كيف يقرأ الفيلسوف التاريخ؟

-1-

«ركامٌ من الحوادث غير المترابطة، أُلوف من رواياتٍ تَسرد معاركَ لم تحقِّق شيئًا. أيُّ فائدةٍ لسيدة فرنسيةٍ مثلي أن تعرفَ أن إكلي خلف هاكان في السويد، وأنَّ عثمان كان ابنَ أرطغرل؟»[1].

أتكونُ هذه الكلمات التي ألقَتْها المركيزة إيميلي دو شاتلي عَفوًا، أو ربَّما عن سابق درسٍ وتأمُّل، في حديثٍ إلى فولتير، هي الحافز الذي استفزَّه لتحقيقِ قراءةٍ جديدة للتاريخ غير ممتَثلةٍ لطرائقِ المؤرّخين، أي قراءة فلسفية لا قراءة سردية؟!

كيف يمكنُ أن نُرضي المركيزةَ إيميلي دو شاتلي؟

يبدو أنَّ جماعة المؤرخين يُثيرون اشمئزازَها بكيفيةِ إيرادهم للشُّخوص والأَحداث؛ ومِن ثمَّ فهي لن ترضَى بالمؤرّخ الذي يحرِصُ على تحقيقِ الأنسابِ ونثر الأحداثِ دونَ رابطٍ مُعَقْلن، وربما تُصابُ بالملل أيضًا إذا أخبرناها بجدَل المؤرّخين في تحقيقِ نسب أرطغرل: هل هو ابنُ سُليمان شاه التركماني بن قايا ألب بن بوغا الأحمر بن كوك ألب بن أوغوز ألب؛ أم هو ابنُ كوك ألب بن صارقوق ألب بن قايا ألب بن أوغوز ألب؟

لكن كيف يُمكن إيجادُ فلسفةِ التاريخِ بتجاهُل التاريخ؟

أيمكن تحصيل كليَّة التاريخ دون مادةٍ تاريخية، أي دونَ استحضارِ حوادثِه ووقائعه وأسماءِ شُخوصِه؟

يدرك الفيلسوفُ أنه لن يُرضي المركيزة دو شاتلي إلا إذا حذفَ من التاريخ تلك التفاصيلَ التافهة التي تشغَلُ المؤرّخين، وأبقَى على مهمّات الوقائع، أي ما يساعدُ على ضَبط ما يُعَقْلن جريانَ التاريخ ويربطُ بين حوادثه؛ ليمنَحها دلالةً كُلية.

أتكون رغبة الإرضاء هذه هي سببَ صكِّ مصطلح «فلسفة التاريخ» من قِبَل فولتير، وانطلاقه إلى إنجاز تاريخٍ فلسفيٍّ؟

ليس من الحَصافة أن نقول إنَّ ذلك الشعور الانطباعي الذي أبدَتْه المركيزة دو شاتلي هو الذي أسَّس لموقف فولتير؛ إنما يصح القول بأنه انطباعٌ صادفَ على نحوٍ مناغمٍ موقِفَه النقديَّ من المؤرّخين؛ إذْ كان يعيبُ عليهم افتقارَهم إلى عقلنة السرد، وتركيمَهم للمرويات دون تحقيق؛ حتى إنه صاغ في أول فقرة من «اعتبارات جديدة حول التاريخ» (1744م) مقولةً نَراها تُرهص بمآلِ الكتابة التاريخية عند هَيمنة الفلسفة الوضعية، حيث قال بِلُغة النُّبوءَة:

«ربما يحدث قريبًا في طريقة كتابة التاريخ ما حصَل في الفيزياء»[2]، مُتْبعًا تلك الفقرةَ بالسخرية من بعضِ الخرافات، والمرويات السَّاذجة التي تحفل بها كتُب التاريخ القديمة.

لكنَّ المسألةَ عند فولتير غيرُ محصورة في نقدِ خرافات المؤرخين وتفاصيل سرديَّاتهم، بل في تخطِّي نَهجِهم الجزئيِّ في النظَر إلى الظَّواهر التاريخية؛ ولذلك استجابَ للمركيزة دو شاتلي، وحرصَ على أن يكتُبَ لها  كتابًا جديدًا من حيثُ النهج[3]، عنونه بـ «بحث في الأخلاق وروح الأمم»[4]، وهو المتنُ الذي يرِدُ فيه لأوّل مرَّة في مقدِّمة كتابه ذلك المركَّبُ الإضافي الذي ابتدعَه (أي: فلسفة التاريخ)؛ حيث يشير إلى أن الحاجةَ صارتْ مُلحَّة إلى أن «يكتب الفلاسفة التاريخ»؛ لأن المُمتهنين للتَّأْرِيخِ منشغلون بالحدَث السِّياسيّ، مما يَجعل محصولَهم عاجزًا عن إعطاءِ صورةٍ متكامِلة عن اللحظة المؤرَّخ لها؛ لأنَّ هذه الصورة لن تتحصَّل بسَرد المعارك والحوادِث، بل بضبطِ رُوح العصر، المستخلَص من السِّياق الثقافيِّ الكلي.

-2-

لكن هل امتثل هو نفسُه لمنظوره المنهجيِّ هذا؟

بإمكاننا أن نختبرَ فولتير؛ لأنَّ من سُوء حظِّه أنَّه لم يبقَ في مستوى التَّنظير، بل مارس فعل الأجرأة؛ فكتبَ عددًا من التَّواريخ[5]. ومن أشهَر نماذجِ ممارستِه تلك كتابُه «قرن لويس الرابع عشر»[6] (1751م). فهل حقَّق في هذا المتن – الذي يُقاربَ حجمُه ألفَ صفحةٍ – تاريخًا على الطَّريقة الفلسفيةِ التي نظَّر لها؟

لا نحتاجُ إلى التنبيهِ إلى أنَّ عنوانَ الكتاب موسومٌ باسم شخصيّةٍ سياسيّة، كما أن أكثرَ فصولِه موسومٌ بعناوين أحداثٍ سياسية، وصحيحٌ أننا نجدُ في بعض الفِقرات حِرْصَ فولتير على تمييز طريقتِه في التأريخ عن طرائقِ المؤرّخين.

ومثال ذلك: قولُه في أول سَطر من الفَصل الأول، محدِّدًا الغرضَ من كتابه بأنه لا يهدفُ إلى «عرضِ أعمال رجل واحِد (لويس الرابع عشر)، ولكنْ يهدفُ إلى عَرض فكرِ رجالِ القرنِ الأكثَر استنارةً من بين جَميع القرون»[7].

 وهذا هو المائزُ الذي حرصَ فولتير على تسجيلِه من قبلُ، في رِسالتِه إلى صديقه رجل الدين (دوبوس Abbé Dubos)، المؤرَّخة بـ 30 أكتوبر 1738م، حيث كتَب:

«لقد جمعتُ بعضَ الأدوات منذ زمنٍ؛ من أجلِ كتابة تاريخِ قرن لويس الرابع عشر، ليس بقصدِ عرض حياةِ هذا الأمير، ولكن مِن أجْلِ كتابة تاريخ الفِكر الإنسانيّ في قرن هو الأكثر عَظمةً. هذا الكتاب مقسَّم إلى فصولٍ، عشرون منها مخصَّصٌ للتاريخ العامّ تقريبًا؛ عُشرون لوحةً تعرض لكُبريات أحداثِ ذلك الزمَن. وقد وضعتُ الشخصياتِ الكبرى في مقدمة المشهَد، والعامَّةَ في الخَلفية، وتجاهُلت التفاصيل؛ لأنها كالطفيليّات تقتُل الأعمالَ الكبرى. والذي أريد أن أكتُب عنه اليومَ هو: ما يميِّز القَرن، وما سببُ الثَّورات، وما هو المهمُّ في هذه السنوات المئة»[8].

ولكن هل هذه مجرّدُ عبارات إنشائيّة، أم تعبير عن ماصَدَقٍ محقّق على مستوى التطبيق[9]؟

إنَّ اللعنةَ التي تلحق في العادَة نُظَّارَ المناهج، أي اقتدارهم على توصيفِ قواعد المنهج وقصورهم عن تطبيقِه، نراها تلحقُ فولتير أيضًا. وآية ذلك أن مِن بين الفصول التسعة والثلاثين، المكوّنة لكتابِه هذا (قرن لويس الرابع عشر)، نلاحظ تسعةَ فصولٍ([10]) فقط هي التي عَنْونها بوُسوماتٍ دالَّةٍ على الجانب الفكري.

بل أكثرُ من ذلك: أنَّا لا نرى بمُطالعتنا للكتاب أنه خالٍ مما عابَه فولتير على المؤرِّخين، أي انشغالِهم بالتفاصيل التَّافهة، وما سماه في رسالتِه إلى دوبوس بـ «الطفيليات التي تقتل الأعمال الكبرى!»؛ إذْ نرى كتابَه هذا مُثقلًا بها إلى حدِّ التُّخمة.

فلنَنْظر كم مِن حادثٍ طفيليٍّ، جمَعَه فولتيرُ في أربعةِ أسطرٍ فقَط:

«كان جيوم مُلاحَقًا بقواتٍ متحفِّزة، وهو الذي استطاعَ أن يقلِب الفرسانَ الذين واجَههم، لكنه سقط مِن فوق حصانِه في آخر الأمر أيضًا، غير أنَّه استمرَّ في المعركة. ودخل لوكسومبرغ مرَّتين شاهرًا سيفَه بيدِه إلى قرية نيرفند. وكان دوق فيلوروا هو أول من قفَز إلى مواقعِ تحصُّن الأعداء. استُوليَ على القريةِ مرتين اثنتين»[11].

ألا تبدو مغايرةُ طرائقِ المؤرخين سهلةً على مستوى التوصيف النَّظري للبديل، بينما تصعُب أجرأَتُه وتطبيقُه في ممارسة التأريخِ فعليًّا؟

مهما كانت المفارقةُ الفاصلةُ بين التنظير المنهجيّ وتطبيقِه؛ فإنَّ ميزة فولتير، أو لنَقُل: إن فلسفيَّةَ نظرتِه لا تكمُن فقط في دعوتِه إلى عَقْلنة السَّرد التاريخي، بل في دعوته إلى لَمِّ ذلك السَّرد في صيغةٍ كلية؛ حيث كان واضحًا في مناداتِه بوجوب إمساك كليَّة الزمَن التاريخي لقيامِ التأريخِ الفلسفي. وهي الكلية التي رأَى إمكانَ تحديدِها من خلال ضَبْط النسَق الثقافي، وخاصةً في مستواه القِيميّ الأَخلاقي[12].

تمكَّن فولتير من أن يُبلور وضوحًا نظريًّا يسمحُ بالمُمايزة بين نظرةِ المؤرخ وتأمُّل الفيلسوف؛ بتوكيده المتكرّر على أن المؤرخين يَفتقرون إلى القُدرة على عَقْلنة سَردهم، وصياغةِ نظرة كليَّة تَلُمُّ شتاتَ الحوادث ومنثورَ الوقائع، إلى درجةِ سكِّه لمصطلح «فلسفة التاريخ» سدًّا للنَّقص السَّائد في كيفية قراءة صَيرورة الزمَن البشري.

وبذلك أدرك فولتير أن ثمةَ نقصًا ثقافيًّا لا بدَّ من الاستجابة له بغير طريقة النظر التاريخية؛ لأنَّ اهتمام المؤرخ مُنصبٌّ على سَرد الوقائع وضبطِها وفقَ مؤشِّرين فيزيائيين اثنين؛ هما: الزمان والمكان اللذان يرِدَان في المتن التاريخيِّ بصيغٍ جزئية؛ بينما يجب إجراءُ النظر الفلسفي لفَهم مَسارِ تلك الوقائع بوَضْعِها في سياق كلّي.

-3-

ثمةَ إذن فرضيةٌ تقوم عليها فلسفةُ التاريخ، هي «أن التاريخ الإنساني ليس مجردَ جمعٍ من الأحداث المتجاورة (قرارات، ومغامرات فردية، وأفكار، ومصالح، ومؤسسات)، بل هو في لَحظته وتعاقُبه كلٌّ واحد متحركٌ نحو حالة مُثلى، تُضفي معنًى على هذا الكل»[13].

صحيحٌ أنَّ المؤرخ لا يُغَيِّبُ لَحاظ المعنى من منهجيَّته، لكنَّه يتناولُ المعنى في سياق جزئيٍّ؛ ولذا تجدُه مستغرقًا في بحث الوقائعِ الجزئية، واستخلاصِ مسبِّباتِها؛ ولكن الفيلسوف بنُزوعه الكلّيّ ينشغل بالحرَكة العامة للاجتماعِ الإنساني، ولا يهتمُّ بالحوادث الجزئيّة، إلا بمقدارِ ما هي مِطْوَاعَةٌ للتوظيف؛ لتوكيدِ الخُلاصة الكلية التي يظنُّ أنها تلتَمع على مَسرح التاريخ وأُفُقِ حركتِه.

وإذا كان المؤرِّخ يتعاملُ مع المكان والزمان بوصفِهما معطَيَيْن فيزيائيَّين؛ حيث يتناول المكان بوصفه جغرافيا سياسيةً واقتصاديةً، والزمان بوصفِه ماضيًا؛ فإنَّ الفيلسوف[14] لا يشتغلُ بتوصيفِ تضاريسِ المكان، بل بحركةِ الأفكار والأفعال الدالَّة التي تجرِي فيه.

 ولا يحصر نظرَه في الزمان الماضي ولا في الزمَن الحاضر كما يفعلُ المؤرخ، بل يزعم إمكانَ التنبؤ بالغاية القَصدية التي تسكُن المُستقبل، كمقصدٍ يتَّجه التاريخ بصيرورتِه نحوَها.

بتعبير آخر: إنَّ ثمة فارقًا في عدَد الأزمنة التي يتفاعل معها كلٌّ من المؤرخ والفيلسوف، فإذا كان المؤرِّخ يشتغل بالماضي أساسًا، ثم بالحاضر إذا كان مُبتغاه التأريخ للحدَث الراهن؛ فإن الفيلسوف لا يقتصرُ على الماضي والحاضر، بل يجمعُهما بالبُعْد الزمني الثالث (المستقبل) بوصفِه غايةً ومقصدًا لحركة التاريخ. 

وحتى إذا نظَر المؤرخ إلى مآلِ الحدث؛ فإنَّ رؤيته تختلف عن رؤية الفيلسوف إلى المستقبل؛ إذ لا يقتصر على الغَد المنظور، ولا إلى المآلِ القريب للحدَث، بل إلى مُنتهى التاريخ وغايتِه.

إن الفيلسوفَ إذن لا يَعتني بالأحداث الجزئيّة، بل يرومُ الإمساك بالدلالِة الكليَّة لمسار الحركة التاريخية؛ لاعتقاده بأن ثمةَ معنًى يُحايثُ تلك الحركة، وهدفًا ترنُو إليه.

وهكذا فالنقد الفلسفيُّ موجَّه إلى الكيفية المنهجية التي يشتَغل بها المؤرخ، التي تتمثَّل في محدودية ربطِه بين الحوادِث، والدلالةِ الحسيرة التي تنتُج عن ذلك الرَّبط.

ويزعم الفيلسوفُ أنه أقدر على تمديدِ الربط؛ ليَلُمَّ شساعَة الوجودِ الإنسانيّ في الزمان، مما يثمر دلالةً فلسفيَّة كليَّةً.


الهوامش: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  Quited by Paul Sakmann,The Problems of Historical Method  and of Philosophy of History in Voltaire [1906],History and Theory, Vol. 11, Beiheft 11: Enlightenment Historiography: Three German Studies (1971), p. 24..

[2]  Voltaire, Nouvelles considérations sur l’histoire,1744.

[3] يشير فولتير إلى أنَّه صنف كتابَه «بحثٌ في الأخلاقِ وروحِ الأُمم» استجابةً للمركيزة دو شاتلي. وبالنظر إلى مآلِ الكتاب، فإننا نُلاحظ أنَّ فولتير قد أجرى عليه بعضَ التعديلات لاحقًا، بل إنه يتألَّف – من حيث البنية – من قسمَيْن اثنين كُتبا في مرحلتَيْن مختلفتَين، حسَب تقدير «نشرةِ كيهل Kehl» التي كانت أولَ نشرةٍ للأعمال الكاملة لفولتير؛ حيث أُشيرَ إلى أن القسمَ الأول كُتب في مرحلةٍ متأخرة، وأنَّه لم يكن مكتوبًا خصِّيصًا للمركيزة. وعلى أية حالٍ، فإنَّنا نرى أن محتوى القِسمين معًا يشغلُهما الهاجس المنهجي ذاتُه، أي تقديمُ رؤية كليَّة للتاريخ ممتثلة لناظمٍ جامِع.

[4]  Voltaire, Essai sur les moeurs et l’esprit des nations (1756)

[5] كتب فولتير في مجال التأريخ: «قرن لويس الرابع عشر»، و«تاريخ شارل الثاني عشر»، و«تاريخ إمبراطورية روسيا تحت حكم ببير الكبير».

[6] يُترجم في الكتابات العربية بـ «عصر لويس الرابع عشر»، وهي لا شكَّ ترجمةٌ سائغة؛ لكنَّنا مع ذلك آثرنا أن نحتفَظ بالترجمة الحرفيةِ للفظ (siècle)، أي بتَرجمتِه إلى «قرن»؛ لأنَّ فولتير كثيرًا مَّا كَرَّر لفظ «قرن/قرون» كمؤشِّرٍ زمنيٍّ لحالةٍ ثقافية.

[7] Voltaire, Le Siècle de Louis XIV, Charpentier. 1752, p. 1.

[8] ترجمنا هذه الفقرة من رسالتِه إلى دوبوس، المنشورةِ في المجلد الخامس والثلاثين من مؤلفاتِه الكاملة:

Voltaire, œuvres completes, vol 35, Correspondance tome 3,Garnier, Paris 1880,p30.

[9] الذي يعنينا هنا هو: إبرازُ المفارقة الفاصِلة بين التنظير المنهجي والتطبيق، ولن نهتمَّ ببيان مُفارقاتٍ كثيرة أخرى، أهمُّها: أن مديح فولتير للويس الرابع عشر يُناقض تمامَ المناقضة كلَّ سيرته الفلسفيةِ الداعية إلى التسامحِ واستنكارِ الاستبداد.

ودليلُ ذلك أنه لم يتناولْ بأدنى نقدٍ اضطهادَ لويس للجانسينيين والهوجونوت، ولا انسياقَه إلى تثبيتِ سلطةٍ مطلقة؛ بل نثَر – على نقيضِ ذلك – فقراتٍ عديدةً في تسويغ استبداده، بل كان التسويغ في غايةِ الضعف كقوله: «إن استبداد لويس الرابع عشر هو استعمالٌ صارمٌ لسُلطته المَشروعة. أتحدَّى أن يعطيني أحدٌ ما نموذجًا لملكيةٍ فوق الأرض، كانتْ فيها القوانين والعدالة التوزيعية والحقوق الانسانية أقلَّ دوسًا بالأقدام؛ [مما وقع] في الخمسين سنةً التي حكَم فيها لويسُ الرابع عشر».

Voltaire, OEuvres complètes, éd. L. Moland, t. XV, pp 114-115.

[10] نرى الفصولَ المقاربةَ لفكرِ زمن لويس الرابع عشر تقعُ من حيثُ التموضعُ في نهاية الكتابِ، بعد الفصل التاسع والعشرين المخصَّص للجانب المالي. أما ما سبَق (أي بدءًا من الفَصْل الأول حتى الفصلِ التاسعِ والعشرين) فجميعُها فصولٌ موسومة بعناوينَ لأحداثٍ سياسية؛ باستثناء أربعةِ فصولٍ (من الفصل الخامس عشر حتى الفصلِ الثامن والعشرين) التي خصَّصها لسرد نوادرَ وحكايات، وباستثناء فصلين اثنين (التاسع والعشرين، والثلاثين) خصَّصَهما للجانبِ الإداريّ والقانونيّ والماليّ.

[11]  Voltaire, Le Siècle de Louis XIV, Charpentier. 1752,pp504-505.

ليست هذه الفِقرة التي ترجمناها من كتابِه إلا مثالًا من بين مئاتٍ، تدلُّ على أن الكتابَ ذاته مُثقَل بكمٍّ هائلٍ من الشواهد المماثلة لما التَقَطْناه. لكنه يبدو أنه قد استشعرَ هذا الاختِلال؛ فاعتذر في الفصلَيْن السادسِ والعشرين والثامن والعشرين بعُذرٍ مفادُه: أن قيمةَ هذا العصر تبهرُ إلى درجةٍ جعلتِ استطلاعَ تفاصيلِه رغبةً لا تُقاوَم.

[12] حتى لا يَلتبس معنى الأخلاقيّ هنا، لا بدَّ من القول بأنَّ فولتير يميّز بين الأخلاقِ الشخصيّةِ للفرد والنسَق الأخلاقيّ العام؛ حيث يرى أنَّ القراءة الفلسفيةَ للتاريخ لا تعتَني بالأخلاقِ الشخصية لفردٍ ما، بل بالأخلاقِ العامة السَّائدة في الزمَن المُؤَرَّخِ له.

[13]  Merleau-Ponty,Humanisme et Terreur , Gallimard, Paris, 1947. pp165-166.

[14] لا ينبغي أن ننسى أن ثمةَ فلسفاتٍ ذات نزوعٍ مادي، بل حتى جغرافي، في قراءة تاريخ الأفكار، حيث تنزعُ إلى إيجادِ وصلات بين طبائع الأفكار وتضاريسِ الأمكنة التي تبَلْورت فيها.

image_print
الوسوم: , , ,
باحث وكاتب مغربي حاصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة، من كلية الآداب، جامعة محمد الخامس بالرباط. ويعمل حاليا أستاذا للتعليم العالي في المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين/ طنجة، له مجموعة كثيرة من المقالات والدراسات منشورة في مجلات وصحف محلية ودولية. صدر له مجموعة من الكتب من بينها: كتاب "مشكلة الثقافة". كتاب "قضايا في الفكر الإسلامي المعاصر". كتاب "مقاربات ورؤى في الفن" كتاب "نقد الفكر الفلسفي من جزأين.

مواد ذات صلة