في دِينامية التحولات الدينية: ظاهرة التديٌّن الفردي نموذجًا

التدين الفردي

أولًا: مدخل إشكالي (السياق والدواعي والأهداف)

1. الطرح الإشكالي

  تعيش المجتمعات المسلمة على وقع العديد من التحولات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، ولعلَّها لا تختلف في ذلك عن بقية مناطق العالم. ولعل أهمَّ هذه التحولات هو هذا التحول الذي عرفه الحقل الديني في العالميْن العربي والإسلامي، خصوصًا في مرحلة ما قبل «الربيع العربي» وما بعده. إذ المؤكد أن هذه الثورات والانتفاضات والحركات الاجتماعية كانت تعبيرًا عن وجود ديناميات خفية، تعتمل في المجتمع دون القدرة على قراءتها جيدًا.

جمعة
                                                         ثورات الربيع العربي

ولعل من بين مؤشرات هذه التحولات في الحقل الديني، هو بروز موجة ما يمكن أن نطلق عليه «التدين الفردي»، تلك الموجة التي أفسحت المجال لظهور أشكال من التعاطي الديني لم تكن مسبوقة على مستوى المنطقة العربية-الإسلامية، وهي تُظْهِر جانبًا من التعقيدات التي تَلُفُّ الموضوع. حيث إن التحول الكبير في الحقل الديني، الذي يَتمظْهَر في وجود «أزمة» إنتاج وإعادة إنتاج القيم الدينية، وتراجع دور المؤسسات الدينية الرسمية وغيرها في التربية والتنشئة الدينيتيْن، بالإضافة إلى الطفرة التربوية، قد شكَّل مجالًا لتملك العديد من الفئات -خصوصًا الشباب والنساء- لجزء من المعرفة، وبالأخص المعرفة الدينية، حيث نُوفِسَت المؤسسات التقليدية الرسمية وغيرها (حركات الإسلام السياسي) في إنتاج وإعادة إنتاج المعرفة الدينية. هذا بالإضافة إلى بروز ما يسمى اليوم بـ«الإعلام الديني»[1] الذي شكَّل هو الآخر مجالًا لانتعاش تَديُّنٍ «مُنْفَلتٍ» من كل التنميطات التي التصقت بالخريطة الدينية في السابق، سواء التدين: الشعبي أو الرسمي أو الطائفي أو الحركي-الإسلاموي أو غيرها.

ويمكن اعتبار هذا العامل (إنتاج وإعادة إنتاج المعرفة الدينية) بمنزلة العامل المحدد في رسم الخرائط الدينية في الوقت المعاصر، ذلك أن العالميْن العربي والإسلامي قد شهدا شبه قطيعة في مجال إنتاج وإعادة إنتاج القيم الدينية، ومرد ذلك إلى نهاية احتكار السلطة الدينية لمجالاتها، وظهور فئات ونُخَب جديدة عملت على منافسة السلطات الدينية الرسمية. وكما هو معلوم، فإن «الخطاب الديني يتميز عن غيره من الخطابات بكونه «أكثرها» نجاعة في سياقاته المجتمعية، لا بفضل بُناه وأنظمته الخطابية، بل بفضل استراتيجيَّاته الفعَّالة في التبرير والإخضاع والإقناع، وهي استراتيجيَّات كامنة في طبيعة الخطاب في حد ذاته بوصفه كونيًّا ولا بشريًّا وحاملًا لحقيقة متعالية، وهكذا ينمو نمطٌ من التبريرات النظرية الخالصة التي تُفسِّر وتُبرِّر قطاعات معينة من النظام الاجتماعي بفضل كُتَل علم مختصة... ستكون لها أبنية نظرية راقية تُبرر ناموس المجتمع كليًّا وتُدمج كل التبريرات الجزئية في نظرة إلى الكون تشمل الكل»[2]

ومن جهة أخرى، فقد:أحدث التدين الفردي موجة من التحولات في المشهد العام بالمنطقة العربية-الإسلامية؛ إذ إن هذا النمط من التدين قد عمل على تجاوز الكثير من الترسُّبات في أشكال التدين، خصوصًا تلك الترسُّبات المتعلقة بالمجال العام وبعلاقة الدين بالديمقراطية. هذا علاوة على أن هذا التوجه قد جاء نتيجة رد فعل على التناقضات والتوترات التي عاشتها حركات الإسلام السياسي، وهو توجُّه يعمل على ربط الدين والحقوق والعقائد بالحريات، والإسلام بالتحرر. وهذا يعني أن موجة التدين الفردي أصبحت تُمثِّل جوابًا عن إشكاليَّات لم تُجِبْ عنها حركات الإسلام السياسي من قبل، أو أن إجابتها لم تكن وفق منظور شمولي وناضج، مما أفسح المجال لظهور دينامية تجديدية لأشكال التدين، ومن بينها مظهر التدين الفردي.

بالتزامن مع ذلك، فإن من بين المظاهر الكبرى التي نعتقد أنها تُميِّز ظاهرة التدين الفردي، هو بروز مظهريْن من التدين: «الأول: الميل نحو الرَّدْكلة أو التعصب والتخندق[3]، لما يُغذيه من خطاب هُوِيَّاتي عزيز على النفس وأثير عندها، وما يلقيه في «المستهلك» من صور ونماذج تحنُّ لماضٍ يُوتوبي. وفي المقابل، هناك توجه ثانٍ ما زال يؤثِّث هذا الفضاء الديني العام، وهو بروز القيم الاستهلاكية الدينية»[4] أو ما يمكن أن نطلق عليه «Religious Commodification»، وسنحاول الاقتراب من كلا المظهريْن في النتائج البحثية التي توصلنا إليها. وبالطبع لا يمكن اختزال كل مظاهر التدين في هذين المظهريْن، ولكننا سنركِّز عليهما لدواعٍ منهجية.

 وانطلاقًا من هذه المقدمات الأولية، نتساءل: ما هي المقتربات المنهجية والنظرية لفهم حجم التحولات التي طالت الحقل الديني في المنطقة؟ كيف يمكن تقديم تفسير «مُطابق» لبروز مفهوم التدين الفردي؟ وهل يُشكِّل مرحلة فارقة بين أنماط التدين التي عرفتها المنطقة؟ ما تأثير ضعف الثقة في المؤسسات الدينية الرسمية وحركات الإسلام السياسي في بروز هذه الظاهرة؟ بأي معنى تُمثِّل العوامل الخارجية (العولمة الثقافية والدينية)، والداخلية (ارتفاع الرأسمال الثقافي، ومسارات الدَّمَقْرطة، وبروز المجال العام الديني ما بعد الإسلاموي)، عواملَ محددة في بروز التدين الفردي؟ وهل هناك علاقة تفاعلية بين بروز التدين الفردي والفاعلين الجدد في الحقل الديني (الدعاة الجدد)؟ 

وأخيرًا، ما هي التجلِّيات الكبرى لظاهرة التدين الفردي؟ وكيف يمكن قراءة تبعات هذه الظاهرة في مستوييْن اثنين: سَلْعَنة الدين ورَدكَلَتِه؟ سنحاول في هذه الورقة أن نناقش هذه الأسئلة وغيرها، منطلقين من إطار منهجي ونظري يمتح من التراكم النظري في سوسيولوجيا الأديان. ومعتمدين على منهجية البحث الإمْبريقي لتعضيد الجوانب النظرية التي انطلقنا منها.

أما الفرضية المركزية التي تجادل الورقة فيها، فمفادها أن ظاهرة التدين الفردي برزت نتيجة عدة عوامل خارجية (عولمة الظاهرة الدينية)، وأخرى داخلية: ارتفاع الرأسمال المعرفي، وفقدان الثقة في المؤسسات الدينية الرسمية وحركات الإسلام السياسي، وبروز الإعلام الديني عبر الفاعلين الجدد (الدعاة الجدد). وكل هذه العوامل والعلاقات ليست من النوع البسيط، بل إنها تُشكِّل «علاقة تجاذبية» (Affinité électif)[5]، وليست علاقة السبب بالنتيجة. بمعنى آخر، فإن هذه المقاربة التفسيرية التي سنعتدمها لا تتوقف عند المقاربة السببية في جمودها كما بلورها الفكر السوسيولوجي الوضعي، بل إنها تتجاوز ذلك للحديث عن علاقات تفاعلية وتجاذبية بين بروز ظاهرة التدين الفردي، ومفارقات العلمنة، والتدين في العالم المعاصر.

2. الطرح المنهجي

نظرًا لما يطرحه موضوع القيم الدينية وظاهرة التدين الفردي -تحديدًا- من صعوبات منهجية وإبستيمولوجية على قدر كبير من الأهمية، ليس أقلَّها إلا كيفية رصد القيم التي يحملها الفرد، لكونها تختلط بما هو ملموس وما هو غير ملموس، وبما هو ظاهر وبما هو كامن. ولأن القيم والتعبير عنها لا يُعْلِن عن نفسه بشكل مباشر، بل إنه يتخذ سُبلًا ملتوية مما ينتج عنه -في كثير من الحالات- مفارقات غريبة وأوضاع مبهمة، وهو بذلك يسير وفق مسار يصعب فيه التمييز بين القفز إلى الأمام والخطو إلى الوراء[6]. انطلاقًا من هذا، ووعيًا مِنَّا بهذه الصعوبة التي يطرحها البحث في موضوع القيم الدينية، فقد ارتأينا أن نُعدِّد أدواتنا المنهجية حتى نستطيع أن نُلِم بحيثيَّات هذا الموضوع. وجمعنا في هذا الإطار بين الأدوات الكميَّة والأدوات الكيفيَّة، حيث استعنَّا بالاستمارة بوصفها أداة كمية تساعد الباحث على جمع المعطيات الميدانية وتحليلها وتكْمِيمها، واخترنا عينة غير عشوائية أو ما يسمى بالحصة (QUOTA)؛ وذلك بغرض استجماع أكبر قدر من المعطيات الإمبريقية لفهم ظاهرة التدين الفردي عند فئة الشباب[7].

 ومن أجل تعميق البحث، قمنا بإجراء مقابلات معمقة أو ما يمكن أن نسميه بـ(سيرة ذاتيةRécit de vie/live story) مع بعض الفاعلين الدينيين الذين يمثلون توجهًا جديدًا في ظاهرة التدين الفردي، وتأتي هذه المقابلات لمحاولة فهم المسكوت عنه في الظاهرة، ولاقتناعنا أيضًا بأن المعطيات الكمية لا تسمح بالخوض في البنية العميقة للتمثُّلات وللخلفيات المتحكمة في السلوك الديني للفاعلين. لهذا لجأنا لتقنية البحث الكيفي الذي اعتُمِد في هذه الدراسة:

أولًا: لتأكيد نتائج البحث الكمي، وأيضًا لتفسير جزء من السلوك الديني -هذا مع التأكيد على أننا لا ندَّعي أي إطلاقية في ذلك- فعلى الرغم من أن تقنية البحث الكيفي تكون أكثر قدرة على التفسير من تقنية البحث الكمي، فإن الأمر يتوقف عند مستوى ما يعبر عنه المبحوثون. فكما نعلم أن عملية قياس القيم بشكل عام -والدينية بشكل خاص- تطرح إشكالات إبستيمولوجية ومنهجية على درجة كبيرة من الأهمية.

 هذا بالإضافة إلى أننا استفدنا من بعض النتائج البحثية التي تصدر عن هيئات ومراكز بحثية إقليمية-عربية[8] وأخرى دولية[9]، لتعضيد نتائج البحث على مستوى العينة التي اشتغلنا عليها. ويجب التأكيد من الناحية المنهجية على أن العينة غير شاملة، وليست معبرة عن كل المنطقة العربية-الإسلامية، لكنها تُشكِّل في الوقت نفسه منظورًا لمجتمع مصغر، تتفاعل فيه العديد من التحولات التي نعتقد أنها تشمل كل المنطقة العربية الإسلامية، لكوننا نعيش في زمن بلا حدود وبلا حواجز، وفي زمن عولمة الظاهرة الدينية. وكما ذكر كليفورد غيرتز: «فنحن علماء الاجتماع، علماء المصغرات في العلوم الاجتماعية، أولئك الذين يهتمون بالتفاصيل. على أننا نأمل أن نجد في تلك النظرة المصغرة ما يمكن أن نتعلمه من المكبرات، وأن نصل إلى الحقائق العامة خلال بحثنا ودراستنا لحالات خاصة»[10]. ونحن إذ نستلهم هذا المنظور الأنثروبولوجي لدراسة الدين وأشكال التدين الجديدة في المنطقة العربية-الإسلامية، فالغرض من ذلك أولًا: تركيز البحث المنتظم للحالة الدينية، وثانيًا: استخلاص النماذج الكبرى لظاهرة التدين الجديدة، وثالثًا: فهم الأسباب والمسبِّبات لبروز ظاهرة التدين الفردي، وكذا الاتجاهات الكبرى للتدين في المستقبل.

ثانيًا: الإطار النظري والمفاهيمي

1. الإطار النظري في الخلفيات النظرية لبروز ظاهرة التدين الفردي

استمر النقاش حول دور الدين في المجتمعات المعاصرة فيما بين سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، وقد كان للتحولات الجديدة في المشهد القيمي دور بارز في تصاعد الحراك الفكري والمعرفي والإبستيمولوجي. ذلك أن الوضع بدأ يُشِير إلى وجود ضبابية في الصورة، وإلى أن التنبؤات التي وضعها السوسيولوجيون حول أُفُول الدين وتراجعه لم تكن كافية لفهم مجريات الأمور؛ إذ إن هذه التحولات قد دفعت الباحث المتخصص في الشأن الديني بيتر بيرغر «إلى التراجع عن قناعاته السابقة، معلنًا: أن العالم اليوم... -مع بعض الاستثناءات- متدين بشراسة مثلما كان من قبل، وهو في بعض الأماكن أكثر تدينًا مما كان. ويدل ذلك على أن أدبيات المؤرخين وعلماء الاجتماع جميعها حول نظرية العلمنة كانت خاطئة بشكل جوهري»[11]. ولم يكن العالم الإسلامي بمعزل عن هذه التحولات، فقد عرف بدوره أكبر ثورة شعبية اتسمت بطابع ديني، وهي الثورة الإيرانية (1979م)، وعرف الشرق الأوسط صراعات وتوترات وتصادمات بين كل الأديان والحركات الأصولية -سواء أكانت يهودية أو مسيحية أو مسلمة- على خلفية صراعات قديمة حول السلطة في إطار حروب أهلية وغير أهلية[12]. إلا أن «أخطر» تحول حصل في هذين العقدين، هو أن أزمة الحداثة -كما تحدَّث عنها كلٌّ من «بيتر بيرغر» و«لوكمان»- لا يمكن تفسيرها من خلال ما توصل إليه «كارل ماركس» عندما تحدَّث عن مفهوم الاغتراب «Aliénation»، أو فيما طرحه من قبل دوركهايم في مفهوم «الأنومي»، أو حتى من خلال العلمنة التي حدثت بسبب تراجع دور المؤسسات الدينية في إنتاج القيم المجتمعية، بل إن أزمة الحداثة هي «في تعددية القيم، أو تعدد المرجعيات، وتنازع الفاعلين حول المرجعية المولِّدة للمعنى، فالأفراد ليس لديهم إشباع على مستوى تناسقية القيم، وأن القيم العامة لا تجد طريقها للتطبيق بشكل موحد وملائم في جميع مناحي الحياة المجتمعية. ومن ثمَّ يمكن الحديث عن ضياع المرجعيات، وأنه لا توجد حقيقة موحدة للجميع»[13].

ت
                                                 الثورة الإيرانية (1979م)

نفهم من هذا السياق أن نظرية العلمنة -كما صاغها الرواد الأوائل من لدن «كارل ماركس» إلى «جون ستيوارت ميل»، ومن «أوغست كونت» إلى «هربرت سبنسر»، ومن «إ.ب.تايلور» إلى «جيمس فريزر»، ومن «فردناند تونيس» إلى «جورج سيمل»، ومن «إميل دوركهايم» إلى «ماكس فيبر»، ومن «فيلهلم فوندت» إلى «سيغموند فرويد»، ومن «ليستر وارد» إلى «وليم ج، سامنر»، ومن «روبير بارك» إلى «جورج هـ. ميد»- بقيت صالحة لقراءة مختلف التحولات الدينية التي شهدها العالم إلى مشارف ستينيات القرن الماضي، حيث بدأت تظهر العيوب الأولى للنظرية، وأصبح بالإمكان -لأول مرة- فصل نظرية العلمنة عن أصولها الأيديولوجية في النقد التنويري للدين، والتمييز بين نظرية العلمنة بوصفها نظرية التمايز الحديثة المستقلة ذاتيًّا للنطاقيْن الزمني والديني، وبين المقولة التي ترى تآكل الدين تدريجيًّا ثم أُفوله واندثاره في الأخير؛ نتيجة سيرورة التمايز الحديث[14].

وقد شكَّلت هذه الأزمة التفسيرية محكًّا حقيقيًّا لنظرية العلمنة، وقد كان ذلك محفِّزًا للباحث «توماس لوكمان»[15] على إصدار كتاب حاول أن يقدِّم فيه تصورًا مطابقًا لعلاقة الدين بالحياة المجتمعية، وبالتحولات التي خلقتها الحداثة في المجتمعات المعاصرة، وقد كان لتسمية كتابه «الدين غير المرئي» أكبر من دلالة في قراءة المشهد الديني، حيث تقوم فرضيته على أن الدين لن يَضْمُر بشكل نهائي بقدر ما سيقع تحوُّلٌ في وظائفه المجتمعية التقليدية العامة، وسيتحول إلى شأن خاص، ويمكن صياغة نظريته في مقولة ساقها «براين تورنر» تقول:


 believing without belonging»[16]، وهذا يعني أن الإنسان المعاصر سيحافظ على معتقداته وإيمانه بدون ارتباط بالمؤسسات الدينية وبدون انتماء لها، ولعل ذلك ما يُحِيلنا على نوع من التدين الجديد. وهو ما يُفضي بنا إلى أن نستنتج أن العالم اليوم أمام موجة جديدة من التدين تتميز بتدين فردي شخصاني».

وقد يعتبر البعض أن هذا الإطار النظري التفسيري ينطبق على المجتمعات الأور-أمريكية، ولا يعبر عن الخصوصيات الثقافية بالمنطقة العربية-الإسلامية، بيد أن المُتمعن في الحالة الدينية بهذه المنطقة يتبين له أنها تعيش على وقع «علمانية صامتة»، وهي «علمنة لا شعورية يقودها معادون للعلمنة. وهنا نفرِّق بين العلمانية بوصفها أيدولوجية، والعلمنة بوصفها سيرورة اجتماعية-تاريخية تطابق العولمة، وتطال كل من يعيش على هذا الكوكب»[17].

ش
               الشيخ علي عبد الرازق

وإذا كان «علي عبد الرازق» قد توصل إلى هذه الخلاصة في بداية القرن الماضي -وقد يعترض عليها البعض- فإن العديد من الباحثين اليوم -سواء أكانوا من خارج المنطقة أو داخلها- يؤكدون على المنحى نفسه، حيث نجد الباحث «أولفيي روا» -المتخصص في «حركات الإسلام السياسي» و«الإسلام في أوروبا»- يتحدث في أغلب كتبه عن هذا التوجه الجديد في ظاهرة التدين الفردي المطبوع بثقافة العلمنة، فيقول: «إن عودة الديني الراهنة لا معنى لها إلا لكونها تندرج تحت خلفية دنيوة»[18]، بما في ذلك العالم الإسلامي. وهذه العودة ليست تعبيرًا عن ديمُومة الدين، ولكنها تعبير عن إعادة تركيب للديني وفقًا لترسيمات لم تَعد تعمل في إطار الثنائي التقليدي: دولة-كنيسة. والمقصود -إذن- هو إدارة الأشكال الحديثة للأصولية أكثر من كونه -إلى حد بعيد- إصلاحًا لأداة عفا عليها الزمن»[19].

بالمقابل، فإن الباحث المغربي «أدراوي» -المقيم في إيطاليا- يتحدث بدوره عن هذه الموجة الجديدة للتدين من خلال الاعتماد على الأُطُر النظرية لعلم الاجتماع، وأيضًا بمناقشة جدالية في مفهوم «ما بعد الحداثة» على أنه مفهوم لا يعني -فقط ودائمًا وكما يتمثل البعض- ثورة على قيم الحداثة وأفكارها ومبادئها، بل هو بالأساس موجة جديدة من الثقافة الفردانية التي تتلحف بقيم متنوعة ومتعددة، ومنها القيم الدينية. «ومن وجهة نظر علم الاجتماع، نستطيع أن نستخدم كلمة ما بعد الحداثة لنَصِف هذا النوع من التعريف الديني؛ لأن طرق الحياة ما بعد الحداثية تفترض الموافقة الحرة، وتفترض فوق كل شيء التطور الفردي. وهذا التقدم الفردي يجب أن يُفْعَل بعيدًا جدًّا عن السلطات التقليدية، التي اعتادت أن تُشكِّل هويات الجماعة»[20].

وهذا لا يعني عدم وجود انتقادات وجِّهت بالفعل لهذا الطرح من قِبل باحثين غربيين وعرب، وبغض النظر عن تبني وجهة نظر الباحثين الذين يعتبرون أن العالم بأسره قد دخل في موجة العلمنة الشاملة أو الجزئية، أو الذين يعترضون على ذلك من الباحثين والفاعلين الذين ينتمون للمنطقة العربية-الإسلامية أو غيرها من المناطق، فإن الورقة تجادل بأن ظاهرة التدين الفردي برزت على أنها أحد التجليات العامة لسياق تفاعل الدين -كمعيش يومي في أبعاده الشاملة (المعتقد، والممارسة، والمعرفة، والقيم الأخلاقية، والتجارب الحياتية). أو بلغة أخرى، بكونها واقعة اجتماعية (Social fact)- مع كل السياقات التي تشترط الفعل الديني/التديني. وقبل أن نُفصِّل في أهم العوامل التي تفاعلت ونتجت عنها هذه الظاهرة، فإننا سنتوقف في الفقرة التالية عند أهم النماذج المثالية الدينية التي تبلورت مع التراكم البحثي والسوسيو-أنثربولوجي، ومدى صلاحيتها لقراءة الخريطة الدينية الجديدة أم لا؟ وما هي المسوغات المنهجية لتبني مفهوم جديد وهو التدين الفردي؟

الإطار المفاهيمي: جدل النماذج التدينية في الخريطة الدينية المعاصرة

1. تأسيس نظري ومناقشة للنماذج الدينية (فيبير وترولتش وإساقطهما على المنطقة العربية-الإسلامية):

لقد طوَّر «ماكس فيبر» العديد من النماذج المثالية لدراسة الظواهر الاجتماعية، نجد من بينها نَمْذجة مكونة من ثلاثة مفاهيم مركزية، وهي: مفهوم نمط الدين الرسمي (الكنسية)، ونمط الدين الطائفي، ونمط الدين الحركي، كما بلورها «إرنست ترولتش»[21]Ernest Troeltch. ورغم اعتراض البعض على محدودية هذه النَّمْذجة لدراسة الواقعة الدينية في العالم الإسلامي، فإننا -مع ذلك- نعتقد أنها ما زالت -أي النَّمذجة- صالحة لقراءة جوانب من المشهد الديني بهذه المنطقة. بالمقابل، نجد النَّمْذجة التي صاغها «كليفورد غيرتز» عندما درس الدين في كلٍّ من المغرب وإندونيسيا، إذ توصل إلى أن هناك اختلافًا بين التدين المغربي والتدين الإندونيسي، فالأول يتميز بالصلابة والقوة، بينما يتميز الثاني بالروحانية والتوفيقية، حيث يقول: «إسهام علم الاجتماع الديني المقارن بالفهم العام للأبعاد الروحية للوجود الإنساني وتعرية طبيعة هذه الصلات الإمبريقية. والأسباب المادية التي أدت إلى جعل إسلام المغربي إسلامًا نشيطًا وقويًّا وعقائديًّا وإنسانيًّا لدرجة ما، بينما جعلت إسلام الإندونيسي إسلامًا توفيقيًّا وتأمليًّا وتنوعيًّا تعدديًّا وظواهريًّا بصورة لافتة للنظر، إنما تقع في نوعية الحياة الجماعية التي عاش وترعرع فيها وعلى رأسها كلا المسلميْن»[22]. أو حتى من خلال النَّمْذجة التي توصل إلهيا «إرنست غيلنر»، وذلك بالاعتماد على «مصادر عديدة في تقديمه لنموذجه، وبشكل خاص على مقدمة ابن خلدون، وعلى نسخة منقَّحة من النظرية الانقسامية البريطانية حسبما قدمها «إيفانز برتشارد»[23]. وقد صاغ هذه النماذج التدينية -التي درسها من خلال تجربته البحثية- في أربعة نماذج: أصوليون، ورادكاليون اجتماعيون، ومحافظون تقليديون، وأخيرًا، معتدلون. ويوضح الجدول التالي بعضًا من الخيارات القائمة:

جدول رقم (1): نماذج التدين حسب «إرنست غيلنر»[24]

س

المشهد الديني بالمنطقة العربية-الإسلامية وبروز نماذج تدينية جديدة:ولعل المثير للجدل هو أن العديد من الباحثين العرب عملوا على استلهام هذه النماذج بنوع من التماهي معها، دون القدرة على الدخول في نقاش نقدي. وهو ما نجده مثلًا عند الباحثيْن «عبد الباقي الهرماسي»[25] و«حليم بركات»، حيث توصل هذا الأخير إلى أن: «الدين الرسمي يسود في المدن، بينما يسود الدين الشعبي في الريف (وخاصة في المغرب العربي ومصر والسودان، وإن كان واسع الانتشار في مختلف المجتمعات العربية الأخرى). وأن التصوف تجربة روحية خاصة ذات صلة وثيقة بردة الفعل لوجود ميل واضح إلى الإغراق في المجردات والماديات، ونتيجة حصول فجوات عميقة بين الطبقات الاجتماعية، يرافقها إحساس بالعجز والاغتراب»[26]. إن هذا التصنيف في -نظرنا- لم يعد صالحًا؛ لأن الخريطة الدينية أضحت جدّ مركبة، بحيث يصعب القول بأن التدين الشعبي يوجد -مثلًا- في القرى، بينما يوجد التدين الرسمي في المدن، فالواقع يبين مدى اختلاط هذه الأنماط وتشابكها، بل بروز أشكال جديدة و«هجينة» في الوقت نفسه. ولهذا يحق لنا أن نطرح التساؤل التالي: هل ما زالت هذه النَّمْذجة صالحة لقراءة المشهد الديني في العالم؟ أم أن هناك عدة نَمْذجات دينية برزت مع التحولات التي طالت الحقل الديني؟

استكمالًا لما سبق عرضه، وبالرجوع إلى نتائج البحث التي توصلنا إليها أو توصل إليها غيرنا، يمكن القول بأن الخريطة الدينية -ومن خلال انتهاج المقاربة النسقية في معالجة قضية القيم الدينية- تتميز بوجود سبعة أنماط من التدين -ولو بنوع من المجازفة- وهي:

«التدين الرسمي، والتدين التقليدي/الشعبي، والتدين الطائفي، والتدين الحركي، والتدين الأنثوي، والتدين الفردي. وأخيرًا، التدين الحضري. وتجدر الإشارة إلى أننا لا يمكننا أن نجزم بأن هذه الأنماط هي الوحيدة الممكنة؛ إذ إن أغلب المتدينين يندرجون في أحد هذه الأنماط، أو من خلال المزج بين نمطين أو أكثر عن طريق ما يسمى بالتوفيق/التلفيق Bricolage، أو حتى من خلال المزج بين التقيُّد على المستوى الطقوسي، والتوتر على المستوى السلوكي. ولهذا يمكننا أن نستخلص توجهًا عامًّا يتسم بنوع من استراتيجيات الازدواجية والتفاوض بين المبدأ والواقع»[27].

بيد أنه تبين من خلال التحكيم الذي خضعت له مخطوطة البحث الأصلي التي تعود إلى رسالة دكتوراه في علم الاجتماع بعنوان: «الشباب وتحول القيم والاتجاهات والممارسات: دراسة سوسيولوجية بعمالة سلا»[28]، قد اقترح علينا المحكم خُطاطة نَمْذجية كالآتي:

جدول رقم (2): أنماط التدين في الخريطة الدينية بالعالم العربي-الإسلامي (المغرب نموذجًا)

س

ورغم أهمية هذه الخطاطة، فإننا مقتنعون بأنها لا تُمثِّل كل الخريطة التدينية في المنطقة العربية-الإسلامية، لكنها تُمثِّل أرضية للنقاش مع «الجماعة العلمية» في أفق تطويرها من جديد. ولعل سبب ذلك، هو أنه بحكم التحولات الكبيرة التي عرفها الحقل الديني، فإن هناك مفهومًا جديدًا برز في الساحة، وهو «الإسلام الليبرالي» حيث إن أشد الدول العربية «انغلاقًا» وتماهيًا مع الأيدولوجية السلفية المحافظة، كالمملكة العربية السعودية، عرفت بدورها بروزًا لنمط تديني جديد –بحكم عوامل متعددة ومتنوعة لا يسمح المجال بالتفصيل فيها- وهو نمط يمكن أن نجازف بتسميته بـ(ما بعد-وهابي)، يحاول هذا النمط أن يتبنى أفكارًا مثل «الإسلام الليبرالي»، مع الحفاظ على مخلفات الإسلام الوهابي، ساعيًا نحو تحقيق مصالحة مع الحداثة ومنتجاتها»[29].

2. ظاهرة التدين الفردي بوصفها مفهومًا جديدًا في المشهد الديني بالمنطقة:

إذا كانت النماذج التدينية السابقة أصبحت حاضرة –بشكل أو بآخر- في المشهد الديني بالمنطقة بل بالعالم ككل، وتستحق كل هذا التتبع والدراسة، فإننا -لدواع منهجية- سنقتصر على مفهوم التدين الفردي، فماذا نقصد به؟

«إن مفهوم التدين الفردي جاء نتيجة طبيعية للتحولات الكبرى التي عرفها الحقل الديني، وهو يعني أن الفرد/المسلم يصبح مرجعًا لنفسه في الاستمداد والتلقي والممارسة والتوجيه والسلوك والتمثل. حيث يسقط كل المرجيعات والسلطة الدينية، سواء أكانت تقليدية كالمسجد والأسرة والزاوية، أو حركات الإسلام السياسي، أو غيرها من المؤسسات الرسمية أو غير الرسمية التي كانت تنتج وتُعيد إنتاج القيم الدينية. ولا شك أن هذا المفهوم جاء ليحلّ محلَّ التدين الجماعي المرتبط بالولاء للأسرة وللقبيلة وللأمة وللجماعة، وما إلى ذلك. ومن بين مميزات التدين الفردي أنه يستطيع أن يُنشِئ نموذجه التديني، بمعزل عن كلِّ المؤثرات والحيثيات والقواعد والأعراف والمؤسسات، التي كانت تشرط طبيعة التدين عمَّا سبق»[30].

 ولعل في هذا التعريف ما يتجاوز التعريف الذي وظَّفه الباحث «هاني عواد» عندما فضَّل مفهوم «التدين الشبابي» عوضًا عن التدين الفردي قائلًا: «إن التدين الشبابي مختلف جذريًّا عن التدين الشعبي، وهو مختلف أيضًا عن التدين الفردي كما عرفه التنوير الأوروبي، الذي يرى أن الدين بالأساس هو وعي أخلاقي Ethos يلزمه وجود حرية أو عدم قسر في اتخاذ الخيارات الدينية وينحصر في الحيز الخاص، فالتدين الشبابي نمط تدين منتشر في الحيز العام، ومنفلت من قبضة المؤسسات الاجتماعية»[31]. صحيح أن التدين الفردي الشبابي مختلف عن التدين الشعبي، لكنه لا يختلف كثيرًا عن مفهوم التدين الفردي؛ لأن التعريف الفئوي القائم على أساس تصنيف ملتبس وغير واضح يدخلنا في متاهات إبستيمولوجية كثيرة ومتعددة. فقد سبق لبورديو أن قال: «إن الشباب ليس سوى كلمة» وهو مطاط؛ إذ يصعب حصره، وهل نعتبر المحددات العمرية، أم المحددات السوسيواقتصادية، أم المحددات السوسيوثقافية؟ ولهذا فإننا نرى أن نستعيض عنه بمفهوم واضح وجامع وهو التدين الفردي.

 ثانيًا: فالقول بأن التدين الشبابي يلزمه الحرية والتحرر في الفضاءيْن العام والخاص، وبالمقابل فإن التدين الفردي لا يتوفَّر على هذه الشروط، فهو -في اعتقادنا- تحليل تنقصه الأدلة والبحث السوسيولوجي. فالواقع أننا نعيش –رغم أجواء القسر والانغلاق السياسييْن- في أجواء أو هوامش من الحرية، الشيء الذي يسمح بتوسيع فضاءات التعبير عن الذات وإبراز الأنا، بل أكثر من ذلك، مواجهة حتى أكثر الطابوهات التي كانت مسكوتًا عنها في الحقل الديني سابقًا. من ذلك حرية المعتقد والممارسات الدينية (كالتعبير في الفضاء العام عن عدم قبول صيام رمضان)[32]، والحريات الجنسية وتغيير الإرث في النظام الإسلامي، وغيرها من القضايا التي أصبحت قضايا أساسية ضمن عدة قضايا شائكة تطالب بها الأجيال الحالية حكوماتهم ودولهم ومؤسساتهم الدينية وغيرها، سواء عبر الفضاءات الرقمية في الشبكات الاجتماعية أو عبر التعبير عنها في مؤسسات مدنية وإعلامية أو ما شاكلها[33]. ومن ثمَّ نستخلص أن مفهوم التدين الفردي يبقى معبرًا عن نمط التدين الجديد الذي ميَّز الساحة الدينية في الآونة الأخيرة. وربما لا نحتاج إلى مزيد من التوضيح، لكن يكفي أن نستلهم ما ورد في دراسة أنثروبولوجية كندية للباحثة (جيغالدين، 2013) عندما اعتبرت أن فهم مسألة التحول الذي طال الحقل الديني يرجع بالأساس إلى وجود «أزمة» إنتاج وإعادة إنتاج القيم الدينية في الأوساط الغربية، وتراجع دور الكنائس في التربية والتنشئة الدينيتيْن. بالمقابل تزايدت التوجهات الفردانية في عملية بناء المعتقدات والمسلكيات والتوجهات والاختيارات»[34].

 بعدما حاولنا أن نقدم تعريفًا لمفهوم التدين الفردي ننتقل للقسم الثاني من الدراسة، لكي نجيب عن الأسئلة التي قد يطرحها كلُّ متتبع للحقل الديني: ما هي الأسباب المباشرة وغير المباشرة لبروز ظاهرة التدين الفردي؟ وما هي العوامل الخارجية والداخلية، أو بلغة (جورج بلاندي، 1984)[35] Exogènes et Endogènes التي تفاعلت لتبرز هذه الظاهرة؟

ثالثًا: العوامل والأسباب التجاذبية لبروز ظاهرة التدين الفردي

كما أشرنا سابقًا، فإن ظاهرة التدين الفردي لم تأت من فراغ، بل هي بناء سوسيو-أنثروبولوجي، حيث إنها تتأثر بمجموعة من الإشراطات والسياقات المتعددة والمتداخلة والمتشعبة، والتي لا يمكن الإلمام بها كلية. ولهذا سنحاول أن نستجلي بعضًا منها. لأننا على يقين أن الظاهرة الدينية -عمومًا- تنفلت من كل عملية قياس ودراسة، مهما حاولنا أن نوظِّف كل التقنيات والمخيال السوسيولوجي. ومن ثمَّ، يمكن الحديث عن عامليْن[36] متجاذبينْ وليس علاقة النتيجة بالسبب، أولًا: فقدان الثقة في المؤسسات الدينية الرسمية، وثانيًا: الثورة التربوية وتداعياتها على الحقل المعرفي الديني، عبر نزع احتكارها من طرف المؤسسات الدينية الرسمية.

1. في فرضية ضعف الثقة في المؤسسات الدينية الرسمية (التدين الرسمي)

يمكن القول بأن موجات الربيع العربي قد عملت على إبراز هشاشة الدولة العربية، وبيَّنت هذه الأحداث أن هذا الكيان يتميز بأربع خصائص عجَّلت بزواله أو بفقدان الثقة فيه، وهي:

 أولًا: فقدان الشرعية والمشروعية في النظام السياسي، ثانيًا: هيمنة الفساد البنيوي في كل دواليب الحكم، وثالثًا: غياب الفعالية والإنجاز، ورابعًا: زعزعة -إن لم نقل فقدان الثقة- المشروعية الدينية. ورغم أننا لسنا معنيين باستجلاء الخصائص الثلاث الأُوَل -وإن كانت ذات أهمية في التحليل النسقي الذي نتبناه- فإننا سنتوقف عند ملمح بارز ميَّز طبيعة المؤسسة الرسمية في تعاطيها مع الحامل الديني، مع إبراز تأثيره في بروز ظاهرة التدين الفردي. فيكف يمكن توضيح ذلك؟

 لفهم مستوى الثقة في المؤسسة الدينية الرسمية، يكفي أن نقف عند «طقس صلاة الجمعة» وكيف تحوَّل هذا الطقس من ممارسة عادية وروتينية إلى طقس للتعبير عن الاحتجاج والغضب في مرحلة «الربيع العربي» وفيما بعده أيضًا. بيد أن هناك بعض التجارب -المغرب تحديدًا- في المنطقة لم تذهب في المنحى نفسه، مما جعلنا نتساءل: كيف أمكن للفاعل الرسمي احتواء هذا الطقس؟ وما هي الآليات الدينية التي وظفها للحيلولة دون تحوله لطقس للاحتجاج؟

جمعة
                                                 طقوس أداء صلاة الجمعة بالمغرب

بالاستناد إلى نتائج البحث المشار إليه سابقًا، يمكن القول بأن الهدف هو الكشف عن وتيرة المداومة على هذا الطقس (الجمعي)، وأيضًا نوع التمثُّلات التي يحملونها عن خطبة الجمعة، ودورها في حياتهم الخاصة والعامة. ونحن نعتبر أن هذا الطقس لم يحظَ بعد بالدراسة المستفيضة، فالمؤشرات الرقمية تُشير إلى استفادة أكثر من اثني عشر مليون مُصلٍّ[37] يترددون على صلاة الجمعة في ربوع المملكة. وهو رقم ضخم يضاهي -بل يفوق بكثير- عدد الذين تستوعبهم المدرسة العمومية المغربية بكل مكوناتها ومستوياتها. وهذا يُشير إلى الدور المحوري والحيوي لطقس الجمعة، وأيضًا لمكانة الخطيب والخطبة في الحياة الدينية عند المجتمعات المسلمة.

ورغم هذا العدد الهائل الذي يستفيد من هذا الطقس، فلم يدرس أحد هذا الموضوع دراسة تامة بشكل مستقل، فقط هناك بعض الدراسات التي لا ترقى لمقومات البحث السوسيولوجي[38]. وتأتي دعوتنا للالتفات لنوعية هذه الدراسات؛ نظرًا لكون الربيع العربي كشف عن المكانة الاستراتيجية لصلاة الجمعة في بعض دول العالم العربي. في هذا الصدد يقول الباحث «خليل عناني»: «فقد كانت المساجد المصرية-كما هي الحال الآن في سوريا، ومن قبل في اليمن- أماكن تنظيمية وتعبوية لعشرات الآلاف من الساخطين والغاضبين؛ من أجل التجمع والتظاهر ضد النظام المصري. وما زلنا نذكر يوم «جمعة الغضب» في 28 يناير 2011م الذي كان «عنق الزجاجة» في الثورة المصرية. وقد كان ذكاء «شباب الثورة» المصرية ووعيهم فائقيْن، حين ربطوا رمزيًّا بين التظاهر-وهو هنا فعل سياسي محض- وصلاة الجمعة، وهي طقس وواجب ديني محض. وقد كان هذا الربط المدهش سببًا قويًّا في تعبئة وحشد عشرات الآلاف من المصلين الذين لم يمارسوا السياسية يومًا، ولم يخرجوا من قبل في أي تظاهرة سياسية. ولم يكن لجوء شباب الثورة في مصر إلى هذا التكتيك -استخدام المسجد في التظاهر- إلا لإدراكهم العميق لرمزيته، وإمكانيته التعبوية الهائلة في حشد الكتلة الصامتة من المصريين»[39].

جمعة
                                                   «جمعة الغضب» 28 يناير 2011م

يظهر -إذن- من هذا التحليل أن خطبة الجمعة -على الأقل في الدول التي عرفت زخمًا قويًّا للثورات الشعبية- لم تعد كما كانت من قبل، فخطبة ينام فيها المصلون ويؤدونها بدون أية معانٍّ، أو هي -في أحسن الأحوال- عبارة عن طقس روتيني متكرر. بل أصبحت فضاء عامًّا لتثوير الجماهير. فهل يعرف المغرب نفس التحول الذي شهدته خطبة الجمعة في هذه الدول؟ لا نستطيع تقديم جواب عن الموضوع، لكننا سنحاول أن نقف عند بعض المحطات التاريخية التي أطَّرت نظرة الفاعل الرسمي لخطبة الجمعة، وللأدوار الموكولة لها في ظل الهيمنة التي يمارسها على هذا الحقل.

 بالنظر للاستراتيجية المرنة للمخزون الديني[40]، وقدرته على استباق المشكلات في الحقل الديني، فقد تفطَّن الملك الحسن الثاني بعد الثورة الإيرانية، وعمد إلى إلغاء يوم الجمعة كعطلة رسمية -خصوصًا بالمدارس- والإبقاء على صيغة يومي السبت والأحد، بدلًا من الصيغة المعمول بها في الكثير من الدول العربية: الخميس والجمعة. ولعل في هذا الإجراء ما يكفي لكبح أي نزوع نحو استغلال الظرف الأسبوعي لتجمع عشرات بل آلاف المصلين، لتحريضهم على التظاهر، أو أي شكل من أشكال الاحتجاح. ومن جهة أخرى، ستُعزَّز المراقبة على المساجد خلال خطب الجمعة، ففي «سنة 1984م عُيِّن 60  رجل سلطة برتبة قائد تلقوا تكوينًا دينيًّا أمنيًّا وقد ألحقوا بالمجالس العلمية للتنسيق بينها وبين العمال. وقد خاطبهم آنذاك الملك الحسن الثاني قائلًا:

«فمن الآن لا أريد أن أسمع أن خطبة خرجت عن إطارها في أي مسجد من مساجد المملكة، أو أن مشعوذين صلوا جماعة دون جماعة...، فعليكم أن تؤطِّروا المساجد بخطبائها وأئمتها وكل من يعمل فيها.. وإذا قال المجلس العلمي إن هناك بدعة من البدع ترجعون إلى العامل، والعامل يعمل الواجب إذ ذاك بسلطته التنفيذية ثمَّ السلطة القضائية من بعد إن اقتضى الحال.. فنطاقكم هو العبادة، العبادات بما جاء في كتاب الله وما جاء تفسيرًا في سنته ووحدة المذهب»[41].

 لكن ذلك لم يمنع من وقوع بعض الحالات التي بادرت بها الحركات الدعوية والإسلامية، التي كانت تتخذ مناسبة الخطبة الأسبوعية للتنديد بالعدوان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية، أو العدوان على العراق. وأخيرًا، بدأنا نلاحظ كيف أن الفاعل السلفي قد عمل على استغلال هذه المناسبة -أي خطبة الجمعة- للتظاهر والتنديد بقانون الإرهاب والمطالبة بإطلاق معتقليه[42]. ولكن يجدر بنا قبل المُضي في تحليل المتن الكَيفي أن نتوقف قليلًا عند النتائج الكمية التي أسفرت عنها آلية الاستمارة.

الشكل رقم (1)[43]: أداء صلاة الجمعة حسب متغير المستوى الدراسي%

 

الشكل رقم 01

بالمقابل، نجد أن هناك تمثُّلات سلبية تجاه هذا الطقس؛ بسبب اقتصارها على الأدوار التربوية لخطبة الجمعة في التوجيه والاهتمام بالتعاليم الدينية التعبدية والمُعاملاتية، دون أي اهتمام بالقضايا السياسية والتثقِيفيَّة والتربوية في أبعادها الشمولية. ولعل مَرد ذلك يرجع إلى شدة المراقبة التي تُمَارس على الخطباء من طرف وزارة الداخلية بتعاون مع المجالس العلمية المحلية. وأيضًا بسبب وجود مجموعة من الخطباء الذين ينتمون للأجيال السابقة، ولم يستطيعوا أن ينفتحوا على العلوم الجديدة كالعلوم الإنسانية، ومن ثمَّ بَقِيَت خطبهم غارقة في نوع من التقليد والاجترار لما سبق[44].

ومن جهة أخرى، فإن مناسبة صلاة الجمعة في المغرب -ومنطقة الدراسة تحديدًا- لا تُشكِّل ما يمكن أن نسيمه -بلغة هابرماس- "بالفضاء العمومي"، الذي يمكن أن يُشكِّل مجالًا للتناظر والتداول في القضايا المجتمعية. وذلك بالنظر لغياب أجواء الحرية في المجتمع، ونظرًا لتضخم ثقافة الطاعة على حساب ثقافة التحرر والحرية. ولعل المستفيد الوحيد من هذه الوضعية هو الفاعل الرسمي، الذي عمل على "تدجين" خطب الجمعة وجعلها طقسًا روتينيًّا لا حياة فيه.

ما يمكن استخلاصه من نتائج الدراسة ومن المتابعات البعدية أن هناك مواقف معارضة لهذه الهيمنة خصوصًا من لدن فئة الشباب، التي يعتبرون فيها أن الفاعل الديني الرسمي يعمل على فرض هيمنته واحتكار الحقل الرمزي/الديني. ولعل ذلك ما يدفع إلى القول إن هذا الاحتكار للحقل الديني ليس في أفق تثوير قيم المجتمع، بقدر ما يعمل على الحفاظ على الوضع القائم أو ما يسمى بـ"استاتيكو" Statu quo . وعلى كل حال، تبقى هذه النتائج جِدّ معبرة عن طبيعة التمثُّلات التي يختزنها شباب منطقة الدراسة حول نظرتهم للفاعل الرسمي، ومدى تَثْمِينهم أو رفضهم للتدبير العمومي للحقل الديني. علاوة على ما سبق، فإن أهم خلاصة يمكن التوقف عندها هي أن بروز ظاهرة التدين الفردي ليست سوى تعبير عن احتجاج على التدبير الديني من طرف المؤسسة الرسمية، وأنها عنوان يدل على تحولات عميقة يعرفها الحقل الديني بالمغرب وبقية المنطقة العربية-الإسلامية.

2. الثورة التربوية وتداعياتها على الحقل المعرفي الديني

إن معضلة المعرفة الدينية-التي تتسم بطابعها المركب والمتداخل مع مجموعة من الفاعلين، والرهانات والرهانات المضادة- قد أفرزت مجموعة من التداعيات، ليس أبرزها سوى ظهور حركات الإسلام السياسي بديلًا عن «العجز» الذي وقعت فيه المؤسسات الرسمية والدولية عندما عجزت عن تأطير المجتمع، وبشكل خاص الفئة الشابة منه، في مسألة حيوية وهي المعرفة الدينية، بل إن ذلك تفاعل مع عوامل أخرى، كالثورة الإعلامية والتكنولوجية، مما ولَّد إشكالات لا تقل عن سابقاتها، ولعل من أهمها: تشظي المعرفة الدينية، بحيث أصبحنا أمام عدة مخاطبين وعدة فاعلين، وعدة متدخلين في هذا الحقل. مما أدى -وسيؤدي- إلى مزيد من تعقيد الإشكالية، وإلى ظهور أشكال ثقافية هامشية ومتنوعة ومفكَّكة ومتشعبة جدًّا. وللإشارة فقد سبق للباحثيْن في سوسيولوجيا الدين: أكوافيفا، وباتشي، أن تحدَّثا عن هذه الموجة مؤكدين: «لقد انجرَّ عن التشكيك في وحدة المصادر التأصيلية للمعرفة، تولُّد تعدد في الرؤى واختلاف في الحقل الديني، التي تُرْجِمَت في تشظي الأخلاق الجماعية، حتى بات كل فرد يحاول بناءها على هواه، من خلال توظيف مصادر معرفية مختلفة، تمتد من كنيسة الانتماء فوسائل الاعلام، إلى خطاب رجل الدين والقراءات الخاصة. وبالتالي تنامى -من جانب- في المجتمعات الصناعية المتطورة عددُ الأفراد الذين يفسرون العالم الذي يَحْيَون فيه، ويفسرون حياتهم الخاصة دون الرجوع إلى تأويلات دينية سائدة وخارجية، محددين بذلك الشكل تراجعًا هائلًا في المعرفة الدينية الشائعة. ومن جانب آخر تعمقت الهُوَّة بين من يعرف -بشكل تخصصي- محتويات ونصوص دين محدد، ومجمل المؤمنين العاديين»[45]. وقد كان من بين أسباب هذه التحولات في المعرفة الدينية، عدة عوامل لعل من بينها: «غياب المعايير المُسْتَدمجة من طرف الشباب والأجيال الجديدة، جرَّاء تراجع الأدوار التربوية للأسرة. وثانيًا: عدم قدرة المدرسة العمومية على تقديم تنشئة دينية متوازنة ومطابقة، وثالثًا: تراجع المجتمع ككل في إمداد الأجيال الجديدة بتربية دينية معاصرة»[46]. ولا شك أن هذه الأزمة المعرفية خلقت وستخلق وضعًا متشابكًا ومعقدًا في الآن نفسه. وهو المُتمثِّل في فتح المجال لبروز العديد من التحولات والمظاهر، لعل من بينها بروز عقلنة وترشيد للمعرفة الدينية، مما فتح المجال واسعًا أمام انتشار ظاهرة التدين الفردي عبر بوابة الدعاة الجدد. وثانيًا: -وهو الأهم- نزع القداسة عن المؤسسات الدينية الرسمية وحركات الإسلام السياسي، والأسرة والمسجد وكل أشكال التتنظيمات الدينية والتربوية التي تعمل على إنتاج وإعادة إنتاج القيم الدينية. ولكي نُبْرِز هذه الفكرة، فإن النتائج التي حملتها الدراسة تُبين ذلك بوضوح.

الشكل رقم (2)[47]: مصدر المعرفة الثالث حسب متغير المستوى الدراسي

 

الشكل رقم 02

يتضح من الشكل أعلاه أن أغلبية الشباب يستمدون معرفتهم من مصادر غير تقليدية (الأصدقاء ثم الكتب والإنترنت). من جهة أخرى، عندما نُعْمِل القراءة بالمتغيرات تظهر مجموعة من الفروق. فبحسب الشكل نفسه، يتضح أن الفئة التي تستلهم معرفتها الدينية من الأصدقاء هي فئة غير متعلمة بنسبة (23.9%). بينما عند فئة التعليم العالي نجد الكتب بنسبة (21.1%) وهي نسبة دالة باعتبار أن هذه الفئة قد حققت من الاقتدار المعرفي ما يجعلها تُشكل معرفتها الدينية من خلال مصادرها الخاصة بدون وساطة تُذْكر.

 وعليه، يمكن القول -بنوع من النسبية- إن الحقل المعرفي الديني لم يكن ليبقى معزولًا عن مختلف التحولات القوية التي وقعت في مجموعة من الحقول. حيث إن الانفتاح والتعدد والغنى الذي أصبحت تُرَوَّج به المعارف والرؤى والقيم الدينية عبر مختلف الوسائط، سيؤدي إلى حدوث نوع من التشظي المعرفي، وسيُعقِّد مهمة كل المتدخلين والفاعلين في محاولة تقديم أجوبة عن هذا التحول السريع والمتقلب. وقد زاد من حجم الصعوبة التدفق الإعلامي عبر الفضائيات والشبكة العنكبوتبة اللَّتين خلقتا جيلًا جديدًا من أشكال سبل ترويج المعرفة الدينية، ومخاطبين عولميين ومضامين عابرة للقارات والمجتمعات والخصوصيات، مما بدأ يطرح معه مفهوم «الأمن المعرفي الديني» على غرار «الأمن الروحي». وحتى لا نكون مجازفين تجاه هذه المعضلة، فإن ذلك لا يمنع من معاينة تحولات كثيرة خلقتها هذه الطفرة الإعلامية والتكنولوجية في مجال المعرفة الدينية، ليس أقلها إزاحة الهيمنة والاحتكار على إنتاج وإعادة إنتاج المعرفة الدينية. وهو ما سنتعرف عليه في العنصر الأخير في هذه الورقة.

رابعًا: تجليات ظاهرة التدين الفردي ومظاهرها

1. سَلْعَنة التدين: التدين الفردي نموذجًا

 لعل من بين الملامح الكبرى التي برزت في طبيعة التدين بالمنطقة، هو بروز النزعة الاستهلاكية الدينية، وذلك من خلال التخلي عن كل المرجعيات الكبرى، والنظرة الشمولية في التغيير والتأثير، وتبني «مقاربة تقنوقراطية خالية من كل أيدولوجيا، وذلك جرَّاء السيولة الكبرى للمفاهيم العولمية، مثل «البراغماتية»، و«الحقيقي هو المفيد»، و«البقاء للأصلح»، و«ما ينفع الناس هو الأقوى». وكل ذلك جرى بشكل لا واعٍ في مخيال العقل العربي-المسلم ووجدانه. لكن أهم تجلٍّ لكل ما سبق، سيظهر في ما سيوفره السوق الاقتصادي من إمكانيات هائلة لتسويق المنتجات الثقافية والرمزية -بما فيها الدين- عبر مدخل الإعلام الديني، في بيئات متعددة ومختلفة ومتشابكة ومعقدة في أحايين أخرى. هكذا سيجري تكييف «العرض الديني مع التوقعات الحقيقية أو المحتملة لجمهور مستهدف بدقة»، بدل الخطاب المرتكز على الينبغيات والمطلقات واليوتوبيات التي قد تتحقق أو لا تتحقق. إذ الجمهور يريد الجاهز والآني والمستظرف، بدل انتظار الذي يأتي أو قد لا يأتي. ومن خلال هذا التغير في الحقل الديني، سيتحول الجمهور الديني الواسع من مُعتنق لأيدولوجيات مثالية وماهوية إلى مستهلك يطلب ما يحتاجه في معيشه اليومي. حيث استهلاك الفتوى بكل حرية دون الرجوع إلى أهل «الحل والعقد»، وحيث ينتعش خطاب التسهيل والترخيص بدل التشدد والحدِّية، وسيحل أيضًا خطاب ما ينفع الناس، بدل لغة الحلال والحرام. بيد أن أهم تحول طرأ مع موجة «تسويق التدين»، هو ما عبَّر عنه الباحث «باتريك هايني» بـ«التفكير في الإسلام كمنتج موجه إلى مستهلكين»، انطلاقًا من مقولة تأطيرية مهمة جدًّا: «لا يجب أن نَنشُد الفضائل المطلقة من منطلقات دينية، ولكن عبر بيعها من خلال فاعليتها الاجتماعية»[48].

ويمكن أن نستنتج من هذا التحليل أن الحامل الديني أصبح «سلعة» تُوظَّف في سوق الاقتصاد و«الماركتينج»، عبر مقاولات تُنتِج خطابًا اقتصاديًّا بلغة دينية؛ لتضمن لسلعها الرواج والذيوع، في عالم أصبح يلهث وراء ما يُلبي «رغبته» العارمة في تحقيق «طهارة» دينية، وإن كان يمارسها في سياق اقتصادي محض. ولعل ما تتحدث عنه الأرقام المهولة من إقبال على العمرة أو على منتوجات دينية -سواء مادية أو رمزية في السنوات الأخيرة- يُدعِّم ما ندعيه من توجهات جديدة. يقول «أوليفي روا»:

«في الوقت نفسه، فإن عملية عادة التملك الفردي للمقدس، هي -على العموم- عملية في العمق أرثوذوكسية: إنها تعمل على استرجاع الدين، يعني التقليد المضبوط والمقدس من طرف الأسلاف، شريطة ربط الصلة مع مرحلة التأسيس، أي مجتمع الرسول. هنا من دون شك تنفصل الأشكال المتفردة في التدين الإسلامي المعاصر عن التخفيف من حدة الدين، وعن الفرق بين المقدس والدين بالنسبة للمسيحية. هكذا، فالنقاش يقوم في الغالب على ترصيص سور قرآنية وأحاديث نبوية والعمل على تأويلها في الاتجاه الذي نفضله، يتعلق الأمر بمنحييْن: منحى ليبيرالي يبرر الدعوة إلى العيش في سلام، وضرورة التعاون مع غير المسلمين، ويعمل على إلغاء العناصر الأكثر إشكالية في التعاليم القرآنية، عن طريق اللجوء إلى تأويلات مُعَقْلَنة (لقد حرَّم الله السُّكر ولم يُحرم الكحول)، روحانية أو براغماتية»[49].

2. ظاهرة التدين الفردي وبروز موجَتَي التعصب والإرهاب العالمييْن:

بالمقابل، نجد أن هذه الموجة الجديدة التي برزت بشكل قوي مع الإعلام الديني، قد شكَّلت فرصة لبروز توجهات راديكالية تميل نحو التعصب والعنف والإرهاب، باسم الدين تارة وباسم التعبير عن الذات تارة أخرى، وباسم التفوق الديني في العديد من المناسبات، أو باسم الأفكار المتطرفة التي تلتصق بذهن الشباب ووجدانهم، وذلك لما يغذيه هذا الخطاب عبر الوسيط الإعلامي تحديدًا من خطاب هوياتي عزيز على النفس وأثير عندها، وما يلقيه في «المستهلك» من صور ونماذج تحنّ لماضٍ يوتوبي حالم.

هذا المعطى يشرحه جيدًا «روا» قائلًا:

«ومنحى آخر يمثله الأصوليون الذين يبالغون في تصورهم للرسالة الدينية (جاعلين من الجهاد فريضة شخصية). هكذا فالأصوليون الجدد يعتبرون أن النص مقدس، إذ يحولونه إلى مجرد تقنين، وما دام يتم تفريغه من أية مرجعية متعلقة بمجتمع ملموس، فإنه يصبح صالحًا لكل مجتمع»[50].

وهذا لا يعني فقط أن مسألة التطرف أو العنف مرتبطة بالدين، بل إنها مرتبطة بسياقات محايثة أخرى، كمسألة تلقي المعرفة الدينية وآليات الاستمداد والتداول. حيث  إن أنماط التدين الحالية -كما نعلم- تتميز بكونها تعمل على فصل الدين عن الثقافة المحلية التي يعيش فيها هؤلاء المتحولون الدينيون، وهو ما يجعلهم أسيري قراءات غير سياقية لبعض الأحكام الدينية: كالتكفير أو الجهاد أو الشرعية أو المواطنة أو غيرها. ولهذا يقع كثير من هؤلاء في شباك الحركات الإرهابية، ظنًّا منهم أنهم يستجيبون للدين الحقيقي. ويمكن أن نقترب من تداعيات بعض أشكال التدين التي برزت في السياق الأوروبي، باستحضار ما ذكره الباحث المتخصص في الحركات الإسلامية (أوليفي روا) للحديث عن موجة ما بعد حداثية في طريقة تمثُّل هؤلاء للدين. وقد لا حظ الباحث نفسه كيف أن عزل الثقافة عن الدين يؤدي إلى منزلقات كثيرة، ليس آخرها سوى إسقاط التجربة التاريخية للإسلام على أحداث ووقائع وبيئات، غير متطابقة مع الدين نفسه. يقول (روا، 2017): «ثمة سيرورة معاصرة لتطرف أصولي في الأديان، مردها إلى تقهقر الهوية الثقافية والقطيعة بين الأجيال، والعولمة أو التحول الديني (الإسلام)، والعودة الفردية إلى الممارسات الدينية-يمكن أن تتقاطع وتتجاور». ويخلص «روا» إلى أن «التطرف العنيف ليس نتيجة التطرف الديني»، وإن اقتبس منه -في معظم الأحيان- الطرق والنماذج، ولهذا أسميه «أسلمة التطرف». ومن خلال هذه النتيجة التي توصل إليها الباحث «أوليفي روا» أو غيره من الباحثين المتخصصين في الظاهرة الدينية، يمكن القول إن نزع القداسة عن المؤسسات الدينية وباقي المؤسسات الوسيطية الأخرى، كحركات الإسلام السياسي أو المؤسسات التقليدية في المجتمعات المسلمة أو غيرها من المجتمعات، فسح المجال لبروز أنماط من التدين المنفلت من كل أُطر مرجعية محددة، ولعل من أبرز أنماطها ظاهرة «التدين الفردي».

خامسًا: خلاصات واستنتاجات وآفاق للتحاور والاستشراف

نخلص مما سبق عرضه إلى أن سرعة التحولات الدينية في العالم، قد أفرزت العديد من الظواهر الجديدة، التي تستحق المتابعة والاهتمام العلمي والأكاديمي. ولعل أهم هذه الظواهر -في اعتقادنا- هي ظاهرة التدين الفردي، التي حاولنا في هذه الورقة أن نُبيِّن بعضًا من أوجه تفاعلاتها. ولا شك أن العديد من المجتمعات المعاصرة قد عرفت هذه الظاهرة، التي تشكل -في اعتقادنا- واحدة من التحولات العميقة التي يشهدها الحقل الديني. وهو ما يعبِّر ثانيًا عن ملمح جدالي بين العلمنة والدين. بمعنى آخر..

إن بروز موجة التدين الفردي ليست سوى مؤشر على أشكال التفاوضات التي تعتمل في الحقل الديني، والتي يعمل العديد من الفاعلين على تبني مسلك ديني يناسب سياقات وجودهم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي بصفة عامة. وقد سبق لبعض الباحثين أن تحدثوا عن توجه جديد سمي بـ«تحلل التقليدي» (la détraditionnalisation)، التي تعني «إزالة الحمولة الثقافية للدين»، كما يقول بذلك «روا». ولهذا فإن سرعة التحولات الدينية والعوامل التي أشرنا إليها في الدراسة، مثل ارتفاع الرأسمال الثقافي والمعرفي، وفقدان الثقة في المؤسسات الدينية الرسمية وغيرها، وتملك الأجيال الحديثة لمصادر المعرفة الدينية، بإنتاجها وإعادة إنتاجها، كلها أسهمت في «تَشْظِية» المشهد الديني، ومن ثمَّ لم يَعُد الحديث عن «هوية متماسكة» ممكننًا، بقدر ما أصبح التدين الفردي يؤشر على نوع من الاستراتيجيات التي يتبناها الشباب، والتي خلق من خلالها هُوَّة بين التدين الجمعي والتدين الفردي، ولهذا يمكن الحديث عن موجة «التدين الشخصي» أو «شخصنة التدين».

وفي الختام، تسمح المعطيات التي وقفنا عندها -وهي لا تمثل إلا عينة صغيرة من المجتمع- أن الخريطة الدينية تبدو جِدّ مركبة وشديدة التعقيد، إذ نجد هناك تعايشًا حذرًا ومتوترًا بين العديد من التدينات، كالرسمي والشعبي والطُرقي والحركي والليبرالي والعنفي، وأخيرًا التدين الفردي. كل ذلك يدفع في اتجاه الحديث عن وجود تعددية دينية قد تنفلت من كل تنميط. وربما يبرز التدين الفردي الذي ركزنا عليه الاهتمام في هذه الورقة، لكن ذلك لا يعني أنه هو المهيمن والغالب على بقية الأنماط. وربما سينتعش التدين الفردي كلما ترسَّخت قيم التمايز بين ما هو ديني وسياسي وقانوني وحقوقي وبين الحريات الفردية والحريات الجماعية، وذلك رهين بتوسعة الهوامش الديمقراطية في المجتمعات العربية والإسلامية، التي ما زالت تعيش على وقع تحولات عميقة ومركبة في الآن نفسه. أو قد يبرز شكل آخر من التدين، كالذي أطلق عيله البعض «التدين الليبرالي»، كنمط مفضل لدى غالبية الشعوب والمجتمعات. ويبقى من مهمة الباحثين في سوسيولوجيا الأديان الغوص في هذه الخرائط التدينية، لفهم أسبابها العميقة وغير الظاهرة، لتقديم قراءة موضوعية للحالة التدينية، بعيدًا عن كل تحيز خفي أو ظاهر.

 


[1] انظر بخصوص هذا الموضوع: رشيد جرموني، الدين والإعلام: في سوسيولوجيا التحولات الدينية،( المملكة العربية السعودية: مركز الدراسات والبحوث، الفيصل، سنة 2019م).

[2] محمد سويلمي، «الإفتاء الإلكتروني: الخطاب الديني وإعادة المَأْسَسة»، مشاركة في مؤلف جماعي تحت عنوان: صناعة الفتوى، إشراف: بسام الجمل، تنسيق : أشرف الطريقي، سلسلة ملفات بحثية، قسم الدراسات الدينية (مؤسسة مؤمنون بلا حدود، نونبر، 2016)، ص30،انظر الموقع الإلكتروني التالي:

https://bit.ly/3BDobLz

[3] انظر في هذا الصدد: رول ميير، السلفية العالمية: الحركات السلفية المعاصرة في عالم متغير، ترجمة: محمد محمود التوبة (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2014م).

[4] رشيد جرموني، «سوسيولوجيا التحولات الدينية: التدين الفردي نموذجًا»، (مؤسسة مؤمنون بلا حدود، 31 أكتوبر/تشرين 2015) انظر الموقع الإلكتروني التالي:

https://bit.ly/3iJdyOW

[5] Max Weber, L’éthique protestante et l’esprit du Capitalisme « (,version numérique),les classiques des sciences sociales, préparé par, Jean-Marie Trembly. Site web..  https://bit.ly/2VcDp9S

[6] محمد الصغير جنجار، «القيم والتحولات الاجتماعية والثقافية بالمغرب»، سلسلة (مقدمات)، عدد 33، الدار البيضاء، 2005م، ص27.

[7] تجدر الإشارة إلى أننا أنجزنا دراسة علمية في منطقة سلا-الرباط بالمملكة المغربية سنة 2019، اعتمدنا فيها على المعطيات الرسمية الخاصة بنسبة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15عامًا و35 عامًا، وقد تكونت عينة البحث من 500 شاب وشابة، يمثلون مختلف المحددات الاجتماعية، كالسن والجنس والمستوى الدراسي ووسط الإقامة والانتماء السوسيو-اقتصادي والسوسيو-مهني؛ وذلك من أجل الوفاء بالاختيارات المنهجية والعلمية المتعارف عليها في مثل هذه الدراسات.

[8] انظر في هذا السياق:

نتائج المؤشر العربي (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات)

 https://bit.ly/3l8NU8O

أو  من خلال:

تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2016م: «الشباب وآفاق التنمية الإنسانية في واقع متغير»، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، المكتب الإقليمي للدول العربية»، انظر:

www.arab-hdr.org  وwww.undp.org/rbas

أو  نتائج البحث «الإسلام اليومي»

 Hassan Rachik et Autres, Islam au quotidien, Enquête sur les valeurs et les pratiques religieuses au Maroc, Editions Prologues, (Collection: Religion et Société), Casablanca, 2007).

[9] - Dominique Reynié,(direction), La jeunesse du monde, une enquête planétaire, Fondapol Fondation pour Hl’innovation politique, Paris, 2011.

وجب التنويه إلى أننا أنجزنا عرضًا ملخصًا لأهم ما ورد في التقرير، انظر: رشيد جرموني، “المجلة العربية لعلم الاجتماع”، ”إضافات”، المجلة العربية لعلم الاجتماع، العدد السادس عشر، (بيروت: 2011م).

[10] كليفورد غيرتز، الإسلام من وجهة نظر علم الأناسة: التطور الديني في المغرب وإندونيسيا، ترجمة: أبو بكر أحمد باقادير، (بيروت: دار المنتخب العربي للدراسات والنشر والتوزيع، والمؤسسة الجامعية للدراسات والنشر،الطبعة الأولى، 1993م)، ص16.

[11] بيبا نوريس-رونالد إنكليهارت، مقدس وعلماني: الدين والسياسات في العالم، ترجمة: وجيه قانصو-أحمد مغربي (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018م)، ص20.

[12] خوسيه كازانوفا، الأديان العامة في العالم الحديث، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، مركز دراسات الوحدة العربية، 2005م)، ص13.

[13] Peter Berger, Thomas Luckmann, « la construction sociale de la réalité », Armand Colin(France), 2006, , p, 36.

[14] خوسيه كازانوفا، الأديان العامة في العالم الحديث، م.س، ص32/33/34، بتصرف يسير.

[15] فيلسوف وعالم اجتماع، وُلِد سنة 1927 بسلوفينيا. رحل بعد الحرب العالمية الثانية للولايات المتحدة الأمريكية، وتابع دراساته وانخرط مبكرًا في «المدرسة الجديدة للبحث الاجتماعي» New school for social research، والتحق بعد ذلك بجامعة «هارفرد» حيث كان للقائه مع «بارنسونز» عميق الأثر في تطوير رؤيته للظواهر الاجتماعية وإنضاج نموذجه التفسيري، ويشكِّل كتابه المشترك مع «بيرغر» واحدًا من الكتب القيمة في مجال النظرية الاجتماعية، إلا أن مؤلفه «الدين غير المرئي» The invisible religion, the problem of religion in modern society. New york: Macmillan, 1967، يعدُّ واحدًا من الكتب الرائدة التي استطاعت أن تقدم نظرية بديلة لنظرية العلمنة الكلاسيكية.

[16] Bryan S.Turner,”Religion and Modern Society: Citizenship, Secularization and the State”, Cambridge University Press, New York, 2011, on the web:www.cambridge.org/9780521675321,date consultation: 30/03/2012., p,11.

[17] علي عبد الرازق، الإسلام وأصول الحكم: بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام، تقديم: حيدر إبراهيم علي، كتاب الدوحة، رقم 5، (قطر: وزارة الثقافة والفنون والتراث، 2011م)، ص38.

[18] يميز روا بين «العلمنة التي تنبني على خيارات سياسية، بينما الدنيوة هي بالمقابل نتيجة سيرورات ثقافية لم تنشأ بمراسيم، ويضيف أنه لا يمكن تصور علمانية بدون دنيوة مسبقة»، انظر: أولفيي روا: «الإسلام والعلمانية»، ترجمة: صالح الأشمر، (بيروت: دار الساقي، 2016م)، ص118.

[19] المصدر نفسه.

[20] محمد علي أدراوي، السلفية في فرنسا: «الأيديولوجية والممارسات والتناقضات»، مشاركة وردت في: السلفية العالمية: الحركات السلفية المعاصرة في عالم متغير»، تحرير: رول ميير، (مجموعة من المؤلفين)، ترجمة: محمد محمود التوبة، (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2014م)، ص524.

[21] Disselkanp Annette, « la typologie église- sectes- mystiques selon Ernest Troeltch », l’année sociologique, 2006/2 (vol, 56), p.457-474. DOI: 10.3917/anso.062.0457.URL :https://www.cairn.info/revue-l-année-sociologique-2006-2-page-457.htm. (date de consultation: 22-01-2019)

[22] غيلفورد غيرتز، الإسلام من وجهة نظر علم الأناسة، التطور الديني في المغرب وإندونيسيا»، م.س، ص28.

[23] إرنست غيلنر، مجتمع مسلم، ترجمة: أحمد بقادير، (بيروت: دار المدار الإسلامي، 2004م)، ص9.

[24] المصدر: إرنست غيلنر، «مجتمع مسلم»، م س، ص142.

[25] عبد الباقي الهرماسي، علم الاجتماع الديني: المجال-المكاسب-التساؤلات، الدين في المجتمع العربي، أشغال ندوة، مؤلَّف جماعي، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، الجمعية العربية لعلم الاجتماع، ط 2، 2000م)، من ص15: 31.

[26] حليم بركات، المجتمع العربي المعاصر: بحث في تغير الأحوال والعلاقات، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 2009م) ص279.

[27] رشيد جرموني، «مقترب منهجي لدارسة الظاهرة الدينية عند الشباب نموذجًا»، مجلة إضافات، العدد35، صيف 2016.

[28] وهو البحث الذي قدمناه للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات من أجل النشر في سنة 2017، وقد توصلنا بمراجعة له، ونحن بصدد استكمالها وتحيين بعض المعطيات الميدانية. انظر: رشيد جرموني، «الشباب وتحول القيم...»، رسالة دكتوراه من جامعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، تحت إشراف: د. المختار الهراس، سنة 2013، (في طريقه للنشر).

[29] آصف بيات، الحياة سياسة: كيف يغير بسطاء الناس الشرق الأوسط، ترجمة: أحمد زايد، (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2014).

[30] رشيد جرموني، «سوسيولوجيا التحولات الدينية، التدين الفردي نموذجًا»، م.س.

https://bit.ly/3rR5GPD

[31] هاني عواد، «التدين الشبابي: نمط منفلت عن المؤسسة الأيديولوجية»، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، (الدوحة: أكتوبر2011م)، ص21. ( انظر الموقع الإلكتروني: www.dohainstitute.org، تاريخ الاستشارة:17-01-2019).

[32] انظر تجربة «حركة البديل للحريات الفردية» المغربية وهي جمعية تنادي بالفصل بين السياسية والدين وبين العقائد والحريات وبين الوحدة الثقافية والدينية والتعدد الثقافي والديني. (MALI-Mouvement Alternatif pour les libertés individuelles).

[33] رشيد جرموني، الشباب المغربي وحرية المعتقد: جدل القيم الكونية والخصوصية»، مجلة ذوات، العدد الثاني، مؤسسة مؤمنون بلا حدود: http://www.thewhatnews.net/post-page.php?post_alias، 2015.

[34] Géraldine Mossière, « Converties à l’Islam, Parcours de femmes au Québec et en France », Les Presses de l’Université de Montréal, 2013, Canada.

[35] Balandier - Georges, sens et puissance, les dynamiques sociales, Quadrige, PUF, Paris, 4°édition, 2004.

[36] بكل تأكيد هناك العديد من العوامل التي تفاعلت لكي تؤدي إلى بروز ظاهرة التدين الفردي، لكننا لأسباب فنية خاصة بحجم الورقة، سنرجئ الحديث عن بقية العوامل في ورقة أخرى، قد تكون على شكل كتاب.

[37] في الواقع، يمكن النظر إلى هذا الرقم وغيره بنوع من الحيطة والحذر، نظرا لغياب معطيات علمية مدققة، فالغالب أن مصدرها من وزارة الداخلية التي تعتمد على الأرقام التقديرية التي يجمعها أعوان السلطة (المقدمون)، ومن ثمَّ فقراءة هذا المؤشر تبقى نسبية.

[38] عندما نتحدث عن دراسة سوسيولوجية شاملة، فذلك يعني تكثيف البحث والاستقصاء وجمع المعطيات في منطقة معينة، وتتبع مسارات الخطباء وكيفية تنصيبهم لأداء الخطبة، ودراسة المتن الذي يصرفون على مدار السنة، وكيف يتم الربط بين التحديات التي تواجه المجتمع، والحفاط على- مورفولوجية خطبة الجمعة، وما هو التأثير الذي تمارسه على مستمعيها؟ أو لماذا ليس هناك تأثير معين؟ وكيف يمكن قياس هذه التأثيرات، سواء بشكل مباشر أم عبر الأثر؟ وعلى كل حال نأمل أن يتم التقاط هذه المقدمات الأولية لمحاولة استكشاف سوسيولوجيا خطب الجمعة بالمغرب.

[39] خليل عناني، «دور الدين في (المجال العام) في مصر بعد ثورة 25 يناير»، منشورات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، (الدوحة: مارس 2012م)، ص 7، 8. (تاريخ الاستشارة: 1أبريل، 2012م).

[40] نقصد بهذه العبارة، ما يقوم به الفاعل الرسمي في تأطيره للحقل الديني، خصوصًا بعد الثورة الإيرانية في سنة 1979، في عهد الراحل الملك الحسن الثاني، وبعده في عهد الملك محمد السادس، عقب أحداث 16 مايو 2003، والتي كسرت مقولة الاستثناء المغربي، للمزيد حول خطة الإصلاح الديني انظر: رشيد جرموني: سوسيولوجيا التحولات الدينية: الفاعل الصوفي نموذجًا، مجلة إضافات، العددان: 29-30، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية: أبريل/نيسان 2015م)، ص 108-127.

[41] عمر الشرقاوي، «الملك والدين: في عقلنة الحياة الدينية»، المجلة المغربية للسياسات العمومية، العدد5،  صيف 2010، ص121.

[42] مع الحراك العربي المتموج عمل الفاعل السلفي على تنظيم احتجاجات سلمية والتظاهر أمام بعض المساجد عقب صلاة الجمعة، وذلك للتعبير عن معاناته من تداعيات أحداث 16 مايو 2003، و والتنديد بالاعتقالات التي طالت مجموعة من أعضائه.

[43] المصدر: نتائج البحث الميداني.

[44] حصل ذات مرة وأنا في المسجد لأداء صلاة الجمعة إذ بالإمام يتحدث عن الإنجازات التي تحققت في عهد الملك محمد السادس منذ اعتلائه العرش، وقد نسي الخطيب في معرض حديثه أنه بدأ يتحدث عن الملك الحسن الثاني بشكل لا واعٍ، مما لم ينتبه إليه إلا في ختام خطبته، وقد أيقنت أن الخطيب ما زال مشدودًا للفترة الحسنية رغم مرور أكثر من عقد من الزمن على وفاته.

[45] سابينو أكوافيفا، إنزو باتشي، علم الاجتماع الديني الإشكالات والسياقات، ترجمة: عز الدين عناية، (الإمارات العربية المتحدة، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث (كلمة)، 2011م»، ص115.

[46] Farhad Khosrokhavar, «le nouveau jihad en occident», collection, «le Monde comme il va», drigée par Michel Wieviorka, Editions, Robert Laffont, Paris, 2018,p.p: 285-286.

[47] المصدر نفسه.

[48] رشيد جرموني، قراءة في كتاب «باتريك هايني»، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، مايو/2016م.

https://bit.ly/3lkcrYU

[49] أوليفييه روا، الإسلام المعولم، ترجمة: عزيز لزرق، (الرباط: مركز طارق بن زياد، الرباط، 2004م)، ص83.

[50] روا، «الإسلام المعولم»، م.س، ص83.