إسلامي علماني معًا: حوار بَدَأَهُ صديقي الأستاذ شِرْمَن (عبد الحكيم) جاكسن[1]

 

تاريخ المصطلح ودعوى جاكسن:

دعوتُ صديقي الأستاذ شِرْمَن جاكسن الأستاذ بجامعة جنوب كاليفورنيا مع جماعة من الأساتذة إلى جامعة كاليفورنيا بسانتا باربرا، في فبراير سنة 2016 لحوار حول المادة والمنهج الملائمَيْن لكتاب جامعي يحوي مقدمةً لدراسة الشريعة الإسلامية، يستعمله من يدرّس المادةَ لطلاب السنتين الثالثة والرابعة في الجامعات الأمريكية، والجامعات التي تكون الدراسة فيها بالإنجليزية.[2]

وكانت هذه هي المرة الأولى التي أَفْصَح لي فيها جاكسن عن نيته أن يكتب مقالًا يدعو فيه إلى التصالح مع “العلمانية”؛ لا بوصفها منهجًا فلسفيًّا ينافس الدين أو يصرُّ على أولوية الدنيا وقيامها بقبالة الدين، بل بوصفها (العلمانية) منطقة داخل الإسلام خارج الشريعة.

وعندما قابلت جاكسن بعد ذلك بثمانية أشهر في هرندن بفرجينيا في مؤتمر آخر، كان قد أعد مقالَه وألقاه على المشاركين؛ طالبًا النُّصحَ والتصحيح، فهاجمه البعض ووافقه البعض.

وحجة جاكسن هي أن لفظة العلماني (secular) بعد كتاب تشارلز تيلر “زمن العلمانية” (A Secular Age) – وربما قبله بكثير – أصبحت في الوقت نفسه وصفًا لزمان يعيش فيه الأوروبي وغير الأوروبي، وحكرًا على التجربة الأوروبية، يتحدد بها (بالتجربة الأوروبية) ما هو ديني وما هو علماني وما هو غادٍ رائحٌ بينهما، وأن الأكاديمي المشتغل بالإسلاميات يمكنه الإصرارُ على ما يفصل هذه الحدود؛ بناءً على الثقافة التي يدرسها، وهي عريقة في البحث في الطبيعيات والإنسانيات والسياسة والآداب والعلوم التي لا يقال لها شرعيات.

فلِمَ يبقى المشتغل بالإسلاميات مسلمًا كان أو غير مسلم – وهذا سؤال جاكسن – في موقع المتحيِّر الذي لا يقدر على الحوارِ في حدود التشريع في حضارة الإسلام؟ أو المتطرف الذي يرى الشرعَ ملمًّا بكل الموضوعات، مع أن هذا خطأ واضح؟

يقول جاكسن ويكرر “ليس لكل شيء في عالَم المسلم حكمٌ شرعي”، وعليه تكون هناك مساحةٌ يشغلها ما هو “علماني” يقع تحت طائلة الإسلام، أو إسلامي علماني معًا (بالإنجليزية Islamic secular).

نشرت دورية المعهد العالمي للفكر الإسلامي مقالَ جاكسن في ربيع سنة 2017م، (Volume 34, Spring 2017, Number 2)[3] مع ردود كتبها محمد فاضل، الأستاذ بكلية الحقوق بجامعة تورونتو، وحُمَيْرة اقتدار المحاضرة في العلوم السياسية بالكلية الملكية بلندن، وردود لجاكسن على ردَّيْهما.

وجاكسن يتفق معي، ولا شكَّ أن عصرنا العلماني هو محلُّ انتقاد شديد في كتاب تيلر الذي، كان يعجبه أن يبقى الدين فلسفيًّا (كاثوليكيًّا) عميقًا متحاورًا مع كل المعارف، لا شخصيًّا (بروتستانتيًّا) يجعل أمثالَ جورج واكر بُش قادةً باسم الدين، ويمكّن الرعاع في أمريكا وغيرها من الكلام في الدين والسياسة وكأنهم فلاسفة كبار.

لكن لجاكسن عمقٌ آخر أتركه جانبًا هنا، وهو جانب الفنون والعادات والمعاملات التي أسسها المسلمون الزنوج هنا، فصارت جزءًا من الإسلام في الولايات المتحدة، يتأثر به الجيل الجديد من المسلمين، ومنهم أولادي وأولاده وأولاد أصدقائنا.

أقول: إنني أترك هذا الأمرَ جانبًا لأهميته لنا نحن المسلمين في الولايات المتحدة لا لكونه فرعيًّا. ولعل حوارًا آخر يسمح بالغوص فيه.

فلْنَعُد إلى أصل المسألة: هناك “عُجْمةٌ” في هذا الحوار، وهو مع ذلك (بل لأجل ذلك) حوارٌ يملؤني – كما يملؤ غيري – بلذةٍ (فيها مذاق الانتصار)، جديدة على باحثي الدراسات الإسلامية.

أما العجمة فسببها أن المحافظةَ على الحوار تستلزم إبقاءَه في إطار اللغة الإنجليزية؛ لأن الترجمة (وهذه تبدأ بترجمة المصطلح الرئيس the Islamic secular) تجعل الحوارَ بالعربية صعبًا جدًّا جدًّا.

نحن نتكلم عن “اختطاف” مصطلح العلماني secular من مناطق تفرض على الباحث في الدراسات الإسلامية، أن يدرس الصراعَ والمنافسة بين ما هو عالماني أو إنساني أو حيوي حضاري، ثم الكلام كله ينبني على فرض مرور العالم (وليس أوروبا وحدها) بمراحل الإصلاح الديني (reformation) والنهضة، (وأساسها التصالح مع تاريخ الحضارة قبل الدين) والإيمان بإلهٍ لا يتدخل في العالم (deism)، ثم التنوير (enlightenment) والثورة الصناعية والعلمية ثم المعلوماتية، ثم يعود إلى طفور الدين على السطح السياسي في العالم (متعلقًا بما تسمح به تجربةُ الدين في السياسة والمجال العام في أوروبا وأمريكا الشمالية لتَفْرِضَه على العالم مرةً أخرى).

والإسلام – في هذه الحال – مأمورٌ بالدفاع عن تأخُّره عن هذه التطورات، بما أنه دينٌ يتدخل في الدنيا فيصيبها بالبطء أو الشلل، أو يبالغ في حب السياسة فيفسدها أكثرَ من أي دين آخر.

اختطاف المصطلح أو الاستيلاء عليه يمكّن الباحثَ من الكلام عن طبيعة حضارة الإسلام وما مرت به من تطوُّر، وما جرى للمدافعين عنها في العصور الأخيرة من ردةٍ إلى مواقف متطرفة، في ادعاء وقوف الأحكام الشرعية والدينية على رأس كل موقف، واختراقها لكل نَفَسٍ يتنفسه الحي.

لكن تبقى لغةُ الدرس هي اللغةَ التي تفهم معاني كلمة secular، لا كلمات أدب وطبيعيات وسياسة وإدارة، ولا حتى كلمة فنون بمعناها الحديث الذي يشمل المسارحَ والرسمَ والنحتَ، ولا الكلمة العربية الحديثة (المعَذَّبة) علماني.

هذا بشأن العجمة، وأما اللذة التي شعرت بها – كما شعر بها غيري من الحضور والقراء المتابعين للنقاش – فسببها أن باحثي الدراسات الإسلامية الذين يفكرون عادةً بالإنجليزية ومعها العربية أو الفارسية أو الأوردية أو التركية، رأوا فيها (في العجمة) والبعد عن المقابل العربي تركيزًا نافعًا على نطاق الحوار، وهو الأكاديمية الأمريكية.

وهذا النطاق هو نفسه النطاقُ الذي يحكمه منظّرون يدّعون الحيادَ والإلمامَ بالعالم واتخاذَ أركانه كلها في الاعتبار في بحثهم، وهم في الواقع متقوقعون محبوسون في تجربة سكان قارة أو قارتين، يتجاهلون حضارات متنوعة (ليست حضارة الإسلام إلا واحدة منها)، وهم مع قصورهم يتوقعون أنهم إذا قالوا هذا ديني وهذا علماني لزم الآخرين اتباعُهم.

ومع العجمة في التعبير شيء من الغرابة ستصيب القارىء العربي لهذا الكلام، فأنت إذا قلت: “إسلامي علماني”. انصرف ذهن المستمع إلى فرد أو إنسان، وترتبت على هذا حيرة كبيرة؛ فالناس إما إسلامي أو علماني، ولا يكون الواحد كليهما معًا.

الإسلامي شخص من أبناء الجماعات الإسلامية، والعلماني لا يكره شيئًا أو إنسانًا كما يكره أبناءَ الجماعات الإسلامية. أما الإسلامي العلماني فهو من المستحيلات مع العنقاء والخِلِّ الوفي، أو لعله جامعٌ لمتناقضاتٍ كمتناقضات الطوفي (المتوفى 716هـ/1316) الذي قيل فيه (و قيل، بل إنه قال في نفسه):

حنبلي رافضي ظاهري ****  أشعري إنها إحدى الكبر

لكن يزيل الغرابة أن تعرف أن الإسلامي العلماني عند جاكسن مادة للحوار لا إنسان، والإسلام هو الدين لا أصلُ السياسة ولا العملُ الدعوي، والعالَم في العَلْماني ليس منافسًا للدين ولا كارهًا له، بل هو جزءٌ من حياة المؤمنين بالدين والدارسين لهذا الدين وحضارته ولو كانوا من غير المسلمين.

شرعٌ وعَالَم:

هل جاكسن محقٌّ في دعواه أن الأكاديمي المسلم أو غير المسلم، المؤمن بأن من حق الثقافة الإسلامية أن ترفض التحاكمَ إلى مَنْ هو أكثرَ الوقت خصمُها، في مسائل مساحات الدين والعقائد والشرائع والحياة اليومية، يستفيد بأن يتمسك ببيان حدود المفاهيم داخلَ بحثه بما يناسب هذا البحث؟ وهل يتحقق هذا الغرض وهذه الاستفادة باستعمال مصطلح العلماني الإسلامي أو الإسلامي العلماني؟

دعت مجموعةٌ من طلاب الدكتوراه – بعضهم طلاب جاكسن وبعضهم طلاب لي- الأستاذَ جاكسن إلى سانتا باربرا، ومعه طلاب وأساتذة آخرون من جامعات أمريكية وغير أمريكية؛ ليتحاور الجميعُ مرةً أخرى في مغزى دعواه، ولنتأكد أننا جميعًا نفهم ما يقصده.

وعقد هذا المؤتمر يومي الجمعة والسبت 19-20 أكتوبر سنة 2018، وزاد الحوار وضوحًا كما زاد اتساعًا.[4]

يحب جاكسن أن يذكِّر محاوريه بأن الغزالي في مقدمة “المنقذ من الضلال” قرّع صديقَ الإسلام الجاهل الذي يرى العلوم مضادةً للدين؛ لظنه أن كل ما لم يأت الوحي به فهو ضلال. وكلام الغزالي هنا (وهذه من عندي لا من عند جاكسن) تقرير لما يبدو بدهيًّا، وتقريعه تقريعٌ لأحمق كأم غزوان الرقاشي التي ذكرها ابنُ قتيبة لإضحاك قارىء “عيون الأخبار” (في كلامه عن الحمق في الجزء الرابع في طبائع الإنسان)؛ لما حكَى – مُتنَدِّرًا – أنه كانت في أول الإسلام امرأة سمعت أن في القرآن خبرَ من سبق ونبأَ من سيأتي، فسألت من يقرؤه أن يبحث فيه عن شيء يدلُّها على بعير ضلَّ لأهلها في الجاهلية. (وإن كان ابن قتيبة ختم القصة بأن أشار أن ابن هذه المرأة لم يكهرها برًّا بها).

كنت أستمع إلى كلام جاكسن ومحاوريه ولا أتكلم إلا قليلًا؛ لأنني كنت عازمًا على الإلمام بجوانب المسألة وآراء المشاركين، حتى سألني طالبٌ عما إذا كان سكوتي رضًا أم سخطًا عن كلام جاكسن؟ فقلت له: إنني أرى عددًا من المصالح في استعمال المصطلح بصورته هذه (the Islamic secular)، في جمل إنجليزية، على ما فيه من قلقٍ؛ لأنه يحْرِم المعتادين على مقابلة ثقافة الإسلام وتاريخه، بكل ما هو متغير متطور؛ ليَسِموا الإسلام والمسلمين بما يطيب لهم وَسْمُه، ووسمهم به من صفات الجمود والعجز عن التغير… وما إلى ذلك من كلامٍ قديمٍ مملٍّ لم يختفِ كلُّ من يُحب تكراره للأسف. لكن الأمر هين.

أنا أتكلم مثلًا في فصولي الدراسية عن جوانب الشبه بين اختيارات الشيباني الفقهية في كتبه المعروفة (الخمسين والسبعة المعروفة بالأصل وبالمبسوط)، وبين آراء الفقهاء الرومان المنقولة في “الحاوي المختصر” (the Digest) الذي جُمع بأمر جَسْتِنْيَن (Justinian= الامبراطور الذي حكم بين 525-565 ميلادية ومستقلًّا عن عمه جستن منذ 527).

والكلام في هذا يتيح لي أن أبيِّنَ أن كلام الشيباني الذي لابد من تصنيفه على أنه شرعيٌّ هو أيضًا علماني، بمعنى تأثره بالعالم الذي عاش فيه الشيباني كما عاش فيه فقهاء “الحاوي” الروماني.

ومسألة الشبه بين القانون الروماني والفقه الإسلامي مسألةٌ كنت قد ضقت بها ذرعًا بعد أن قرأت (أيام امتحانات الدكتوراة) بحثَ باترشا كرونِه، التي بالغت فيه في ادعاء الشبه، بل بناء الشريعة الإسلامية على فقه الرومان وقوانين الولايات الشرقية تحت حكم الرومان بناءٌ على بحث قصير (طولِه خمسين صفحة بعد طرح المقدمة والخاتمة)، في مسألة الولاء (أي انتماء فرد لقبيلة ليس من أبناء من ينتمون لها بالنسب)، وبعض أحكام العبيد.[5]

وفي ذاكرتي وقتها تشكُّكُ الأستاذ نلينو (Nallino) في محاضرات له قديمة بشأن الشبه، وتشكُّكُ الأستاذ السنهوري فيه، بناء على الخلافات البنيوية بين نظرية العقد عند الرومان وعند الفقهاء المسلمين كما بين في محاضراته “في مصادر الالتزام”، وما كتبه الأستاذ صوفي أبو طالب في مقدمته للقانون اليوناني والروماني، وفيه أمثلة على الفروق بين فقه الرومان وفقه المسلمين في مفاهيم العقد والحِيَل وغيرها.

لكن قراءتي بعد هذا بسنين في تاريخ القانون الروماني ثم مصادره مباشرة (خاصة الحاوي ومقدمة جايُس[6]، وهو معلم من القرن الثاني الميلادي) المترجمة للإنجليزية، لم تدع مجالًا للشك عندي في أن “كرونه” مع تطرفها وإساءتها لم تُخطئ تمامًا، بل سألت السؤالَ الخطأ، ونظرت في المصادر العربية نظرًا جزئيًّا من غير تروٍّ.

لا شك عندي اليومَ في وجود شبه (وليس الشبه والتأثير شيئًا واحدًا) بين عمل الفقهاء المسلمين (خاصة في أحكام العبيد التفصيلية بما فيها العبد المأذون له بالتجارة نيابة عن سيده)[7]، ومقابله عند الرومان. التبرير الأساس للعبودية عند الفقهاء الرومان، كما هو عند المسلمين هو الحرب، وعرف الشعوب في تنظيم السلم بعد الحرب (jus gentium).

قَبِل الفقهاء الرومان فرضَ العبودية على من وقع في دَيْن لا يقدر على دفعِه أو حُكِـمَ عليه بالموت أو العمل في المناجم، (وهؤلاء يصيرون عبيدًا للدولة لا لأسرة). كما قبلوا في بعضِ مراحل الفقه الروماني بيعَ الأولاد ليصيروا عبيدًا. وهذا كله رفضه الفقهاء المسلمون.

لكنك تجد فقهاء الرومان يحررون أمَّ الولد بعد ولادتها ثلاثةَ أولاد لسيدها، (وهو ما أثار بحثًا طريفًا في حكم ما إذا ولدت ولدًا ثم ثلاثة في بطن واحدة)، وفي الفقه الإسلامي تُحَرَّر أمُّ الولد بعد ولادة ولدٍ واحد بعد موت سيدها.

وفي غير أحكام العبيد شبه يستحق البحث: فجايس (معلم القانون من القرن الثاني الميلادي) يفتتح الجزءَ الثاني من كتابه (المقدمة المختصرة في القانون– Institutes)، بتقسيم الحقوق إلى ما يتعلق بممتلكات خاصة: (شخصية كبيت ودابة)، وممتلكات تتعلق بما يسميه المواد الواقعة قانونًا وفقهًا تحت النطاق الإلهي (res divini juris)، وهذه تنقسم إلى:

أ) الديني  res regiolosae كالمدافن.

وب) المقدس أو المصون لحق العامة res sacrae، كبوابات المدينة، وعند الشافعي الحقوق حقوق لله وحقوق للعباد.

وفقهاء الرومان وفقهاء الإسلام يقسمون العقودَ إلى: عقود مسماة ذات شروط محددة كالبيع والإجارة، وأخرى غير مسماة تكفي فيها مبادىء التحري والصدق والعدالة العامة (nominate; innominate).

وعند فقهاء الإسلام يرد البيع بالغبن الفاحش الذي يقدر بزيادة تساوي ثلث المبيع عادةً، وعند الرومان يقدر الغبن الفاحش المبطل للمعاملة (laesio enormis) بالثلث أو النصف.[8]

وأحكامُ الفضالة عند الحنفية التي تبيح لجار مثلًا النيابةَ عن جاره في البيع، وحتى في تزويج بناته أو إخوته توسيعٌ وتطويرٌ لآراء للفقهاء: ألبِيَن: (وهو روماني سوري مات مقتولًا سنة 223 ميلادية)، وجايس، وغيرهما مما حفظه الفصلُ الخامس من الكتاب الثالث من “حاوي” جستنين، تحت اسم negotia gesta أو أحكام النيابة عن الغائب؛ (ولو أن الفضالة في حاوي جستنين مقصورةٌ على مسائل الأموال).[9]

لا يقلقني أن تكون الشريعة نفسها جزءًا من العالم، ولذلك لا يضايقني كلامُ الأستاذ جاكسن، ثم تبقى مسألة الرحلة الدائبة بين العربية واللغات الأخرى محركةً لأكثر النقاش في هذا الباب.

ثم أتت مورجَن ثُنارت (وهي طالبة بلجيكية تدرس الترفيه والحكايات عند المسلمين في أمريكا الشمالية وأوروبا، وتعد رسالتها بإشراف زميلة لي في جامعة كاليفورنيا) تبحث فيما إذا قال أحد الفقهاء المسلمين شيئًا واضحًا عن حرمة الكسب بالإضحاك، فدللتها على كلام ابن عابدين (كتاب الحظر والإباحة من حاشية ابن عابدين ج5 ص 272 ط الأميرية – وهو في هذا الجزء من الكتاب من جمع ابن عابدين الصغير، لكنه مبنيٌّ على مسودات أبيه). وفيه أن كسب صاحب المسخرة والحكواتي سُحتٌ (أي كسب حرام). فقالت مورجن: (وفي نغمة كلامها إحباطٌ).

إن “الإسلامي العلماني” الذي يدَّعي وجوده جاكسن إذًا هو نوع من المستحيل؛ لأن الشرع هنا (ابن عابدين) يحكم على ما يعتبره جاكسن من الإسلامي العلماني بلا شك وهو مجال الفنون والترفيه، (وجاكسن يعلم طبعًا أن هناك من الفقهاء من حرّم الموسيقى وما إليها).

قلت لمورجَن: جاكسن يعرف هذا الخلاف وهذه الحوارات ويرى أن للعَالَم أن يحاكم المتشرعين كما يحاكمون هم العالَم. الأكاديمي – عنده – يبحث هذا كله ويتفاعل معه بحرية؛ فقد يميل إلى هذا الرأي أو ذاك.

لكن يبقى عند جاكسن أن الفقيهَ الذي يريد أن “يتنفس في قفا الآخرين”[10] كما تجري العبارة – أي يحاكم أفعالهم كلها -1 مخطىءٌ متعدٍّ11.

ولأختم بالتنويه بمقالين قرأتهما للأستاذ عبد الرحمن حللي المحاضر بجامعة فرانكفرت: (الجدل حول العلمانية في السياق الإسلامي)، يشير في الأول منهما[11] سريعًا إلى تنبيه الفيلسوف الألماني المعاصر هابرماس إلى حلول ما قد يسمى عصر ما بعد العلمانية، وينقل تمييزَ خوسيه كازانوفا بين العلمانية المحايدة تجاه الدين والعلمانية التي لا تلتفت ولا تبالي بالدين، والـ”علمانوية” أو العلمانية المصرة على طرد الدين من محيط الحياة، ويذكّر (وما زلت مع تلخيص كلام حللي) في الثاني منهما[12] القراء بكلام الأستاذ المسيري في العلمانية خاصةً تنبيهه على الأسس المعرفية التي تنبني عليها العلمانية الكلية (التي هي مادية طبيعية فلسفيًّا لا تقبل إلا بعالم مصنوع من مادة واحدة material monism).

نعم الأستاذ حللي يفكر أكثرَ الوقت (في مجال مقاليه) في السياسيين والنشطين والفلسفة التي تخدم هؤلاء وهؤلاء، وأنا أبدأ بقاعات الدرس لا ساحات التشريع والبرلمانات في مصر وتونس وتركيا وغيرها من البلاد.

لكن بحثنا واحد، والظاهر لي أن منتَجنا أيضًا متشابه: وضوح المصطلحات هو جلّ أو أكثر ما نحتاجه للكلام في هذه المسائل، التي تبدو شائكة. وهي بعد البحث أرجو ألا تبدو شائكة كما كانت تبدو قبله.

 الهوامش ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  ملاحظة: قرأ الأستاذ جاكسن هذا المقال وطلب مني أن أذكر أنه يرى أن تصنيف مورجن ثنارت للفكاهة؛ على أنها جزء من النطاق الذي هو داخل دائرة الإسلام خارج عن فعل الفقيه المتشرع Islamic secular، صحيح وأن لابن عابدين الحق في تذكير المستفتي بتحريم القرآن السخرية من الآخرين، لكن ليس له أن يحكم على الفكاهة بحسن أو قبح من عند عقله، لأنه كغيره من الناس له ذوق ولهم ذوق في الفكاهة، وفي الفن لا يحكم هو عليهم ولا يحكمون هم عليه. ثم إن الأستاذ جاكسن لم يعلق على رأي ابن عابدين في تحريم الكسب بالإضحاك.

[2] حواراتنا مسجلة في سبع ساعات ونصف على تليفزيون جامعة كاليفورنيا:

[3]  نص كلام شرمن جاكسن ومحمد فاضل وحميرة اقتدار:

file:///C:/Users/Ahmad/Downloads/8-Article%20Text-13-1-10-20170530.pdf

[4] جدول المؤتمر:4

http://www.cmes.ucsb.edu/IS_Grad_Conference/2018/CFB%20UCSB-2.pdf

[5] Patricia Crone, Roman, Provincial, and Islamic Law: The Origins of the Islamic Patronate (Cambridge: Cambridge University Press, 1987).

https://www.amazon.com/Roman-Provincial-Islamic-Law-Civilization/dp/0521529492/ref=sr_1_1?s=books&ie=UTF8&qid=1540260024&sr=1-1&keywords=provincial+and+roman+law

[6] النطق الغالب جايُس لكن ذكر بعض أساتذةٌ القانون العارفين باللاتينية أن شعرًا قديمًا يشير إلى أن الاسم كان يُنطق جا=إي=أُس (ثلاثة مقاطع).

[7] بحوث الفقهاء التفصيلية لم تدرسها كرون على ما يبدو لي حتى غادرت عالمنا.

[8] يمكن الحصول على مذكراتي التي استعملها مع الطلاب في بعض فصول الدراسات العليا، وتتم فيها هذه المناقشات في ملف Exercises: https://www.researchgate.net/profile/Ahmad_Ahmad46

مصدري الأساس في هذه المرحلة من البحث هو حاوي جستنين ومقدمة جايس؛ لكن هذه إشارات إلى بعض مصادري التحليلية:

James Gordely, The Jurists: A Critical History (Oxford: Oxford University Press, 2013), pp. 20, 56. Tony Honore, Ulpian: Pioneer of Human Rights (Oxford: Oxford University Press, 2002); Wolfgang Kaiser, “Justinian and the Corpus Iuris Civilis,” in The Cambridge Companion to Roman History (Cambridge: Cambridge University Press, 2015), p. 121 (on the Codex Theodosianus); p. 122 (on law schools); John Richardson, “Roman Law in the Provinces,” also in the Cambridge Companion to Roman Law (Cambridge: Cambridge University Press, 2015), p. 45; Paul de Plessis, Studying Roman Law (London: Bloomsbury, 2007), p. 37. Older sources include: H F Jolowics, The Roman Foundation of Roman Law (Oxford: Oxford University Press, 1957).

[9] مع ألبين وجايس آراء بابينين وبامبانيُس وبول (القرن الثالث لا مؤسس المسيحية) وسكيفولا ولابيو وغيرهم  نشرة ألن واتسن لحاوي جستنين طبع :

https://www.amazon.com/Digest-Justinian-1-Alan-Watson/dp/0812220331/ref=sr_1_1?s=books&ie=UTF8&qid=1540307291&sr=1-1&keywords=digest+justinian&dpID=41I%252B-U8-YKL&preST=_SY291_BO1,204,203,200_QL40_&dpSrc=srch

[10] Breathing down one’s neck.

[11] مقالة حللي الأولى أنظر الرابط أسفله:

http://https://nohoudh-center.com/%D8%A7

[12] مقالة حللي الثانية أنظر الرابط أسفله:

http://https://nohoudh-center.com/%D8%A7%

image_print
الوسوم: , , ,
أستاذ بجامعة كاليفورنيا بسانتا باربارا. له بالإنجليزية خمسة كتب، ترجم منها إلى العربية: "فتور الشريعة" (ترجمة طلعت فاروق ومراجعة سعيد فارس حسن - عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر - سنة 2016). يشغل حاليًّا أكثر من منصب على مستوى جامعة كاليفورنيا؛ منها مدير مجلس شؤون الأساتذة والحرية الأكاديمية بجامعة كاليفورنيا (سانتا باربارا)، وعضو هيئتها التنفيذية (Executive Council)، واللجنة الإستراتيجية العامة (Chancellor’s Strategy Committee)، وعضو لجنتين إشرافيتين مركزيتين (على مستوى الجامعات العشر التابعة لرئاسة الجامعة بأوكلند): أحدها لشؤون الأساتذة، والأخرى للبرامج التعليمية عن بعد. كما شغل في الماضي: مركزَ نائبِ رئيسِ مركزِ جامعة كاليفورنيا في واشنطن، وأستاذِ كُرْسيِّ السلطانِ قابوس بكلية وليم وماري، وأستاذٍ زائرٍ بجامعة أوتريخت بهولندا. وعمل محكمًا لجوائز الهيئة الوطنية (الأمريكية) للعلوم الإنسانية (NEH)، ومستشارًا لمكاتب قانونية متعددة في قضايا مختلفة.

مواد ذات صلة

أضف تعليقك

avatar