دراسة: الشاهد الأمثل للأخلاق الأسرية

الشاهد

«الأسرة هي منشأ العلاقة الأخلاقية بين الناس بحق، إذ لا علاقة إنسانية بغير أخلاق، ولا أخلاق بغير أسرة»  طه عبد الرحمن

تستكمل هذه الدراسة مسارَ البحث الفلسفي الذي بدأه الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن في مجال الأسرة المسلمة، وأسَّس فيه لنموذج يُفسر ظاهرة انقلاب القيم التي أصابت الأسرة ما بعد الحداثية في الغرب، ويُقدِّم آليات للأسرة المسلمة كي تدخل مرحلة الحداثة الإسلامية بمنهج يجنبها الآفات التي تعرضت لها الأسرة الغربية. لقد أقام طه عبد الرحمن نموذجه الفكري على عدة أسس، منها نظريات علمية تفسر كيفيات إدراك الإنسان للمفاهيم والسلوك، وبالتحديد نظرية «الشواهد المُثلى»، وتُطور الدراسة الحالية النموذج الطاهوي من خلال استبدال شواهد مقترحة بالشواهد المثلى التي قدَّمها النموذج الطاهوي، ثم تُقدِّم الدراسة تدليلًا على مناسبة الشواهد الجديدة لأدبيات نظرية الشواهد المُثلى وكذلك للنموذج الطاهوي الأصلي، وتوضح كيف تزيد الشواهد المقترحة القدرةَ التفسيرية والإجرائيةَ للنموذج، وفي النهاية تقترح الدراسة بعض الاتجاهات للأبحاث المستقبلية.

مقدمة

السؤال الأول الذي يواجه هذه الدراسة هو: هل هناك شاهد أمثل للسلوك؟ وتقتضي إجابة هذا السؤال توضيح مفهوم الشاهد الأمثل، إن المقدمات التي قدمها طه عبد الرحمن في دراسته حول نظرية الشواهد المُثلى Prototype Theory مقتضبة جدًّا، فقد ركزت على استخدام النظرية لا شرحها، لذلك ستقدِّم الدراسة الحالية توضيحًا للنظرية، وذلك من خلال العودة إلى نظرية الحد الأرسطية، التي تُعَدُّ أقدم التفسيرات لكيفية إدراك الإنسان للأصناف وتكوينه للمفاهيم، وكذلك تُعَدُّ حجر الأساس الذي بنى عليه أرسطو نظريته في القضايا والأقيسة، ثم تستعرض الدراسة النقد الحديث الذي تعرضت له نظرية الحد، وكذلك تُلقي الضوء على النقد الذي تعرضت له نظرية الحد الأرسطية في التراث الإسلامي، وتقارن النقد الإسلامي بالنقد المعاصر، ثم توضح الإشكالات التي تعانيها نظرية الحد، والميزات التي تتسم بها نظرية الشاهد الأمثل، وذلك من خلال استعراض نظرية «التشابه العائلي» Family Resemblance Theory للفيلسوف «لودفيج فتجنشتاين» Ludwig Wittgenstein، وكذلك نظرية «الشواهد المثلى» للنفسانية «إليانور روش» Eleanor Rosch، التي أسست نظريتها انطلاقًا من المقولات الفلسفية لفتجنشتاين، ثم دعّمتها بالمعطيات التجريبية.

بعد ذلك تدلِّل الدراسة على إجابة سؤال البحث الثاني: هل هناك شاهد أمثل للسلوك الأسري؟ فتستعرض التنظير الفلسفي الذي يؤكد وجود شاهد أمثل للسلوك الأسري، هذا التنظير قدمه الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن في كتابه «روح الحداثة» عند توصيفه للآفات التي لحقت الأسرة ما بعد الحداثية في الغرب، وذلك بعد قيام التنويريّين بفصل الدين، ومن ثَمَّ الشاهد الأمثل عن السلوك الأسري. وعلى الرغم من انطلاق الدراسة من التنظير الفلسفي لطه عبد الرحمن في إجابتها عن سؤال البحث الثاني، فإنها تخالفه عند إجابة سؤال البحث الثالث: هل هناك شاهد أمثل للسلوك الأسري المسلم؟ فتوضح الدراسة أن الشواهد المُثلى للسلوك الأسري المسلم التي قدمها طه عبد الرحمن تتصف بالتجريد، ومن ثَمَّ فإن شاهديتها السلوكية غير متمكنة، وتقترح الدراسة آل البيت على أنهم شاهد أمثل للسلوك الأسري المسلم، وتُدلِّل على موافقة هذا الاقتراح للأدبيات العلمية لنظرية الشاهد الأمثل، وكذلك موافقته للمقتضيات والغايات الفلسفية التي قصدها طه عبد الرحمن، وتوضح كيف يجمع هذا الاقتراح بين القيم المجردة التي قدمها طه عبد الرحمن والسلوك المجسد كما يتجلى في وصف القرآن الكريم لآل البيت.

ثم بِناءً على مستجدات حديثة في نظرية الشاهد الأمثل التي تتوقع أن يكون هناك أكثر من شاهد أمثل للمفهوم الواحد، تقترح الدراسة أن للأسرة مجموعة من الشواهد المُثلى، منها آل فرعون بوصفهم شاهدًا أمثل للسلوك الأسري الكافر، وتُبيِّن المقابلة بين شاهدية آل فرعون وشاهدية آل البيت بطورَيْها الإبراهيمي والمحمدي، وتؤكد الدراسة أن المقابلة بين الشاهدية الفرعونية والشاهدية البيتيّة لا تنفي اشتراكهما في الدافع المحرك وهو السعي نحو الخلود. ثم تتحول الدراسة إلى واقعية الأسرة الآدمية التي دفعها السعي لأن يكون الخلود صفة ذاتية لها إلى العصيان الأول، فهذه الأسرة الآدمية إما أن تتخذ من آل فرعون أو آل البيت شاهدًا أمثل لها، فإن هي اتخذت من آل فرعون شاهدًا أمثل لها وغابت عنها شاهدية آل البيت، تحولت إلى أسرة طبيعية لا تنفك مع كل حمل خفيف أو ثقيل تنتقل من دعاء الله إلى الشرك به. وإن هي اتخذت من آل البيت شاهدًا أمثل لها، ونفرت من الشاهدية الفرعونية تحولت إلى الأسرة العمرانية -نسبة لآل عمران- تتكاثر من أجل عمران الدنيا والآخرة معًا. وفي النهاية تختم الدراسة بمجموعة من المقترحات لأبحاث مستقبلية قد تجيب عن أسئلة تولدت عن النموذج الفكري الجديد.

نظريات التصنيف

القدرة على التصنيف من القدرات الأولى للعقل البشري، فإنشاء التصنيفات والمفاهيم خطوة أساسية للاستنتاج والتعليل، فكيف يدرك الإنسان -بوجه عام- مفهوم الأسرة؟ وكيف يدرك الإنسان العربي مفهوم الأسرة؟ أسئلة تُثير الاستغراب، فالسؤال الأول يعود بنا إلى نقطة البداية واللحظة التأسيسية في التفكير، والسؤال الثاني يصنع اختلافًا أو تباينًا بين عمومية الإدراك الإنساني وخصوصية الوصف العربي، فهل يُدرك العربي مفهوم الأسرة بشكل مختلف عن الغربي؟ إن طبيعة الممارسة الفلسفية تقتضي العودة الدائمة إلى تفحص المسلَّمات التي تقوم عليها الأنساق الفكرية، وتتوافر لنا حاليًا نتائج علمية تخالف المسلّمة المعهودة حول تطابق طرق التفكير بين الشعوب، فالأبحاث النفسية الحديثة تؤكد أن الشرق آسيويين والغربيين يدركون -حرفيًّا- العالم على نحو مختلف للغاية بعضهم عن بعض[1]، لقد توصل الباحثون إلى أن نهج الغربيين ونهج أبناء شرق آسيا يُفضيان بكل فريق إلى أسلوب مختلف أشدّ الاختلاف في الاستدلال العقلي[2]. وأن علة هذا الاختلاف أن لكل ثقافة ولغة منظومات تصويرية تؤثر بالفعل في الفكر، فاختلاف الثقافات واللغات يؤدي حتمًا إلى الاختلاف في طرق الاستدلال والتفكير[3]. فما يُدركه العربي المسلم من مفهوم الأسرة لا يشترط أن يُطابق إدراك الغربيين أو الشرق آسيويين.

لقد كانت نظرية «الحد» الأرسطية التي سيطرت على التفكير الفلسفي والعلمي قُرابة ألفَي عام، هي علة رسوخ مسلمة تطابق طرق التفكير والتصنيف بين الشعوب

لقد كانت نظرية «الحد» الأرسطية التي سيطرت على التفكير الفلسفي والعلمي قُرابة ألفَي عام، هي علة رسوخ مسلمة تطابق طرق التفكير والتصنيف بين الشعوب، إذ تفترض النظرية وجود صفات ذاتية وأخرى عرضية لكل شيء في هذا العالم، وأن تصور العقل للأشياء في هذا العالم يكون بانتزاع الصفات الذاتية وتجريدها. إلا أن الأبحاث النفسية تؤكد أن الشعوب تختلف في طرق التصنيف؛ لأنها تُركز على صفات مختلفة في الشيء الواحد[4]، فالتفريق بين الصفة الذاتية والصفة العرضية أمر نسبي وتحكّمي في معظم الأحيان.

لقد تعرضت نظرية الحد الأرسطية للنقد والاعتراض في التراث الإسلامي، وكان تأثير اللغة والثقافة في آليات التفكير حاضرًا وفي صميم هذا النقد والاعتراض، وذلك منذ مناظرة أبي سعيد السيرافي ويونس بن متّى التي نقلها لنا أبو حيان التوحيدي[5]، إلى النقد الذي وجهه ابن خلدون في مقدمته[6]، ولعل أكثر المحاولات النقدية دقة ورصانة كانت محاولة النقد الذي وجهه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابَيْه: «نقض المنطق» و«الرد على المنطقيين» وتعليقات أخرى كثيرة تنتشر في جنبات مصنفاته.

إن التشابه بين نقد ابن تيمية لنظرية الحد والنقد الذي يُقرره علم النفس المعاصر تشابه مدهش، فهو يقول: «وإن قالوا: بل جميع أذهان بني آدم والأذهان الصحيحة لا تدرك الإنسان إلا بعد خطور نطقه ببالها دون ضحكه، قيل لهم: ليس هذا بصحيح ولا يكاد يوجد هذا الترتيب إلا فيمَن يُقلد عنكم هذه الحدود من المقلدين لكم في الأمور التي جعلتموها ميزان المعقولات، وإلا فبنو آدم قد لا يخطر لأحدهم أحد الوصفَيْن وقد يخطر له هذا دون هذا وبالعكس. ولو خطر له الوصفان وعرف أن الإنسان حيوان ناطق ضاحك: لم يكن بمجرد معرفته هذه الصفات مدركًا لحقيقة الإنسان أصلًا، وكل هذا أمر محسوس معقول. فلا يغالط العاقل نفسه في ذلك لهيبة التقليد لهؤلاء... ولما كان المسلمون خيرًا من أهل الكتابَيْن والصابئين، كانوا خيرًا منهم وأعلم وأحكم فتدبر هذا فإنه نافع جدًّا»[7].

 ويُلَاحظ أن ابن تيمية نسب المنطق لليونان، أي إنه كان يعتريه -كما هو ظاهر من النص السابق ونصوص أخرى- كيفيةُ تفكير أمة اليونان، ولذلك فمن الخطأ تعميمه بوصفه قانونًا للتفكير الإنساني وهذا منسجم تمامًا مع البحث العلمي المعاصر حول الأصول الاجتماعية للعقل. كما لاحظ ابن تيمية أثر اللغة في التفكير، فيقول: «فلا يقول أحدٌ إن سائر العقلاء يحتاجون إلى هذه اللغة لا سيما من كرّمه الله بأشرف اللغات الجامعة لأكمل مراتب البيان المبيّنة لما تتصوره الأذهان بأوجز لفظ وأكمل تعريف»[8]. فمن الواضح أن ابن تيمية أدرك تفاوت اللغات في قدراتها ومنظومتها التصويرية وأثر هذا التفاوت في طرق التفكير والاستدلال. أخيرًا يُشير ابن تيمية لأثر الدين في التفكير، وهذا الأثر رصده أيضًا علم النفس الاجتماعي المعاصر[9]، إلا أننا نظن أن المقتضيات العلمانية للبحث العلمي المعاصر جعلت البحث يتركز على أثر الظروف البيئية في التفكير، ومن ثَمَّ أثر التفكير في الدين، فالقول بالوحي يجعل العلاقة قابلة للانعكاس.

وعلى الرغم من رفض الفيلسوف أوليفر ليمان -أستاذ الدراسات اليهودية والإسلامية في جامعة كنتاكي الأمريكية- في مقاله «الفلسفة الإسلامية ومهاجمة المنطق»[10] للحجج التي استخدمها ابن تيمية ضد المنطق الأرسطي بشكل عام ونظرية الحد بشكل خاص، واختتامه مقاله بشكل مسرحي قائلًا: «على الرغم من اعتقاد ابن تيمية أنه قدَّم دحضًا قويًّا للمنطق الأرسطي فإن الفارابي هو الذي ضحك في النهاية»[11]، فإن المعطيات العلمية المعاصرة تقف إلى جانب الحجج التيمية خلافًا لرأي أوليفر ليمان.

ونحن إذ نتفق مع ليمان فيما قاله في مقاله «فلسفة الدين، تمييز الفلسفة عن الدين» الذي طُبِع ضمن الكتاب الذي حرَّره «مستقبل الفلسفة في القرن الواحد والعشرين»[12]، حيث يقول: «أظن أن أحد الأشياء المختلفة تمامًا فيما يتعلق بفلسفة الدين هو أن لديها ارتباطًا شديد الخصوصية بما هو شخصي»[13]، فنظن أن الجانب الشخصي في فكر ليمان قد دعم تحيزه ضد الحجج التيمية المعارضة للمنطق الأرسطي، ولنا على ذلك شواهد منها -على سبيل المثال- أن ليمان لم يتطرق في مقاله إلى النقد المعاصر لنظرية الحد الأرسطية، ومن ثَمَّ لم يلاحظ العلاقة بين النقد التيمي والنقد المعاصر، فلقد أشرنا في الفقرات السابقة إلى التشابه الكبير بين النقد التيمي والنقد النفسي المعاصر، وسنستعرض أيضًا نقدًا قادمًا من مجال علمي عملي محايد، وهو علم الحاسوب والذكاء الصناعي، ثم نعود بعد ذلك للنقد الفلسفي المعاصر لنقارنه بالنقد التيمي.

إن توقف علم معاصر كعلم الحاسوب عند النقد التيمي لنظرية الحد الأرسطية مسألة تُثير الدهشة، فالباحث في علم الحاسوب والذكاء الصناعي »جون سووا« يقرِّر في كتابه وبعض مقالاته أن النقد الذي قدَّمه ابن تيمية لنظرية الحد الأرسطية، وتأييده لقياس التمثيل ممثلًا في القياس الفقهي ما يزال محل نقاش جاد عند الحديث عن كيفية اتخاذ قرارات التصنيف في قواعد البيانات وقواعد المعرفة[14]، ويضيف سووا أن ابن تيمية رغم عدم معرفته بالتقدم العظيم الحاصل الآن في العلم الحديث والمنطق، فإن أطروحته ما تزال صالحة وصحيحة[15]! في الحقيقة إن )سووا) لم يحكمه رأي فلسفي قبلي في هذه الشهادة، ولكنه كان يعمل على حل بعض المشكلات المتعلقة بقواعد البيانات[16]، وذلك ضمن عمله باحثًا لمدة ثلاثين عامًا في شركة IBM العالمية لصناعة الكمبيوتر[17].

إلا أن التأييد الحاسم للنقد التيمي لنظرية الحد الأرسطية جاء متأخرًا في خمسينيات القرن الماضي على يد الفيلسوف النمساوي لودفيج فتجنشتاين، فبعد مرور ما يقارب ألفَي عام على وضع نظرية الحدود الأرسطية تعرضت النظرية لأول نقد فلسفي غربي حقيقي، ففي كتابه «تحقيقات فلسفية»[18] انتقد فتجنشتاين الاعتقاد الذي ساد على مدى التاريخ الفكري الغربي، الذي يُفيد بأن بالإمكان تحديد الشروط الضرورية والكافية لأي فئة، لقد حطّم فتجنشتاين في كتابه «تحقيقات فلسفية» كل مشروع الضرورة والكفاية على الأرض في الغرب. وكشف عن قناعته بأن إثبات الشروط الضرورية والكافية لأي مقولة معقدة أو مهمة، مثل «حكومة» أو «أسرة» لن يكون ممكنًا أبدًا. ويخبرنا ريتشارد نيسبت: «أن العظة التي يقول بها فتجنشتاين لم يكن ليحتاج إليها في شرق آسيا، إنهم لن ينظروا هناك في دهشة إلى القول بأن مقولات الفئات المعقدة لا يمكن -دائمًا وأبدًا- تحديدها على أساس من شروط ضرورية وكافية»[19]. فهل كان العالم الإسلامي بشكل عام وابن تيمية بشكل خاص بحاجة إليها!

 اقترح فيتجنشتاين نظرية «التشابه العائلي» بوصفها بديلًا لنظرية الحدود الأرسطية، وقد ظهرت نظرية «التشابه العائلي» في سياق خاص هو سياق نقد فيتجنشتاين للغة، حيث شبّه اللغة بالألعاب، فالألعاب تمتلك صفات مشتركة، ولكن لا توجد صفة من هذه الصفات تشترك فيها كل الألعاب. أما السياق العام الذي ظهرت فيه هذه النظرية فهو معارضته التي لا هوادة فيها للجواهر والموجودات الذهنية والأشكال الأخرى للمثالية، فمن وجهة نظره أن اللغة واستخدامها غير النقدي هي سبب كل هذه الأخطاء. وفكرة فتجنشتاين ببساطة هي أن الأشياء التي نظنها تربطها ببعضها البعض صفة جوهرية مشتركة ربما في الحقيقة يربطها سلسلة من التشابه المتداخل، بحيث لا توجد صفة جوهرية مشتركة بين الجميع. وفيما يلي نموذجان منطقيّان لنظرية التشابه العائلي، النموذج الأول يُقدِّم أسرة ممتدة مرتبة، حيث يظهر التشابه في بعض الصفات المشتركة، فكل عنصر يشترك بثلاث صفات مع العنصر الذي يجاوره، وفي الوقت نفسه يتراجع التشابه مع تمدد الأسرة، فالعنصر الخامس لا يوجد بينه وبين العنصر الأول شيء مشترك[20]، والنموذج الثاني يُقدِّم لنا ظهور درجة ثابتة من التشابه وغياب الصفة المشتركة دون توسيع المجموعة إلى ما لا نهاية[21].

00

في سبعينيات القرن الماضي وانطلاقًا من الأفكار التي عرضها فيتنجشتاين، أعادت الباحثة في علم النفس الأمريكية إليانور روش اختبار نظرية الحد الأرسطي مخبريًّا[22]، إذ تتوقع نظرية الحد الأرسطية أن الإنسان يستدعي أفراد التصنيف بالاحتمالية نفسها، ومثال ذلك أن كل أفراد صنف الأثاث مثلًا تُستَدعى بالاحتمالية نفسها، إلا أن التجارب أظهرت أن هذا لا يحدث في الواقع، وأن لكل تصنيف عناصر أكثر حضورًا -الكرسي مثلًا في حالة صنف الأثاث- وأن باقي عناصر التصنيف تشترك معه في صفات معينة، وأن صفات الصنف تتجلى بأحد عناصره بشكل مميز، هذا العنصر يصبح الشاهد الأمثل لهذا الصنف، وعندما نقوم بتصنيف الأشياء إلى فئات، فإنّنا نبحث عن صفات تشترك فيها مع الشاهد الأمثل وليس مع كل عناصر التصنيف[23]. إذن وفقًا لنظرية الشاهد الأمثل فإن التصنيف يعتمد على التشابه مع الشاهد الأمثل، فعلى سبيل المثال عندما نأخذ قرارًا بخصوص بعض الحيوانات، هل هي طيور أم ثدييّات فنحن نقوم بمقارنتها مع الشاهد الأمثل للطيور والشاهد الأمثل للثديّيات، ثم نعينها في الصنف الذي تشبه شاهده الأمثل أكثر[24]. منذ السبعينيات والنظرية تثبت نجاعتها، وبالرغم من أن التوجه الحالي في علم النفس الإدراكي وعلم الإدراك، هو أنه لا توجد نظرية واحدة قادرة على تفسير قدرة الإنسان على تكوين المفاهيم والتصنيفات، فإن النظرية ما زالت تعمل مع مجموعة أخرى من النظريات، مثل نظرية الشبكات العصبية لتفسير هذه القدرة[25].

الشاهد الأمثل للسلوك الأسري

في عام 2006م نشر الفيلسوف الإسلامي المغربي طه عبد الرحمن بحثًا عن الأسرة بعنوان «نظام الأسرة الغربية والتفصيل الموجه»، وقد نُشِر البحث ضمن فصول كتاب «روح الحداثة»[26]، وتتبنى الدراسة الحالية البناء الفكري العام لبحث الفيلسوف طه عبد الرحمن، وتسعى إلى تطويره على أساس اجتهاد فكري يتفق مع البحث ذاته ومع الآراء الفلسفية لمؤلفه، ولأن بحث «نظام الأسرة الغربية والتفصيل الموجه» هو جزء من كتاب «روح الحداثة»، فإننا نقدّم في البداية موجزًا يوضح الخطة العامة للكتاب، وموقع البحث في هذه الخطة، ثم نوجز الأسس التي يقوم عليها البحث حتى نصل إلى المحاور التي تسعى الدراسة الحالية إلى تطويرها، ونبيِّن الأدلة على نجاعة هذا التحسين وانسجامه مع الأسس الفكرية التي قررها البحث آنفًا.

الفرضية الأساسية في الكتاب هي أن للحداثة روحًا ومسلمات تطبيقية، وعندما تسري هذه الروح في جسد أمة من الأمم تبزغ الحداثة فيها وفقًا لمسلمات التطبيق الخاصة بهذه الأمة

الفرضية الأساسية في الكتاب هي أن للحداثة روحًا ومسلمات تطبيقية[27]، وعندما تسري هذه الروح في جسد أمة من الأمم تبزغ الحداثة فيها وفقًا لمسلمات التطبيق الخاصة بهذه الأمة، فالأمم -كما يقترح طه عبد الرحمن- تختلف في مسلمات التطبيق، لذلك يعتقد طه أن للحداثة تجليات مختلفة، فهناك إذن فرق بين روح الحداثة وواقع الحداثة[28]. ووفقًا لطه فإن هناك مبادئ ثلاثة تتحدد بها روح الحداثة، وهي: مبدأ الرشد، ومبدأ النقد، ومبدأ الشمول[29]، ولكل مبدأ ركنان أي إن لروح الحداثة ستة أركان، ولقد خصص الكتاب فصلًا لكل ركن يوضح فيه كيف طُبِّق هذا الركن وفقًا لمقتضيات مسلمات التطبيق الغربية، وما لحقه من آفات، ثم يُقدِّم الكتاب معالجة مسلمات التطبيق الإسلامية لهذه الآفة، راسمًا بذلك مستقبل الحداثة الإسلامية القادمة.

ورد مبحث الأسرة في الباب الأول المخصّص لمبدأ النقد، وهو المبدأ الأول من مبادئ الحداثة الثلاثة، ومقتضى هذا المبدأ هو «أن الأصل في الحداثة هو الانتقال من حال الاعتقاد إلى حال الانتقاد»[30]، وتعلّق بحث الأسرة بالركن الثاني من أركان هذا المبدأ، وهو ركن التفصيل أو التفريق «والمراد بالتفصيل هنا نقل الشيء من صفة التجانس إلى صفة التغاير، بحيث تتحول عناصره المتشابهة إلى عناصر متباينة، وذلك من أجل ضبط آليات كل عنصر منها»[31]، يقرِّر طه عبد الرحمن أن المسلمات الغربية التي حكمت تطبيق هذا الركن في الحداثة الغربية هي: أن الفصل بين الحداثة والدين فصل مطلق، وأن الفصل بين العقل والدين فصل مطلق، وأن التفصيل يقترن بمحو القدسية[32]، ويقدِّم طه عبد الرحمن تفنيدات عديدة لهذه المسلمات الثلاث[33]، ويتوصل إلى أن «التطبيق الإسلامي لركن التفصيل الحداثي يجعل منه تفصيلًا موجهًا آخذًا بالوظائف والسياقات أو قل تفصيلًا وظيفيًّا، لا تفصيلًا مطلقًا دائرًا على التفريق بين البناءات والماهيات أو قل تفصيلًا جوهريًّا»[34]. إذن يقترح طه أن نظام الأسرة الغربي دخلت عليه آفات بسبب لجوئه إلى التفصيل المطلق، ولا يمكن أن يدفعها إلا التفصيل الموجه الذي يأخذ به التطبيق الإسلامي. بعد هذا الموجز الذي يوضح الخطة العامة للكتاب وموقع البحث في هذه الخطة، نوجز الأسس التي يقوم عليها البحث، حتى نصل إلى المحاور التي تسعى الدراسة الحالية لتطويرها.

وفقًا لطه عبد الرحمن، فقد استهل الغرب تطبيقه الحداثي بالانفصال المطلق عن المؤسسة الدينية، وتمثَّلث المبادئ التي حكمت عملية الفصل في: مبدأ التوجه إلى الإنسان وترك التوجه إلى الإله، ومبدأ التوسل بالعقل وترك التوسل بالوحي، ومبدأ التعلق بالدنيا وترك التعلق بالآخرة[35]. ونتج عن هذا الفصل ثلاثة أخلاق لادينية، هي: «المروءة» و«الإلزام» و«السعادة»[36]، إلا أن هذه الأخلاق -كما يُشير طه- أخذت تنقلب إلى أضدادها منذ أواسط الستينيات من القرن الماضي، بحيث انقلبت المروءة إلى إمعية، وانقلب الإلزام إلى الحظ، وانقلبت السعادة إلى لعب[37].

وقد ظهر انقلاب المروءة إلى الإمعية بشكل جلي في وضع الزوج، فأُلغِيت سلطة الأب، وأُنْهِي تحكمه بالنسل، ورُفِعَت عنه صفة النموذج، وفرِّق بين الأب والابن. كما أن الانقلاب من الإلزام إلى الحظ ظهر بشكل جلي في وضع المرأة، حيث وقعت في حظ الفصل بين الجنس والإنجاب، وحظ الفصل بين الجسم والإنجاب، وحظ الفصل بين الوالدية البيولوجية والوالدية الاجتماعية، وحظ الفصل بين الولد والأب، وحظ الفصل بين الجنس والوفاء، وأخيرًا حظ الفصل بين الجنس والتوجه الجنسي. أما انقلاب السعادة إلى لعب فقد ظهر بشكل جلي في دور الأطفال، وقد ظهر هذا في اللعب فيهم قبل الحمل وأثناءه، وعند الولادة وبعدها[38].

الفرضية التي يُقدِّمها طه عبد الرحمن لتعليل هذا الانقلاب، هي أن عملية الفصل بين الدين والحداثة قد فصلت هذه الأخلاق عن نموذجها الأمثل، ويستعير طه عبد الرحمن نظرية النموذج الأمثل من علم النفس الإدراكي ويطبقها في علم الأخلاق، وخصوصًا الأخلاق الأسرية، بل إنه يعدّ تطبيق هذه النظرية في مجال الأخلاق وإدراكها أولى من مجال إدراك الحسيات[39].

وفقًا لطه، فإن سبب انقلاب المروءة إلى الإمعية هو أن المثل الأعلى له أصبح هو المعية الخافضة، وذلك بسبب الفصل عن الدين الذي غيّب الشاهد الأمثل للمعية الرافعة وهو التعالي[40]، وسبب انقلاب الإلزام إلى الحظ هو أن المثل الأعلى له أصبح هو الالتزام الهيّن، وذلك بسبب الفصل عن الدين الذي غيّب الشاهد الأمثل للالتزام القيّم وهو الفطرة[41]، كما أن السبب في انقلاب السعادة إلى لعب هو أن المثل الأعلى له أصبح هو الحياة الطيبة المنفصلة، وذلك أيضًا بسبب الفصل عن الدين الذي غيّب الشاهد الأمثل للحياة الطيبة المتصلة وهو الخلود[42].

11

قدَّمت الفقرات السابقة موجزًا للبناء النظري الذي يقترحه طه عبد الرحمن لفهم الواقع الحداثي للأسرة الغربية، وكيف تعمل مسلمات التطبيق الإسلامية على تجنيبنا الآفات التي وقعت فيها هذه الأسرة، وتقترح الدراسة الحالية أن الشواهد المُثلى التي قدَّمها طه عبد الرحمن غير متمكنة من ناحية شاهديتها للسلوك، وتقترح استبدال شاهد أمثل آخر هو آل البيت، بالشواهد المُثلى الطاهوية وهي: التعالي والفطرة والخلود، وتُقدِّم تبريرًا لهذا الاختيار من الأدبيات العلمية الخاصة بنظرية الشاهد الأمثل، وكذلك من التنظير الفلسفي الذي يقترحه طه عبد الرحمن.

أما عن مناسبة اختيار آل البيت -بوصفهم شاهدًا أمثل للأسرة- للأدبيات العلمية الخاصة بنظرية الشاهد الأمثل، فالأبحاث التي درست هذه الظاهرة معظمها يتعلق بكيفية إدراكنا وتصنيفنا للمحسوسات، وقد وضحنا هذا الأمر في الجزء السابق من هذه الدراسة. ومن المعلوم أن مفهوم آل البيت أقرب إلى الحس من المفاهيم المجردة كالتعالي والخلود والفطرة، حيث عرضت لنا المصادر الإسلامية الأصلية منها كالقرآن والسنة، والفرعية ككتب السيرة والتاريخ، تفاصيل دقيقة تُجسِّد هذا الشاهد الأمثل، فالقرآن الكريم ذكر في عدد كبير من آياته تفاصيل حياة سيدنا إبراهيم عليه السلام والمراحل المفصلية في حياته الأسرية، كما ذكر القرآن الكريم الحياة الأسرية لبيت سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، في حين أن السنة النبوية كذلك وثقت لنا أدق التفاصيل المتعلقة بأسرة محمد عليه الصلاة والسلام وآل بيته. نخلص مما سبق إلى أن الشاهد الأمثل المقترح -آل البيت- أكثر مناسبة للأخلاق الأسرية وفقًا لأدبيات نظرية الشواهد المُثلى. مؤخرًا تبنت «روش» مع مجموعة من الباحثين وجهة نظر تُبرز الدور الذي تلعبه البيئة والسياق في تكوين المفاهيم، وأن عملية بناء المفاهيم هي جزء لا يتجزأ من نظرتنا للعالم World View، وهذا التطور الراهن يُعزِّز من معقولية خيارنا لآل البيت بوصفهم شاهدًا أمثل للسلوك الأسري[43].

أما بالنسبة لمناسبة هذا الاقتراح للتنظير الفلسفي الذي قدَّمه طه عبد الرحمن في بحثه، فنلاحظ أن مفهوم القدوة قريب لمفهوم آل البيت وحقيقة تمثيلهم الأسوة الحسنة، وأنه كان حاضرًا في نموذج طه عبد الرحمن، فهو يقول:

«... إن إدراك الإنسان للمقولات والمفاهيم الطبيعية لا يتم بواسطة تحديد الشرائط الضرورية والكافية... أي بطريقة أرسطو في التعريف... وإنما بطريق إدراك الأفراد التي تُمثل أفضل تمثيل الخصائص المطلوبة فيها، ورأينا أنه إذا جاز ذلك في المفاهيم الحسية فلأنه يجوز في المفاهيم المعنوية مثل القيم أَولى، بل قد يكون ذلك هو الطريق الوحيد لإدراكها، لأن القيم تقتضي الاقتداء بها، والاقتداء لا يكون إلا بالنماذج التي تُمثل هذه القيم أحسن تمثيل، فلا قيمة بغير القدوة»[44].

في هذه الفقرة يؤكد طه عبد الرحمن صحة فهمنا لنظرية الشواهد المُثلى من ناحية تعلقها بالمقولات والمفاهيم الطبيعية، ويُقرِّر أن هذه الطريقة في الإدراك قد تكون الطريقة الوحيدة لإدراك القيم، ما يعنينا التركيز عليه هنا هو مفهوم القدوة والاقتداء الذي يقترحه طه لتفسير مناسبة هذه النظرية لمجال إدراك القيم والأخلاق، ونحن نقترح أن مفهوم آل البيت أكثر مناسبة لمفهوم القدوة والاقتداء من معانٍ مجردة كالتعالي والخلود والفطرة، وهذه المناسبة مبررة لغويًّا وشرعيًّا بجلاء، فالعرب تقول: فلان قدوة يُقتدى به، والقرآن الكريم ينص على هذه الحقيقة بأمر مباشر، فيقول عز وجل: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنعام: 90]، وهذا ما تُقرِّره أيضًا نظرية التعلم الاجتماعي لـ«بندورا» من أن التعلم يتم بالملاحظة، فلكل سلوك -كما لكل مفهوم- شاهده الأمثل.

إن الشاهد الأمثل للأسرة المقترح (آل البيت) قد تحقّقت فيه المثل العليا الثلاثة: المعية الرافعة والالتزام القيّم والحياة الطيبة المتصلة، كما تحققت فيه أيضًا الشواهد المثلى الثلاثة: التعالي والفطرة والخلود.

إن الشاهد الأمثل للأسرة المقترح (آل البيت) قد تحقّقت فيه المثل العليا الثلاثة: المعية الرافعة والالتزام القيّم والحياة الطيبة المتصلة، كما تحققت فيه أيضًا الشواهد المثلى الثلاثة: التعالي والفطرة والخلود، ومن المزايا النظرية لهذا الاقتراح أنه يجعل المثل الأعلى والشاهد الأمثل له يتحدان ويتحققان على أرض الواقع، ويحتفظان بالمثالية في الوقت ذاته، واتحاد المثل العليا بالشواهد المثلى يزيد من بساطة النموذج دون أن يُضعف قدرته النظرية.

من الممكن تتبُّع المثالية العليا والشاهدية المُثلى في شخصية كل فرد من أفراد آل البيت عليهم السلام، من سارة وهاجر عليهما السلام إلى الحسن والحسين عليهما السلام. وتكتفي الدراسة الحالية بالإشارة إلى سياقات قرآنية تُظهر كيف تجلَّت المُثل العليا وشواهدها المُثلى في سيرة النبي إبراهيم عليه السلام، فإبراهيم عليه السلام أصبح المثل الأعلى والشاهد الأمثل للمعية الرافعة والتعالي الذي بلغ مبلغًا جعله خليل الرحمن سبحانه وتعالى! فهل بعد ذلك من تعالٍ؟ فمنذ مفارقة عنفوان الفتوة إلى النظر العقلي، ومفارقته للأعراف الاجتماعية السائدة عندما خالفت برهان العقل، ومجابهته للبطش السياسي بالحجة العقلية، وتركه لأهل بيته في واد من غير زرع ولا ماء، وتلّه جبين ابنه للذبح، منذ ذلك وأثناءه كان إبراهيم عليه السلام لا يرجو سوى المعية الإلهية الرافعة إلى حد التعالي فكان للرحمن خليلًا.

إبراهيم عليه السلام أصبح المثل الأعلى والشاهد الأمثل للالتزام القيم والفطرة، فالتزامه بأدلة العقل ونظره جعله يحاور نفسه أمام الكون والوجود وسننهما، ويحاور أهله أمام الأعراف الاجتماعية المنحرفة، ويعرف أن مراعاة المودة هي علة الانحراف عن الفطرة إلى الأعراف الاجتماعية الفاسدة، وهو يقيم التجارب التي تذعن لها النفوس، ويطلب الرؤية العينيّة لعملية الخلق، ثم يحاور قومه ويخبرهم أنهم أحق بالخوف منه وأنه أحق بالأمن منهم، ويمضي في حياته ملتزمًا الفطرة البسيطة: أنّ الله خالق كل شيء وقادر على كل شيء، حتى يصفه الله عز وجل أنه لا يحيد عن دينه إلا من سفه نفسه، وهل هناك مثل أبشعُ لمخالفة الفطرة من أن يسفِّه الإنسان نفسه؟

أصبح إبراهيم عليه السلام المثل الأعلى والشاهد الأمثل للحياة الطيبة المتصلة والخلود، فمنذ أن نجا من النار وفارق الأهل وهو يسأل الله أن يهَبه من الصالحين، ويمضي في سعيه نحو الخلود يجابه الابتلاءات المثلى والنموذجية، فبينما تسعى البشرية إلى الماء لتقيم المدنية، شيّد هو بيته في الصحراء، وبينما ينتظر الإنسان ولده لكي يبلغ معه السعي لكي يستريح يؤمر هو بذبحه، وفي لحظة تل الابن للجبين تتحقق النبوءة ويشرِّفه الله بأن جعله إمامًا للبشرية ومثالها ونموذجها الأمثل، إلا أن سعيه للخلود يستمر فيطلب ذلك الشرف لذريته، فيكون له ذلك وفق سنة الكون، بألا ينال القوم الظالمون عهد الله، فيكون أبًا للأنبياء، فهل هناك مرتبة في الخلود تفوق أبوة الأنبياء؟

لقد كان إبراهيم عليه السلام شاهدًا أمثل للمعية الرافعة إذ ليس بعد خليل الرحمن من معية، وكان شاهدًا أمثل للفطرة إذ ليس بعد السفه من مخالفة للفطرة، وكان شاهدًا أمثل على الخلود إذ ليس بعد الإمامة وأبوة الأنبياء مرتبة في الخلود. باختصار، قدَّم هذا القسم من الدراسة مختصرًا للنموذج النظري الذي اقترحه الفيلسوف طه عبد الرحمن في كتابه «روح الحداثة» وخصوصًا الفصل المعنون بـ« نظام الأسرة الغربية والتفصيل الموجه»، ثم اقترحت الدراسة تطوير هذا النموذج وقدَّمت بعض الأدلة على وجاهة الاقتراح.

الشواهد المثلى

في هذا القسم من الدراسة نمضي قُدمًا في تطويرنا للنموذج الذي اقترحه الفيلسوف طه عبد الرحمن، ونقترح أن يكون للأسرة أكثر من نموذج أمثل[45]، فهناك معطيات علمية حديثة تفيد بأن التصنيف قد يكون له أكثر من نموذج أمثل[46]! ومن الأمثلة على هذا الألوان التي تقع بين الخضرة والزُّرقة، فاللون الأزرق الصافي هو النموذج الأمثل لهذا الطيف الضخم من الألوان، وكذلك اللون الأخضر الصافي، وكل لون في هذا الطيف يكون أكثر قُربًا إلى أحد النموذجَيْن من الآخر على الرغم من وقوعه بينهما[47].

من الفوائد الإجرائية لهذا التطوير أنه أكثر حفظًا من خطر الانقلاب الذي شخّصه طه عبد الرحمن في الأسرة ما بعد الحداثية، فالإنسان كما يجذبه المثال الحسن يُنفِّره المثال القبيح، فتصبح دافعية الحركة مزدوجة تجمع الجذب والنفور، وهذا يقلِّل من خطر الانقلاب؛ إذ إنّه لو غاب عن الذهن الشاهد الأمثل الحسن فإن القبيح يبقى أو العكس.

النموذج الأمثل للأسرة الكافرة الذي تقترحه الدراسة هو آل فرعون، فمن المعارف الراسخة في المجال التداولي العربي الإسلامي جمع وصف الفرعون لكل القبائح العقلية والشرعية، التي من أبشعها سياسيًّا الاستبداد بدعوى الألوهية، واجتماعيًّا الزواج بالأخت والبنت بدعوى نقاء الدم. ويُشير اجتماع هاتَيْن البشاعتَيْن إلى العلاقة بين النظام السياسي والنظام الاجتماعي.

أخيرًا يوضح النموذج موقع ثلاث أُسَر وردت في القرآن الكريم وهي: الأسرة الآدمية الأصلية، والأسرة المشركة، والأسرة العمرانية (نسبة لآل عمران). الأسرة الآدمية هي لحظة البداية والمنطلق، حيث يتجلَّى سعي الإنسان إلى الخلود الذاتي، فالخلود الذاتي هو المحرك والدافع الأساسي للسلوك الإنساني، حيث تُشير قراءة آيات قصة الخلق في القرآن الكريم إلى أنّ الخلود مُنِح للإنسان منحةً ربانيّةً، إلا أن الغواية الشيطانية كانت بإقناع الإنسان أن ثمار الشجرة ستجعل الخلود والملك طبعًا ذاتيًّا للإنسان، وهذا منسجم مع النسق الفكري للشيطان، إذ يرد القيمة للأشياء لأنه يقول بفاعليتها، ويتجلى هذا في رفضه الأمر الإلهي بالسجود لآدم مستدلًا على هذا بأفضلية النار على الطين.

 الأسرة المشركة تقع في الطريق نحو الشاهد الفرعوني، بينما تقع الأسرة العمرانية على الطريق نحو الشاهد البيتي -انظر الرسم التوضيحيّ- وكل منهما يحمل شيئًا من صفات المثال وشيئًا من صفات الواقع، إن وجود حالات وسطى بين نقطة البداية والشاهد الأمثل يجعل النموذج أقرب إلى المنطق متعدد القيم Fuzzy Logic، ومن ثَمَّ يجعله أقدر على محاكاة تعقيدات الواقع، مع ملاحظة أن هناك محاولات علمية نظرية للجمع بين المنطق متعدد القيم ونظرية الشاهد الأمثل لحل بعض المشكلات الناتجة عن كيفية إدراك الإنسان للمعاني المركبة[48].

فالأسرة المسلمة تنظر إلى تعامل الشاهد الأمثل الإبراهيمي مع الابن الذي يُمثِّل الخلود الدنيوي، فرؤيا الذبح هي الحالة القصوى للصراع أو التناقض بين الخلود الدنيوي والخلود الأخروي، فهي حالة البلاء المبين. والأسرة المسلمة وإن كانت تستحضر هذه النموذجية في البلاء في حجّها وصلاتها وتقديمها للأضاحي، إلا أنها تُدرك أن الله علم ضعفها فخفَّف عنها، فتستحضر واقعية النموذج العمراني، حيث تهب حنة (زوجة عمران) ما في بطنها محرّرًا ليُحرِّر أمة رزحت تحت نير المحتل الوثني الذي تواطأ رجال الدين معه.

والأسرة المسلمة تدرك هنا أن الأثر العظيم الذي نتج عن أسرة آل عمران، حيث وهب الله الإنسانية كلمته عيسى عليه السلام، إنما جاء من تلاقي صدق دعاء حنة مع عظيم فضل الله وكرمه، فالأسرة المسلمة النافرة من النموذج الفرعوني والشركي والمنجذبة للنموذج الإبراهيمي، تدعو الله أن يرزقها قرة الأعين وتطلب إمامة المتقين، لترتقي مع ذريتها في مراتب الإمامة المتفاوتة، منجذبة إلى النموذج الذي نال شرف إمامة الناس أجمعين، فتُقدِّم للإنسانية الصديقين والشهداء والصالحين. وكذلك تُدرك هذه الأسرة أن علة الانقلاب من الأسرة الآدمية إلى الأسرة الشركية، هي تقديس الأسباب لحفظ الولد والفوز بالخلود الدنيوي، إلا أن هذا التقديس يقود الأسرة إلى قتل الولد خشية الإملاق، ثم تنحط الأسرة لترى الرابطة الأسرية محلًّا للذة فقط فتمتنع عن إنجاب الولد، ثم تنفك الرابطة لتلتقي على اللذة فقط، ليصبح خلودها لحظيًّا وآنيًّا في لحظة اللذة. وحينها يصبح ظهور الأسرة الشاذة نتيجة منطقية، وحينئذ يستحيل العيش مع الابتلاء الإنساني دون استهلاك الكحول والمخدرات، وينتقل حلم الخلود من الأسرة إلى القومية، وينتج عن مجتمعات الأسر المفككة والشاذة دولة فرعونية تقتل أولاد الشعوب الأخرى وتستحيي نساءهم لتُلبي رفاهية الخلود الآنيّ لهذه الأسر الفرعونية.

الشواهد المُثلى للأسرة المسلمة

مثال

مثال تطبيقي

الخطوة الأخيرة في هذه الدراسة هي تطبيق النموذج المطور، والهدف هو معرفة القدرات التفسيرية والتوضيحية والإرشادية التي يُقدِّمها النموذج النظري، وقد اخترنا آيات من سورة الأحزاب لتطبيق النموذج، وجاء اختيار هذه الآيات لأسباب عديدة، منها:

 أولًا: إن الموضوع الرئيس للسورة -كما يتضح من اسمها- هو الصراع السياسي العسكري بين المجتمع المؤمن والمجتمع الكافر، بل إنها تُعبِّر عن حالة قصوى في هذا الصراع حيث جُمِّعَت قوى الكفر كلها من جميع جهات جزيرة العرب، وزحفت نحو المدينة بهدف اجتياحها، إلا أن الخندق عطَّل عملية الزحف، ولكن تواصلت محاولات الاجتياح عسكريًّا وسياسيًّا، وبلغت الأمور إلى الحد الذي وصفها بها النص القرآني وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون، إذن البعد السياسي للدولة والمجتمع المؤمن حاضر بجلاء في السورة القرآنية الكريمة.

ثانيًا: السورة الكريمة تضم آيات تخاطب زوجات النبي وبناته بشكل مباشر، ويرد ذكر آل البيت نصًّا في آيات هذه السورة، وتُوجّه لهم تكاليف خاصة وخطاب خاص.

ثالثًا: تعالج السورة أيضًا أحد الموضوعات الأكثر إثارة للجدل في مجال العلاقات الأسرية، أي موضوع لباس المرأة المسلمة، فلماذا يُعَالج موضوع لباس المسلمات في سياق قريب من أحكام آل البيت؟ ولماذا يعالج كلا الأمرَيْن في سياق الصراع بين الكفر والإيمان وقد بلغ أقصى تجلياته وهو المظهر العسكري، بل أقصى تجليات المظهر العسكري ذاته وهي أحداث غزوة الأحزاب، ولحظة بلوغ القلوب الحناجر؟!

في البداية تُبرز آيات السورة الكريمة الشاهدية المثلى لآل البيت، وذلك من خلال تخيير أمهات المؤمنين بين البقاء مع الرسول في مهمته القيادية -مع كل ما يلزم عنها من تبعات- والتسريح الجميل، وتؤكد الآيات على هذه الشاهدية المثلى من خلال النص المباشر: «لستن ّكأحد من النساء». والنصّ أيضًا على مضاعفة العقاب والثواب في حالتهنّ.

إن الأمر بالقرار في البيوت هو أمر للشاهد الأمثل، وهذا يعني أن هذه هي الحالة المثلى، ووفقًا للنموذج المقترح يصف هذا الأمر غاية تتحرك لها همم الأسر المسلمة، وإن لم تكن تأثم إن لم تقر النساء في البيوت، وهذا فهم أكثر إجرائية للخلاف حول مسألة الاختلاط ومسألة وجوب ومندوبية غطاء الوجه، إلا أن هذا الفهم يساعدنا على التطبيق التفصيلي لمسائل لباس المرأة، ففي البداية هناك نموذج نسعى للاقتداء به، وهو زوجات اخترن الله ورسوله والدار الآخرة وهنّ أمهات المؤمنين، ونحن نحاول أن نحاكيهنّ في سلوكهنّ بأقصى ما يمكننا، واعين في الوقت ذاته أنهنّ عليهنّ السلام لسن كأحد من النساء، ومدركين أيضًا أن تغييب هذا الشاهد الأمثل عن الذهن قد يجعلنا أسرة طبيعية تتقلب بين دعاء الله والشرك فيه.

عندما تتحول دور الأزياء مثلًا إلى نموذج أمثل، سيُحْصَر اللباس الشرعي ويُطارد وتُطَوّع الأحكام المتعلقة به، ويُجْعَل الهامشي مركزيًّا والمركزي هامشيًّا

غياب هذا التصور عن الحياة اليومية للمسلمين يجعل الأمور تسير باتجاه لا يوافق الحاجات الأساسية للأمة الإسلامية، فعندما تتحول دور الأزياء مثلًا إلى نموذجٍ أمثل، سيُحْصَر اللباس الشرعي ويُطارد وتُطَوّع الأحكام المتعلقة به، ويُجْعَل الهامشي مركزيًّا والمركزي هامشيًّا، وذلك بغية أن يتوافق تطبيق الحكم الشرعي مع النموذج الأمثل وهو هنا دور الأزياء لا دور الأنبياء.

تطبيقات مقترحة

أولًا: من الممكن أن يُبرز النموذج المقترح مفهومَ الأسرة المسلمة في سياقات تعبُّدية غاب عنها هذا المفهوم، لعل أهمها عبادة الحج، حيث تتراوح علاقة تفاصيل هذا النسك العظيم بآل البيت بين الشهرة والتواتر، وتبرز هذه العلاقة سلوك الشاهد الأمثل مع الابتلاءات القصوى، ويظهر ذلك في الإحرام والسعي والرجم والنحر. كما أن الأسرة قد تربطت مباشرة مع منسك الحج الأعظم وهو الوقوف على عرفة، وذلك من خلال الروايات والتفسيرات التي تُرْجع قدسية المكان إلى أنه مكان اللقاء الأول بين آدم عليه السلام وزوجه على هذه الأرض، فكأن موسم الحج يُعيدنا إلى نقطة البداية، ثم يُرِيَنا الشاهدية المثلى في سعي الإنسان الدائم نحو الخلود. بل من الممكن أن يربط هذا النموذج بين الأسرة وعبادة الصلاة من ناحية التوجه الدائم نحو البيت الذي أسّسه الشاهد الأمثل وبناه.

ثانيًا: من الممكن أيضًا دراسة بعض الاختلافات بين المذاهب السنية والمذهب الجَعْفري في مسائل تتعلق بأحكام الأسرة وفهمها من خلال النموذج الفكري المقترح، فهل ضعف مركزية مفهوم آل البيت عند كثير من أهل السنة قد أثّر في اجتهاداتهم الفكرية ومسلكيّاتهم اليومية المتعلقة بالأسرة؟ وهل تشويه مفهوم آل البيت عند بعض مفكري المذهب الجعفري وما لحقه من شوائب، يقرِّبه من مفهوم الأسرة الكسرَوية ذات الصلة الواضحة بالأسرة الفرعونية؟ وهل يمكن فهم ظاهرتَيْ الزواج العرفي عند السنة أو زواج المتعة عند المذهب الجعفري في ظل هذا النموذج؟

أخيرًا هل يساعدنا هذا النموذج في فهم العلاقة بين النظام الاجتماعي والنظام السياسي في القرآن الكريم؟ لماذا جاء القرآن الكريم بالتفاصيل الدقيقة لأحكام الطلاق والميراث والحركة داخل البيت، والدخول والخروج إلى البيوت، وترك تفاصيل النظام السياسي كالبيعة والخلافة؟ بكلمات أخرى، هل الثابت الأساسي في النظام السياسي الإسلامي هو الأسرة؟

[1]  ريتشارد إي نيسبت، جغرافيا الفكر: كيف يفكر الغربيون والآسيويون على نحو مختلف.. ولماذا؟، ترجمة: شوقي جلال، (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، العدد 312، 2005م)، ص94.

[2]  المرجع السابق، ص174.

[3]  المرجع السابق، ص153.

[4]  المرجع السابق، ص135-136.

[5]  طه عبد الرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث، (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1994م)، ص330-331.

[6] عبد الرحمن بن محمد، ابن خلدون، المقدمة، تحقيق: عبد السلام الشدادي، (الدار البيضاء: بيت الفنون والعلوم والآداب، ط1، 2005م)، ج3، ص181.

[7] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، تحقيق: عامر الجزار وأنور الباز، (المنصورة: دار الوفاء للطباعة والنشر، ج9، ط3، 2005م)، ص31.

[8] ابن تيمية، كتاب الرد على المنطقيين، (بيروت: دار المعرفة)، ص178.

[9] نيسبت، جغرافيا الفكر: كيف يفكر الغربيون والآسيويون على نحو مختلف...ولماذا؟، مرجع سابق، ص148.

[10]  Leaman, Oliver. “Islamic philosophy and the attack on logic.” Topoi 19, no. 1 (2000): 17-24.

[11]  “Although ibn Taymiyyah may have seen himself as presenting decisive objections to logic, it is al-Fa¯ra¯bı¯ who has the last laugh”.

[12]  Leaman, Oliver. The Future of Philosophy: Towards the 21st Century. Routledge, 1998.

[13] أوليفر ليمان، مستقبل الفلسفة في القرن الواحد والعشرين، ترجمة: مصطفى محمود محمد، (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، العدد 301، 2004م)، ص203.

[14] Sowa, John F. Knowledge representation: logical, philosophical, and computational foundations. Vol. 13. Pacific Grove, CA: Brooks/Cole, 2000, p.356-359.

[15]  Ibid.,p.359.

[16] انظر:

Sowa, John F. “Categorization in cognitive computer science.” Handbook of Categorization in Cognitive Science, Elsevier (2006): 141-163.

Sowa, John, and Arun Majumdar. “Analogical reasoning.” Conceptual structures for knowledge creation and communication (2003): 16-36.

[17] تعامل «سووا» مع الترجمة الإنجليزية لكتاب الرد على المنطقيين

Wael B. Hallaq. Ibn Taymiyya against the Greek logicians. Clarendon Press (Oxford and New York), 1993.

[18] لودفيغ فيتجنشتاين، تحقيقات فلسفية، ترجمة: عبد الرزاق بنور، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007م)، ص171.

[19]  نيسبت، جغرافيا الفكر: كيف يفكر الغربيون والآسيويون على نحو مختلف...ولماذا؟، مرجع سابق، ص148.

[20]  Needham, Rodney. “Polythetic classification: convergence and consequences.”Man (1975): 349-369.

[21]  Andersen, Hanne. “Kuhn’s account of family resemblance: A solution to the problem of wide-open texture.” Erkenntnis 52, no. 3 (2000): 313-337.

[22]  Rosch, Eleanor. “Principles of categorization.” Concepts: core readings (1999): 189-206.

[23]  Rosch, Eleanor. “Reclaiming concepts.” Journal of consciousness studies 6, no. 11-12 (1999): 11-12.

[24] Rips, Lance J., Edward E. Smith, and Douglas L. Medin. “Concepts and Categories: Memory, Meaning, and Metaphysics.” The Oxford Handbook of Thinking and Reasoning (2012): p183.

[25]  Ibid.,p.185.

[26] طه عبد الرحمن، روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية، (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2006م)، ص99.

[27] المرجع السابق، ص24.

[28] المرجع السابق، ص65.

[29] المرجع السابق، ص24-29.  

[30] المرجع السابق، ص26.  

[31] المرجع السابق، ص27.  

[32] المرجع السابق، ص48.

[33] المرجع السابق، ص48-54.

[34] المرجع السابق، ص54.

[35] المرجع السابق، ص100-101.

[36] المرجع السابق، ص102-110.

[37] المرجع السابق، ص110.

[38] المرجع السابق، ص113-139.  

[39]  المرجع السابق، ص112-113.

[40]  المرجع السابق، ص118-120.

[41]  المرجع السابق، ص126-128.  

[42]  المرجع السابق، ص135-138.  

[43] Gabora, Liane, Eleanor Rosch, and Diederik Aerts. “Toward an ecological theory of concepts.” Ecological Psychology 20, no. 1 (2008): 84-116.

[44] طه عبد الرحمن، روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية، مرجع سابق، ص113.

[45]  Sternberg, R. J. Thinking and Problem Solving: Academic Press, 1994,p132.

[46]  Rips, Lance J., Edward E. Smith, and Douglas L. Medin. “Concepts and Categories”: …p185.

[47]  New World Encyclopedia contributors, “Concept formation,” New World Encyclopedia, , http://www.newworldencyclopedia.org/p/index.php?title=Concept_formation… (accessed April 15, 2022)

[48]  Rips, Lance J., Edward E. Smith, and Douglas L. Medin. “Concepts and Categories: …p182.