أسطورة المواطنة

مواطنون شارع

يرجع مصطلح الأسطورة - ببُعْده السامي - إلى بعض القصص القديمة، التي تنبئنا بشكلٍ مجازيٍّ عن حقيقة الكون المحيط بنا وكيف نحيا فيه. ومنذ عصور سحيقة، أخبرت أسطورة أوديبوس[1] - على سبيل المثال - حقائقَ مُربكةً عن علاقتنا بوصفنا بشرًا بكلٍّ من آبائنا وأمهاتنا. وبهذا المعنى، تصبح الأسطورة حاملةً للحقيقة، ولكن بشكلٍ مموّه. إلَّا أنَّ للأسطورة معنًى تهكميًّا أيضًا كما يشيع في أيامنا هذه. فهي تستعمل في السياق الحديث لترمز لأي شيءٍ وهميٍّ ومبالغٍ فيه. وبهذا المعنى الأخير، تصبح الأسطورة شيئًا موروثًا من الماضي القديم، ولكن مشكوك في صحَّته وحقيقته.

          ومن جانبها، يمكن اعتبار المواطنة أسطورةً بمعنييها السامي والتهكُّمي السابقي الذكر. ويلاحَظ أنَّ الفكر السياسي الغربي مسكونٌ - من جهة - بأمثولة المواطنة كما يعكسها أرسطو في كتابه «السياسة». وما يسكن هذا الفكر بالتحديد هي فكرة المجال العام، الذي يتجاوز المواطن من خلال المشاركة فيه ضيقَ المصالح الخاصَّة؛ إذ يصبح من خلال التداول مع باقي المواطنين "حيوانًا سياسيًّا" وَفق التعريف الأرسطي للإنسان. وتعني أسطورة المواطنة أنَّ الحياة السياسية هي الأداةُ التي يحقِّق الإنسان من خلالها الخيرَ الإنساني. بينما يقدِّم الفكر السياسي الغربي الحديث المواطنةَ بوصفها مصطلحًا وهميًّا وغير واقعيٍّ في إطار فهمها للإنسان وطبيعته السياسية، وهذا يظهر أساسًا عند كلٍّ من هوبز ولوك. إذ يُنظر للإنسان في هذا السياق بوصفه حزمةً من العواطف والمصالح التي يحقِّقها ويشبعها أساسًا من خلال علاقات السوق والعلاقات الاجتماعية الخاصَّة. ومن ثَمَّ يصبح المجال العام والسياسي شرًّا لا بدَّ منه؛ في إشارةٍ للترتيبات الإدارية الضرورية لحماية الحريات الخاصَّة وتنميتها. ونتيجةً لهاتين الصورتَيْن المتناقضتَيْن، يتشكَّل فهمنا للمواطنة بشقيها السامي والوهمي التهكُّمي؛ الجمهوري والليبرالي. وهذا كلُّه هو ما سأعالجه وأدرسه في هذه المقالة.


[1]  أوديبوس: هو أحد الملوك اليونانيين الأسطوريين، وتزعم الأسطورة أنه قتل أباه وتزوَّج أُمَّه بعد ذلك. (المترجم)