائل الاتصال الجماهيري بالأيديولوجيات الداعية إلى الانغلاق والهيمنة والانتهازية. والمحصلة هي غياب مشروع مجتمعي لدى دول العالم الثالث يشتغل على دعامات الإعلام والشبكات الإلكترونية من أجل إشاعة ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة. لقد أدت رياح التغيير التي هبَّت على دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط في عام 2011 إلى تحريك الكثير من البرك الآسنة، ومنها بركة الديمقراطية والتغيير السياسي، وكان للشبكات الإلكترونية اليَدُ الطولى في تحفيز الناس من أجل النزول إلى الشارع، فأمام واقع ضعف الأحزاب السياسية والمجتمع المدني وانتهازيتهما، لم يجد الداعون إلى الحراك سوى منصات التواصل الاجتماعي ليوجهوا دعواتهم إلى التغيير، وانتشرت العشرات من المواقع التي تنشر صور المتظاهرين ومطالبهم وتوجهاتهم السياسية، وانبرى مناضلون افتراضيون على موقع يوتيوب للتحدُّث عن الواقع السياسي وتحليله والدعوة إلى تغييره أو السخرية منه بالهدف والغاية نفسيهما، وانطلق مناضلون آخرون وجعلوا من وسائل التواصل الاجتماعي مجالًا لنشر مقالاتهم التحليلية حول الأوضاع السياسية والاجتماعية بتلك البلدان، وسرعان ما تمَّ تكريس أسماء مشاهير في مجال النضال الافتراضي، سواء في موقع يوتيوب أو في الفيسبوك أو تويتر. غير أن هذه الدول سرعان ما سعت إلى إغلاق قوس الانفراج السياسي الذي ساد في عام 2011 عندما استعادت الأنظمة السياسية عافيتها وثقتها بنفسها، وشدَّدت الخناق على الشبكات الإلكترونية وبعض المنابر الإعلامية التي تنتقد الأوضاع في تلك البلدان، وقامت بإيداع النشطاء الإلكترونيين وكذا بعض الإعلاميين السجن بتهمٍ ملفقة في الغالب، بهدف تخويف البقية ودفعهم إلى الصمت.

خاتمة:

في ختام هذا المقال، يمكن القول إن التعبئة السياسية لم تعد تُدار بالمنطق القديم نفسه الذي يعتمد على الوسائط التقليدية والمنطلقات والأدوات والأهداف نفسها، فالتعبئة السياسية الافتراضية أصبحت لها منطلقات جديدة تتمثَّل في تعبئة كل المناضلين وغير المناضلين المفترضين بعيدًا عن الألوان الحزبية والمرجعيات الأيديولوجية من منطلق أن المواطنين على اختلاف مستوياتهم الثقافية والاجتماعية ومرجعياتهم السياسية هم المستهدفون بهذه العملية، وأصبحت تستعمل أدواتٍ أخرى تتمثَّل في الوسائط الإلكترونية والشبكات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي غير تلك التي كانت تستعملها التعبئة الواقعية، مثل المهرجانات الخطابية أو وسائل الدعاية أو المؤتمرات واللقاءات الحزبية أو توزيع المنشورات في الشارع من أجل الدعوة إلى التظاهر أو الاحتجاج أو إصدار بيانات الشجب والتنديد، وأصبحت لها أهداف تتمثَّل في استقطاب أكبر عددٍ ممكنٍ من المشاركين، والذين يفترض أنهم يتقاسمون الرؤية نفسها والهمَّ نفسه ولو لم يكن لديهم بالضرورة الخيار السياسي نفسه أو المرجعية الأيديولوجية نفسها. وهذه الأهداف ليست بالضرورة هي أهداف التعبئة التقليدية نفسها، مثل الحملات الانتخابية أو المشاركة السياسية أو تنظيم مسيرات وطنية ضد سياسة معينة أو خطة حكومية؛ بل لقد أبانت الوقائع التي حدثت إبَّان أحداث الانتفاضات الشعبية عام 2011 أن هذه التعبئة الإلكترونية لها أهداف أبعد وأعمق من مجرَّد الاحتجاج أو التظاهر، إذ تندرج هذه الأهداف ضمن منظور شمولي يتبنَّاه المتعهدون الجدد لوسائل التواصل الاجتماعي والشبكات الإلكترونية يتوخى إجراء عمليات جراحية وأحيانًا قيصرية على الأنظمة السياسية القائمة، سواء بهدف الإصلاح أو بهدف التغيير الجذري.


الهوامش:ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] La révolte en réseau : le « printemps arabe » et les médias sociaux

David M. Faris Dans Politique étrangère 2012/1 (Printemps), pages 99 à 109

Lien : https://www.cairn.info/revue-politique-etrangere-2012-1-page-99.htm#

[2]  Comment Internet a fait les « printemps arabes »- Par Violaine Morin  Publié le 14 octobre 2017 à 14h00 – Mis à jour le 14 octobre 2017 à 14h00 – lien : https://www.lemonde.fr/idees/article/2017/10/14/comment-internet-a-fait-les-printemps-arabes_5201063_3232.html

[3]  رشيد العلوي، الفضاء العمومي من هابرماس إلى نانسي فريزر، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، ص19.

[4]  المرجع السابق نفسه، ص20.

[5]  آرثر أسا بيرغر، وسائل الإعلام والمجتمع وجهة نظر نقدية، ترجمة صالح خليل أبو أصبع، سلسلة عالم المعرفة، العدد 386، مارس 2012، ص57.

[6] Talcott Parsons et la grande théorie- Jean-François Dortier, Dans La sociologie (2009), pages 67 à 70 – lien : https://www.cairn.info/la-sociologie–9782912601858-page-67.htm

[7]  بوعلام حمو، الممارسات السياسية والنظم الانتخابية في المغرب العربي: الجزائر والمغرب نموذجًا، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية، كلية العلوم السياسية، جامعة وهران 2، السنة الجامعية (2014-2015)، ص10.

[8]  زهير عابد، دور شبكات التواصل الاجتماعي في تعبئة الرأي العام الفلسطيني نحو التغيير الاجتماعي والسياسي- دراسة وصفية تحليلية، مجلة جامعة النجاح للأبحاث والعلوم الإنسانية، مجلد 26، يونيو 2012، ص1394.

[9]  المرجع السابق نفسه.

[10]  رضوان قطبي، شبكات التواصل الاجتماعي والحراك السياسي بالمغرب، موقع الخبر بريس بتاريخ 30/09/2019 في الساعة 19:36 مساء. الرابط: https://www.alkhabarpress.ma/138168.html

[11]  المرجع السابق نفسه.

image_print
الوسوم: , , ,
باحث مغربي، متخصص في العلوم السياسية، حاصل على شهادة الماستر في القانون العام من جامعة ابن زهر، بأكادير، يُحضر شهادة الدكتوراه في القانون الدستوري وعلم السياسة.

مواد ذات صلة

أضف تعليقك

avatar