قيمة "إفشاء السلام" في التحول الذهني للإنسان المعاصر

دراسات - قيمة إفشاء السلام في التحول الذهني للإنسان المعاصر

ملخَّص

قد يبدو لبعض الباحثين في العلوم الإنسانية أن إدراج الأخلاق في تفسير الظواهر الاجتماعية والاقتصادية أمرٌ أقرب للفكر الطوباوي منه للبحث العلمي، وذلك راجع لكون العلوم الإنسانية ما زالت في بداية المطاف ولم تتشكَّل بعدُ نظريات تؤسِّس لوضع البواعث الإنسانية الأخلاقية على مسار الظواهر الاجتماعية. ولهذا يسعى هذا المقال إلى تأصيل الصياغة العلمية لقيمة "إفشاء السلام" (كفعل نفسي واجتماعي) وأثرها في التحول الذهني للإنسان، حيث يعيش الإنسان المعاصر تحت وابلٍ من القصف الدعائي لأحادية تفسير الفعل الاجتماعي المبني على آليات تدبير الصراع والعقلانية المقتصرة على إشباع الرغبات المادية. ويعتمد هذا المقال على مفاهيم مثل: "المسافة الاجتماعية"، و"الحاجات الأساسية غير المادية" (كما قرَّرها الخبير التربوي بوب سولو)، و"هرم ماسلو"، و"الخلايا العصبية (المرآة)".

ويركز التحليل على حاجتين أساسيتَيْن: الرغبة في التنافس والرغبة في التعاون، ثم يتطرق للتصرفات النفسية-الاجتماعية من حيثُ كونها استراتيجيات مختلفة لتلبية الرغبات الأساسية، ومدى تأثير المناخ الثقافي العام في التحول الذهني للفرد لتحديد اختياراته وتفاعلاته الاجتماعية. ومن جهة ثانية، يعمد المقال إلى مقاربة أفعال الإنسان وردود أفعاله على الصعيد الاجتماعي بحسب هذا المناخ الثقافي العام، ومن ثَمَّ التعريج على "إفشاء السلام" ليس كطقس اجتماعي، ولكن كقيمة نفسية اجتماعية دافعة نحو اعتماد استراتيجيات فردية اجتماعية لتلبية رغبتي التنافس والتعاون. ويجري التنبيه إلى أهمية حاجة أساسية ثالثة هي: الحاجة للحرية، حيث إن إبداع المجتمعات في احترام هامش الحرية الفردي أو "الخصوصية" يقدِّم فرصًا كبيرة لنجاح تنظيمات اجتماعية قائمة على وحدة الجماعة والأخلاق المساندة لها.

مقدمة

إذا سمعت أحدًا يحكي عن مساعدة أخيه له -حين كان صغيرًا- حتى أنهى دراسته وحصل على عمل مناسب، فإنك حتمًا ستشعر بشعور جيد، لكنك لن تستغرب ذلك. وفي المقابل، لو سمعته يتحدَّث عن بنك تجاري ساعده منذ الصبا حتى تمكَّن من إنهاء دراسته وحصل على عمل، فإنك حتمًا ستستغرب الأمر وستبحث بجديَّة أولًا عن مصداقية الخبر، ثم عن البواعث المادية التي تجعل هذا البنك التجاري يتصرف على هذا المنحى!

وفي مقابل هذه الصورة، إذا سمعت أحدًا يحكي أنه أودع مبلغًا من المال لدى أخيه ولم يؤدِّه إليه، فإنك حتمًا ستشعر بشعور سيئ، لكنك لن تستغرب حدوث ذلك، حيث تفشى في مجتمعاتنا ضعف الأمانة. وفي المقابل، إذا سمعته يتحدَّث عن إيداعه مبلغًا من المال لدى بنك تجاري ولم يؤدِّه إليه، فإنك حتمًا ستستغرب الأمر وستبحث بجديَّة أولًا عن مصداقية الخبر، ثم عن الظروف التي تجعل هذا البنك التجاري يتصرف على هذا النحو، هل هي أزمة مالية أم ظروف حرب أم شيء من هذا القبيل؟

وفي مقابلة هاتين الصورتين، نجد أن "النظام الأسري" الذي يحدِّد العلاقة بين الأخوين كان فعالًا في الصورة الأولى بينما فشل فشلًا ذريعًا في أن يضمن حقَّ المودع في الصورة الثانية. ولنا أن نتساءل كيف للإنسان المعاصر أن يكون لديه استعداد بالتضحية بهامش من حريته الشخصية ومن ماله ومن وقته في سبيل أن يحقِّق التضامن وسط الأسرة، لكنه في المقابل قد تطاوعه نفسه على كَسْرِ "السلام الأسري" بالعدوان على مال أخيه، سواء بعدم ردِّ دين أو حيف في تقسيم إرث أو غير ذلك. ولعلنا نجد في هذا المقال تحليلًا يساعدنا في فهم هذا الارتباك في "التوازن العلاقاتي" من مدخل قيمة "إفشاء السلام"، التي تحولُ دون عدوان الإنسان على أخيه الإنسان في دمه وماله وعرضه.

أما بخصوص مسألة التحوُّل الذهني، فلعل أحسن مدخل لتبيانها هي القاعدة الفقهية التي أبدعها العلماء المسلمون حين أرادوا وضع التفصيلات الفقهية للعلاقات المادية التي تنشأ في ظل عقود النكاح، حيث قالوا: "الأصل في المناكحات هو المكارمة عكس الأصل في البيوع الذي هو المشاحة". وبعبارة أخرى، فإن البنية الذهنية التي ينشأ عنها سلوك الإنسان تختلف من حيثُ تعامل الإنسان داخل أسرته أو في الحياة العامة. فبينما يسعى الإنسان في الحياة العامة إلى انتزاع أكبر هامش ربح ممكن في إطار ما تعارف عليه الناس، سواء تعلَّق الأمر بالربح التجاري أو بالمكانة الاجتماعية أو بالتموقع السياسي، يكون سلوكه في حياته الأسرية -في المقابل - محكومًا بتوجيه رغبة التنافس نحو إكرام أهله وأبنائه والأقربين. فبالرغم من أن الوازع الذاتي في الحالتين هو الرغبة في التنافس، فإن الإنسان يوجهها بحسب البنية الذهنية التي يتقمَّصها في أسرته تارة، وفي الحياة العامة تارة أخرى. وهذا التحول الذهني يؤثر بشكل كبير في بناء العلاقات الإنسانية وفي توازنها، ويُعَدُّ مدخلًا لفهم بعض التناقض السلوكي مثل المذكور أعلاه.

تحديد المفاهيم الأساسية

يبدو أننا في حاجة لتحديد بعض المفاهيم المستعملة في التحليل، خصوصًا فيما يتعلق بعناصر التواصل وتمييز الحوافز البشرية والحاجات الإنسانية غير المادية.

بناء العلاقة ومضمون الحوار

كل تواصل يشتمل على محورين: العلاقة، ومضمون التواصل (Watzlawick). فإذا تتبعنا عناصر التواصل بين البشر، سنلاحظ هيمنة محور بناء العلاقة وأثره في فعالية الحوار.

محور بناء العلاقة

سنركِّز في هذا المحور على مفهومين أساسيَّيْن: التمثُّل، والتموقع.

التمثُّل: أي كيف يرى الإنسان نفسه في هذا الوجود، وكيف يعتقد أن الآخرين ينظرون إليه، ثم كيف يرى الآخرين. وهذه أبعاد مرتبطة ببعضها. فكلما كانت نظرة الإنسان لنفسه إيجابية، كان أقدر على التعامل الإيجابي مع مختلف الرسائل التي يتلقاها من الغير.

ومن أهم الكنوز التي يتوفر عليها المسلمون في هذا السياق الآية الكريمة: {الرحمن على العرش استوى} التي تعطينا تمثلًا إيجابيًّا عن الوجود، حيث يعلمنا الله عز وجل أنه تولى قيادة الكون بنفسه، وخاصةً باسمه "الرحمن"، وفيه رسالة طمأنينة وجواب عن السؤال الوجودي حول علاقتنا بالكون، الذي عبَّرت عنه الجنُّ بقولها: {وأنا لا ندري أشرّ أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدًا}.

التموقع: تحدَّثنا في التقديم عن التمييز بين "العلاقات الداخلية" التي يكون أصل التعامل فيها مبنيًّا على التعاطف، و"العلاقات الخارجية" المبنية أساسًا على التنافس. فتموقع الإنسان في علاقته مع أُمه مثلًا يختلف جذريًّا عن تموقعه في علاقته مع شريك تجاري يستورد منه البضائع. فبحسب مجموعة من العوامل أهمها القرابة والعيش المشترك، يحدِّد الإنسان مقامَهُ من حيثُ المسافة الاجتماعية التي تفصله عن الطرف الآخر.

محور الحوار

التأويل: ننبه هنا أن الإنسان لا يقتصر في حواراته على منطوق الرسالة التي يتلقاها، بل يتعدى ذلك إلى "ما تعنيه الرسالة"، وهذا مسلك فطريٌّ لدى كل الناس منذ طفولتهم، فلنتصور طفلًا ذا سنتين جالسًا في بيته في إحدى الليالي، وفجأة انقطع التيار الكهربائي. لن نعجب إذا سمعنا الطفل وهو يصيح خائفًا: "الغول!". فمع العلم أن الرسالة التي وصلته من محيطه هي "حلّ الظلام"، لكنه يقرؤها: "جاء الغول!". ذلك راجع إلى أن الإنسان بطبعه يؤول الرسائل التواصلية التي يتلقاها، فمنذ أيامنا الأولى نكتسب مَلَكَة تأويل منطوق الخطاب بحثًا عن القصد المضمر وراءه. وهذا التأويل أحد أخطر أسباب النزاعات بين الناس. وبالعكس نلاحظ ألَّا أحد يعنِّف الأطفال الرضع؛ لأن تأويل أعمالهم يكون دائمًا إيجابيًّا، حيث يستحيل أن يكون قصدهم سلبيًّا علينا، ومن ثَمَّ فإن التأويل الحسن يُحدث تموقعًا مسالمًا في رحابة الرحمة والأمل.

القصد: غالبًا ما يكون مضمرًا، وهو ما يريده الشخص الذي قدَّم الرسالة التواصلية في الحقيقة. وقد أبدع جاك سالومي (Jaque Salome) في هذا المجال بتعبير "الطلب المُقنَّع بالعطاء" لتفسير كثيرٍ من حالات الإحباط التي تؤزم العلاقات، وسببها سوء تقدير أحد الطرفين لمراد الآخر من التصرفات، مثل  تقديم الهدايا والأعطيات أو حتى المديح التي في ظاهرها عطاء لكنها في حقيقتها طلب لتقدير أو حبّ أو غير ذلك. ومن الصور التي توضِّح مفهوم "الطلب المُقنَّع بالعطاء" حالة الشخص الذي تلتقيه على حين غفلة وهو ثمل سكران، فتكون ردة فعله أن يشبعك مديحًا. فهو بذلك يطلب منك ألَّا تهتزَّ صورته في عينك، إلا أن كبرياءه لا يسمح له بطلب ذلك بشكل مباشر، بل بشكل مُقنَّع عبر إغداق المديح عليك، راجيًا أن تتعامل معه بالمثل.

Jacques Salomé
                           جاك سالومي (Jacque Salome)

الخلايا العصبية (المرآة)

حياتنا اليومية مليئة بالمحاكاة والمقارنات، وهي حوافز للعلم وتطوير الأداء الإنساني، بدءًا بقصة الغراب مع ابن آدم إلى مؤشرات التنمية بين الدول في عصرنا الحالي ودورها في توجيه سياسات الدول. ونحن ميَّالون للتعامل بالمثل والمحاكاة، فإذا تبسم شخص لنا فذلك مدعاة للتبسُّم، وإذا صرخ شخص في وجهنا فإنه أدعى لنصرخ في وجهه.

يفسر علماء النفس هذه الظاهرة بوجود خلايا عصبية في دماغنا مسؤولة عن محاكاة ما نشاهده أمامنا بحيث قد لا تستطيع منعَ نفسك من الضحك إذا ضحك شخص أمامك لفترة طويلة، وكذلك قد تبكي لبكاء شخص أمامك أو قد تتثاءب لتثاؤبه. ويلاحظ أن الأمهات يستعملن قدرات هذه الخلايا ليدفعن أبناءهن الرضع إلى فتح أفواههم لتناول الطعام، فتقوم الأُم بفتح فمها ليفعل ابنها مثلها.

وهذا أحد أهم مداخل أثر إفشاء السلام في تعميم السلوك الإيجابي داخل المجتمع، ومن ذلك ما أمرنا الله عز وجل به من الامتناع عن سبِّ آلهة المشركين حتى لا يكون ذلك مدعاة لهم ليسبوا إلهنا.

هرم ماسلو للحوافز

نأخذ من هرم ماسلو المعطى الإجمالي حول تراتبية الحوافز، وأنه لا يمكن تحفيز شخص على الإنتاج مثلًا وهو خائف أو جائع. فالإنسان كائنٌ حيٌّ وله حاجات أوَّليَّة (الحاجات الأساسية والأمان) ثم الحاجات الاجتماعية، وعليه أن يلبيها قبل الانتقال إلى الحاجة العليا التي يتميز بها الإنسان عن باقي الخلوقات، وهي الحاجة للإنجاز، وهي ترتكز أولًا على التقدير الذاتي.

هرم ماسلو

لن ندخل في تدقيق هذه التراتبية وتفاصيلها، لكن سنعتمدها في مجملها الذي يقرّه أغلب الخبراء، حيث إن بحث الإنسان عن مكانة اجتماعية أو تقدير الناس يأتي في مرحلة لاحقة بعد الحصول على ما يحتاج إليه من طعام وأمن. وقد جعل القرآن الكريم هذه الحاجات الأساسية مقدمةً لتحقيق عبادة الله عز وجل في الأرض، حيث قال: {فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف}.

فإذا درسنا هرم ماسلو بميزان كتاب الله عز وجل وخصوصًا في ضوء الآية الكريمة: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}، سنجدها تتحدَّث عن تمييز ثلاثة مستويات من الحوافز الإنسانية تشكِّل القصد المضمر من عملية التواصل أو التعارف. فإن الفعل الاجتماعي الإيجابي المتمثل في الإكرام والذي يأخذ شكل الإطعام في هذه الآية، قد يُفهَم منه ثلاثة أغراض مختلفة، وهي متراتبة بحسب طبيعة العلاقة بين الناس:

الغرض الأول: الجزاء، وهذه الحالة تهمُّ شخصين يتموقعان في المستوى الحافزي نفسه، وهما على مسافة اجتماعية بعيدة، حيث لا صلة قرابة بينهما. ويمكن ملاحظة هذه الحالة في مواطن البيع والشراء، حيث يقدِّم أحدهما سلعة مقابل مال في الأسواق الحالية أو خلال المقايضة قديمًا. وهذه الحالة تتطور شيئًا فشيئًا مع التعارف بين الناس ليصير الغرض المضمر من تقديم السلعة أو المال (كفعل اجتماعي إيجابي) يشمل شيئًا آخر (غير الجزاء) كنتيجة لتقلُّص المسافة الاجتماعية إثر التعارف.

الغرض الثاني: الشكور، وهذه الحالة هي التي يقدِّم فيها شخص ذو مكانة اجتماعية شيئًا من أجل الحفاظ على مكانته الاجتماعية أو تحسينها. وفي هذه الحالة (الإطعام) مقابل الشكور، نحن أمام شخصين لا يتموقعان في المستوى الحافزي نفسه.

الغرض الثالث: من أجل قيمة عليا مثل الحق والعدل التي هي من أسماء الله الحسنى، فمن عرفها من المسلمين يقول: فعلت ذلك ابتغاء وجه الله، ومن لم يعرف هذه الأسماء يقول: فعلت ذلك من أجل قناعاتي. هذه الحالة نادرة في حياتنا اليومية، وكثيرًا ما يلتبس علينا الأمر -خصوصًا في بلداننا العربية- بفعل ثقافتنا الإسلامية، وندعي أننا نفعل شيئًا لوجه الله لكن في الحقيقة يكون لنا غرض من المستويين الأدنى، وكثيرًا ما نشاهد في حياتنا من يقول: فعلت خيرًا لوجه الله وانقلب عليَّ شرًّا، وذلك غير صحيح؛ لأن مقام من يعطي ابتغاء وجه الله هو مقام تتساوى فيه الحسنة والسيئة، فكلٌّ من عند الله. 

الحاجات الأساسية غير المادية

منذ طفولتنا المبكِّرة نسعى في طلب حاجات أساسية مادية وأخرى غير مادية، فكما أن الطفل الرضيع يبكي حين يحتاج للطعام وحين يحسّ بالمغص، فإنه يبكي كذلك إذا فشل في الحصول على شيء لدى المحيطين به، مثل هاتف أبيه أو لعبة صديقه، كما أن طفلًا صغيرًا قد يبكي لأنه لم يتمكَّن من التغلُّب على زملائه في لعبة ما، وهذا ما يعبّر عنه بوب سولو بـ"الرغبة في السيطرة أو التنافس"، ويجعلها إحدى أربع حاجات أساسية غير مادية. 

ويضيف إليها رغبة أساسية ثانية هي الرغبة في التعاون، وهي التي تجعل الطفل يتألم لبكاء أُمه أو يتعاطف مع شخصية كرتونية تتعرض للأذى وغير ذلك. وسأركِّز على هاتين الحاجتين الأساسيتين كمحركين للفعل الإنساني في اتجاه بناء علاقات إنسانية فعالة أو محطمة، سواء في الحياة الأسرية أو الحياة العامة. 

Bob Sullo.jpg
                       بوب سولو Bob Sullo

وبالإضافة إلى هاتين الحاجتين يضيف بوب سولو "الحاجة للحرية" و"الحاجة للمرح"، ويعتمدها كآليات لتقوية الرغبة في التعلُّم لدى الأطفال والشباب. وتتجلَّى أهمية اقتباس هذه المنهجية في مجالنا لكون "بناء العلاقة" مسلسلًا تعلميًّا بامتياز، وأن بناء العلاقة أو تحطيمها يتأرجح بين التموقع في الذهنية الآدمية المخلوقة للعمارة التي دعمها الله بأداة التعلُّم: {وعلم آدم الأسماء كلها}، وبين الذهنية الشيطانية الانتقامية التي تنتشي بالتدمير: {لأقعدن لهم صراطك المستقيم}.

استراتيجات الخوف واستراتيجيات السلم

تلك التحية التي نتلفظ بها "السلام عليكم" ليست مجرد كلمات، بل هي فلسفة حياة تؤثر في بناء علاقاتنا وطبيعة خطابنا، ويظل التحدي هو الإبقاء على تمثُّل جيد عن نفسك وعن محيطك حتى في حالات التعرض للظلم. لكن الإنسان كثيرًا ما يلتبس عليه الأمر، حيث طوَّرت البشرية آليات من الذكاء الاجتماعي تتضمَّن آليات معقَّدة من تشفير الخطاب وفكّ شيفراته التواصلية، وهذا يربك الناس خلال اختيار استراتيجياتهم التواصلية، حيث يقع تداخل بين مستويات الحوافز المختلفة.

تأرجح استراتيجيات التواصل بين المنطق الداخلي والخارجي

إذا استرجعنا المثال المذكور في التقديم حول الوديعة التي حافظ عليها البنك، نجد في هذه الصورة أن النظام المصرفي يكسب مصداقية كبيرة في الحفاظ على حقوق المودعين؛ نظرًا لاعتماده نظامًا ردعيًّا صارمًا، لكنه لا يستطيع أن يستجيب لحاجة التعاطف مع ذلك الطفل الصغير الذي فَقَد معيله ولم يعُد قادرًا على أداء مصاريف الدراسة، فذلك خارج نطاق أهدافه. وفي هذه الصورة نحن أمام "تعامل خارجي" ليس هدفه الأساسي الإكرام بل الربح التجاري، لكن البنك نفسه قد يقدِّم هدية للعملاء، وهي معاملة تتضمَّن إكرامًا، لكنها في حقيقتها تابعة لمنطق تسويقي بهدف الحفاظ على عدد العملاء أو زيادته، وهو مختلف عن الهدية التي تُقدَّم بين الزوجين -مثلًا- والتي تكون نابعة من "تعامل داخلي"، الأصل فيه المودة والرحمة، تلبيةً لحاجة التعاطف.

والخبرة في الحياة تتشكَّل من خلال "مسلسل التعلُّم" الذي يتلقاه الإنسان خلال تجاربه الحياتية، والذي يؤهله لبناء علاقة منسجمة، ويمكن التمييز بين ثلاثة مستويات على غرار التقسيم السابق وَفْقَ هرم ماسلو.

 وكذلك الأمر في المجال السياسي، فرغم أن منطق التعامل هنا "خارجي"، فإننا نشهد مظاهر إكرام، حيث دأب الملوك منذ قديم الزمن على تقديم الهدايا كرسالة سلام بين الشعوب، بل قد يلجأ الملوك إلى المصاهرة من أجل الحصول على سلام دائم، وهنا يحدث تصادم بين منطقين مختلفين: "المنطق الأسري " القائم على المحبة، و"المنطق السياسي" القائم على المصالح. وعبر التاريخ هناك مَن نجح في التوفيق بين المنطقَيْن، فعاشت الأميرة مع الأمير في حبٍّ ووئام، وهناك مَن غلب منطق المصلحة فخرق السلام الأسري وتحوَّلت حياة العائلة الحاكمة إلى تعاسة وإحساس بالأَسْر بدل الإكرام.

ومن جهة ثانية، فإن الأصل في العلاقة "الداخلية" أن يكون القصد فيها تعاطفًا، ويتجسَّد ذلك بين الأقارب في شكل تزاور وتعاون وغيرها، لكن منطوق الخطاب بين الأقارب قد يتسم بالحدَّة لكسب الوقت، حيث إن مسلسل الإقناع يحتاج إلى وقت لبناء الحجة، فيلجأ الناس عادةً مع ذويهم إلى الشدَّة للحصول على نتائج سريعة. لهذا نجد قليل الخبرة في الحياة قد يلتبس عليه الأمر، فيتذمر من كثرة انتقاد أقربائه له، كما قد ينبهر بلينِ الكلام من التجار أو السياسيين وغيرهم، وهكذا قد يخطئ من حيثُ التموقع في العلاقة، فتحدث اصطدامات بين أفراد العائلة الواحدة. والخبرة في الحياة تتشكَّل من خلال "مسلسل التعلُّم" الذي يتلقاه الإنسان خلال تجاربه الحياتية، والذي يؤهله لبناء علاقة منسجمة، ويمكن التمييز بين ثلاثة مستويات على غرار التقسيم السابق وَفْقَ هرم ماسلو.

بناء العلاقة وفق مستوى الحافز

إذا اعتبرنا عنصر "الثقة" مثلًا، وهو عنصر أساسي في بناء العلاقات الإنسانية واستمرارها في شتَّى الميادين، فإن استراتيجيات تحقيقه تختلف حسب الوسط الذي تنشأ فيه العلاقة وما تعلَّمه الإنسان خلال مسيرة حياته. ولتبيان هذا الاختلاف نذكر مثالًا متطرفًا من عصابات المافيا، حيث تلجأ إلى التصفية الجسدية كعقاب لكل من يخرق عنصر الثقة، ومن ثَمَّ يتعلم الإنسان الذي يعيش في هذا الوسط كيف ينتج "الثقة" تبعًا لاستراتيجية قائمة على وازعٍ بدائيٍّ قويٍّ متجذرٍ في البنية الذهنية للإنسان، وهو "الخوف" الذي يجتمع فيه الإنسان مع الحيوان.

وفي مستوى أعلى، يندرج مسلسل التعلُّم هذا في مجال بناء الثقة في السوق التجاري مثلًا على حافز أعلى، وهو تقدير الآخرين والحرص على السُّمعة داخل السوق. وهنا يتعلَّم الإنسان أن إخلاله بعنصر الثقة لن يعرضه للقتل، بل قد يعرضه لخسارة زبنائه وتجارته ومورد رزقه. وفي هذه الحالة نلاحظ أمرين: أن الإنسان يحتاج إلى وعي أكبر ليتفاعل مع الحافز حتى يكسب التجار، وأن التجار في هذه الحالة يتحملون خطرًا قد ينتج عن إمكانية إخلالهم بالثقة، مقارنةً مع المثال الأول لعصابة المافيا التي لا تتحمَّل أي إمكانية لخرق الثقة. فالاستراتيجية الأولى كانت قائمة على وازع الخوف كليًّا، أما في هذه الحالة فالاستراتيجية في موقف وسط بين الخوف والسلم، وهي مرتبطة بمستوى وعي الطرف الآخر.

وإذا ازداد رقي العلاقة، ارتفع مستوى الحافز حسب هرم ماسلو، إلى أن نجد مثلًا شخصًا صالحًا في منصب حساس لا يُقدم على خرق ثقة الشعب وينفق وقته في تغليب مصلحة المواطنين ولو على مصلحة نفسه -رغم أنه لن يتعرض للعقوبة فليس أحد مؤهلًا للاطلاع على نيته- لكن احترامه لنفسه يجعله يحافظ على عنصر الثقة، فالحافز هنا مرتبط بتقدير الذات.

وحين يصل مسلسل التعلُّم بالإنسان إلى مرحلة النضج يتشكَّل لديه وعيٌ بأن علاقاته لا تنطلق من الصفر، أي "لا له ولا عليه"، بل يبدأ حياته وهو مَدين لوالديه أولًا ثم لكثير من الناس الذين لهم الفضل عليه من خلال إسهامهم في تربيته. ويتجلَّى هذا الأثر النفسي في سلوك الإنسان عبر استعداده لتخصيص جزء من إنفاقه لتلبية حاجيات هؤلاء الذين لهم حقٌّ عليه. وهنا تتشكَّل تركيبة نفسية-اجتماعية معقَّدة تحدِّد نظامًا للضمان الاجتماعي استطاع أن يؤدي دورًا وظيفيًّا في كثير من المجتمعات (حتى الجاهلية كما شأن العاقلة في دفع دية المقتول خطأ وكفالة الآباء والأمهات الذين تقدَّم بهم العمر وغير ذلك). وتُعَدُّ قدرة الشعوب على تفعيل هذا الضمان الاجتماعي مؤشرًا على تماسكها.

ولمَّا كانت حياتنا في هذه الدنيا رحلةً من الحالة الطينية الحيوانية إلى الحالة الإنسانية الموعودة بالجنة: {وتحيتهم فيها سلام}، شُرع الصيام ليشكِّل تدريبًا للنفس البشرية على تذوُّق حلاوة الحاجات العليا، فتزداد رغبته بها عبر التحرُّر من العادة التي تأسره من خلال تلبية الحاجات الدنيا، وهكذا يزداد الإنسان تحررًا من وطأتها. وبهذا فإن التحوُّل الاجتماعي القائم على الوعي (لا على القهر) يقتضي تعاونًا بين أفراد المجتمع على التذكير بتحديات الحياة الحقيقية التي ترمي إلى رقي الإنسان وتخلّصه من وطأة الحوافز الدنيا، وهذا أحد معاني الدعوة إلى الله. ومعلوم أن الواقعية تقتضي ألا نسعى إلى إلغاء الحاجات الدنيا، بل إلى ترشيدها، سواء تعلَّق الأمر بالحاجات المادية مثل الأكل والشرب والجنس، أو بالحاجات الأساسية غير المادية.

فإن وعي الناس بحاجتهم ليتعارفوا وتأطير هذا التعارف بأعراف تشجِّع التنافس على التقوى وعدم الاعتداء يُعَدُّ مدخلًا إلى إعادة التوازن في مجتمعنا الدولي والإسهام في بناء حضاري أكثر تراحمًا بين الناس.

أَثَر إفشاء السلام في بناء العلاقات الإنسانية

نخلص إلى أن رقي الإنسان مرتبطٌ بتخليه عن آليات التواصل المبنية على استراتيجيات الخوف، واعتماده على آليات تواصلٍ مبنية على استراتيجيات السلم. كما أن البنيان الحضاري الحالي -رغم توحشه- قابل لأن يتشرب الرحمة بين البشر من مدخل السلام. فرغم أنه مبنيٌّ على صناعة الحروب وتدمير العقول بالمخدرات وعدم توقير حرمة الإنسان، سواء في ماله بتفشي الربا والتلاعب بالعملات والمبادلات الفاسدة أو عرضه بتفشي تجارة الجنس والتغرير بالشباب، وكل ذلك منافٍ لروح السلام بين البشر، فإن وعي الناس بحاجتهم ليتعارفوا وتأطير هذا التعارف بأعراف تشجِّع التنافس على التقوى وعدم الاعتداء يُعَدُّ مدخلًا إلى إعادة التوازن في مجتمعنا الدولي والإسهام في بناء حضاري أكثر تراحمًا بين الناس.

وكم أعجب لأناس يسعون لإصلاح أحوال المجتمع وتجدهم يدعون إلى التجديد عبر الطعن في العلماء الأقدمين وكأنهم لا يعلمون أن هذه الحالة، أي { كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا}، إنما هي صفة أهل النار والعياذ بالله. وأن الله عز وجل أرشدنا إلى بناء علاقة على أساس السلم الاجتماعي وتقدير الآخر عبر العرفان بالجميل، حيث مدح علاقة الخلف بسلفهم المفلحين: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}.

وأتساءل: ألَّا يدرك هؤلاء أنهم عبر خطاب التسفيه هذا يُسهمون في ترسيخ هذا البناء الحضاري المتوحش؟ إنهم كمن يصبُّ الزيت على النار. وأعتبر أن الوعي بأهمية إفشاء السلام في أي حركة إصلاحية أمر أساسي في نجاحها، كما أشيد بكل حركة سياسية تعرضت للظلم والتنكيل ولم تجنح للعنف وأصرت على الخط السلمي، فذلك ناتج عن فقه للواقع.

غير أن عملية إفشاء السلام هذه ليست بالأمر الهيّن؛ نظرًا لتداخل التفاعلات الإنسانية، فالصورة المثالية التي نتصورها بأن إرسال رسائل سلمية ستحدث أثرًا إيجابيًّا في بنية الآخر الذهنية، مما يدفعه عبر "المحاكاة" إلى الرد بالمثل، وهذه الصورة البسيطة قد تلاحظ مثلًا في تصرف إنسان غريب عن مدينة وقعت في حرج ثم وجد من بين أهل المدينة من ساعده على حل مشكلة، عند ذلك ينشأ لدى هذا الغريب رغبة كبيرة في رد الجميل واستعداد للإنفاق. غير أن العلاقة بين الطرفين في هذه الصورة بسيطة جدًّا، فهما لا يعرف بعضهما بعضًا، فكلاهما ينطلق من حالة الصفر، أي "لا له ولا عليه"، وفي نهاية المعاملة صار الغريب مدينًا والشخص الذي أكرمه دائنًا. أما في الحياة الواقعية، ونظرًا لتراكم العديد من التفاعلات الإنسانية، فإن العلاقات تكون أكثر تعقيدًا يصعب تحديد ما له وما عليه، ويختلف تقدير ذلك بشكل كبير بين الأطراف.

ومن أجل تقريب هذه الصورة، سأقدِّم مثالين من وسطين مختلفين: الأول في مجال العلاقة العائلية التي في أصلها مبنيَّة على المحبة لكنها قد تهتزُّ وتتغيَّر نظرًا لفقدان توازن العلاقة. والمثال الثاني يتعلَّق بمجال التنظيمات الأهلية، وهو أقرب إلى المنطق التجاري القائم على المصلحة الشخصية، ورغم ذلك فإن احترام أفراد الجماعة واحترام حاجاتهم يُسهم في بناء حركة اقتصادية تسودها المودة والرحمة.

تطبيق في قصة ابني آدم

تعالوا بنا نطبق هذه المفاهيم أعلاه لمحاولة تفسير أول جريمة قتل في البشرية، حيث قتل أحد ابني آدم أخاه. فالعلاقة بينهما هي علاقة أخوة، والأصل فيها التعاون. لكن تقديم القربان الذي تُقبّل من أحدهما ولم يُتقبّل من الآخر حفز رغبة التنافس لديهما، فصار كلٌّ منهما يريد أن يحظى بمكانة (إما عند الله أو في المجتمع)، وأفضت النتيجة إلى أن أحدهما أفضل مكانةً من الآخر، وهذه الصورة سيشهدها بنو آدم في جميع الأزمنة وفي جميع مناحي الحياة التي تشهد تفاوتات بين الناس في جميع أنواع الرزق (الصحة والمال والجمال والعقل والوجاهة وغيرها). فالرغبة في التنافس تدفع الإنسان إلى محاولة السيطرة التي قد تفضي إلى إلغاء الآخر عبر قمعه أو سجنه أو نفيه أو حتى قتله. وفي المقابل، فإن الوعي بالاختلاف وبضرورة العيش المشترك مع المخالف وإفشاء السلام يُسهم في توجيه رغبة التنافس إلى مجالات أخرى مثل اكتساب صفة الإكرام أو التسامح أو غيرها.

إلا أننا في صورة ابني آدم لم تفِ رسالة السلام بهذا الغرض، فرغم أن المقتول قال: {لئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}، وهي رسالة إيجابية، فإن النتيجة كانت سيئة.

وذلك لأن الإنسان لا يقف عند منطوق الخطاب، بل يؤوله تلقائيًّا بحثًا عن القصد المضمر وراءه، وهذه الآية الكريمة تبيِّن القصد المضمر للمقتول الذي لا ينبني على رغبة التعاطف، بل يُذكي مَلَكَة التنافس ويوجِّهها نحو إلغاء الآخر، وذلك ظاهر في قوله: {إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ}، وهذه رسالة تتنافى مع رسالة السلام اللازم لبناء وحدة أسرية قائمة على المودة والرحمة وحب الخير للآخر. فكانت النتيجة أن تموقع الأخ الذي اهتزت صورته الاجتماعية (وهو ابن نبيّ) بعدم تقبّل قربانه، ثم اهتزت صورته عن نفسه كمنبوذ من الجماعة (لأن أخاه لا يرغب في نجاته من النار ويريده أن يكون من الظالمين)، وهكذا صار تمثُّله عن نفسه سلبيًّا. وصارت النتيجة لهذه الحالة النفسية الاجتماعية أن: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ، فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.

ورغم أنه أصبح من الخاسرين، لم يفقد قدرته على التفاعل مع الرسائل الإيجابية الداعمة لوحدة الجماعة والإحسان للآخر ولو بعد وفاته، فبعد أن رأى غرابًا يواري جسد غراب آخر استجاب لرسالة التعاطف هذه التي أرسلها الغراب، ليتحوَّل من صنف "الخاسرين" إلى صنف "النادمين": {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ}.

وهنا لفظة "أعجزت" تحيل إلى تحفيز رغبة التنافس، لكن هنا جرى توجيهها إلى الإكرام؛ لأن الرسالة جاءت من الغراب وكان تمثُّل ابن آدم عنه إيجابيًّا (لأنه جزء من هذا الوجود). 

ومن هذه القصة نستخلص أن الرسائل السلبية التي تهدم السلام العائلي تكون سببًا في تموقع أحد الإخوة في مقام العدو. لكن في المقابل، سنرى في قصة لاحقة أن احترام حاجات أفراد الجماعة تكون داعمة لنجاح تنظيمات معقَّدة.

تفكُّر في نجاح المخازن الجماعية

ذكرنا سابقًا أن الواقعية تقتضي ألَّا نسعى إلى إلغاء الحاجات الدنيا، بل إلى ترشيدها. وهذه الواقعية تشكِّل سببًا في نجاح التنظيمات القائمة كليًّا أو جزئيًّا على مدى وعي الأفراد وتعاونهم. ومن الصور الناجحة التي يُستفاد منها في هذا السياق المخازن الجماعية التي نشأت بالمغرب.

كلمة "إيغودار" أمازيغية تعني المخازن الجماعية. وقد لجأ سكان سوس بالمغرب في أوقات انعدام الأمن إلى هذه الطريقة ليؤمنوا غذاءهم ويسهروا على حراسته بشكل جماعي. وهي مبنية على شكل غرف متراصَّة تعرف كلُّ عائلة مكان تخزين مؤونتها.

لكن تخيَّل أنك تعيش وسط هؤلاء الناس ولديك مخزون من قمح ولوز تخبئه تحسبًا لعقيقة أحد إخوتك، ثم جاءك أخ آخر يسألك هذا المخزون لغرض معيَّن، كيف ستتصرف دون أن تجرح مشاعره أو تزرع البغضاء بين إخوتك؟ مثل هذه الصور واردة كثيرًا في الحياة الاجتماعية، ولهذا فإن المخازن في الصورة العادية تكون معزولة عن الأنظار، أما والحالة في مخازن جماعية تشترك فيها أكثر من أسرة في غرفة واحدة، فما هو الحل؟

لقد أسَّس أصحاب هذه المخازن عرفًا اجتماعيًّا يقضي بأن يتولَّى حارس واحد مفاتيح كل المخازن، وكل من يحتاج إلى شيء يرافقه الحارس إلى الغرفة ثم يفتح الباب ولا يجاوزه ويقف بالخارج ولا يحقُّ له الاطلاع على ما بداخل الغرفة، ثم يدخل صاحب الحاجة إلى الغرفة خافضًا رأسه حتى لا يرى إلا المكان المخصَّص له دون باقي أرجاء الغرفة ثم يأخذ حاجته. والتزم جميع أفراد القبيلة بهذا العرف الذي يعترف للإنسان بحاجته إلى الخصوصية ولو في مكان مشترك. فضمنت واقعية تسيير هذه المخازن استمرار العمل بها.

إن في هذا المثال العملي بيانًا عن أن نجاح تنظيمات اجتماعية قائمة على وحدة الجماعة يتم عبر احترام هامش الحرية للأفراد؛ لأن الإغراق في إشباع رغبة التعاون قد يعرّض الفرد إلى الانصهار في الجماعة عبر احترام أعرافها، مما يضيق مساحة الحرية الفردية.

وأمام تعقُّد العملية التواصلية تُقدّم قيمة "إفشاء السلام" كوصفة مساعدة على ارتقاء المجتمعات عبر ترسيخ نظرة جيدة عن أنفسنا وعن الوجود عامَّة، لينعكس ذلك على سلوكنا بعدم مقابلة الغشّ بغشّ مثله في البيوع، وعدم مقابلة العنف بعنف مثله في الحياة الاجتماعية.

الخلاصة

نحن نعيش في عالم مشترك، والوعي بهذه الحقيقة يجعل الناس يتصرفون وَفق هذا الوعي. ولقيمة "إفشاء السلام" (كفعل نفسي واجتماعي) أثر كبير في التحوُّل الذهني للإنسان وتموقعه من حيثُ علاقته بأخيه الإنسان. فإذا كان الإنسان منغمسًا في فكر الصراع من أجل إشباع الرغبات المادية، فإنه سيظل عرضةً للحوافز الدنيا التي تدخل البشرية في دائرة قانون الغاب. وكلما ارتقى وعي البشرية بالحوافز العليا مثل التقدير والإنجاز، صار الناس أكثر قابليةً للتعايش وإنجاز المشاريع التي تقوّي لحمة المجتمع.

وهذا الرقي المنشود هو نتاج مسلسل تعلُّم مستمر يستطيع من خلاله الإنسان أن يجد التوازن بين حوافزه الداخلية المتباينة وتفاعلاته الاجتماعية. وهنا يجب التنبيه على أن استراتيجيات الحصول على هذا التوازن تكون قائمةً إما على حافز الخوف أو السلم أو مزيجًا منهما. وكلما رجحت كفَّة الاستراتيجيات القائمة على الحوافز العليا، صار المجتمع أقدر على التعايش السلمي والوفاء بحاجيات جميع شرائح المجتمع.

غير أن قراءة الواقع تبيِّن أن مجتمعاتنا تعاني ارتباكًا في "التوازن العلاقاتي"؛ نظرًا لتعقُّد العلاقات بين البشر وتداخل منطلقات بناء العلاقة التي تتأرجح بين تلبية رغبة التنافس تارة ورغبة التعاطف تارة أخرى، وكذا تعقيد لغة الحوار عبر تفشّي عدم توافق المنطوق مع المقصود.

وأمام تعقُّد العملية التواصلية تُقدّم قيمة "إفشاء السلام" كوصفة مساعدة على ارتقاء المجتمعات عبر ترسيخ نظرة جيدة عن أنفسنا وعن الوجود عامَّة، لينعكس ذلك على سلوكنا بعدم مقابلة الغشّ بغشّ مثله في البيوع، وعدم مقابلة العنف بعنف مثله في الحياة الاجتماعية.

وقد يلتبس الأمر على البعض بلجوئهم للعنف لتحقيق التغيير، لكنهم لا يدركون أن العنف يردع فقط ولا ينتج الوازع الذاتي. بل إن التغيير الذي ينشأ نتيجة القهر يؤسِّس لتعايش الناس مع استراتيجيات الخوف التي ينشأ عنها قابلية الإنسان لتقمُّص أدوار متناقضة، فتراه -تحت وطأة الخوف- ملتزمًا بأعراف جميلة مثل كفالة اليتيم وإكرام الضيف، لكنه في المقابل -حين يتخلَّص من وطأة الخوف- تصدر عنه سلوكيات عنيفة من قبيل أكل أموال الناس بالباطل.

ويتخذ العنف أشكالًا عديدة قد تظهر في شكل تعاملات رضائية ويقبلها المجتمع كشكل من التعايش السلمي، لكنها تحمل في طياتها ضغطًا خفيًّا على الطرف الأضعف، فالبراعة في التفاوض التجاري ودفع العميل لاتخاذ قرارات خاطئة بفعل المهارة الكلامية أو إرغام الأبناء أو المستخدمين أو أحد مكونات المجتمع على قبول قرارات تحت غطاء وجوب الطاعة ومثلها من الممارسات تُسهم في زيادة حالة الإحباط داخل المجتمع الذي يصير شيئًا فشيئًا أكثر قابليةً لإفراز أعراف شكلية لا تؤدي دورها الوظيفي في تماسك المجتمع.

وفي المقابل، فإن أشكال التعامل السلمي التي تظهر في معاملات تحترم حاجات الأفراد النفسية وضمان هامش الحرية لهم في اتخاذ قراراتهم بمعزل عن الضغوطات، ترسِّخ داخل المجتمع ألفة ومودة ونصرة. 

المراجع
  1. إبراهيم عبد الله ناصر، علم الاجتماع التربوي، عمان: دار وائل للنشر، 2011م.
  2. امتثال زين الدين، النظريات الحديثة في التنشئة الاجتماعية والنفسية، بيروت: دار المنهل اللبناني، 2006م.
  3. أنتوني روبيرز، قدرات غير محدودة، الطبعة السابعة، المملكة العربية السعودية: مكتبة جرير، 2008م.
  4. جان بياجي، علم النفس وفن التربية، ترجمة: محمد بردوزي، المغرب: دار توبقال للنشر، 1986م.
  5. بوب سولو، تفعيل الرغبة في التعلم، بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2008م.
  6. ستيفن ر. كوفي، العادات السبع للأسر الأكثر فعالية، المملكة العربية السعودية: مكتبة جرير، 2007م.
  7. عبد الرحمن العيسوي، دراسات في علم النفس الاجتماعي، بيروت: دار النهضة العربية، 1974م.
  8. عبد الله الشاذلي، السلوك والدوافع والتلقي، القاهرة: دار الآفاق العربية، 2005م.
  9. عبد السلام التونجي، مؤسسة المسؤولية في الشريعة الإسلامية، ليبيا: سلسلة الفكر الإسلامي، منشورات جمعية الدعوة الإسلامية العالمية.
  10. عبد الحكيم السلماني بوعيون، "بيرحاء: مدخل لبناء نموذج تنموي إسلامي"، دراسة لنيل شهادة الإجازة من جامعة القرويين، 2002م.
  11. فؤاد البهي السيد وسعد عبد الرحمن، علم النفس الاجتماعي: رؤية معاصرة، القاهرة: دار الفكر العربي، 2006م.
  12. محمد فتحي فرح الزليتني، أساليب التنشئة الاجتماعية الأسرية ودوافع الإنجاز الدراسية، القاهرة: دار قباء للطباعة، 2007م.
  13. Gregory Bateson & Jurgen Ruesch " Communication & Société", collection «La Couleur des Idées», 2006.
  14. Jean claude martin, « Le guide du face à face », Ed.  Marabout, 2001.
  15. Jacques-Emile Bertrand, psychologie de la communication, théorie et pratique.
  16. Jaque Salomé, Relation d’aide et formation à l’entretien, Presses universitaire de Septentrion, 2003.