الأبعاد الأخلاقية للدرس المقاصدي المعاصر: طه عبد الرحمن أنموذجًا

دراسات - الأبعاد الأخلاقية للدرس المقاصدي المعاصر

مقدمة

لا يختلف اثنان في معاينة تضخُّم الإنتاج المقاصدي في الآونة الأخيرة، خاصةً منذ أن أعلن أحمد الريسوني عن "الصحوة المقاصدية". ولا تخطئ المعاينة أيضًا الشُّعَب المتفرقة التي سلكتها الدراسات المقاصدية المعاصرة تنظيرًا وتطبيقًا. إلا أن إحدى الشُّعَب باتت تسترعي اهتمام الباحثين، ونعني بذلك "المشروع المقاصدي" المتنامي للبروفيسور طه عبد الرحمن، فعلى فترات متباعدة من الزمن وضع إسهاماتٍ مقاصدية جريئة، اكتملت معالمها في كتابه الأخير "التأسيس الائتماني لعلم المقاصد"، وهو مشروع لا ينفكُّ عن مشروعه الفلسفي، بل هو قائم على أُسسه، سائر في ركائبه، دافع لنسقه نحو النمو. ولمَّا كانت ائتمانية طه أخلاقيةً في أصولها ومقاصدها، اخترنا أن ندرس الأبعاد المقاصدية لدرسه المقاصدي باعتباره درسًا معاصرًا، ونحاول وسع الجهد أن نقلِّب النظر فيه من زوايا مختلفة علَّنا نرصد تطوراته الإبستيمولوجية حتى وصوله اللحظة الأخيرة ونستجلي قيمته الإضافية في مشروع طه الفلسفي من ناحية، وفي الفكر المقاصدي المعاصر من ناحية أخرى.

وتتجه اختياراتنا المنهجية في هذه الدراسة نحو عرض الأبعاد الأخلاقية للدرس المقاصدي عند طه مصحوبًا بتقييمه في إطار مشروعه الفلسفي وفي إطار الدراسات المقاصدية المعاصرة. وهذا يعني أن إشكالية الدراسة قائمةٌ على التساؤل عن ملامح أخلاقية الدرس المقاصدي المعاصر ومستوياتها، وعن قيمتها المنهجية والمعرفية. وللإحاطة بهذه الفرضيات والإشكاليات، رأينا بناء هذه الدراسة على ثلاثة محاور: خصَّصنا الأول منها لتبيّن المداخل الفلسفية لأخلاقية الدرس المقاصدي المعاصر عند طه، وخصَّصنا الثاني للوقوف على التأسيس الأخلاقي للدرس المقاصدي المعاصر، ومحَّضنا الثالث لاستجلاء قيمة التأسيس الائتماني لعلم المقاصد.

1- المداخل الفلسفية لأخلاقية الدرس المقاصدي المعاصر

تأتي أهمية الوقوف على مداخل أخلاقية الدرس المقاصدي الفلسفية عند طه عبد الرحمن من الصبغة التكوينية المتنامية لمشروعه في المقاصد الشرعية، ذلك أن هذا المشروع -من ناحية أولى- لم يولد دفعة واحدة، فالمتابع لإنتاج طه المتعاقب يلحظ في مسار تطوره خطَّ النظر في المقاصد الشرعية متناميًا متطورًا، وأن هذا المشروع -من ناحية ثانية- لم يُجمع بين دفتي كتاب واحد إلا مؤخرًا في كتاب "التأسيس الائتماني لعلم المقاصد"، وهو وإن كان جامعًا شتات نظرية طه في المقاصد الشرعية ومنقحًا إياها، فإنه لا يلغي قيمة ذلك الشتات في بسط تطور النظرية الإبستيمولوجي من مشروع تجديد علمي لمبحث مقاصد الشريعة إلى تأسيس ائتماني لعلم المقاصد. ولا يعني هذا أن جمع مشروع طه الأخلاقي في المقاصد أمر يسير قريب من التناول العلمي، فالمهمة على قدرٍ من العسر يأتي من ضرورة التصدي لمداخل المشروع الفلسفية، التي لا يظفر بها الباحث جاهزةً في متنٍ من متون طه المتنوعة موضوعًا وغرضًا والكثيرة عددًا والمتشابكة منهجًا وتبويبًا.

ونعني بالمداخل الفلسفية فلسفة طه الخاصة في المقاصد الشرعية، التي نفترض أنها أخلاقية مشتقَّة من فلسفته الأخلاقية العامة التي تؤطر اهتماماته المعرفية المتنوعة. ولذا فإننا نقدِّر أن أخلاقية طه في درسه المقاصدي قائمةٌ أساسًا على رؤية فكرية ثلاثية، متداخلة عناصرها، متدرجة بنيتها، انطلاقًا من ائتمانية عامة، مرورًا بأخلاقية خاصة، وصولًا إلى عقلانية أخص.

الائتمانية: الإدراك الإنساني وأسماء الله الحسنى

فأما من زاوية الكيان فيرى طه أن "الوجود بالعالم الغيبي متقدم على الوجود بالعالم المرئي"، وذلك لأسبقية الروح بما هي أمر إلهي متحقق في العالم الغيبي على خلق الجسم المتحقق في العالم المرئي، ولتلقي الروح وهي ما تزال في عالمها الغيبي من خالقها أكثر من خطاب وشهادتها عن عيان بصفاته القدسية وتحملها الأمانة عن اختيار، ولفطرة الإنسان على الدين واحتفاظ فطرته بما هي ذاكرته الغيبية بجملة المعاني والقيم التي أَنِست بها روحه في العالم الغيبي[5].

إن رؤية طه الائتمانية هي القاعدة الأساسية التي يقوم عليها مجمل فكره الفلسفي وبالتبع خصوص فكره المقاصدي، وهي رؤية مركَّبة من تصوراته لأصلين فلسفيَّيْن رئيسين: "الإنسان" و"الله". أما الأصل الأول، أي الإنسان، فيُقِيم طه وجوده على إبطال مُسلَّمة القصور الإنساني التي تُنتج "الإنسان القاصر" أو "الإنسان الأفقي"، ومحورها "أن الإنسان يلزم العالم المرئي لا يعدوه إلى غيره، أو... أن حياة الإنسان مقصورة على العالم المرئي وحده"[1]. وبدلًا منها يدعو طه إلى الأخذ بالمسلَّمة التي تضادها والتي أطلق عليها اسم "مُسلَّمة تعدية الوجود الإنساني"، وهي المُسلَّمة التي تنتج "الإنسان المتعدي" أو "الإنسان العمودي" الذي يتسع وجوده لأكثر من عالم واحد، بحيث لا تكون حياته محصورةً في داخل العالم المرئي وحده، بل "ممتدَّة إلى خارجه مما لا نراه من العوالم"[2]، وتقتضي هذه المسلَّمة أن الإنسان، وقد ارتقت رتبته على رتبة الحيوان، لا بدَّ أن يرتبط "كيانه أو كينونته" بعالمين اثنين: عالم مرئي يتصل فيه جسمه بروحه، وعالم غيبي يتصل فيه بروحه وحدها[3].

ويضبط طه في أفق هذه المسلَّمة ملامح الإنسان في كلٍّ من هذين العالَمين، وهي ملامح قائمة على مبدأ السير في كلٍّ منهما لا مبدأ الإقامة، ويستعير ثنائية الإسراء والمعراج للتعبير بالإسراء عن "الانتقال على السطح" بما هو انتقال أفقي محدود، وبالمعراج عن "الانتقال في السلم" بما هو انتقال عمودي غير محدود[4]. ويخلص إلى أن الإنسان بين هذين العالَمين إنما هو بين إدراكين اثنين: الإدراك المُلْكي والإدراك الملكوتي، وأن مَلَكته الإدراكية ليست واحدة، وإنما مَلَكتان اثنتان تتعلق الأولى بعالم المُلْك وهي التي يسميها "المَلَكة الإدراكية المُلْكية" أو الإسرائية، وتتعلق الثانية بعالم الملكوت ويسميها "المَلَكة الإدراكية الملكوتية" أو المعراجية بحسب اصطلاحه. ويفترض أسبقيةَ تقدُّم الإدراك الملكوتي على الإدراك المُلكي كيانيًّا ومنطقيًّا. فأما من زاوية الكيان فيرى طه أن "الوجود بالعالم الغيبي متقدم على الوجود بالعالم المرئي"، وذلك لأسبقية الروح بما هي أمر إلهي متحقق في العالم الغيبي على خلق الجسم المتحقق في العالم المرئي، ولتلقي الروح وهي ما تزال في عالمها الغيبي من خالقها أكثر من خطاب وشهادتها عن عيان بصفاته القدسية وتحملها الأمانة عن اختيار، ولفطرة الإنسان على الدين واحتفاظ فطرته بما هي ذاكرته الغيبية بجملة المعاني والقيم التي أَنِست بها روحه في العالم الغيبي[5]. وأما من زاوية المنطق فيرى أن "معرفة العالم الغيبي متقدمة على معرفة العالم المرئي"، ويستدلُّ لذلك بتلقي الإنسان المعرفة الغيبية عن طريق العمل المؤيد، وبوصول المعرفة الغيبية إلى الإنسان منذ أول خلقته متضمنة الحقائق الرقيقة الخفية والأوامر الحكيمة بخلاف المعرفة المرئية التي وُكل أمرها إليه، وبأن أول ما يجب على الإنسان تحصيله معرفةُ الخالق في تنزُّهه وجلاله وكماله كي يؤسِّس عليها معرفته بما شرعه له من أوامر ونواهٍ[6].

وينتهي طه من إقرار ازدواجية إدراك الإنسان إلى استجلاء أشكال ارتباط الإدراك المُلْكي بالإدراك الملكوتي، وهو ارتباط ينتهي إلى تبعية تأخذ أشكالًا ثلاثة: تبعية المشروط للشرط، وتبعية الوسيلة للمقصد، وتبعية الفرع للأصل؛ ولكلٍّ منها معانيه وقِيمه، ويمكن اختزال أشكال هذا الارتباط فيما يلي[7]:

دراسات - الأبعاد الأخلاقية للدرس المقاصدي المعاصر1_0.png

وأما الأصل الثاني لائتمانية طه، فهو الله، وأسماؤه الحسنى تحديدًا، ويفترض أن "الأسماء الحسنى" -على وجه التعيين- هي مصدر "القيم الأخلاقية" التي تتحقق بفضلها "الصلاحات العملية"، وتأتي الفعالية الأخلاقية للأسماء الحسنى عنده من خصائص ثلاث أساسية: أن عددها لا نهاية له، وأن وحدتها لا انفكاك لها، وأن التخلُّق بها لا أسمى منه. فأما الخصيصة الأولى فمقتضاها أن تكون الكمالات الإلهية وتجلياتها بلا نهاية، وهذا ما يوجب لله من الأسماء الحسنى بقدر هذه الكمالات والتجليات، وعليه يرتب طه ثلاث نتائج تتعلق بأسماء الله الحسنى: "لا نهاية ألفاظها، ولا نهاية المعاني الموضوعة لها أصلًا، ولا نهاية المعاني التي تلزم من كل واحد واحد (كذا) من هذه المعاني الموضوعة حقيقية كانت أو مجازية"[8]. وأما الخصيصة الثانية فيؤسِّسها على اعتراضه على معيارين اثنين أنتج أخذُ المتقدمين بهما التفريقَ بين "أسماء الذات" و"أسماء الصفات" و"أسماء الأفعال"، وهما معيار الانفكاك بالنسبة إلى الفرق بين الذات والصفة ومعيار الرسوخ بالنسبة إلى الفرق بين الصفة والفعل، ويخلص طه من هذين الاعتراضين إلى أنه "لا ذات بغير صفة أو صفات تشهد لها بالاعتبار، ولا صفة بغير فعل أو أفعال تشهد لها بالاعتبار"[9]. وأما الخصيصة الثالثة فمدارها على أن علاقة الإنسان الخُلقية بالأسماء الحسنى ينبغي أن تكون علاقة ائتمان، أي علاقة تخلُّق بها، وهو ما يعني "التخلُّق بأخلاق الله" بما هو "التخلُّق بالقيم المأخوذة بالاستبصار من أسمائه الحسنى وبالاستدلال من أحكامه العليا"[10].

إن رؤية طه الفلسفية في هذا المستوى رؤيةٌ تستوعب كلًّا من عالم الملك وعالم الملكوت، وهي رؤية تضفي طبيعة حركية على الوجود الإنساني داخل كل منهما إسراءً ومعراجًا، وتحيط بذلك الوجود جسمًا وروحًا، وتعقد بين العالمين أصنافًا شتَّى من العلاقات، على أن هذا الوجود لا يكتسب ماهيته وحقيقته إلا من خلال استمداده القيم الملكوتية من أسماء الله الحسنى كي يتخلَّق الإنسان بأخلاق الله. ولهذه الرؤية تأثيرها المباشر في إنتاج الفقه الائتماني بما هو نظر في القيم الأخلاقية التي تتأسس عليها الأحكام الشرعية والتي تحدد صبغتها الائتمانية.

الأخلاقية وإنسانية الإنسان

تمثِّل إنسانية الإنسان أو ما به يكون الإنسان إنسانًا سؤالًا فلسفيًّا مركزيًّا في مختلف المدارس الفلسفية المتعاقبة. ولئن مثَّلت الأخلاق في بعضها مجرَّد أفعال محدودة من أفعال الإنسان لا تدخل في تحديد ماهيته وهويته، فإن طه يبطل هذا الاعتبار للأخلاق، مؤكدًا على اقتران أي فعلٍ من أفعال الإنسان بقيمة خلقية عليا تزيد إنسانيته أو بقيمة خلقية دنيا تنقص إنسانيته. ومن هنا يقرُّ طه بأن "الحد الفاصل بين الإنسان والبهيمة ليس هو -كما رسخ في الأذهان- قوة العقل، وإنما قوة الخُلق، فلا إنسان بغير خُلق"[11]، وهذا معنى إبطاله أن تكون العقلانية هي الحد الفاصل بين الإنسانية والبهيمية، وفي المقابل إثباته أن "الأخلاقية هي الأصل الذي تتفرع عليه كل صفات الإنسان من حيثُ هو كذلك"[12].

وجدير بالذكر في هذا المستوى أن الدين والأخلاق عند طه شيء واحد، فلا دين بغير أخلاق ولا أخلاق بغير دين، فهو يرفض مواقف الفلسفة الغربية الحديثة الثلاثة من الصلة بين الدين والأخلاق[13]، وهي: "تبعية الأخلاق للدين" التي قال بها القديس أوغسطين والقديس توماس الأكويني، و"تبعية الدين للأخلاق" المتفرعة على القول بمبدأ الإرادة الخيّرة للإنسان الذي أقام عليه إيمانويل كانط نظريته الأخلاقية، و"استقلال الأخلاق عن الدين" المنبثقة عن مبدأ "لا وجوب من الوجود" الذي اشتهر به دافيد هيوم. كما لا يقبل معهود مواقف فقهاء المسلمين وأصولييهم ومتكلميهم وفلاسفتهم من الصلة بين الدين والأخلاق؛ ذلك أنها مواقفُ آيلة -بحسب طه- إلى اعتبار الأصل في الدين حفظ الشعائر الظاهرة، وإلى اعتبار الأصل في الأخلاق حفظ الأفعال الكلامية[14]، وهذان اعتباران يبطلهما طه، فالدين عنده لا ينحصر في شعائر ظاهرة لا معاني خفيَّة تحتها، بل "إنه لا فائدة من وراء الإتيان بالشعيرة من دون تحصيل السلوك وفق المعنى الخفيّ الذي يكمُن فيها"، كما أن الأخلاق عنده "لا تنحصر في أفعال كمالية لا حرج في تركها، بل هي أفعال ضرورية تختلُّ حياة الإنسان بفقدها، وهي لا تنحصر في أفعال معدودة لا توسع معها، بل هي أفعال لا نهاية لها، وفيها يُدرَك اللامتناهي قبل أن يُدرك في سواها"[15].

إن رؤية طه للأخلاق باعتبارها إنسانية الإنسان رؤيةٌ مشتقةٌ من تصوره لطبيعة الوجود الإنساني كما مررنا به سابقًا، وصادرة عن تمثُّله عالم الملكوت ووحدة الأسماء الحسنى، وهي رؤية تقتضي بالضرورة أن تتطابق الأخلاق مع الدين حتى كأنها هو. ولئن بدت عناصر هذه الرؤية الأخلاقية على قدرٍ من التنافذ والتماسك، فإنها تؤسس في إطارها وبالتبع عقلانية مخصوصة هي العقلانية المؤيدة.

ويخلص طه من النظر في التصور الأرسطي للعقلانية إلى أنه تصور يخلُّ بمعيارَي الفاعلية والتكامل ويسيء استعمال معيار التقويم، ومن النظر في التصور الديكارتي إلى أنه قد أخلَّ بمعيار التكامل وإن وفى جزئيًّا بمعيارَي التقويم والفاعلية

العقلانية المؤيَّدة

يُعَدُّ هذا الأساس في فلسفة طه الأخلاقية البديلَ الذي يطرحه من نقده تصور العقلانية المجردة كما في التصورين الأرسطي والديكارتي، وينطلق طه في نقده من ضبط معايير تعريف العقلانية، وقد جعلها ثلاثة: "معيار الفاعلية" الذي يقول بتحقُّق الإنسان عن طريق الأفعال، و"معيار التقويم" الذي يقضب بأن تستند هذه الأفعال إلى قيم معينة، و"معيار التكامل" الذي يجعل هذه الأفعال الموجهة متضافرة فيما بينها ومكملًا بعضها لبعض[16]. ويخلص طه من النظر في التصور الأرسطي للعقلانية إلى أنه تصور يخلُّ بمعيارَي الفاعلية والتكامل ويسيء استعمال معيار التقويم، ومن النظر في التصور الديكارتي إلى أنه قد أخلَّ بمعيار التكامل وإن وفى جزئيًّا بمعيارَي التقويم والفاعلية، وحاصل هذه الرؤية النقدية أن العقلانية الغربية بشقيها الأرسطي والديكارتي عقلانية مجردة تخلو من اليقين من نفع المقاصد بما هي مقتضى معيار التقويم، ومن اليقين من نجوع الوسائل بما هي مقتضى معيار الفاعلية.

ويقترح طه للخروج من هذه العقلانية المجردة المعرَّضة للضرر من جهة المقاصد، وللقصور من جهة الوسائل، يقترح التوسُّلَ بالقيم العملية، وهنا نجد أنفسنا مع طه إزاء نوعين اثنين من العقلانية العملية[17]: الأول هو العقلانية المسدَّدة، ويعتبرها طه خاصية الفعل الإنساني الذي يقوم على طلب مقاصد نافعة، لكن بوسائل لا يقين في نجوعها، أي إنها عقلانية وفت بمعيار التقويم دون أن توفي بمعيار الفاعلية. ولذا يرى طه أن طالب التخلُّق بهذه العقلانية مُعرَّض لآفة التظاهر إذ يقع التفاوت بين ظاهر الفعل عنده وبين حقيقة القصد منه، ولآفة التقليد إذ يعمل بقول الغير دون تحصيل دليل عملي يثبت فائدة ذلك القول. والنوع الثاني هو العقلانية المؤيدة، وهي التي يدعو إليها طه، إذ يعتبرها خاصية الفعل الإنساني الذي يقوم في طلب تحقيق مقاصد نافعة بوسائل ناجعة، أي إنها عقلانية تستوفي شروط تحصيل النجوع في الوسائل التي خلت منها العقلانية المسددة، وهذه الشروط -بحسب طه- ثلاثة: أن يستقيم للمتخلق الجمع بين المقال والسلوك، وأن يتم له الجمع بين معرفة الموضوع الذي ينظر فيه ومعرفة الله، وأن يكون في تخلُّقه متسع للاستزادة الدائمة من غير الخروج إلى ما فيه احتمال الضرر، وهذه الشروط متى استوفاها المتخلق نتج عنها أثران اثنان يوضِّحهما طه في تلقي المتخلق خطاب الله وتحمُّله رؤية الله، مطالبًا بأن يراقب نفسه ويراقب الله في كل أفعاله.

جليٌّ من خلال عرض مداخل طه الفلسفية إلى أخلاقية درسه المقاصدي تماسكُ رؤيته الفلسفية وتنافذ عناصرها، واستيعابها العالَمين المرئي والغيبي، واستثمارها أدوات المنطق في إنتاج المعرفة الأخلاقية، وأن هذه الرؤية وهي تربط بين هذين العالمين إنما تربط بين روح الإنسان وجسمه، ثم بين الإنسان في تصوراته وأفعاله وبين الله في تجلياته وكمالاته، فتُنتج عقلانية أخلاقية لا تقصي شرطًا ولا تتطرف نحو آخر. ولعل هذه الرؤية الفلسفية إنما هي رؤية تقويضية تعويضية، ذلك أنها تقوض ما استقرَّ من التصورات الغربية للوجود الإنساني في العقل البشري، وتقترح بدلًا منه تصورًا يستدعي الأخلاق إلى المركز بعد أن جرى تهميشها فيما جاءت به الحداثة الغربية؛ ولذلك تُعَدُّ رؤية طه في هذا المستوى -بحقٍّ- نقدًا تشريحيًّا أخلاقيًّا عميقًا للحداثة الغربية.

2- التأسيس الأخلاقي للدرس المقاصدي المعاصر

جدير بالتذكير في صدر هذا العنصر أن مشروع طه في المقاصد الشرعية مشروع متطور ونامٍ في الزمان، ذلك أنه أخذ من عمر الرجل ما يقرب من ثلاثة عقود، وهي الفترة الزمانية الممتدة بين الطبعة الأولى لكتابه "تجديد المنهج في تقويم التراث" عام 1994م، علمًا أنه لم يكن جهدًا متمحضًا في بحث مسألة المقاصد الشرعية، وبين كتابه "التأسيس الائتماني لعلم المقاصد" الصادر مطلع العام الماضي، دون الغفلة عن مقاله المهم الذي وضعه تحت عنوان "مشروع تجديد علمي لمبحث مقاصد الشريعة" والذي صدر عن مجلة المسلم المعاصر في عددها 103 عام 2002م. والذي يعنينا من عرض هذه المحطات المهمة من تفكير طه المقاصدي هو الوقوف عند تعاطيه الإبستيمولوجي مع "مقاصد الشريعة"، فطه لم يكن ليطرق باب هذه المسألة ابتداءً، وإنما ردًّا على ما ذهب إليه محمد عابد الجابري في كتابه "بنية العقل العربي" من أن الشاطبي كان يروم من بناء الشريعة على القطع "إعادة صياغة أصولها بصورة تجعل منها علمًا برهانيًّا"، وأنه دشن في باب المقاصد "نقلة إبستيمولوجية هائلة في الفكر الأصولي البياني العربي، نقلة كانت جديرة حقًّا بأن تحقق المشروع الحزمي الرشدي: تأسيس البيان على البرهان"[18]، وهذه دعوى عارضها طه بدعوى تناقضها تمامًا مفادها أن فضل الشاطبي في مجال المقاصد الشرعية يكمُن في القيام بمقتضيات تداخل علم أصول الفقه بما هو معرفة بيانية بعلم الأخلاق بما هو معرفية عرفانية[19]. والملاحظ في هذا المستوى أن هاجس طه في الرد على دعوى الجابري هاجس منهجي أساسًا يتعلق ببنية المعرفة ونظمها في التراث العربي الإسلامي. وبالانتقال إلى المحطة الثانية، يلفت انتباهنا تعامل طه مع "مقاصد الشريعة" على أساس أنها مبحث علمي، وهذه هوية إبستيمولوجية للمقاصد تحتاج إلى تدقيق لا نظفر به في متن المقال الذي كان في مجمله مجموعة من الملاحظات والاعتراضات والردود التي لا تكفي وحدها لإنتاج نسق نظري واضح ومتين لتجديد "مقاصد الشريعة"، وبالانتقال إلى المحطة الثالثة تتضح هوية مقاصد الشريعة عند طه كما يتضح مشروعه فيها، إذ ينتقل بنا من حيثُ الهوية من "مبحث مقاصد الشريعة" إلى "علم المقاصد"، ومن حيثُ المشروع من "مشروع تجديد علمي" إلى "التأسيس الائتماني". فهوية المشروع والغرض منه -إذن- متطوران في فكر طه. وهذا ما يضع في طريقنا مهمة الوقوف على قيمة هذا التطور داخليًّا في فكر طه، وخارجيًّا في الفكر المقاصدي المعاصر عامة. ولهذا كله سنحاول تبيّن مشروع طه في "مقاصد الشريعة" من خلال ثلاث زوايا: منهجية وهيكلية وإثباتية.

تجديد المنهج

منهجية التأسيس

يحسن بنا ونحن نتصدى لمهمة الكشف عن منهجية طه في تأسيسه علم المقاصد أن نوضِّح كيف نفهم المنهج ابتداءً، ذلك أن المنهج يُعَدُّ من أعوص الإشكاليات التي تواجه الدراسات الإسلامية المعاصرة، فما أكثر الجهود الواعدة ببحث قضية المنهج وما أبعد المنجَز عن الوعد! وبالوقوف على مجمل الجهود التي صيغت في فهم المنهج وتقريبه[20]، نختار التعامل معه على أنه "العمليات العقلية الاستدلالية التي يصوغ بواسطتها الباحث المعرفة النظرية التي هي بطبيعة الحال المحصلة النهائية لبحثه"[21]. وبهذا الفهم نكون بالاطلاع على "التأسيس الائتماني لعلم المقاصد" إزاء المحصلة النهائية لبحث طه في مقاصد الشريعة، وهي معرفة نظرية مقاصدية، ونكون على بيِّنة من العمليات العقلية الاستدلالية التي تشكِّل منهجيته في البحث المقاصدي. على أننا لا نلغي فهم منهجية طه العامة في مشروعه القِرائي للتراث التي أجرى في إطارها منهجه في التأسيس المقاصدي بما هو عمليات عقلية استدلالية. ولذلك سنحاول في هذا المستوى استجلاء العمليات العقلية الاستدلالية الكبرى في تأسيسه المقاصدي في إطار تبيّن منهجية طه التكاملية في التنظير المقاصدي.

ينطلق نظر طه المقاصدي من مشروعه التجديدي المنهجي الذي أطلقه في كتابه "تجديد المنهج في تقويم التراث"، والذي أعلن فيه عن نظريته التكاملية في الاشتغال بالتراث العربي الإسلامي، ومنه التراث الأصولي، فأبطل بها ما يسميه "النظرة التجزيئية أو التفاضلية للتراث". ويشترط لنظرته التكاملية للتراث شروطًا ثلاثة: "الاستنباط" و"التقدُّم" و"المناسبة"، ويقيمها على أصول ثلاثة: "التداول" و"التداخل" و"التقريب"، ويجعل لكل أصلٍ من هذه الأصول الثلاثة ثلاثة أركان[22]. والذي يعنينا في هذا المستوى أنه أجرى هذه المنهجية في قراءته نشأة العلوم الإسلامية وتكوينها وتفاعلها ومنها علم أصول الفقه باعتباره أحد العناصر المتداخلة في صياغة علم المقاصد بحسب دعواه. وتقوم هذه المنهجية على عمادين اثنين: "التكامل التداخلي" و"التداخل الداخلي". ويقيم الدليل على هذه المنهجية بمقدمتين اثنتين، مفاد الأولى تنقُّل الآليات الإنتاجية في الممارسة التراثية من حقل فكري إلى آخر وتحوُّلها من بين مختلف حقول المعرفة وأصناف العلوم، ومضمون الثانية استحكام الآليات الإنتاجية في مضمون النص التراثي[23].

 

التأسيس الائتماني لعلم المقاصد

وبالاشتغال على مشروع الشاطبي يخلص إلى أن التداخل المعتبَر في علم الأصول هو الذي يتحقَّق بتأصُّل المعارف التي تخرج من نسبتها العلمية في هذا العلم مع ثبوت فائدتها للفقه بانبناء فروع فقهية عليها، ولمَّا بدا هذا التمييز المنهجي جليًّا في محاولة الشاطبي اعتبره طه قد تفطن تمام التفطُّن لمقتضيات "التكامل الداخلي". وللتدليل على "التداخل الداخلي" انطلق طه من أربعة عناصر اعتبرها "أركان" هذه الدعوى[24]:

أ- وجود علم مخصوص متداخل مع أصول الفقه.

ب- إفادة هذا العلم لجميع فروع الفقه.

ج- ثبوت نسبة شاملة بين هذا العلم وبين أصول الفقه.

د- كون هذا العلم أقرب إلى مجال التداول الإسلامي العربي باعتبار هذه الإفادة للفقه وتلك النسبة إلى علم الأصول.

أفضى تدليل طه على هذه الأركان إلى الإقرار بأن العلم المتداخل مع علم أصول الفقه هو علم الأخلاق. ولمَّا كان مفهوم الأخلاق بحاجة إلى مراجعة عنده، فإنه ينتهي إلى أن الأخلاق هي القيم الخلقية التي تقترن بها جميع أفعال الإنسان عينية كانت أو ذهنية. ولمَّا كانت "المصلحة" التي يتعلق بها النظر في علم المقاصد مرادفةً لمفهوم "الصلاح" عند طه وكان مدار علم المقاصد عنده الإجابة عن سؤال كيف يكون الإنسان صالحًا؟ أو كيف يأتي الإنسان عملًا صالحًا، فإن علم المقاصد عنده باختصار هو "علم الصلاح". ولمَّا كان الصلاح القيمةَ الخلقيةَ التي تندرج تحتها جميع القيم الخلقية الأخرى يكون هو عين الموضوع الذي اختصَّ علم الأخلاق بالبحث فيه، وبهذا يكون طه قد دلل على دعوى أن "علم المقاصد علمٌ أخلاقيٌّ موضوعه الصلاح الإنساني"[25].

تُصاغ المعرفة النظرية -مهما كان موضوعها- وفقًا لقواعد المنطق ومبادئه، ومقتضى هذه الصياغة هو استخدام طرق الاستدلال ومختلف العمليات المنطقية. وهذا الاستخدام جليٌّ في اجتهادات طه وهو الخبير المنطقي، ونتبيَّن ذلك في عمليتين عقليتين استدلاليتين لا تخطئهما عينُ الباحث، تتأسس عليهما منهجيته في النظر المقاصدي، وهاتان العمليتان هما: الاستدلال (Reasoning) والتركيب (Synthesis)، وهما عمليتان متداخلتان متنافذتان.

لقد كان خطُّ طه في البحث والتفكير الانطلاق من مجموعة دعاوى متفاوتة في العدد، أقلها واحدة كما في "دعوى التقويم التكاملي"[26] و"دعوى التداخل الداخلي"[27]، ويمكن أن تبلغ أربع دعاوى كما في "دعاوى تجديد علم المقاصد"[28]، ثم ينبري إثر التصريح بها في صدر أي مبحثٍ للاستدلال عليها منطقيًّا بمقدمتين تترتب عليهما نتيجة تثبها، وهذا دأبُ طه في تحريره أغلب المسائل وحضوره في مصنفاته أكثر من أن يُحصى. وما يلفت انتباهنا في هذا الاستدلال المنطقي "أخلقة" طه الأصول الشرعية في مسار استجلائه المكون الأخلاقي فيها، ويمكن أن نقول بشيء من الحذر إن دعاوى طه في تنظيره المقاصدي تنطلق آليات أصولية وتنتهي مضامين أخلاقية دون تجزئة أو فصل بينهما كما يؤكد ذلك بنفسه، ومقتضى هذا أنه "ما من فرع فقهي، سواء أكان في باب العبادات أم من قبيل المعاملات، إلا ويُبنى على علم الأخلاق، الذي يتداخل... مع علم الأصول تداخلًا داخليًّا"[29].

يمضي طه إلى بيان تهافت تقسيم المصالح وترتيبها المشهور عند الأصوليين، ليخلص إلى تأسيس الفطرة ائتمانيًّا على ميثاق الإشهاد تأسيسًا ائتمانيًّا يجمله طه في استحقاق الشريعة أن تُبنى على الفطرة انبناء الفطرة على ميثاق الإشهاد، فكمال "الشريعة" من كمال الفطرة، وكمال "الفطرة" من كمال "ميثاق الإشهاد"، وكمال "ميثاق الإشهاد" من كمال "الفاطر" سبحانه وتعالى[32].

إن إمعان النظر في دعوى "التداخل الداخلي" في أصول الفقه التي أطلقها طه على أسس مقاصد الشاطبي يفضي إلى أن هذه الدعوى ليست سوى تركيبٍ لما جزأه الجابري في دعواه المتعلقة بتأسيس الشاطبي البيان على البرهان، وهي الدعوى التي عارضها طه بدعوى أن الشاطبي في مجال المقاصد الشرعية قد قام بمقتضيات تداخل علم أصول الفقه بما هو معرفة بيانية بعلم الأخلاق بما هو معرفية عرفانية. فجهد طه في هذا المستوى هو تركيب المعرفتين في النسق المعرفي البرهاني بعد استخلاصهما بالآليات المنطقية الاستدلالية؛ ولذلك يصحُّ نسبة تلك الدعوى لطه باعتبارها جهده الاستدلالي الخاص وإن كانت أدلته في مشروع الشاطبي لا تقوم صريحةً، والذي نؤكد عليه في تركيب هذه الدعوى أن طه قد ركَّب التداخل الداخلي في أصول الفقه عند الشاطبي تركيبًا أخلاقيًّا دون أن يعني ذلك أنه أسقط مباحث علم الأخلاق كما تبلور في مراحله الأخيرة على مباحث علم أصول الفقه ومفرداته ومفاهيمه.

ومن أدلة الاستدلال المنطقي فيما وصلت إليه المعرفة النظرية المقاصدية عند طه في مصنَّفه الأخير دعوى "تأسيس الفطرة على ميثاق الإشهاد" التي ركَّبها تركيبًا عجيبًا من إبطال دعوى ابن عاشور تأسيس الشريعة على الفطرة بما هي عقل مجرد يؤول بحسب طه إلى "القول بانبناء الشريعة على العقل المجرد بالمعنى الفلسفي"[30]، ومن إبطال دعوى علال الفاسي تأسيس الشريعة على الفطرة الذي اتخذ "صورة التأسيس على عقل مسدَّد"[31]، وإن أقرَّ بتفوق الثاني على الأول. ومن هنا يمضي طه إلى بيان تهافت تقسيم المصالح وترتيبها المشهور عند الأصوليين، ليخلص إلى تأسيس الفطرة ائتمانيًّا على ميثاق الإشهاد تأسيسًا ائتمانيًّا يجمله طه في استحقاق الشريعة أن تُبنى على الفطرة انبناء الفطرة على ميثاق الإشهاد، فكمال "الشريعة" من كمال الفطرة، وكمال "الفطرة" من كمال "ميثاق الإشهاد"، وكمال "ميثاق الإشهاد" من كمال "الفاطر" سبحانه وتعالى[32]. والجليُّ من هذا التأسيس المنحى التركيبي الذي توخاه طه بين الشريعة في جانبها الأصولي الفقهي وبين الفطرة في أبعادها الأخلاقية التي تستمدها ميثاق الإشهاد.

وهكذا ننتهي إلى أن الطبيعة الأخلاقية في درس طه المقاصدي تبدأ في الظهور انطلاقًا من الأُسس المنهجية الكبرى التي قوَّم وفقها التراث الأصولي، وقد مكَّنه الاشتغال التكاملي التداخلي على أنموذج الشاطبي من استكشاف النواة الأخلاقية استدلالًا وتركيبًا، والتي ينطوي عليها ذلك الأنموذج وإنْ لم يصرح الشاطبي نفسه بالتفاصيل التي توصل إليها طه؛ ولذلك فإننا نقدِّر أن منهجية طه في النظر المقاصدي قد تطورت من جهد بنائي على أسس العرفان الإسلامي إلى تأسيس في إطار "البراديغم" الذي ما فتئ يبشر به ويكرسه حقيقةً فلسفيةً منذ حوالي ثلث قرن من الزمان.

هيكل التأسيس

لا نجانب الصواب إذا قلنا إن هيكل النظرية المقاصدية كما طرحه الشاطبي[33]، ثم طوَّره ابن عاشور لاحقًا[34]، لم يعرف في الفكر المقاصدي المعاصر مراجعة جذرية تحرِّك بنيانه، فالمحاولات التي ما فتئت تظهر بين الفينة والأخرى مدعية تجديدًا نظريًّا مقاصديًّا لا تقيم أدلة مُقنِعة على دعواها[35]؛ ذلك أنها لم تتجاوز مجرَّد التفكير في رحِم النظرية المقاصدية التراثية. إلا أن الوقوف على محاولة طه الأخيرة في تأسيسه الائتماني لعلم المقاصد يقف على جهد تأسيسي كبير يُضاهي في التماسك والبناء ما استقرَّ عليه علم المقاصد أصوليًّا. لقد يدخل طه في هذا المستوى في سجالات كثيرة مع المؤسس الأول الشاطبي والمؤسس الثاني ابن عاشور في مسائل تأسيسية مهمة تتعلق خاصة بالأسس الفلسفية ومناهج الإثبات. ولذلك تظهر جليًّا الخاصية الجذرية للتأسيس الائتماني عند طه، ودليل ذلك أن تأسيسه قد شمل تأسيس معاني القصد وتقسيم المصالح وترتيبها.

تأسيس معاني القصد

"لما كانت "الإرادة" مؤسسة على "ميثاق الاستئمان"، كان مصطلح "الإرادات" بموجب هذا التأسيس أدلَّ على المضامين الدلالية للشريعة من مصطلح "المقصودات"... ولمَّا كانت هذه الإرادات لا تُدرك حقائقها في ذاتها، وإنما تُدرك بالإضافة إلى فهم المكلَّف المؤتمَن عليها، كان مصطلح "مَفاهِم الشريعة" بموجب حدود الإدراك الإنساني أنسب من "مقاصد الشريعة" دلالةً على سَعة معاني الشريعة"[41].

ينطلق طه في هذا التأسيس من حسم جهة تأسيس الشريعة، باعتبار تعلُّق المصالح بالشريعة، فكي يكون تأسيسه متصفًا بالمشروعية لا بالشرعية جعله طه على قواعد الائتمانية لا الائتمارية، فالتأسيس الائتماني هو الذي يردُّ الشريعة عنده إلى علاقات بين نوعين من الذوات: "الذات الإلهية" و"الذات البشرية"، ويسميها طه "العلاقات الذواتية"؛ ولذلك يعني التأسيس الائتماني عنده الانتقال إلى مقام الفطرة حيث الميثاق الخطابي الأول، وهو ميثاق الإشهاد الذي ورث لذرية بني آدم الفطرة باعتبارها مجالًا شغالًا "تترابط فيه القيم فيما بينها، ويتفاعل بعضها مع بعض، ويتوالد بعضها من بعض بطرق مختلفة من غير انقطاع، أهمها: "المباينة" و"المماثلة" و"المفاضلة"[36].

وبعد تأسيسه الشريعة على الفطرة بناءً على تأسيسه الفطرة على ميثاق الإشهاد، يمرُّ طه إلى تأسيس الإرادة على ميثاق جديد، وهو "ميثاق الاستئمان"، والذي يعنينا في هذا المستوى إبطال طه فهم ابن عاشور للأمانة عندما ردَّ المعاني التي حُمِل عليها لفظ "الأمانة" إلى "العقل المجرد"، ليخلص من ميثاقية العرض واختيارية الأمانة إلى أن معنى "الأمانة" إنما هو "الإرادة"، فلا يخفى أن حدَّ الإرادة هو إجمالًا أنها القدرة على القبول أو الرد أو قُل القدرة على الإثبات أو النفي[37]. ولمَّا كان القصد عنده ينقسم إلى قسمين كبيرين: القصد اللغوي أو الدلالي الذي يشمل الإرادتين الإلهية والبشرية، والقصد الشعوري الذي تختصُّ به الإرادة البشرية[38]، اتجه طه نحو تبيّن العلاقة بين مفهومي "الإرادة و"القصد اللغوي"، وانطلق بالاعتراض على تقسيم الشاطبي الإرادة الإلهية إلى أمرية وخَلْقية، والتأكيد على أن الإرادة الإلهية إرادة واحدة هي "الإرادة الملكوتية"، ويخرج من هذا الاعتراض بأن مصطلح "الإرادة" قد أوفى بغرض التنسيق المنهجي المطلوب للشاطبي؛ ولذلك استبدل طه باسم "علم المقاصد" اسم "علم الإرادات"[39]، كما خلص من هذا الاعتراض السجالي إلى تنقيح ما أورده سابقًا في مشروع تجديده العلمي لمبحث مقاصد الشريعة فيما يتعلق بنظرية "المقصودات"[40]، وذلك أنه "لما كانت "الإرادة" مؤسسة على "ميثاق الاستئمان"، كان مصطلح "الإرادات" بموجب هذا التأسيس أدلَّ على المضامين الدلالية للشريعة من مصطلح "المقصودات"... ولمَّا كانت هذه الإرادات لا تُدرك حقائقها في ذاتها، وإنما تُدرك بالإضافة إلى فهم المكلَّف المؤتمَن عليها، كان مصطلح "مَفاهِم الشريعة" بموجب حدود الإدراك الإنساني أنسب من "مقاصد الشريعة" دلالةً على سَعة معاني الشريعة"[41]. ويمضي طه إلى بيان القسم الثاني من القصد، وهو القصد الشعوري الذي كان يعني في مشروعه التجديدي الذي سبقت الإشارة إليه "نظرية القصود"[42]، إلا أن اللافت للانتباه أن طه قد جعله أربعة أنواع: "الباعث" و"العزم" و"النيَّة" و"الإخلاص"، ثم قسمه قسمين: القصد الشعوري: الباعث والعزم[43]، والقصد الشعوري: النيَّة والإخلاص[44]. وبالمقارنة مع معانيه في "نظرية القصود" نلحظ شحن طه له في نسخته الأخيرة بطاقة أخلاقية جديدة متمثلة في زيادة معاني "الباعث" و"العزم" و"النيَّة" بعد أن كان متضمنًا معنيي "الإرادة" و"الإخلاص"، كما نلاحظ سحب المعنى "الإرادة" الذي ألحقه بمعنى "القصد اللغوي".

واضح إذن النزعة الائتمانية في تأسيس طه معاني "القصد"، إذ لم يكتفِ بالنزعة المعجمية الجامدة، بل لقد حرك الاشتقاق والدلالة نحو مسارات أخلاقية أفضت إلى منظومة ثريَّة من المعاني الأخلاقية من جهة، وإلى تطوير تصوراته السابقة للنظريات المقاصدية الثلاث: المقصودات والقصود والمقاصد، ويأتي هذا التطوير في نظرنا بعد إنضاج طه فلسفته الائتمانية.

التقسيم الائتماني  للكليات والقيم الأخلاقية

يسترعي الانتباه في هذا المستوى انصراف طه إلى الاشتباك مطولًا مع الشاطبي معترضًا عليه في مفهوم الاستقراء المعنوي وفي إثباته لمصلحية الشريعة وللكليات المصلحية الثلاث وللكليات الضرورية الخمس[45]، ويخلص إلى اقتراحَيْن[46]: الأول الاستغناء عنه بالمواثيق الربوبية مُعللًا ذلك بأخطاره على الفقه من جهة، وبتعطيله تحقيق العبدية الاختيارية. والثاني تأسيس عِلل الأحكام الشرعية على عِلل وجود الشريعة، وهي المواثيق الربوبية الثلاثة: "ميثاق الإشهاد" و"ميثاق الاستئمان" و"ميثاق الإرسال". وغاية طه من هذا كلِّه أن يبيِّن تهافت التقسيم الموروث للكليات المصلحية الثلاث والكليات الضرورية الخمس، وأغلب اعتراضاته في هذا المستوى تحقيق وتحرير وتنقيح لاعتراضاته التي أعلن عنها سابقًا[47].

فأما عن الكليات المصلحية الثلاث فيحوّل طه صبغتها إلى كليات ميثاقية قيمية، وباعتبار انبثاقها عن المواثيق الربوبية، فالحاصل عنده أن "التوحيد الإشهادي... هو الكلية القيمية الأولى التي ينبغي أن يتأسس عليها "قانون التعامل" الذي هو نظام الشريعة، فينتج أن التوحيد الإشهادي هو العلة العقدية التي دعت إلى وجود الشريعة"[48]، وأن "المسؤولية الائتمانية... هي الكلية القيمية الثانية التي يتأسس عليها "قانون التعامل" الذي هو نظام الشريعة، فينتج أن "المسؤولية الائتمانية هي العلة التكليفية التي دعت إلى وجود الشريعة"[49]، وأن "التزكية العالمية... هي الكلية القيمية الثالثة التي يتأسس عليها "قانون التعامل" الذي هو نظام الشريعة، فينتج أن "التزكية العالمية" هي العلة التبليغية التي دعت إلى وجود الشريعة"[50]. وإجمالًا، فالكلية القيمية الأولى هي "العقيدة"، والثانية هي "العقل"، والثالثة هي "العمل". وجليٌّ أن المعيار في التصنيف هنا ليس معيارًا منطقيًّا وإنما هو معيار أخلاقي مشتق من الهندسة الائتمانية التي صاغ طه وفقها تأسيسه المقاصدي.

وأما عن تقسيم القيم الأخلاقية فيطرح طه قبله مسلماتٍ هي عبارة عن مبادئ أربعة له[51]: مبدأ الفرق بين العبدية التسخيرية والعبدية التخييرية، ومبدأ قيمية كل شيء، ومبدأ أخلاقية كل شيء، ومبدأ تقديم القيم الغائية على القيم الوَسَلية. وينتهي طه إلى التقسيم التالي للقيم الأخلاقية[52]:

دراسات - الأبعاد الأخلاقية للدرس المقاصدي المعاصر2_1

وغير خافٍ ما ينطوي عليه هذا التقسيم الائتماني من روح أخلاقي، وقد أقامه طه مقابلًا لما استقرَّ في الدراسات المقاصدية تحت عنوان "تقسيم المقاصد الشرعية". لقد أصبحنا مع طه إزاء روح مقاصدي جديد بجهاز اصطلاحي ومفاهيمي جديد، ومعانٍ مقاصدية وكليات وقيم أخلاقية وتقسيمات كلها جديدة، وهذا كله سيكون له أثر مباشر في ترتيب القيم الأخلاقية.

الترتيب الائتماني للقيم الأخلاقية

يجري طه موازنات مباشرة بين مختلف أقسام القيم الأخلاقية، وبين الأقسام المنضوية تحتها، ويخلص إلى سُلَّم ترتيبي تنازلي يجعل في الرتبة العليا "القيم الروحية"، ثم على التتابع "القيم العقدية" ثم "القيم العملية" ثم "القيم العقلية" ثم "القيم الحيوية" ثم "القيم المادية". و"باستعمال ياء النسبة، يكون الترتيب هو "الروحي" ثم "العقدي" ثم "العملي" ثم "العقلي" ثم "الحيوي" ثم "المادي"[53]. ويؤكد في معرض تمييزه مفردات قيمه الأخلاقية عن مفردات الكليات الضرورية الخمس أن المراد بــ"الروحي" عنده هو الأمر السري الذي تقوم به الحياة المعنوية، وأن المراد بــ"العقلي" هو "العقلي" الذي يضع في الاعتبار وجود القيم. كما يؤكِّد أن العلاقة الوَسَلية بين مختلف القيم الأخلاقية بمثابة علاقة الشرط بمشروطه، فيكون بذلك وجود "المادي" شرطًا في وجود "الحيوي"، ووجود "الحيوي" شرط في وجود "العقلي"، وهكذا.

3- قيمة التأسيس الائتماني لعلم المقاصد

نقدِّر وقد أدركنا هذه المرحلة من الدراسة أن ما تقدَّم به طه عبد الرحمن على امتداد اشتغاله بمقاصد الشريعة يستقيم على أهمية علمية كبرى، فقد سلك المشروع -كما هو واضح- مسارًا متناميًا بدأ بقراءة تداخلية في مشروع الشاطبي وانتهى مشروعًا تأسيسيًّا خاصًّا بصاحبه لا تخفى قيمته المنهجية والمعرفية والسجالية.

فأما قيمته المنهجية، فهي تأتي في نظرنا من تقديم جهد منهجي متين يتحدى القلق المنهجي الذي يسم الدراسات الإسلامية المعاصرة عامة والمقاصدية خاصة، بالرغم من الوعي الكبير بدقَّة الإشكالية، أي إشكالية المنهج، وكذا بالرغم من بعض المحاولات التي اجتهد أصحابها في الإجابة عن سؤال المنهج[54]. ولقد جاءت محاولة طه على قدر كبير من الاتساق المنهجي مع منهجيته الائتمانية، فبالإضافة إلى كونها خطوة إلى الأمام في مضمار اشتغاله بمقاصد الشريعة، تمثِّل في آن جهدًا إضافيًّا في إطار مشروع طه الائتماني في قدح حداثة إسلامية متميزة. ولا يمكن أن نغفل عن التزام طه المنهجي الذي تعودناه في غير واحد من مصنفاته، نعني بذلك التداخل المعرفي وتنافذ فروع المعرفة المختلفة بطريقة يتعالق فيها الفلسفي والأخلاقي والأصولي واللساني تعالقًا مثمرًا دون تكلُّف أو شكلانية. ولقد أثمرت مسالك طه المنهجية عدَّة اصطلاحية كثيفة، فقد كان هاجس تحكيم المفاهيم والمصطلحات كبيرًا، فعشرات المصطلحات والمفاهيم خضعت في اشتغال طه إلى تمحيص ومراجعة وتفكيك وتفريع، إلى أن وصلت عناية طه بالمفاهيم حدَّ صناعتها وإبداعها، وهو ما اقتضى منه القيام بمراجعة مفهومية، "وقد شكَّلت هذه المراجعة ومقتضياتها الإطار التصوري -نظريًّا وعمليًّا- لمجهود طه في الإنتاج الاصطلاحي"[55].

والتضخم الأخلاقي في دراسة الشريعة شبيه بتضخمات أخرى سابقة ذوَّبت معنى الشريعة في طياتها، كالتضخم السياسي الذي كان ردَّة فعل على النزعة العلمانية التي تقصي الدين عن السياسة، وبالمثل فقد كانت ردة فعل طه على ما بدا له "فقهًا ائتماريًّا" مُوقِعةً له في نوع من تضخيم النواة الأخلاقية في تأسيسه الائتماني إلى درجة يعسر معها استشراف أفق تطبيقي لأطروحته.

وأما قيمته المعرفية فهي محصلة ما أحدثه طه من إسهام حقيقي في المعرفة المقاصدية، إننا نجد طه على امتداد اشتغاله بمقاصد الشريعة يقلب المسألة على مختلف وجوهها الإبستيمولوجية، ليحسم في خاتمة المطاف موقفه من هويتها، فقد تناولها على غير تناوله إياها بادئ المشروع، إذ أقام محاولته وقتئذ على أسس مشروع الشاطبي وداخله، لكن المسار انتهى به إلى محاولة تأسيس ائتماني على تربة جديدة اشتبك عليها طويلًا مع المؤسسَيْن الأول والثاني: الشاطبي وابن عاشور، ولم تُستدعَ إليها مباحث أصول الفقه الرئيسة إلا استدعاءً عارضًا وبقدر الحاجة الاستدلالية، فرغبة طه واضحةٌ في اجتثاث علم المقاصد من تربة الأصول البيانية وغرسه في تربة الفلسفة الائتمانية.

وأما قيمته السجالية فتأتي من الاشتباك مع الشاطبي وابن عاشور وبدرجة أقل مع علال الفاسي، وهو سجال حفظ للرجال قيمتهم وقدرهم، ولم يمنعه اختلافه معهم على مستويات جذرية من البناء على ما يخدم مقاصده، وهكذا استوعبت محاولته مجمل المحطات البارزة في تاريخ مقاصد الشريعة، خاصةً مع الغزالي والعز بن عبد السلام والقرافي وابن تيمية وابن القيم، وهذا وعي من الرجل بأن التأسيس لا يلغي ما قبله وإن نافسه. ونقدِّر أيضًا أن المحاولة مشروع سجالي مستقبلي مع الردود التي طفقت في الظهور، وأنها ستسيل حبرًا كثيرًا تثمينًا وتنسيبًا واعتراضًا.

ونسجل بهذه المناسبة جملةً من الملاحظات على محاولة طه، نلقيها في مستويات ثلاثة: أما المستوى الأول فهو ما نلاحظه من طغيان النزعة التجريدية، فبالرغم من محاولات طه تفصيل المجمل وتفكيك المركَّب وتخصيص العام، فإن التجريد بقي مسيطرًا، خاصةً أن محاولته واقعة في مجال القيم؛ ولذلك نقدِّر أنها ستشفع بملحقات من طه أو من غيره تكون مشاريع توسعية في أطروحة التأسيس الائتماني لعلم المقاصد، فأطروحة بهذا الجهد قد يُبنى على أسسها تيار مقاصدي ائتماني. وأما المستوى الثاني فهو ظاهرة التضخم الأخلاقي، لقد "خلق" طه كل أركان النظرية، والتضخم الأخلاقي في دراسة الشريعة شبيه بتضخمات أخرى سابقة ذوَّبت معنى الشريعة في طياتها، كالتضخم السياسي الذي كان ردَّة فعل على النزعة العلمانية التي تقصي الدين عن السياسة، وبالمثل فقد كانت ردة فعل طه على ما بدا له "فقهًا ائتماريًّا" مُوقِعةً له في نوع من تضخيم النواة الأخلاقية في تأسيسه الائتماني إلى درجة يعسر معها استشراف أفق تطبيقي لأطروحته. وهذا هو المستوى الثالث ونعني به الاستغراق في التنظير دون الالتفات إلى التفعيل والتطبيق، وأطروحة طه بمواصفاتها المنهجية والاصطلاحية والمعرفية والسجالية أمام مهمة كبرى، وهي فتح أفق التطبيق لإثمار "الفقه الائتماني" الذي ينادي به طه ويدعو إليه.

خاتمة

يمثِّل كتاب طه عبد الرحمن "التأسيس الائتماني لعلم المقاصد" حلقة جديدة من حلقات اشتغاله بالتراث العربي الإسلامي عامة والتراث الأصولي خاصة، وقد جاء هذا الكتاب على قدرٍ من الاتساق مع مشروع طه الفلسفي، بل يمكن اعتباره -بشيء من الحذر- الوجهَ الأصولي لفلسفة طه الائتمانية، ولحظة تتويج مشروعه في مقاصد الشريعة. ولا نعتبر طه بهذا الإسهام قد قدَّم إجابات عن أسئلة مقاصدية عالقة، بل على النقيض من ذلك، يبدو لنا أنه قد فتح من الإشكاليات أكثر مما حسم. فسجالاته الطويلة مع المؤسسين ستطرق -مرةً أخرى- باب تقييم التراث المقاصدي من زوايا جديدة، خاصةً ما يتعلق بنظريتَي المقاصد عند كلٍّ من الشاطبي وابن عاشور. كما أعاد إلى السطح قضية المنهجية المقاصدية، وهو باختياره المنهجي الائتماني يفتح الباب أمام التعدُّدية المنهجية المقاصدية، ذلك أن المنهجية المقاصدية الأصولية -منذ تحكيم ابن عاشور إياها- ظلت مستبدَّة بالمحاولات المقاصدية المعاصرة، فكثر التكرار وتعدَّدت المحاولات التي تبدأ من الصفر، وتشعَّبت مسالك الإجراء في جزئيات لا تفيد المنهجية في شيء. ونعتقد أن ما تقدَّم به طه يحتاج إلى أن ينهض مشروعًا جادًّا وفق معايير العلمية، وأن يخوض غمار التطبيق، خاصةً أن صاحبه قد وضعه في زمن "حداثي" يتصادم معه في الأسس، فهاجس الرجل هو التأسيس لحداثة إسلامية في سياق النقد الأخلاقي للحداثة الغربية.

الهوامش

[1] طه عبد الرحمن، روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط2، 2012م)، ص31.

[2] المرجع نفسه، ص32.

[3] طه عبد الرحمن، دين الحياء: من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني، الكتاب الأول: أصول النظر الائتماني، (بيروت: المؤسسة العربية للفكر والإبداع، ط1، 2017م)، ص33.

[4] المرجع نفسه، ص34.

[5] المرجع نفسه، ص38-39.

[6] المرجع نفسه، ص39-40

[7] المرجع نفسه، ص41-56.

[8] المرجع نفسه، ص63.

[9] المرجع نفسه، ص64.

[10] المرجع نفسه، ص72.

[11] طه عبد الرحمن، سؤال المنهج: في أفق التأسيس لأنموذج فكري جديد، (بيروت: المؤسسة العربية للفكر والإبداع، ط2، 2015م)، ص72.

[12] طه عبد الرحمن، سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط1، 2000م)، ص14.

[13] المرجع نفسه، ص31-50.

[14] المرجع نفسه، ص52-53.

[15] المرجع نفسه، ص57.

[16] المرجع نفسه، ص62.

[17] المرجع نفسه، ص68-76.

[18] محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط1، 1986م)، ص561.

[19] طه عبد الرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط1، 1994م)، ص93-94.

[20] يُنظر مجمل ذلك في: حسن عبد الحميد، مستويات الخطاب المنهجي في العلوم العربية الإسلامية، (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، ط2)، ص14-16.

[21] المرجع نفسه، ص16.

[22] يُنظر تفصيل ذلك في: طه عبد الرحمن، سؤال المنهج: في أفق التأسيس لأنموذج فكري جديد، ص62-70.

[23] طه عبد الرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث، ص82.

[24] نفسه، ص96-97.

[25] طه عبد الرحمن، سؤال المنهج: في أفق التأسيس لأنموذج فكري جديد، ص74.

[26] طه عبد الرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث، ص81.

[27] المرجع نفسه، ص95.

[28] طه عبد الرحمن، سؤال المنهج: في أفق التأسيس لأنموذج فكري جديد، ص71-72.

[29] أحمد مونة، مداخل تجديد علم الأصول عند طه عبد الرحمن: دراسة في الدلالات الأصولية والمقاصد الشرعية، (بيروت: المؤسسة العربية للفكر والإبداع، ط1، 2017م)، ص99.

[30] طه عبد الرحمن، التأسيس الائتماني لعلم المقاصد، (الكويت: مركز نهوض للدراسات والبحوث، ط1، 2022م)، ص42.

[31] المرجع نفسه، ص60.

[32] المرجع نفسه 134.

[33] يُنظر: أحمد الريسوني، نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، (فيرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط4، 1995م)، ص143-170.

[34] يُنظر: إسماعيل الحسني، نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر ابن عاشور، (فيرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، 1995م)، ص231-255.

[35] نذكر على سبيل المثال محاولتَي جمال الدين عطية وعبد المجيد النجار، إذ لم تستقيما على طرافة واضحة، فقصارى الجهد فيهما تفصيل الضروريات الخمس إلى مقاصد جزئية، ثم تبويبها وفق معايير منطقية، فقد فصل جمال الدين عطية تلك الضروريات الخمس إلى أربعة وعشرين مقصدًا وزعها على أربعة مجالات تفاضلية تبدأ بالفرد وتنتهي في الإنسانية، وولد عبد المجيد النجار من الضروريات الخمس ثمانية مقاصد وزعها على أربعة دوائر مترابطة. يُنظر: جمال الدين عطية، نحو تفعيل مقاصد الشريعة، (فيرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط2، 2011م)، ص132-164؛ عبد المجيد النجار، مقاصد الشريعة بأبعاد جديدة، (تونس: دار الغرب الإسلامي، ط3، 2012م).

[36] طه عبد الرحمن، التأسيس الائتماني لعلم المقاصد، ص166.

[37] المرجع نفسه، ص199.

[38] المرجع نفسه، ص211.

[39] المرجع نفسه، ص243.

[40] طه عبد الرحمن، مشروع تجديد علمي لمبحث مقاصد الشريعة، مجلة المسلم المعاصر، عدد 103، 2002م، ص44.

[41] طه عبد الرحمن، التأسيس الائتماني لعلم المقاصد، ص256.

[42] طه عبد الرحمن، مشروع تجديد علمي لمبحث مقاصد الشريعة، ص45.

[43] يُنظر: طه عبد الرحمن، التأسيس الائتماني لعلم المقاصد، ص257 وما بعدها.

[44] يُنظر: المرجع نفسه، ص291 وما بعدها.

[45] المرجع نفسه، ص379.

[46] المرجع نفسه، ص416-428.

[47] طه عبد الرحمن، مشروع تجديد علمي لمبحث مقاصد الشريعة، ص49 وما بعدها.

[48] طه عبد الرحمن، التأسيس الائتماني لعلم المقاصد، ص425.

[49] المرجع نفسه، ص427.

[50] المرجع نفسه، ص428.

[51] المرجع نفسه، ص469-473.

[52] المرجع نفسه، ص473-476.

[53] المرجع نفسه، ص477.

[54] يُنظر على سبيل المثال: يوسف عطية، إشكالية المنهج في الدرس المقاصدي المعاصر، (المغرب: الدار المغربية للنشر والتوزيع، ط1، 2022م).

[55] محمد همام، جدل الفلسفة العربية بين محمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن: البحث اللغوي نموذجًا، )الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط1، 2013م)، ص204.