الحركة الصهيونية ورؤيتها للدين اليهودي

الحركة الصهيونية ورؤيتها للدين اليهودي

تمهيد

من الأهمية بمكان، وقبل أن نتحدث عن الموقف الرافض الذي تتخذه العديد من الحركات الدينية اليهودية من الصهيونية، أن نتطرق ولو بقليل من التفصيل إلى بنية الحركة الصهيونية ذاتها، وكيف نشأت وتشكلت أيديولوجيتها؟ ثم نعرّج بعد ذلك على موقفها من التراث الديني اليهودي، ونظرة قادتها إلى ذلك التراث، بل وموقفهم من الدين بصفة عامة، وإلى أي مدى كانوا يعتدّون به، والرؤى الجديدة التي قدموها للعقيدة اليهودية، وهل نشأت رؤاهم تلك من فراغ أم أنها وليدة الظروف الاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي مرت بها أوروبا في ذلك الحين؟ خاصة وقد تزامن ظهور الصهيونية مع ما شهدته أوروبا من زخم فكري وتحولات اجتماعية كبرى نتيجة للثورة الصناعية، وتحول المجتمعات الأوروبية من مجتمعات إقطاعية إلى مجتمعات رأسمالية، وما أعقبه من ازدياد للهجمات الاستعمارية، والنزعات القومية في مقابل دعاوى الحرية والمساواة.

كل هذا كان له ـ بالطبع ـ تأثير مباشر في بنية الأيديولوجية الصهيونية، والتي هي وليدة نفس الظروف.

وموقف الحركات الدينية اليهودية من الحركة الصهيونية هو بالأساس رد فعل طبيعي لما قدمته الصهيونية من أطروحات وتأويلات لمجمل قضايا الدين اليهودي، وهي التأويلات والأطروحات التي اعتبرتها تلك الحركات الدينية مخالفةً لصحيح الدين أو بالأحرى تمردًا عليه.

وفي البدء ماذا يعني مصطلح (الصهيونية)؟ وما هي دلالته؟

مصطلح الصهيونية (Zionism)[1] هو مشتق من كلمة (Zion)؛ أي: صهيون، وهو ذلك الجبل الواقع جنوب مدينة القدس، والذي يمثل مركزًا روحيًّا هامًّا، ومكانًا مقدسًا لدى اليهود، فهو ـ وكما يذكر العهد القديم[2] ـ ذلك المكان الذي استولى عليه نبي الله داود - عليه السلام- ثم أقام فيه، ومنه انطلق لمحاربة أعدائه[3] بل وأقام به بيتًا للعبادة، وهو البيت الذي اكتسب على مر العصور قداسة خاصة عند المنتمين للدين اليهودي، حتى أنهم يعتقدون أن الرب يسكن به.

ومن الآيات التي وردت في العهد القديم بشأن صهيون.

في سفر صمويل الثاني: «وأخذ داود حصن صهيون هي مدينة داود»[4] وفي نفس السفر: «وأقام داود في الحصن وسماه مدينة داود»[5].

وفي سفر المزامير: «رنّموا للرب الساكن في صهيون، أخبروا بين الشعوب بأفعاله»[6].

وفي ذات السفر: «اللَّه معروف في يهوذا اسمه عظيم في إسرائيل، كانت في ساليم مظلته، ومسكنه في صهيون»[7].

وورد أيضًا: «على أنهار بابل جلسنا، بكينا أيضًا عندما تذكرنا صهيون».

إذًا فحب اليهود لصهيون قديم قدم التاريخ اليهودي، والحنين له والرغبة في العودة إليه هو حنين جارف، وهو ما تشي به النصوص السابقة.

من هنا تم اختيار مصطلح «صهيونية» لما له من دلالة لدى اليهود، وليعبر عن الرغبة اليهودية في العودة إلى أرض فلسطين حيث يوجد جبل صهيون، وهو اختيار متعمد من قبل مؤسسي الحركة الصهيونية، تم من خلاله استغلال المشاعر الدينية لدى اليهود من أجل تحقيق أهداف سياسية، وهو ما سوف يتم توضيحه فيما بعد.

وكما تقول دائرة المعارف اليهودية، كان أول من صك هذا المصطلح أول مرة ومن ثم أصبح متداولاً هو الكاتب والمفكر اليهودي النمساوي نيثان بيرنباوم (Nathan Birnbaum)[8]، وذلك عندما نشره في إحدى مقالاته بجريدة «الانعتاق الذاتي» (Selbsteman Zipation) في إبريل من عام 1890م[9].

وإذا نظرنا إلى التاريخ اليهودي نلاحظ أن الحنين إلى صهيون، والرغبة في العودة إليه تزداد كلما ازدادت معاناة اليهود داخل المجتمعات التي يعيشون بداخلها، وفشلهم في الاندماج في تلك المجتمعات.

فعلى سبيل المثال، في روسيا، وعلى أثر ما تعرضوا له من اضطهاد، والذي اشتد أواره عام 1882م تكونت جمعية «عشاق صهيون» (Hebbat Zion)[10] بدعوة من المفكر اليهودي «ليو بينسكر» (Leo Pinskr)[11] والتي يعتبرها البعض الشرارة الأولى التي تكونت من خلالها الحركة الصهيونية الحديثة[12].

غير أن الصهيونية الحديثة هذه، التي لعبت الدور الأكبر في إنشاء دولة إسرائيل ـ والتي هي موضوع هذه الدراسة ـ قد اتضحت معالمها عام 1896م وذلك بصدور كتاب «الدولة اليهودية» (The Jewish State) للصحفي اليهودي النمساوي تيودر هرتزل (Theodore Herzl)[13]، الذي ضمنه مبادئه وآراءه، والتي تدور في مجملها حول ضرورة عودة اليهود إلى أرض فلسطين ـ إرتس إسرائيل[14] اعتقادًا منه أن ذلك هو الحل الوحيد لمشكلة الأقليات اليهودية في الشتات (גלוי) (Diaspora)[15]، وفشلها في الاندماج في المجتمعات التي تعيش بداخلها[16].

The Jewish State

ولم يتوقف هرتزل عند مجرد الكتابة، بل حاول بكل السبل كسب التأييد اليهودي لأفكاره، وهو ما تبلور في شكل واقع عملي بعقد المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897م في بازل (Basel) بسويسرا[17]، وقد خرج هذا المؤتمر بمجموعة من القرارات والتوصيات أبرزها: «إن هدف الحركة الصهيونية هو خلق وطن للشعب اليهودي في فلسطين بحماية القانون العام».

ووضع مجموعة من الوسائل من أجل الوصول إلى هذا الهدف وتحقيقه وهي:

1 ـ ضرورة الإسراع في استعمار فلسطين بالعمال الزراعيين والصناعيين من اليهود.

2 ـ ربط يهود العالم في وحدة واحدة من خلال منظمات محلية أو دولية.

3 ـ تقوية الوعي القومي اليهودي وإحياء المشاعر القومية بين اليهود.

4 ـ اتخاذ خطوات تمهيدية للحصول على الموافقة على أهداف الحركة الصهيونية[18].

وبالقراءة المتأنية لتلك التوصيات يتضح أن الحركة الصهيونية هي بالدرجة الأولى حركة استعمارية، وهو أمر ليس بمستغرب إذا ما أخذنا في الاعتبار البيئة والظروف التي نشأت فيها الحركة في أوروبا، حيث الحضارة الغربية، والتي من رحمها خرجت الحملات الاستعمارية، فالصهيونية هي في حقيقتها ابنة تلك الحضارة، ومثلما ظهرت النزعات الاستعمارية، بها ظهرت الحركة الصهيونية هي الأخرى منادية بأن يكون لليهود وطن قومي عبر عمل استعماري.

وفي ذلك نتفق مع الدكتور عبد الوهاب المسيري فيما يذهب إليه بأن «الصهيونية ليست انحرافًا عن الحضارة الغربية الحديثة كما يحلو للبعض القول، وإنما هي إفراز عضوي لهذه الحضارة ولما نسميه بالحداثة الداروينية؛ أي: الحداثة التي تهدف إلى تحويل العالم إلى مادة استعمالية لصالح الأقوى»[19].

وفي الوقت نفسه لا يمكننا النظر إلى الحركة الصهيونية على أنها تمثل الدين اليهودي، أو أنها أحد إفرازات الفكر الديني بداخله، إنما هي في واقع الأمر حركة انقلاب ورفض للدين اليهودي الذي اعتبره قادة الصهيونية ومفكروها ممثلاً للرجعية لما فيه من خرافات وسيطرة الحاخامات، وقد نمت هذه الأفكار وتبلورت عند مفكري الصهيونية، خاصة مع انتشار أفكار كارل ماركس الاجتماعية والتي تنظر إلى الدين ـ أي دين ـ على اعتبار أنه قوة رجعية[20]، فهو صاحب المقولة الشهيرة «الدين أفيون الشعوب».

ولكي نتتبع هذه الفكرة ـ موقف الصهيونية الرافض للدين اليهودي ـ يجب أن نتناول الرؤية الصهيونية، خاصة فيما يتعلق بتفسيرها لبعض المعتقدات اليهودية، ومدى اتساق تلك التفسيرات مع ما قدمه حاخامات اليهودية من إنتاج في هذا المجال.

الصهيونية وعقيدة الشعب المختار:

ورد في التوراة:

«أنا الرب إلهكم الذي ميّزكم عن الشعوب تكونون لي قديسين لأني قدوس، أنا الرب وقد ميّزتكم من الشعوب لتكونوا لي»[21].

وورد أيضًا:

«إنك يا إسرائيل شعب مقدس للرب إلهك، إياك قد اختار الرب إلهك لتكون لي شعبًا أخص من جميع الشعوب الذي على وجه الأرض، ليس من كونكم أكثر من سائر الشعوب التصق بكم الرب واختاركم، ولا لأنكم أقل من سائر الشعوب؛ بل محبة الرب إياكم وحفظه القسم الذي أقسم لآبائكم»[22].

إذًا فالعقيدة اليهودية تنظر إلى اليهود على اعتبار أنهم شعب مختار دون باقي الشعوب، وأمة مفضلة على سائر الأمم، ميزها اللَّه بأن جعلها أمة من القديسين لما يكنه لتلك الأمة من حب وحفظ للعهد الذي قطعه اللَّه على نفسه، بأن يجعلهم شعبًا مقدسًا له مكانة عليا بين البشر جميعًا.

وكما يقول الدكتور محمد خليفة حسن: «الإنسان اليهودي يعتقد أن له مكانًا فوق البشرية كإنسان في ميثاق مع ربه لا يشترك فيه غيره من أهل الأديان الأخرى»[23].

وعندما ظهرت الحركة الصهيونية، كان أن اصطدمت بتلك العقيدة[24]، فهي ـ أي: الحركة الصهيونية ـ تطالب بوطن قومي لليهود انطلاقًا من مبدأ المساواة، وأن اليهود هم شعب مثل سائر الشعوب ـ خاصة مع رواج أفكار العدالة الاجتماعية والمساواة في الإنسانية في ذلك الوقت ـ وهي رؤية لا تتفق والعقيدة اليهودية التي تنظر للشعب اليهودي على أنه أعلى درجة من غيره من الشعوب.

فما كان من مفكري الصهيونية، إلا أن حاولوا التوفيق بين الرؤيتين، رؤية العقيدة اليهودية بأن اليهود شعب مختار وفوق البشر، والرؤية التي تقضي بالمساواة بين البشر اتفاقًا مع مبادئ وقيم العدالة الإنسانية.

وخلال لقاء تيودر هرتزل بملك إيطاليا، سأل الأخير هرتزل «هل لا يزال هناك يهود ينتظرون قدوم الماشيح حتى الآن»؟ فأجابه هرتزل بأن ذلك «فقط يقتصر على الدوائر والأوساط الدينية، أما في أوساطنا المتعلمة والمستنيرة، فلا يوجد لمثل هذه الفكرة من أثر»

فعلى سبيل المثال، حاول «موسى هس» (Moses Hess)[25] المفكر الصهيوني التوفيق بين الاختيار والمساواة، من خلال تقديم تفسير جديد لهذا الاختيار، مدعيًا أن اليهود سيكونون نقَلَة الحضارة من الدول المتقدمة إلى الشعوب المتخلفة، كما أنهم سوف يقومون بدور الرقيب الأخلاقي في منطقة الشرق الأوسط وهو ـ في نظره ـ مسؤولية لا تختلف كثيرًا عن مسؤولية الاختيار[26] وفي نفس الوقت لا تتعارض مع مبادئ العدالة والمساواة.

غير أنه إذا أمعنا النظر فيما يذهب إليه هس، نجد أن الحل الوحيد الذي يطرحه لتقديم الحضارة لشعوب الشرق الأوسط هو استعمارها، أو خلق دولة استيطانية بينها، كذلك فهي لا تخلو من كونها رؤية عنصرية تفترض وجود شعوب متخلفة بطبيعتها وأخرى متقدمة، وأن الأولى في احتياج دائم لممارسة الرقابة الأخلاقية على تصرفاتها، وبالطبع هو الدور الذي ينتظر الدولة اليهودية في تلك المنطقة لتقوم به كما يدعي هس.

الصهيونية وعقيدة ظهور الماشيح:

تعتبر عقيدة ظهور الماشيح (Messianism) الركيزة الأساسية التي استغلتها الصهيونية لتقوية موقفها الداعي للعودة إلى فلسطين، وذلك من خلال تقديم تفسير جديد لتلك العقيدة.

ففي حين كان التصور الأرثوذكسي وعلى مدار التاريخ اليهودي يحرم على اليهود العودة إلى فلسطين في شكل جماعات، أو إقامة دولة يهودية بها قبل أن يأتي الماشيح المخلص والذي سيقوم هو بهذا العمل بنفسه، وعلى اليهود قبل هذا الوقت ـ قبل مجيء الماشيح ـ أن يعيشوا في صبر وأناة بين الأمم راضين بحياة الشتات التي فرضها عليهم الرب ومنتظرين في شوق ظهور ماشيحهم المخلص (وهي العقيدة التي سوف يتم تناولها في المبحث التالي).

في حين كانت تلك هي النظرة الأرثوذكسية، رأت الصهيونية أن هذه النظرة هي نظرة سلبية من قبل شعب عاجز عن تحديد مصيره بنفسه منتظرًا حدوث معجزة إلهية، وأنها بالتالي تزيد من سلبية الشخصية اليهودية وعدم فعاليتها، وتخلق فردًا يهوديًّا غير قادر على مسايرة التطورات التاريخية، ورأت كذلك أن الماشيح ليس فردًا بل هو عصر ماشيحاني يمكن أن يتحقق عندما يستطيع اليهود أن يمتلكوا زمام أمورهم ويكون لهم وطن خاص بهم[27].

وإذا ما تتبعنا موقف قادة الصهيونية من تلك العقيدة، لوجدنا الكثير من الأمثلة التي تؤكد ذلك، ففي عام 1904م وخلال لقاء تيودر هرتزل بملك إيطاليا، سأل الأخير هرتزل «هل لا يزال هناك يهود ينتظرون قدوم الماشيح حتى الآن»؟ فأجابه هرتزل بأن ذلك «فقط يقتصر على الدوائر والأوساط الدينية، أما في أوساطنا المتعلمة والمستنيرة، فلا يوجد لمثل هذه الفكرة من أثر»، ثم أضاف «لا لا يا سيدي إن حركتنا قومية صرفة»[28].

فهرتزل بإجابته هذه، يطرح رؤيته الخاصة والرافضة لتلك العقيدة، والتي تقوم بالأساس على تقسيم اليهود إلى قسمين رئيسيين، الأول وهو الأوساط الدينية، والثاني ويتمثل في الأوساط العلمية المستنيرة، واضعًا نفسه في القسم الثاني والذي خصه بالعلم والاستنارة ـ وهما بلا شك صفتان تنمان عن اتهام للجانب الأول بالجهل والتخلف ومعتبرًا أن هذا القسم ـ والذي هو منه ـ لا يؤمن بتلك العقيدة فليس لديه مشيح ينتظره.

ويشي هذا التقسيم أيضًا بالمبادئ العلمانية التي يؤمن بها هرتزل، والتي ترى في الدين ممثلاً للرجعية.

كذلك موقف دافيد بن جوريون (Ben Gurion)[29]، والذي وصف فكرة عودة الماشيح الفرد بأنها فكرة شديدة السلبية، والمفكر الصهيوني الروسي «بيرتيس سمولنسكين» الذي حدد الرؤية الصهيونية للعودة إلى فلسطين على أنها نوع من الاستيطان لضمان الرزق والأمن، ولا علاقة لها بعودة الماشيح المخلّص، كذلك «ماكس نوردو» والذي وصف الصهيونية الحديثة بأنها «حركة سياسية وليست دينية صوفية، وأنها غير مرتبطة بالرؤى الماشيحانية ولا تتوقع العودة إلى فلسطين بمعجزة، بل ترغب في إعداد طريق العودة بجهودها الخاصة»[30].

إذًا فقد رفضت الحركة الصهيونية فكرة انتظار الماشيح الفرد، ورفضت أيضًا ما تمليه تلك الفكرة على اليهود من انتظار تام دون أدنى محاولة للعودة إلى الأرض المقدسة قبل قدوم الماشيح، بل وأرجعت الحركة الصهيونية النزعة السلبية في الشخصية اليهودية لتلك العقيدة، وفوق ذلك بشرت الصهيونية بوجود عصر ماشيحاني ـ وليس مشيحًا فردًا ـ يشارك فيه كافة اليهود في تحقيق خلاصهم وإقامة دولتهم من خلال الفعل الإنساني دون انتظار تدخل إلهي مباشر في مجريات الأحداث، لذلك فقد شرعت الحركة الصهيونية في اتخاذ خطوات عملية برجماتية، وذلك بتعاونها مع الدول الاستعمارية ومحاولة كسب تأييدها لإقامة الدولة اليهودية.

الصهيوينة والوعد التوراتي The Biblical Promise:

وهو الوعد الذي جاء بالتوراة، والذي قطعه الرب على نفسه بأن يمنح اليهود وطنًا يمتد من النيل إلى الفرات.

وقد قدمت الصهيونية تفسيرًا حرفيًّا لهذا الوعد، اعتبرت من خلاله أن فلسطين هي منحة الرب لهم، في حين أنه في واقع الأمر إما مرتبط بلحظة تاريخية معينة، أو أن له تبعات وشروطًا من شأنها الالتزام بما أمر اللَّه به ونهى عنه.

لذا فإنه من المهم أن نتطرق لآيات العهد القديم، والتي تحدثت عن هذا الوعد، وهل هو وعد مطلق أم أنه مشروط؟

ففي سفر التكوين: «في ذلك اليوم قطع الرب مع إبرام ميثاقًا قائلاً: لنسلك أُعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات»[31].

وتتخذ الصهيونية من هذا النص دليلاً على أن فلسطين هي هبة اللَّه للشعب اليهودي، في حين يرى اليهود الرافضون للصهيونية أن هذا الوعد يفرض على اليهود الكثير من الالتزام بالشرائع اليهودية كي يتم تحقيقه، كما أن هذا الوعد لا يقتصر على اليهود وحدهم بل يمتد ليشمل كل من جاء من نسل نبي اللَّه إبراهيم - عليه السلام-، في المقابل تعتبر الصهيونية نفسها الامتداد الحقيقي لهذا النبي، غير أن الناظر إلى الواقع الدائر في إسرائيل وما ترتكبه بحق الفلسطينيين على الأرض المقدسة يفصح عن كذب الصهيونية، وأنها لا تمثل العهد الذي أبرمه اللَّه مع إبراهيم، فقد جاء في سفر «ميخا» أنه بعد أن يتحقق الوعد، وتتم العودة إلى الأرض المقدسة فسوف تعيش كل الأمم في سلام «فيطبعون سيوفهم سككًا، ورماحهم مناجل، لا ترفع أمة على أمة سيفًا، ولا يتعلمون الحرب فيما بعد، بل يجلسون كل واحد تحت كرمته وتحت تينته ولا يكون من يرعب، لأن فم رب الجنود تكلم»[32].

كذلك تفسيرها لبعض الآيات تفسيرًا جديدًا؛ إذ يتم انتزاع النص من سياقه التاريخي ومن ثم إسقاطه على الواقع المعاصر، مثل ما ورد في سفر العدد: «وكلم الرب موسى قائلاً: قل لبني إسرائيل إنكم عابرون الأردن إلى أرض كنعان، فتطردون كل سكان الأرض من أمامكم... وإن لم تطردوا سكان الأرض من أمامكم يكون الذين تستبقون منهم أشواكًا في عيونكم، ومناخس في جنوبكم، ويضايقونكم على الأرض التي أنتم ساكنون فيها فيكون أني فاعل بكم كما هممت أن أفعل بهم»[33].

فالخطاب في هذه الآيات ليس مرتبطًا من وجهة نظر الصهيونية بلحظة تاريخية مرت وانقضت، بل يقدم رؤية للمستقبل يدعو فيها اليهود إلى إبادة سكان تلك المنطقة التي حددها النص، وإن لم يفعلوا ذلك فسوف تلحقهم حتمًا لعنة وغضب الرب، وهو ما تستغله الصهيونية في تحفيز أتباعها لإبادة العرب، مدعية أنها بذلك تنفذ أوامر اللَّه.

وإذا ما تأملنا النصوص الدينية السابقة، يمكننا أن نخلص إلى ثلاث نتائج محددة حول هذا الوعد.

أ ـ أن هذا الوعد لا يقتصر على اليهود فحسب، بل يمتد ليشمل كل من جاء من نسل إبراهيم - عليه السلام-.

ب ـ أنه من الأمور الحتمية التي تلي تحقيق هذا الوعد، والعودة إلى الأرض المقدسة (The Holy Land) لإقامة مملكة الرب، أن يتحقق السلام في تلك المملكة، بل وفي العالم أجمع، فيتم إنهاء الحروب وإلقاء السلاح حيث التعايش السلمي بين الأمم، وهو ما لم يتحقق على أرض الواقع، ويشهد الصراع الدائر في الأرض المقدسة بغير ذلك.

الحقائق التاريخية تؤكد عدم اكتراث قادة الصهيونية بالأرض المقدسة، وإنما وقع اختيارهم عليها لتكون الوطن اليهودي، لما لها من تأثير روحي عظيم على اليهود تم استغلاله لجمعهم واكتساب تأييدهم للفكرة الصهيونية.

ج ـ في حين يتحدث الوعد عن لحظة تاريخية مرت وانقضت، ألا وهي عبور اليهود نهر الأردن لمحاربة أهل كنعان ـ كما في النص الثالث ـ نجد أن الصهيونية تقدم تأويلاً مغايرًا له وذلك بإسقاطه على الحاضر والمستقبل، حيث العداء والحروب التي لا تنتهي بين اليهود وأهل تلك المنطقة ـ منطقة الوعد ـ كما ترى الصهيونية.

الصهيونية وفكرة «الشعب اليهودي» The Jewish Folk:

رأت اليهودية الأرثوذكسية أن «الشعب اليهودي» ما هو إلا تعبير ديني، يراد به مجموعة من اليهود المتدينين الذين يتوجهون إلى ربهم الواحد بالعبادة، وأن انتماءهم لهذا الشعب يتوقف على طاعتهم له وتطبيقهم لشريعته، والاختيار في حقيقته نوع من الالتزام والقوامة على غيرهم من الأمم تزيد من مسؤوليتهم والتزامهم بالأوامر والنواهي[34].

ومن هذا المنطلق، فكل دعوة تنظر إلى اليهود نظرة سياسية أو قومية هي شيء مخالف للدين وبعيد عنه.

غير أنه منذ بداية الحركة الصهيونية، وقادتها الأوائل يصرون على أنه لابد لليهود أن يكونوا شعبًا (Folk) بالمعنى القومي مثل سائر الشعوب، وهو ما ذهب إليه ماكس نوردو (Max Nordau) عندما قال: «إننا لا نريد أن نكون مجرد طائفة دينية، بل نريد أن نكون شعبًا كبقية الشعوب». وقال أيضًا: «إن مهمة الصهيونية هي تحويل اليهود إلى شعب متميز بالمعنى القومي للكلمة»، كذلك موقف الكاتب الصهيوني الروسي «بيرديشفسكي»، فقد دعا اليهود إلى «أن يتوقفوا عن أن يكونوا يهودًا بفضل يهودية مجردة وأن يصبحوا شعبًا حيًّا آخذًا في التطور»، ثم موقف سمولنسكين (Smolenskin) الذي دعا إلى تذكية الشعور القومي بين اليهود دون الاهتمام بالاعتقاد الديني الذي يرى عكس ذلك، معتبرًا أن هذا الشعور القومي هو جوهر وجود الشعب اليهودي، فقد قال: «إذا كان الشعور القومي هو أساس وجوده ـ يقصد الشعب اليهودي ـ فليس هناك أي داع للاختلاف على قوانين وعادات دينية سخيفة، ومهما كانت خطايا اليهودي ضد دينه فهي لا تهم؛ لأن كل يهودي ينتمي إلى شعبه طالما أنه لا يخونه»[35].

إذًا فقد رأت الحركة الصهيونية أن اليهود ليسوا مجرد جماعة دينية كما يرى اليهود الأرثوذكس، بل هم جماعة قومية بالمعنى السياسي، وهو تصور ربما اضطرت الصهيونية إليه، ودفعت له دفعًا، لتبرير مواقفها ومطالبها بوجود وطن قومي لليهود، فلو أنها ـ أي: الصهيونية ـ اعترفت بأن اليهود هم مجرد جماعة دينية، لكان حتمًا على هؤلاء اليهود أن يحاولوا الاندماج والتعايش داخل المجتمعات التي يعيشون بين ظهرانيها كسائر الأقليات الدينية، ولما أصبحت المطالبة بوجود وطن خاص بهم ذات أية دلالة.

والجدير بالذكر أن هناك بعض الإشكاليات التي أفرزتها تلك الرؤية، فعلى سبيل المثال، رفضت الصهيونية فكرة الاندماج اليهودي داخل المجتمعات انطلاقًا من تلك الرؤية، ثم ادعت نقاء العرق اليهودي تأكيدًا على سلامة قوميته وهو الادعاء الذي قطع العلم باستحالته.

كذلك تعكس هذه الرؤية تزييفًا متعمدًا من قبل الصهيونية لحقيقية الدين ـ أي: دين ـ فلا يمكن أن نتصور وجود شعب مسلم بالمعنى القومي، أو شعب مسيحي بما تعنيه الكلمة من قومية، وما يلي ذلك من مطالب كل فريق بوطن خاص به، مما يؤدي إلى إذكاء روح التعصب، وانعدام الثراء الحضاري الناجم عن اندماج الأقليات الدينية داخل المجتمعات التي تحيا بها.

الصهيونية وأرض فلسطين:

على الرغم مما تدعيه الحركة الصهيونية من أنها تمثل اليهود، وأن ما قامت به من إنشاء وطن لليهود في فلسطين هو تنفيذ للوعد الإلهي، إلا أن الحقائق التاريخية تؤكد عدم اكتراث قادة الصهيونية بالأرض المقدسة، وإنما وقع اختيارهم عليها لتكون الوطن اليهودي، لما لها من تأثير روحي عظيم على اليهود تم استغلاله لجمعهم واكتساب تأييدهم للفكرة الصهيونية.

ففي بادئ الأمر، لم تكن فلسطين هي المكان الوحيد المطروح لدى قادة الحركة الصهيونية ليكون وطنًا لليهود، بل إن هناك أماكن كثيرة تم طرحها مثل: الأرجنتين، والعريش، وقبرص، وموزمبيق، والكنغو، وجنوب أفريقيا، والولايات المتحدة[36].

وقد كان هرتزل يقول: «أستطيع أن أقول لكم كل شيء عن الأرض الموعودة إلا مكانها... علينا مراعاة عوامل طبيعية كثيرة فمن أجل تجارتنا العالمية في المستقبل علينا التمركز على شاطئ البحر، ومن أجل زراعتنا الممكنة، علينا الإفادة من مساحات مترامية... والقرار سيتخذه مجلس الإدارة لدينا»[37].

إذًا فهرتزل يؤمن بأن مكان الدولة اليهودية، ليس بالضرورة هو الأرض المقدسة، بل في أي مكان يتحقق فيه الاستقرار والأمن لليهود، وتتوافر فيه كافة الوسائل التي تساعد على وجود دولة متطورة[38].

كذلك موقف المفكر والزعيم الصهيوني الروسي «ليو بنسكر» (Leo Pinskr) فلم يكن يعر فلسطين أدنى اهتمام معتبرًا أن الاستيطان يمكن أن يكون في أي مكان على الكرة الأرضية، المهم أن تكون ذات موقع متميز ومساحة كبيرة، ثم أشار إلى ضرورة تشكيل لجنة من الخبراء لتحديد المكان الملائم[39].

Leo Pinskr
                                               Leo Pinskr

والجدير بالذكر أن اقتراح أن تكون «أوغندا» هي الوطن القومي لليهود، كان قد لاقى قبولاً كبيرًا في بادئ الأمر، وبدأ التحرك في هذا الشأن، إلا أن المؤتمر الصهيوني السابع والذي عقد عام 1905م قام برفضه[40].

غير أن هرتزل حسم تلك القضية، عندما رفض إقامة الدولة اليهودية في الأرجنتين بقوله: «لا يريد اليهود الذهاب إلى الأرجنتين، ولكن يريدون الذهاب إلى فلسطين».

ونلحظ هنا أن هرتزل ليس لديه اهتمام شخصي بمكان محدد، المهم لديه أن توافق الجاليات اليهودية على الهجرة إلى هذا المكان.

إذًا فقد فضّل هرتزل ـ في نهاية الأمر ـ فلسطين لتكون وطنًا لليهود لما لها من مكانة كبيرة لديهم، وليس هذا فحسب، بل إنه أراد أن يكسب تأييد المتدينين المسيحيين، فقد ورد في مذكراته «سيساعدنا الإنجليز المسيحيون المتدينون إن ذهبنا إلى فلسطين لأنهم ينتظرون عودة المسيح بعد رجوع اليهود إلى فلسطين»[41] وهو التيار الديني المسيحي الذي تنامى فيما بعد في الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا، ويعرف الآن باسم (المسيحية الصهيونية)، ومعروف دوره في مساندة إسرائيل.

قادة الصهيونية وموقفهم من الدين:

هناك حقيقة تاريخية مفادها أن أغلب قادة الصهيونية ملحدون، ولا يعيرون الدين اهتمامًا كبيرًا، تأثرًا بالفلسفات التي انتشرت في أوروبا في ذلك الوقت، وأصبحت اتجاهًا عامًّا، والتي رأت أن الدين هو أفيون الشعوب وأنه يمثل الرجعية، وطالبت في أحسن الأحوال بضرورة فصل الدين عن الحياة.

فقد كتب هرتزل في مذكراته بتاريخ 23/11/1985م «قُلت لحاخام لندن الكبير، كما قلت لزادوك حاخام باريس الكبير: إنني لا أخضع في مشروعي لأي دافع ديني»[42].

وفي يومية 26/11/1895م قال: «سألني «أشر مايرز» من جريدة جويش كرونيكل في لندن، ما علاقتك بالكتاب المقدس؟ أجبته أنا مفكر حر»[43].

وعندما زار هرتزل القدس تعمد انتهاك العديد من الشعائر الدينية اليهودية، مؤكدًا على أن حركته ذات طابع علماني، ولا تستمد رؤيتها من الدين اليهودي، ولم يتوقف هرتزل عند هذا الحد، بل إنه في كتاب «الدولة اليهودية» قد أفصح عن رغبته في أن تكون الدولة التي يريد إقامتها هي دولة علمانية، حيث يقتصر دور رجال الدين على العمل داخل دور العبادة فقال: «يجب أن نجعل رجال الدين ضمن حدود معابدهم، بنفس الطريقة التي سوف نجعل فيها الجيش المحترف ضمن حدود ثكناته، ويجب أن ينعم رجال الدين والجيش بالاحترام الذي يستحقونه، ولكن لا يجب أن يتدخلوا في إدارة الدولة التي تضفي شرعية عليهم وإلا فسوف يثيرون صعوبات لأنفسهم ولغيرهم»[44]. وأضاف: «المتسلطون الدينيون إذا حاولوا التدخل في إدارة شؤون الدولة سوف يلقون مقاومة عنيدة وشديدة من جانبنا»[45].

ويعدد ماكس نورداو (Max Simon Nordau) الخصائص التي تتسم بها الصهيونية الجديدة ومنها:

* رفض المضمون الصوفي الديني.

* الابتعاد عن فكرة انتظار الماشيح المخلص.

* عدم توقع حدوث عودة إلى فلسطين عن طريق المعجزة.

* تمهيد السبيل أمام إقامة المستوطن الجديد بواسطة الجهود الذاتية والنشاط الاستعماري[46].

Max Simon Nordau
                            Max Simon Nordau

وهي بالتأكيد تتضمن أفكارًا علمانية تنحّي الدين جانبًا ولا تعبأ به.

بل إنه ـ أي: نوردو ـ كان دائمًا ما يجاهر بإلحاده ودعا إلى أن يحل كتاب «الدولة اليهودية» لهرتزل محل الكتاب المقدس، وكان يسخر من التوراة واصفًا إياها بأنها «تحمل فلسفة طفولية ونظامًا أخلاقيًّا مقززًا»[47]

هناك أيضًا «حاييم وايزمان»[48] Chaim Weizmann والذي كتب في مذكراته عند قيام الدولة يقول: «هناك جماعات دينية قوية في فلسطين، وهي جماعات يمكن أن تطالب في ظل نظام ديمقراطي بإثبات وجودها... أعتقد أن من واجبنا أن نوضح لهم من البداية أن الدولة بينما تحرص على احترام المشاعر الدينية الصادقة على نحو كبير، لكنها لا تستطيع أن تضع عقارب الساعة إلى الوراء من خلال جعل الدين المبدأ الرئيسي في سلوك الدولة، ينبغي أن يحتل مكانة خاصة في المدارس لكن لا ينبغي أن يراقب وزارات الدولة»[49]، فهو ـ أي: وايزمان ـ يؤكد على الرؤية العلمانية للصهيونية وعلى موقفه من المتدينين في المجتمع الإسرائيلي، واضعًا الأسس العامة التي سوف تسير عليها الدولة فيما بعد، حاصرًا دور الدين اليهودي داخل المعاهد والمدارس فقط دون تدخل منه في شؤون الدولة، ومعتبرًا أن ذلك التدخل لو تم فإنه سيمثل ردة حضارية، فهو إذًا يرى أن زمن الدولة الدينية قد انتهى، وأن الدولة اليهودية الجديدة يجب أن تقوم على أسس علمانية.

مما سبق يتضح موقف الحركة الصهيونية من الدين اليهودي بصفة عامة، ورؤيتها وتفسيرها لبعض المعتقدات الدينية اليهودية بصفة خاصة بما يخدم توجهاتها الاستعمارية، فهي حركة غير نابعة من الدين اليهودي، وإنما هي في حقيقة الأمر تمثل شكلاً من أشكال النزعات القومية، والاتجاهات الاستعمارية التي ظهرت في أوروبا في ذلك الوقت، فهي وليدة نفس الظروف.

وكما يقول المفكر والفيلسوف روجيه جاروديبهذا الشأن «حيال التراث الشمولي القديم للديانة اليهودية تؤلف الصهيونية السياسية شكلاً قوميًّا واستعماريًّا، وتستمد توجهها ليس من اليهودية بل من النزعة القومية والاتجاه الاستعماري الأوروبي للقرن التاسع عشر، وهي تستخدم قراءة انتقائية وقبلية للتوراة، وتحريفًا لخط اللَّه، وتمويهًا لأهداف سياسية وتغطية لها»[50].

إذًا فالحركة الصهيونية ـ وكما يعرفها أحد الباحثين ـ هي «منتج أوروبي سواء من الناحية الفكرية أو من الناحية السياسية، فلقد ولدت في أوروبا وتبلورت واكتملت» وكانت الأسباب الرئيسية لظهور هذه الحركة هي ظهور معاداة السامية، وما تعرض له يهود أوروبا من اضطهاد مع بداية الثورة الصناعية وفشل يهود أوروبا في مجاراة التغيرات التي أحدثتها تلك الثورة، أيضًا فشل اندماج اليهود في المجتمعات، وظهور النزعات القومية في أوروبا والتي اعتبرت اليهود غرباء في تلك الأوطان، وإلا فما السبب في عدم ظهور هذه الحركة مثلاً بين الأقليات اليهودية في البلدان الإسلامية؟ ولماذا رفضوها في بادئ الأمر؟[51].

ربما بسبب جو التسامح الذي عاشته في تلك البلدان، واندماجها في تلك المجتمعات وتفاعلها معها[52].

رأت الصهيونية أن الماشيح ليس فردًا بل هو عصرًا ماشيحاني يستطيع فيه اليهود عن طريق القوة ومن خلال الفعل الإنساني العودة إلى فلسطين، وإقامة مملكة الرب.

وقد كان هرتزل صادقًا مع نفسه عندما نحَّى الدين جانبًا في حديثه عن الدولة اليهودية، غير أنه برر لفكرته هذه بأنه يريد دولة يهودية وظيفتها نقل الحضارة الأوربية إلى بلاد الشرق المتخلفة، وأن تكون بمثابة حائط صد مانع لهجوم البربرية ـ يقصد بلاد الشرق ـ على الدول المتقدمة، فهي ستكون على حد قوله، مفيدة جدًّا لأوربا[53]، وهي بالطبع مبررات لاقت صدى لدى الأوروبيين، استطاع بها كسب تأييدهم.

 وفي نهاية هذا المبحث، يمكن أن نجمل ما تم التوصل إليه من نتائج في النقاط التالية:

* قصد مؤسسو الصهيونية إلى اختيار مصطلح الصهيونية لما له من مكانة لدى اليهود بهدف تعبئة الشعور الديني اليهودي للعودة إلى صهيون.

* الصهيونية الحديثة، والمقصودة بهذه الدراسة هي التي اتضحت معالمها مع صدور كتاب «الدولة اليهودية» للصحفي اليهودي النمساوي تيودر هرتزل.

* ارتباط الحنين إلى الأراضي المقدسة والرغبة في العودة إليها، بازدياد معاناة اليهود في الشتات داخل المجتمعات التي يعيشون بها.

* أوضحت توصيات المؤتمر الصهيوني الأول أن الصهيونية هي بالأساس حركة استعمارية، اتخذت مجموعة من الوسائل البرجماتية لإقامة وطن قومي للشعب اليهودي.

* حاولت الصهيونية التوفيق بين عقيدة الشعب المختار المتأصلة في التراث الديني اليهودي، وبين مبادئ العدالة الاجتماعية والمساواة التي ازدهرت في أوروبا في ذلك الوقت، وذلك بالحديث عن دور قيادي للدولة اليهودية في منطقة الشرق الأوسط تكون فيه بمثابة ناقلة للحضارة لتلك الشعوب، وهو دور يسمو فوق مبادئ العدالة والمساواة، غير أن هذا التوفيق شابه الكثير من القصور، فضلاً عن مخالفته للواقع الدائر في الأراضي المقدسة الآن.

* قدمت الصهيونية رؤية مغايرة لعقيدة الماشيح المخلّص، خالفت بها ما قالت به النصوص المقدسة وما توارثته اليهودية الأرثوذكسية، فقد رأت الصهيونية أن الماشيح ليس فردًا بل هو عصرًا ماشيحاني يستطيع فيه اليهود عن طريق القوة ومن خلال الفعل الإنساني العودة إلى فلسطين، وإقامة مملكة الرب.

* لم تكن فلسطين المقترح الوحيد لإقامة الدولة اليهودية من قبل قادة الصهيونية، بل كانت هناك مقترحات أخرى مثل الأرجنتين، وقبرص، وجنوب إفريقيا، وهو ما يؤكد عدم اكتراث قادة الصهيونية بالأراضي المقدسة، أو بالوعد التوراتي، المهم لديهم هو أن تقام الدولة اليهودية في مكان تتوافر به عوامل بقائها وازدهارها.

* الإلحاد هو السمة الغالبة على قادة الصهيونية، وهو ما يدحض مزاعمهم بأنهم يمثلون اليهود واليهودية، ويؤكد على أن الحركة الصهيونية تنطلق من رفض تام للدين اليهودي وبدوافع علمانية.

* لم تكن الحركة الصهيونية بمنأًى عن النزعات القومية، والحركات الاستعمارية التي سادت أوروبا، بل تأثرت بهما وساهما في تشكيل أيديولوجيتها.

 

الهوامش

[1] Laquer, Walter, A History of Zionism, New York 1976.

بحر عبد المجيد (محمد): اليهودية، مركز الدراسات الشرقية، جامعة القاهرة، سلسلة الدراسات الدينية والتاريخية، العدد (20)، ص45.

[2] العهد القديم: يعرف العهد القديم بالتناخ أو أربعة عسريم، و(ت، ن، خ) اختصار (תורה, נביאים, כתובים(؛ أي: التوراة والأنبياء والمكتوبات؛ فالعهد القديم يتكون من ثلاثة أجزاء، ومجموعة أسفار الأجزاء الثلاثة 39 سفرًا، أما أربعة وعسيريم فتعني 24 سفرًا، ذلك لأن بعض طوائف اليهود والمسيحيين من بعدهم اعتبرت كل زوج من الأسفار المزدوجة سفرًا واحدًا مثل سفر صموئيل، والملوك وأخبار الأيام، ويعتبر العهد القديم كتابًا دينيًّا في المقام الأول إلا أنه يشتمل على موضوعات تاريخية وأدبية وفلسفية.

بحر عبد المجيد (محمد): اليهودية، مركز الدراسات الشرقية، جامعة القاهرة، سلسلة الدراسات الدينية والتاريخية، العدد (20)، ص45.

[3] جوزيف هيلر: الفكرة الصهيونية، ترجمة سلسلة كتب سياسية، الكتاب السادس عشر، دار القاهرة للطباعة، 1957م، ص16.

Encyclopedia Britannica, William Benton, Publisher, U.S.A, 1973, vol 23, p. 974.

[4] سفر صمويل الثاني: إصحاح 5: آية 7.

[5] سفر صمويل الثاني: إصحاح 5: آية 9.

[6] سفر المزامير: مزمور 76: آية 1، 2.

[7] سفر المزامير: مزمور 137: آية 1.

[8] نيثان بيرنباوم: مفكر نمساوي يهودي. وُلد في فيينا عام 1864م، في عام 1884م صدر أول أعداد مجلته الانعتاق الذاتي. وقد بلور بيرنباوم الفكرة الصهيونية قبل ظهور هرتزل ونشر كتابًا عن المسألة اليهودية عام 1893م بعنوان البعث القومي للشعب اليهودي في أرضه كوسيلة لحل المسألة اليهودية.

تَعاوَن بيرنباوم في بداية الأمر مع المنظمة الصهيونية العالمية، وحضر المؤتمر الصهيوني الأول وكان يرى أن العداء لليهود هو مصدر تماسك اليهود ومصدر هويتهم. وقد تطوَّر موقفه هذا بالتدريج إلى أن أصبح من رافضي الصهيونية وأكد على أن اليهود ليسوا جماعة عرقية أو إثنية وإنما هم جماعة دينية، وأن جوهر الوجود اليهودي هو العقيدة اليهودية، وأن المعنى الحقيقي لتاريخ العالم هو نضال قوى الخير الرباني لهزيمة عالم الوثنيين. كما اكتشف أن الغرض من الوجود اليهودي هو الإبقاء على النور الإلهي مشتعلاً؛ ولذا، يجب أن يكرِّس اليهودي نفسه لخدمته كما فعل منذ بداية التاريخ. ثم اتجه بيرنباوم لليهودية الأرثوذكسية وانضم لجماعة أجودات إسرائيل وأصبح رافضًا للصهيونية. وله عدة مؤلفات من أهمها الاعترافات (1917م).

راجع: عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، مرجع سابق، نيثان بيرنباوم.

Birnbaum, Nathan in: Encyclopaedia Judaica, keter publishing house, Jerusalem, 1978 vol. 3, p. 714.

[9]  Encyclopedia Judaica, keter publishing house, Jerusalem, 1978, vol 16, p.1032.

[10] أحباء صهيون: (חיבת ציון) هو اسم يطلق على جمعيات صهيونية نشأت في روسيا سنة 1881م؛ بعد صدور قوانين أيار التي فرضت قيودًا على الأقلية اليهودية هناك بين عامي 1881 ـ 1883م، وعلى حركة المهاجرين اليهود من روسيا وبولونيا ورومانيا إلى فلسطين «الهجرة الأولى 1881 ـ 1904م». وكان هدف حركة أحباء صهيون محاربة اندماج اليهود في المجتمعات التي يعيشون فيها، و«العودة إلى صهيون». وقد اتخذت لها شعارًا «إلى فلسطين» ودعت إلى الاستعداد للهجرة لشراء الأراضي فيها، ومساعدة الاستيطان اليهودي هناك. وكانت حركة أحباء صهيون همزة الوصل بين ما أطلق عليه «طلائع الصهيونية» في منتصف القرن التاسع عشر، وبداية الصهيونية السياسية مع ظهور تيودور هرتزل وانعقاد المؤتمر الصهيوني الأول سنة 1897م. وقد انتشرت حركة «أحباء صهيون» بين اليهود في روسيا ورومانيا وغربي أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. ومع ظهور هرتزل وإقامة المنظمة الصهيونية العالمية، انضمت معظم جمعيات «أحباء صهيون» إلى الحركة الصهيونية ومن ثم واصلوا نشاطهم العملي في إقامة المستعمرات في فلسطين.

راجع: مركز المعلومات الوطني الفلسطيني (www.wafainfo.ps/atemplate.aspx?id=5004)

[11] ليو بنسكر (Leo Pinsker) (1821 ـ 1891): طبيب روسي صهيوني وزعيم جماعة أحباء صهيون. اقترح إعادة توطين اليهود في وطن واحد، وبدأ بنسكر في التجوال في عواصم أوروبا للدعوة لفكرته بشأن الدولة الصهيونية، فقابل الحاخام أدولف جلينك، حاخام فيينا الأكبر قابل زعماء الأليانس وبعض القادة اليهود لعرض فكرته عليهم ولكنهم عارضوه. ومع هذا، فقد ألف بالألمانية كراسة الانعتاق الذاتي: تحذير من يهودي روسي لإخوته (1882م).

راجع: عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، مرجع سابق، (ليو بنسكر).

[12] أحمد شلبي. اليهودية، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الثانية عشر، 1997م، ص136.

[13] تيودر هرتزل: صحفي يهودي نمساوي ولد عام 1860 في بودابست، وعندما كان يعمل

مراسلاً لإحدى الصحف النمساوية، حضر محاكمة الضابط اليهودي الفرنسي ديرافيوس Dreyfus والذي اتهم بالخيانة وبيع المعلومات العسكرية إلى ألمانيا، إلا أنه بعد ذلك ظهرت براءته، فاستغل هرتزل هذه القضية في الترويج لأفكاره بأن اليهود مضطهدون، وأن هناك عداء للسامية، ثم تطور فكره إلى أن طالب بإنشاء دولة لليهود داعيًا إلى ضرورة التحرر اليهودي من الجيتو The Ghetto على اعتبار أنه يكرس مأساة اليهود، وقد أسفرت جهوده عن إقامة المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا عام 1897م، وكان بداية الطريق لإقامة دولة إسرائيل، ومن أهم كتبه كتاب «الدولة اليهودية» والذي ضمنه أفكاره والتي اعتبر فيها أن اليهود هم مجرد ضيوف على الأمم التي يعيشون فيها ولا ينتمون إليها، وأن الحل الوحيد لمشكلاتهم هو إقامة وطن قومي لهم رافضًا بذلك كل المحاولات لدمج اليهود في تلك الأمم، وقد توفي هرتزل عام 1904م.

انظر في هذا الشأن:

Arthur Hertzberg, the Zionist idea, A temple Book, Atheneum, New York, p.p. 201-203.

Don peretz, the middle east today, New york,1988, p.p. 273-274.

[14] إرتس يسرائيل: وتعني (أرض إسرائيل)، وهي عبارة عبرية وردت في التوراة وتشير إلى أرض فلسطين وبعض المناطق المجاورة لها. وهناك عبارات مرادفة لها مثل: (أرض الميعاد) و(الأرض المقدَّسة)، ففي سفر صموئيل الأول (13 ـ 19): «ولم يوجد صانع في كل أرض يسرائيل». وفي سفر الملوك الثاني (5 ـ 2): «وكان الآراميون قد خرجوا غزاة فسبوا من أرض يسرائيل فتاة صغيرة»، وحدودها غير معروفة تحديدا إذ تختلف الطوائف اليهودية حولها.

المسيري (عبد الوهاب)، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، مرجع سابق، جزء5، ص118.

[15] أي: حياة اليهود خارج فلسطين «أرض إسرائيل».

[16] ريجينا الشريف: الصهيونية غير اليهودية، ترجمة أحمد عبد اللَّه عبد العزيز، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد 96، عام 1985م، ص8.

[17] المرجع السابق، نفس الصفحة.

[18] laqueur, walter, A History of Zionism, schocken Books, New York, 1976, p.106.

[19] عبد الوهاب المسيري: الصهيونية والحضارة الغربية، دار الهلال، العدد 632، أغسطس عام 2003، ص4.

[20] Eugene B. Borowitz, choices in modern Jewish thought, Behrman House, Inc, New York, 1983, P. 82.

[21] سفر اللاويين: إصحاح 2: الآيات 24 ـ 26.

[22] سفر التثنية: إصحاح 7: الآيات 6 ـ 8.

[23] محمد خليفه حسن: الحركة الصهيونية وعلاقتها بالتراث الديني اليهودي، مركز الدراسات الشرقية، جامعة القاهرة، سلسلة الدراسات الدينية والتاريخية، العدد 4، ص26.

[24] كان هرتزل قد رفضها في بادئ الأمر، فقد ورد في مذكراته في يومية 15/9/1895م «لسنا شعبًا مختارًا، ولكننا في الوقت نفسه لسنا شعبًا حقيرًا»، هرتزل، يوميات هرتزل، ترجمة هلد صايغ، مركز الأبحاث، منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت، لبنان، 1968م، ص421.

[25] موسى هس (1812 ـ 1875م) Moses Hess هو رائد الصهيونية العمالية. وُلد في ألمانيا كان صديقًا لكارل ماركس وفردريك إنجلز، ولكنه اختلف معهما بعد فترة قصيرة، كما كان عضوًا في أحد المحافل الماسونية، نشر هس عام 1862م كتابًا كان عنوانه (روما والقدس) وهو يرى أن ثمة علاقة بين بعث روما في أوروبا وبعث القدس في الشرق، ويرى أن ثمة علاقة بين الحركة القومية العضوية والحركة الصهيونية، وصرَّح في بداية حياته بأن شريعة موسى ماتت وأن اليهود إذا كان عليهم أن يختاروا دينًا فهو المسيحية فهي أكثر ملاءمة للعصر الحاضر.

[26] راجع: محمد خليفة حسن: الحركة الصهيونية وعلاقتها بالتراث الديني اليهودي، مرجع سابق، ص26.

[27] عبد الوهاب المسيري: البروتوكولات واليهودية والصهيونية، دار الشروق، الطبعة الأولى، سنة 2003م، ص135 ـ 136.

[28] هرتزل. يوميات هرتزل، مرجع سابق، ص320 ـ 321.

Almog, Shmuel, Zionism and History, New york, 1987, P.62.

[29] دافيد بن جوريون (1886 ـ 1973م): زعيم صهيوني ولد في بولندا، كان أبوه عضوًا في جمعية أحباء صهيون، هاجر إلى فلسطين عام 1906م، تولَّى رئاسة الهستدروت من عام 1921م حتى 1932م. في عام 1930م شارك في إنشاء الماباي، وانتُخب عضوًا في اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية عام 1937م. وفي عام 1948م أشرف على تكوين رئاسة الحكومة الإسرائيلية المؤقتة، وقام بنفسه بإعلان بيان قيام إسرائيل.

تلمي (أفرايم ومناحم)، معجم المصطلحات الصهيونية، ترجمة أحمد بركات العجرمي، دار الجليل للنشر، عمان، الطبعة الأولى، 1938م، ص71.

[30] عبد الوهاب المسيري. البورتوكولات واليهودية والصهيونية، مرجع سابق، ص136 ـ 137.

[31] سفر التكوين: إصحاح 15، آية 18.

[32] سفر ميخا: إصحاح 4، آية 3 ـ 4.

[33] سفر العدد: إصحاح 33، آية 50 ـ 56.

[34] روجيه جارودي: فلسطين أرض الرسالات السماوية، ترجمة قصي أتاسي، ميشيل واكيم، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر عام 1991م، ص23.

[35] راجع: عبد الوهاب المسيري: البروتوكولات واليهودية والصهيونية، مرجع سابق، ص138 ـ 139.

[36] Almog, shmuel, op.cit., pp. 240-246.

راجع: روجيه جارودي: جارودي يقاضي الصهيونية الإسرائيلية، ترجمة: رانيا بوناصيف، وبيار ريشا، عويدات للنشر والطباعة، بيروت، الطبعة الثانية، 2000م، ص22.

[37] هرتزل: يوميات هرتزل، مرجع سابق، ص69.

[38] Eugene B. Borowitz, op. cit, P. 77.

[39] عبد الوهاب المسيري. البروتوكولات واليهودية والصهيونية، مرجع سابق، ص134.

[40] إفرايم يعر وزئيف شافيت: توجهات في المجتمع الإسرائيلي. ترجمة دورية مختارات إسرائيلية، مركز الأهرام للدراسات، العدد 97، يناير 2003 ص12.

[41] هرتزل: يوميات هرتزل، مرجع سابق، ص71.

[42] راجع. روجيه جارودي. جارودي يقاضي الصهيونية الإسرائيلية، مرجع سابق، ص22.

[43] المرجع السابق، نفس الصفحة.

[44] راجع: لورانس ماير: إسرائيل الآن صورة بلد مضطرب، ترجمة مصطفى الزر، مكتبة مدبولي، القاهرة، الطبعة الثانية، سنة 1997م، ص393.

[45] أسعد رزوق: قضايا الدين والمجتمع في إسرائيل، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، سنة 1971م، ص135.

[46] المرجع السابق، ص135 ـ 136.

[47] راجع: عبد الوهاب المسيري: البروتوكولات واليهودية والصهيونية، مرجع سابق، ص130.

[48] أول رئيس للكيان الصهيوني، ويعتبره البعض أشهر شخصية صهيونية بعد هرتزل.

[49] راجع: لورانس ماير: إسرائيل الآن صورة بلد مضطرب، مرجع سابق، ص393.

[50] روجيه جارودي: إسرائيل بين اليهودية والصهيونية، ترجمة: حسين حيدر، دار التضامن للنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1990م، ص24.

[51] إفرايم يعر وزائيف شافيت: توجهات في المجتمع الإسرائيلي، مرجع سابق، ص14 ـ 15.

[52] انظر في هذا الشأن: جدع جلادي. إسرائيل نحو الانفجار الداخلي، دار البيان للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، سنة 1988، ص32 وما بعدها.

[53] Almog, Shmuel, Op. Cit, p.241.

 

الكلمات الدلالية