الرؤية القرآنية للعالَم ومفهوما “الحق” و”الاختلاف”  

-1- التسوية ورؤية العالم  

عند النظر إلى الواقع الفكري والسياسي-الاجتماعي للعالم العربي والإسلامي المعاصر وإلى طبيعة علاقته بالعالَم من جهة وإلى علاقته البينيَّة المتعلِّقة بمكوناته المختلفة، تبرز أمامنا قضيتان مهمتان: الأولى تتعلَّق بالذات أو ما يُعرف بالهوية، والثانية بالآخر وما تتميز به من مقولة “رؤية العالم”.

بخصوص هذه القضية الثانية، يتبيَّن أن المعتمَد خاصةً لدى النزعات الإحيائية الإسلامية ذات السند الإيديولوجي هو رؤية انقسامية للعالم يغذِّيها استحداث طُهوريٌّ للهوية، مما يُفضي إلى غُربة مزدوَجة: غُربة العرب والمسلمين عن عالمية الإسلام من ناحية، وغربة عن العصر ومعارفه ومشاغله وتحولاته من ناحية أخرى.

إن قضية التسوية وما ارتبط بها (مثل: الصلح – الميثاق – الاجماع – التحكيم – الوفاق) وما يواكبها في حقل دلاليٍّ واسع (مثل: التعارف – العفو- التعدُّد – العقود) تشغل اهتمام الباحثين المهتمين بمعالجة الغربة المزدوجة للإحيائية الإسلامية وما تشتمل عليه من خصائص في مستوى المعرفة والتواصل، أي في مستوى الوعي والتعبير وما يُفضي إليه في المجالين الحضاري السياسي الداخلي والاستراتيجي الخارجي.

لذلك تتجه هذه المقالة إلى اعتماد التحليل الثقافي بمفاهيمه التي من أهمها مفهوم “رؤية العالم”[1]، وإلى القراءة المفهومية الدلالية (sémantique) “التي تعتني بدراسة تحليلية للتعابير المفتاحية ابتغاء الوصول إلى إدراك مفهوميٍّ للنظرة الشاملة للعالم لدى الذين يستخدمون تلك اللغة أداةً، ليس فقط للتحدُّث والتفكُّر، بل أيضًا لتقديم مفهومات وتفاسير للعالَم الذي يحيط بهم”.

تضيء هذه المقاربة التركيبية في تقديري جانبًا من إشكالية “التسوية” في الفكر العربي الإسلامي القديم وما صاحبها من سياقاتٍ ونشأ عنها من حركاتٍ تجديدية أو هامشية، كما أنها تساعد على تحليل مظاهر تأزم الفكر العربي والإسلامي المعاصر وطبيعة العلاقة بالذات وبالعالم، والتي عبرتْ عنها خاصةً الحركات الإحيائية الإيديولوجية بتطرفٍ عنيفٍ رافضٍ لأيِّ مصالحة أو تسوية.

-2- ثقافة التسوية 

قبل أن تناول النظام المفاهيمي الخاص بموضوع المقالة، نسأل هل كانت هناك “ثقافة تسوية” لدى العرب قبل انبثاق الإسلام؟ للإجابة ينبغي أن نذكر أن السؤال يُحيل على الواقع الاجتماعي القديم بمؤسساته وآلياته وقيمه، بما يقتضي رصدًا للبُنى والمؤسسات العربية القديمة في حراكها وغاياتها الاجتماعية-السياسية، كالحرب والسلم والمعاهدات والأحلاف والزيجات والتحكيم ومستلزمات التجارة والأسواق.

إن هذه المقاربة التاريخية-الإناسية لِما تهتم به من رصدٍ للبنى والمؤسسات القديمة، وما واكبها من تصوراتٍ واعتقاداتٍ وطقوس – قادرةٌ على تشخيص طبيعة الوضع الاجتماعي المؤسسي الثقافي ومآلاته، بما يسمح بفهم ما وقع فعلًا في لحظاتٍ مفصلية مؤسسة من التاريخ العربي المعيش، وما ساعد على تجسيد رؤية العالم القرآنية بعد ذلك.

في هذا يقدِّم لنا كتاب الدكتور محمد الحاج سالم “من الميسر الجاهلي إلى الزكاة الإسلامية: قراءة إناسية في نشأة الدولة الإسلامية الأولى”[2] معطياتٍ في غاية الأهمية تفيدنا في الإجابة عن سؤال: هل كانت هناك “ثقافة تسوية” لدى العرب قبل انبثاق الإسلام؟

ما يعنينا في هذا العمل الأكاديمي هو أنه من أجل تحديد معنى “الميسر” ورفع الغموض المحيط به وما لفَّه من التباسٍ جعله مرادفًا للقمار، قام الباحث بحفرياتٍ شيِّقة وموثَّقة وتحاليل للشعر الجاهلي والأمثال والقصص والمقارنات اللغوية لضبط الدلالات المصاحبة للميسر مثل: “الاستقسام”، و“الأزلام”، و“الأنواء”، و“الأسواق”، و“مجالس الخمر”، و“الأنصاب”، و“الذبائح”؛ مع ما يقاربها خارج فضاء الجزيرة العربية لدى الهنود الحمر وجزر المحيط الهادي.

إن ما انتهت إليه قراءة الحاج سالم هو أن الميسر عند العرب قبل الإسلام نظامٌ كامل مركَّب باعتباره طقسًا دينيًّا سحريًّا مرتبطًا زمنيًّا بفترات القحط؛ ولذلك كان يتطلَّب النَّحْرَ وإسالة دماء الإبل استسقاءً واسترضاءً للقوى العلوية. وهو في الوقت ذاته وليمة جماعية تفرضها حالات المجاعة لإغاثة فقراء القبيلة إثباتًا لمن تصحُّ زعامته فيها. لكنه في الوقت ذاته وفي المستوى الاجتماعي الاقتصادي تحطيمُ فائض الإنتاج في الإبل الذي لا تتمكَّن الجماعة من إعادة إدخاله وتوظيفه ضمن الدورة الإنتاجية، بما يمثِّل خطرًا على كيانها الاجتماعي الرافض للفوارق الطبقية.

إن “الميسر” بذلك لعبةٌ تنافسية وطقس وثنيٌّ استسقائيٌّ له قواعد تُنحر فيها الإبل المتراهَنُ عليها حمايةً للقبيلة بما يحفظ كيانها ويقيها من كل عدوان خارجيٍّ. وما يفيدنا في هذا الحفر الاستقرائي هو أن الميسر ممارسةٌ اجتماعية-ثقافية تواجه بها القبيلة احتياجاتٍ اجتماعية واقتصادية وروحية. وهي لذلك استُهدِفت قرآنيًّا لوظيفتها الاعتقادية والتصورية ولفاعليتها ومقوماتها المجتمعية.

ومن خلال مثال الميسر، يمكننا القول إن التضامن المجتمعي المتحقِّق من خلال تنافس وجهاء القبيلة غايتُه إحكام قواعد الانتظام وتكريس تلاحم العصبية داخل القبيلة الواحدة بحمولة دينية تسترضي الآلهة طلبًا للغيث وحرصًا على الخصب. وهو تعبير لدى العرب القدامى عن “ثقافة للتسويات” حيَّة في مواقع الخطر والأزمات خلافًا لما يُعتقد أنه حاملٌ لثقافة صدامية على الدوام.  

-3 – في التعايش والاختلاف   

إذا كان الانتظام العربي القبلي القديم بما توفَّر لديه من ثقافة تضامنية و“ميكانزمات” تفعِّل ممانعَتَه، كشف عن جانبٍ منها طقس الميسر، قد حال ذلك الانتظام دون قيام “الدولة”؛ فإن الخطاب القرآني حرص على نقض الميسر وتحريمه لِما يوفره من آلياتٍ “لَقَاحيّة” تعزِّز القبليَّة عبر تسوياتٍ تذرر الثروة وتحول دون بناء تكتلات اجتماعية-سياسية متعالية على القبيلة ومهدِّدة لها[3].

ما نستفيده مما سبق أن تحريم الميسر من أهم أهدافه التمكين لقيام دولة ذات سلطة مركزية موحَّدة ما فوق-قبلية، يُستبدل فيها النظام الاجتماعي بنظامٍ آخر فيه الزكاة، مما ينمِّي الثروة دون التخلِّي عن آلية التضامن المجتمعي. ضمن هذا المسار الجديد يمكن إنشاءُ نمط اقتصاديٍّ قابل للتطور، وإرساء منظومة قيمية وثقافية يصبح فيها الإنسان – لا الآلهة – هو الذي يصنع الحدث ويفعل في التاريخ.

ضمن هذا التوجُّه حافظ الحقل الدلالي للتسوية على مكانة عالية ضمن الخطاب القرآني؛ إذ وقعت توسعة ذلك الحقل بصورة ملحوظة ضمن رؤية للعالم تواصلية وتعارفية من خلال مفاهيم ودلالات الصلح والحكم والميثاق وما شابهها. وفي هذا سنكتفي باستحضار الآيات القرآنية الخمس المعبِّرة عن هذا التوجُّه قبل أن نخصَّ العبارتين المفتاحيتين لقضية التسوية في النص القرآني: “الحق” و“الاختلاف” باهتمامٍ خاصٍّ؛ لِما يكشفانه من فهم طبيعة الخطاب القرآني في تعامله مع الآخر المختلف والأُسس العقدية التي تحكم هذه العلاقة.

نقرأ أولًا قوله تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}[4].

ونقرأ ثانيًا: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }[5].

ونجد ثالثًا: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا}[6].

وفي مستوى رابع: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}[7].

وفي مقامٍ خامس نقرأ: {فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}[8].

ترتبط هذه الآيات وغيرها من الآيات بمفهومي “التضامن” و“التعايش” وثقافة التعارف والممانعة، بما يجعل الخطاب القرآني في نظرته للإنسان والعالم مشتغلًا على خصوص القضيتين الرئيستين: “الهوية” و“الآخر”، ويحيل على مبدأي “الحق” و“الاختلاف”، مفضيًا إلى تجسيد السؤال المحوري الإشكالي: كيف نعيش معًا ومختلفين، وهو سؤال التمدُّن ومعضلته في الراهن والدائم.

-4- قضية الحق وسؤال التمدُّن

يُطرح سؤال التمدُّن في الإسلام بصيغة إشكالية: كيف نعيش معًا ومختلفين؟ بما يحيل على قضايا محورية مترابطة أولاها: قضية طبيعة النص القرآني وهل هو مُتعالٍ لا ينحصر في زمانٍ أو مكان، أم إننا نقرؤه في اتجاه مناقض، أي على أنه لا ينفك مرتبطًا بالقرن السابع الميلادي في الجزيرة العربية؟ من أهم من يجيب عن هذا الإشكال المفكِّر “فضل الرحمن” الذي يرى أن الرأيين في طبيعة القرآن ليسا بالضرورة متعارضين. معنى ذلك أن القرآن يظل دومًا صالحًا للتطبيق، إن اعتبرناه متعاليًا ومحايثًا في الوقت ذاته، بما يؤدي إلى أن ننظر كيف تمَّ اعتماد خطابه وتفسير تعاليمه لتناسب الظروف المتغيرة في العصور المختلفة.

معنى هذا هو أن الأهمَّ في طبيعة النص القرآني هو ديناميكيته لكونه نصًّا مفتوحًا وحيًّا يتم استحضار فاعليته من «كليات القرآن» المكوِّنة لوحدته الأساسية التي تكشف رؤيتَه للعالم وموقفَه من الحياة وتصوره للإنسان في فرديته ومجتمعيته. وأبرز ما في هذه الكليات متصلٌ بقضية ثانية تكرِّس من جهة تَشْيِئَة العالَم، أي أنه مسخَّـرٌ وفاقد للقدرة والفاعلية الذاتية، وأنه من جهة ثانية يقع ضمن كونٍ في زيادة مطَّردة. بهذا تتميَّز الرؤية القرآنية للعالم بأنه بعيدٌ عن الجمود والتوقف[9]، وأنه في حركيته المتواصلة وغائيته مرتبطٌ بمكانة الإنسان وآفاقه الكونية[10].

في المجال الفكري والحضاري، تنجم عن هاتين القضيتين إقامة علائق موضوعية بين العالَم والإنسان تتراجع معها العقلية الأسطورية التي كانت تصوغ العالَم صياغةً سحرية، ومنه تنسحب كل القوى الروحية الفاعلة بما يولد معرفة جديدة تسهم في انبثاق القضية الثالثة المتصلة بعلاقة الإنسان بالتاريخ وبقيمة “الحرية” المؤسسة لمنزلته الوجودية. بذلك يكون الإنسان في الخطاب القرآني كائنًا تاريخيًّا، بمعنى أنه يفهم نفسه ليس من خلال التأمُّل العقلي، بل من خلال التجارب المتجدِّدة والموضوعية للحياة التي يكتسبها.

ضمن هذه البنية، تتنزل الكلية القرآنية القائلة بـأنه {لا إكراه في الدين}[11] باعتبارها خطوةً حاسمة واجهت النسق الثقافي والديني السائد لدى العرب القدامى بمختلف معتقداتهم عبر مفهوم “الاستخلاف” وما يستلزم من قيمٍ جديدة أو مجددة متصلة بالأفراد وبالجماعات، والتي تتحدَّد معه القضية الصميمية الرابعة وهي المتصلة بمبدأ “الحق” الذي تكشف عنه البنية القرآنية حين تنص على أن: {الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}[12].

-5- الاختلاف وشرعية إيمان الآخر  

إن أهمَّ ما تفيده القضايا السابقة هو أن دلالة الحق وما يتعلَّق به من إيمانٍ لا ينفصلان عن الصيرورة التاريخية، ذلك ما يفيده التركيز القرآني على تعدُّد الرسالات الإلهية وصلتها العضوية بسياقاتها التاريخية[13] وبمبدأ التكريم الشامل للجنس البشري كافةً. ومؤدى هذا رفضُ أي احتكار للحق أو “الحصرية” والطائفية.

وهناك آيتان مدنيتان تُبرزان هذا المعنى المؤكد على شرعية إيمان الآخر: 

{إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين مَن آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون}[14].

-{إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابؤون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون}[15].

ذلك يفيد أن الخطاب القرآني جعل معاييرَ لحقيَّة أية رسالة منظورًا إليها ضمن الصيرورة التاريخية والنظرة إلى العالم والإنسان: إنها الإيمان بالله الواحد واليوم الآخر والعمل الصالح.

وهناك آية مدنية ثالثة تؤكِّد هذا التوجه: {ليس بأمانيِّكم ولا أمانيِّ أهل الكتاب، من يعملْ سوءًا يُجْزَ به ولا يجدْ له من دون الله وليًا ولا نصيرًا، ومن يعملْ من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يُظلمون نقيرًا}[16].

لا تنفصل في المعالجة القرآنية قضية الحق عن قضية الاختلاف، بما يكوّن جدلًا وتفاعلًا مفهوميًّا أساسيًّا؛ لأن داء الحصرية التي يُغذِّيها التمركز على الذات متربصٌ بأتباع جميع الرسالات حتى حاملي رسالة التوحيد الخاتمة. ومنتهى ذلك الداء انحسار للرحمة الربانيَّة في حدودٍ ضيقة، أي تهديد جدّي لجوهر الرسالة الدينية في بناء التمدُّن القائم على التعارف الإنساني المتوسع.

بذلك تكون المعالجة السويَّة لقضية “الحق” في علاقة تفاعل جدليٍّ مع التعدُّد والاختلاف؛ لكون الحصرية بما تعنيه من اعتقاد أن الخلاص والنجاة حكرٌ لدى ملَّة بعينها لا تتجاوزها لغيرها، هي بإنكارها لأية علاقة بين الحق والاختلاف تُـفرغ الاستخلاف من كل حسٍّ تاريخيٍّ، وتقضي على ما في دلالة الإنسان والعالم من الفاعلية التجديدية.

ترد هذه العناية بقضية الاختلاف والتعدُّد في القرآن الكريم ضمن حقل دلاليٍّ واسع تحدِّده عبارات مرتبطة بمقصد الخلق وما اتصل بمجال الإيمان والكفر من معاني “التعارف” و“العفو” و“الإكراه” و“الميثاق” و“العقود” و“التذكير”، وكل ما ارتبط بسُنن التاريخ وحراك المجتمعات وتفاعلها.

-في ضوء هذه التوجُّه القرآني العامل على تجاوز حصرية الحق في طائفة أو ملَّة، يُستَـنبت الإنسان الساعي إلى الآخر، المُقدِّر لشرعية إيمانه وعمله الصالح، ليكون ذلك الكائن المتميز والمتجدِّد باستمرار. إنها ولادةٌ تستدعي رؤيةً للذات وللجماعة وللآخر المختلف، تسمح بتركيز بناء حضاريٍّ مُبدع ومفتوح، وتنشئة الذات المتحرِّرة والمتجدِّدة بما تسعى إليه من اغتناءٍ من مختلف الجهود الإنسانية.


الهوامش: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  “رؤية العالم” مصطلح بدأ في الفلسفة الألمانية: Weltanschauung أو Vision du monde ليدل على مفهوم أساسيٍّ مستخدم في هذه الفلسفة والإبستمولوجيا بما يعني طريقة” الإحساس والفهم للعالم بأكمله: worldwide perception”، بالتالي فهو يمثل الإطار الذي يقوم من خلاله كل فرد برؤية وتفسير العالم المحيط والتفاعل معه ومع مكوناته.

[2]  الصادر عن دار المدار الإسلامي، بيروت 2014.

[3]  يعتبر عالم الأنثروبولوجيا السياسية “بيير كلاستر” (Pierre Clastres) في دراسته لمجتمعات ما قبل الدولة أن الدولة لا يمكن أن توجد إلا من خلال وجود تقسيمٍ في المجتمع بين مهيمنين وخاضعين يفضي إلى حصول نصاب سلطويٍّ مستقل عن المجتمع.

[4]  سورة هود 11/88.

[5]  سورة الحجرات 49 /9-10

[6] سورة النساء 4/35.

[7]  سورة النساء 4/114.

[8]  سورة الأنفال 8/1.

[9]  {يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير} (سورة فاطر 35/1). {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون} (سورة النحل 16/8). {يسأله من في السماوات والأرض كلَّ يوم هو في شأن} (سورة الرحمن 55/29).

[10] {يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحًا فملاقيه} (سورة الانشقاق 84/6).

[11]  سورة البقرة 2/ 256.

[12]  سورة الكهف 18/ 29.

[13]  يتضح هذا في الآية: {ولا تتبع أهواءهم عمّا جاءك من الحق، لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا} سورة المائدة 5/ 48.

[14]  سورة البقرة 2/ 62.

[15]  سورة المائدة 5/69.

[16]  سورة النساء 4/124.

image_print
الوسوم: , , ,
كاتب ومفكر تونسي وأستاذ جامعي متخصص في أصول الدين والفكر الإسلامي المعاصر.

مواد ذات صلة

أضف تعليقك

avatar