أهمية مذاهب الفقه السني في التاريخ الديني للإسلام

فقه مدرس تراث إسلام

كلمة المترجم

 

1. في ضرورة التأريخ الديني للإسلام

لعل أحدًا لا يُمَاري في أنَّ تحسين معرفتنا العِلْمية بالإسلام، من حيثُ هو دينٌ نؤمن به أولاً وننشد الفقهَ بتاريخه ثانيًا- رهينٌ بدراسة الأفكار والمذاهب والحركات الدينية دراسةً تاريخيةً تتعقَّب نشأتها، وترصد السياق الذي أحاط بها، وتحقِّق العلاقة بين مراحل تطورها وبين تحولات المجتمع الذي استوعبها، وتوجهات السُّلْطة السياسية التي بسطت لها يدَ الدعم والمعونة تارةً أو قمعتها وأخذت عليها سبيل التمدد والانتشار تارةً أخرى.

وليس التأريخ للتيارات والمذاهب الدينية -في صحيح معناه- إلَّا دراسةً لتمثُّلات الدِّين في الواقع الاجتماعي، ولدور البشر في تشكيل المعارف الدينية؛ فلا يدخل في صُلْب هذه العملية دراسةُ الدِّين النظري من حيثُ هو عقائد مجرَّدة أو شرائع مُنبتَّة الصلة بسياقاتها الزمانية والمكانية. ولعل من نافلة القول أن نذكر أن دارس الحياة الدينية في الإسلام لا ينبغي أن يستغرقه تقييمُ الأفكار والمذاهب الإسلامية، أو محاكمتُهَا إلى البنيةِ النَّصِّية للإسلام والمتمثِّلة في القرآن الكريم وما صحَّ من الحديث الشريف، فغايةُ ما يرجوه دارسُ التاريخ أن يُوفَّق إلى إبراز تجليات الدين العملية في تفاعلها مع حركة المجتمع.

ولئن كان من غايات الدرس التاريخي، في السياق الإسلامي، بيانُ الصلة بين حاضر الإسلام، ولا سيما حاضره الديني المتشعِّب، وماضيه الممتد على مدار أربعة عشر قرنًا، فلا جدال في أن التغيير الذي يطرأ على هذا الحاضر ينعكس بالضرورة على طبيعة النظرة إلى الماضي وطرائق فهمنا له؛ فليس في مقدورنا -كما يقول جون ليشته (John Lechte)- "أن نفهم الماضي كما هو في حدِّ ذاته؛ لأنه الآن أصبح يُفْهَمَ من خلال اهتمامات الحاضر وهمومه[1]. وكذلك يرى ماكس فيبر (Max Weber) «أن كلَّ عصر تتجدَّد فيه الأسئلةُ التي يطرحها المؤرخون على نفس الماضي؛ ولهذا فلا يمكن أن نتصوَّر وجود دراسة تاريخية نهائية»[2]. ومن التطورات التي مسَّت الحاضرَ، فأوجبت على المؤرخين والباحثين مقاربة الماضي من منظور جديد، تلك الطفرةُ الهائلةُ التي شهدتها العلومُ الإنسانية/الاجتماعية، وتقدُّمُ منهجياتها في التفسير والتأويل تقدُّمًا لا يسع باحثًا جادًّا التغاضي عنه أو الزهد في الإفادة من ثماره النافعة.   

ويجب على الباحث في حقل التأريخ الديني للإسلام، فوق الاطلاع على العلوم الاجتماعية ومحاولة توظيف مفاهيمها ومنهجياتها في إنتاج خطابٍ رصين- متابعةُ ما أنتجه المستشرقون في هذا الباب متابعةً دقيقةً، والتوفُّرُ على قراءة أعمالهم  قراءةً ناقدةً تتجاوز ذلك المنطق البائس الذي يقنع من تقييم المنجز الاستشراقي إمَّا بإدانته والتشكيك في نزاهة بواعثه مطلقًا، وإمَّا بالركون إلى نظرياته ركونًا كسولًا والثقة فيما يقرره من أحكام وآراء ثقة عمياء، عوضًا عن النظر إليه بوصفه منتجًا معرفيًّا يُؤْخَذ منه ويُرَدُّ عليه.

وأحسبُ أن فيما قدَّمه المستشرقون من الآراء والأفكار حول تاريخنا الديني، وغيره من نواحي التاريخ الإسلامي، ما يستحق التقدير والثناء، وفيه أيضًا ما يتعيَّن نقدُهُ وبيانُ تهافته؛ لانحراف صاحبه عن جادة الموضوعية والإنصاف، أو لكونه أجنبيًّا عن روح الإسلام ولغة نصوصه الأولى. ولعلنا واجدون فيما نخالفهم فيه من النفع والفائدة أكثر مما نجنيه في حال الموافقة والتسليم؛ لأن الخلاف يدعونا إلى إعادة النظر في موروثنا والعمل على التماس أسانيد جديدة لما نؤمن بصحته على نحوٍ أكثر صلابةً وأعظم تماسكًا.

2. جورج مقدسي والتأريخ للمذاهب الإسلامية

لم يَعُدْ اسمُ جورج مقدسي (1920-2002م)، المستشرق الأمريكي ذي الأصول الشامية- مجهولًا لدى قُرَّاء العربية؛ فقد عرفوه أوَّلَ ما عرفوه في ثمانينيات القرن المنصرم، حين ترجم له المؤرِّخُ العراقيُّ الراحل صالح العلي دراستَهُ الموجزة «خطط بغداد في القرن الخامس الهجري» (The Topography of Eleventh Century Bagdad: Materials and notes)[3]، ثم أقرُّوا له في تسعينيات القرن نفسه برسوخ القدم في الدراسات الإسلامية حين طالعوا دُرَّة أعمالِهِ "نشأة الكليات: معاهد العِلْم عند المسلمين وفي الغرب" (Rise of Colleges: institutions of Learning in Islam and the west)[4].

على أن الاهتمام الجاد بنقل تراث مقدسي إلى العربية -سواء أكان كتبًا مُطَوَّلةً أم بحوثًا موجزةً- قد تأخَّر إلى العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وهو اهتمامٌ يُكِافئُ ما عُرِف به الرجلُ في جمهرة أعماله «من اطلاع واسع واستيعاب للمصادر وحرص على التدقيق وعمق في الإدراك واتزان في الأحكام»[5]، وهي صفاتٌ لا تجتمع إلَّا لآحاد الباحثين في الجيل بعد الجيل، وهي ألزمُ ما تكونُ للمؤرخ إذا اختار المذاهب والحركات الدينية حقلًا ينقطع لدراسته، وهو الحقل الذي ضرب فيه مقدسي بسهمٍ وافرٍ، فهُدِيَ فيه إلى آراء مبتكرة، وكانت له في شعابه نظراتٌ أصيلةٌ لعله لم يُسْبَقْ إليها، فيما أعلم. وليس من المبالغة في شيءٍ أن نقرر أن البحث التاريخي لم يتجاوز حتى الآن "الأطروحة المقدسية"، وأن الاطلاع على هذه الأطروحة والإلمام بالأُسس التي تنهض عليها أمرٌ ضروريٌّ لا يستغني عنه مَنْ يريد تكوينَ صورةٍ صحيحةٍ، أو أقرب إلى الصحَّة، عن تطوُّر الإسلام السُّني.

لقد شُغِلَ مقدسي طيلة عمره المديد بتاريخ الإسلام الديني في نسخته السُّنية، وكان أكثر ما استولى على اهتمامه من نواحي هذا التاريخ ما يتصل بحركة «أهل الحديث». ولمَّا كان المذهبُ الحنبليُّ ينزل من هذه الحركة منزلة قطب الرحى، فقد أقبل على دراسته منذ مرحلة مبكِّرة من حياته العلمية، مخالفًا في مقاربته ما ساد آنذاك من آراء المستشرقين الذين أساؤوا فهم هذا المذهب، وأخطؤوا في تقدير مكانته الصحيحة من الإسلام السُّني. ولا يَبْعُد أن يكون مقدسي قد اتجه هذه الوجهة بتأثير أستاذه المستشرق الفرنسي اللامع هنري لاووست (Henri Laoust) (1905-1983م) الذي اقترن اسمُهُ بالمذهب الحنبلي عمومًا، وبابن تيمية (ت: 728هـ/1328م)، أحد أكابر الحنابلة، على وجه الخصوص[6]. ومهما يكن من أمر الدافع الذي حمل مقدسي على اختيار هذه الوجهة، فقد افتتح مسيرته الأكاديمية بإنجاز أطروحته للدكتوراه في جامعة السوربون سنة 1963م عن الفقيه الحنبلي البارز أبي الوفاء ابن عقيل (ت: 513هـ/1119م).

والحقُّ أن عناية مقدسي بابن عقيل قد لازمته إلى آخر حياته، ومثَّلت محورًا مهمًّا من محاور مشروعه العلمي؛ فرأيناه يحقِّق بعضَ مؤلفاته التي عثر عليها على وفاق المنهج الصحيح، ككتاب «الجدل على طريقة الفقهاء»، وما بقي من «كتاب الفنون»، و«الواضح في أصول الفقه»، ورأيناه يتخذ من دراسة أفكاره موضوعًا لكتاب آخر، سوى أطروحته للدكتوراه، صدر بعنوان: «ابن عقيل: الدين والثقافة في الإسلام الكلاسيكي» (Ibn Aqil: Religion and Culture in Classical Islam)[7]، ورأيناه أخيرًا يتناول الأبعاد الروحية التي استقامت لهذا الفقيه الحنبلي الذي أثارت آراؤه جدلًا صاخبًا في عصره وبعد عصره، وذلك من خلال دراسته الموسومة بــ "تأملات ابن عقيل وعظاته في بغداد إبان القرن الحادي عشر ومطلع القرن الثاني عشر" (Meditations and sermons of Ibn ʿAqīl in eleventh and early twelfth century Baghdad).

على أن الجهود العلمية لمقدسي لم تقف عند هذا الحدِّ، بل اتسع نطاقُها لتشمل المذهب الحنبلي في الجملة؛ فنراه يسلِّط ضوءًا كاشفًا على طبيعة «الإسلام الحنبلي» في دراسة تحمل هذا العنوان[8]، ويحقِّق علاقته بالتصوف في بحث بعنوان: «المذهب الحنبلي والتصوف» (The Hanbali School and Sufism)[9]، وفي بحث آخر تناول فيه «ابن تيمية بوصفه صوفيًّا قادريًّا» (Ibn Tyamiyya: A Sufi of the Qadiriya order)، كما نشر بعض النصوص المصدرية لنفرٍ من أعلام الحنابلة؛ كـ «كتاب التوابين»، وكتاب «تحريم النظر في كتب الكلام»، وكلاهما لابن قدامة المقدسي (ت: 682هـ/1283م).

ولئن كان مقدسي قد صرف قدرًا كبيرًا من عنايته إلى دراسة المذاهب الفقهية والتأريخ لها نشأةً وتطورًا وتمحيص بعض قضاياها المـُشْكِلة، فقد كانت هذه العنايةُ - فيما أحسب - موصولةَ السبب بالمذهب الحنبلي الذي انقطع لدراسته، فكأنه بهذا الصنيع أراد النظر إلى هذا المذهب في سياقه الفقهي الأوسع، وحاول أن يتبيَّن صلاتِهُ وعلائقَهُ بالمذاهب الأخرى المنافسة له. ومن أبرز أعماله في هذا الصدد: «أهمية مذاهب الفقه السُّني في التاريخ الديني للإسلام» (The significance of the sunni schools of law in Islamic Religious History)، و«الشافعي وأصول المتكلمين: نشأة علم أصول الفقه وأهميته» (The Juridical Theology of Shafii: origins and significance of Usul al-Fiqh)[10]، و«الطبقات: بين الفقه وصحيح الدين في الإسلام الكلاسيكي» (Tabaqat-Biography: Law and orthodoxy in Classical Islam)[11]، و«الحرية في الفقه الإسلامي: الاجتهاد والتقليد والحرية العلمية» (Freedom in islamic jurisprudence, Ijtihad, Taqlid, and academic freedom).

ولئن كان مقدسي في اهتمامه بالتأريخ للمذاهب الفقهية مسوقًا برغبته في تبيُّن منزلة المذهب الحنبلي في السياق الفقهي الأوسع، فكذلك كان انشغالُهُ بالمذهب الأشعري، على نحو ما يتبدَّى في مقالته الضافية «الأشعري والأشاعرة في التاريخ الديني الإسلامي»[12] - صدًى لاهتمامه بالمذهب الحنبلي الذي كان «مذهبًا فقهيًّا عقديًّا في آن معًا، وهو المذهب الإسلامي الوحيد الذي قُدِّرَ له البقاءُ بهذه الصفة المزدوجة»، فكأني به أراد أن يرصد تفاعله مع منافسه الأكبر في مضمار العقائد والكلام، وهو المذهب الأشعري، مبيِّنًا نصيب كل منهما في تشكيل الإسلام السُّني، وأحقيَّة الحديث بلسانه، أو بعبارة أخرى حاول مقدسي أن يجيب عن هذا السؤال: هل يمكن اعتدادُ أحد المذهبين ممثِّلًا رسميًّا للإسلام السُّني، أم أنهما تقاسما هذا الدور تقاسمًا حفظ لهما جميعًا حقَّ الوجود المشروع، وإن كان بينهما من التنافس والصراع ما هو معلومٌ مقررٌ في تاريخ الإسلام الديني؟

وأخيرًا، كانت دراسة حركة العِلْم والتعليم في الإسلام أحد المحاور الكبرى في المشروع العلمي لمقدسي، وهو محورٌ لا يعسر على القارئ البصير لمجمل أعمال كاتبنا أن يتبيَّن صلته بـ «الأطروحة المقدسية» في التأريخ للمذاهب الفقهية عمومًا والمذهب الحنبلي خاصة. ومن أشهر أعماله في هذا الصدد كتاباه: «نشأة الكليات: معاهد العِلْم عند المسلمين وفي الغرب»، الذي سبقت الإشارةُ إليه، و«نشأة الإنسانيات في الإسلام الكلاسيكي والغرب المسيحي» (The rise of humanism in classical Islam and the Christian West)[13].

3. مباحثةٌ مع مقدسي

تُعَدُّ هذه الدراسةُ التي نقدِّم لترجمتها إلى العربية بهذه الكلمة، التي أرجو ألَّا تكون قد تجاوزت الحدَّ المقبول- مثالًا صادقًا يصوِّر لنا أحسن تصوير عنايةَ مقدسي بالتأريخ لمذاهب الفقه الإسلامي، وهي عنايةٌ وثيقةُ الصلة بالأطروحة المقدسية عن المذهب الحنبلي، ورغبة صاحبها -كما أسلفنا- في مقاربة هذا المذهب من منظور فقهي أرحب. وليس من غرضي في هذا المقام أن أعرض لما اشتملت عليه هذه الدراسةُ من أفكار، أو أن ألخِّص ما ساقه مقدسي من آراء نؤيده في بعضها وننكر عليه بعضَها أو يأخذنا التردُّد في الحُكْم عليها. ولكني أودُّ التوقف هاهنا عند ثلاث مسائل جزئية أرى أنها جديرةٌ بأن يخصها القُرَّاءُ والباحثون بمزيدٍ من النظر والتمحيص:

أولها: ما أشار إليه مقدسي من اضطراب المصادر القديمة في تصنيف مذاهب الفقه الإسلامي تحت التيارين الأساسيَّيْن اللذين هيمنا على الحركة المذهبية، وهما: تيار «أهل الحديث»، وتيار «أهل الرأي»، اللذان يصدقان أيضًا على المذاهب الكلامية. ويقرر مقدسي أن هذا الاضطرابَ أفضى في بعض نتائجه إلى «نوعٍ من سوء الفهم لمصطلح أصحاب الحديث»، بيد أنه لم يشرح لنا سببَهُ، ولا بيَّن عاقبة أمره على التأريخ لحركة المذاهب، وعلى طبيعة النظرة إليها، وحقيقة الصلات فيما بينها، باستثناء إشارته الخاطفة إلى ما نشأ عن ذلك من سوء فهم لمصطلح أهل الحديث.

وأعتقد أن صرف الاهتمام إلى هذه المسألة خليقٌ أن ينتهي بنا إلى آراء جديدة تُسْهِمُ في تحرير مصطلح أهل الحديث، وتحديد دلالته على نحوٍ أدقَّ مما استقرَّ في الدراسات الإسلامية، فضلًا عن تعديل طائفة من الأحكام العامَّة التي أُطْلِقَتْ على هذا المذهب أو ذاك؛ ابتغاء تصنيفه تحت أحد التيارين الكبيرين المشار إليهما.

ولعل من المفارقات اللافتة أن يكون من بين هذه الأحكام العامَّة، التي تحتاج إلى مراجعة، ما أكَّده مقدسي نفسُهُ في هذه الدراسة من انتصار «وسطية أهل الحديث»، وأن هذه الوسطية اتخذت مظهرها النهائي فقهًا واعتقادًا في تأسيس المذهب الحنبلي، وأن مذاهب الفقه ظلَّت موسومةً في معظمها بطابع أهل الحديث الذين حمل الحنابلةُ رايتَهم. وهذه كلها -فيما أحسب- إطلاقاتٌ لا تنهض على أدلَّة قاطعة، وربما حمل مقدسي على القول بها شدةُ تعاطفه مع المذهب الذي أخلص لدراسته طوال حياته، حتى إنه لم يعُد يرى تاريخ المذاهب الأخرى إلَّا من خلاله.      

ثانيها: مناقشة مقدسي لظاهرة اندثار مذاهب الفقه الشخصية؛ إذ لم يبق منها سوى أربعة مذاهب فقط تقاسمت السيادة على العالم الإسلامي. وقد رفض مقدسي أن يكون اندثارُ هذه المذاهب راجعًا إلى "موقعها الجغرافي خارج المراكز الأساسية للنشاط العلمي"، أو إلى إعراض السلطة السياسية عنها وانحيازها في المقابل إلى مذاهب أخرى.

لقد حاول مقدسي فهمَ هذه الظاهرة في إطار الصراع بين أهلِ الحديث وأهلِ الرأي، فانتهى إلى أن اندثار ما اندثر من المذاهب يرجع في المقام الأول إلى "ما جُبِلَ عليه أهلُ الحديث من نزوع طبيعي إلى توحيد صفوفهم من أجل بناء جبهة قوية يواجهون بها عدوَّهم العتيدَ، أَلَا وهو مذهب أهل الرأي".

وعلى الرغم من وجاهة هذا التأويل في ظاهره، فإنه لا يصمُدُ -عند التأمُّل- أمام النقد والمناقشة؛ ذلك أنه يفسِّر لنا امتداد الوجود بفقه أهل الحديث أو بعض مذاهبه على الجملة، ولكنه قاصرٌ عن تفسير السبب في بقاء مذاهب بعينها لتغدو دون غيرها ممثِّلةً لتيار أهل الحديث. زد على هذا أن مقدسي ذكر أن مذاهب الفقه غلب عليها في معظمها طابعُ أهل الحديث، فإذا كان الأمر كذلك، فأين أهل الرأي الذين اتحدت هذه المذاهب الفقهية ذات الطابع الحديثي لمقاومتها، اللهمَّ إلَّا أن يكون قد قصد المذهب الحنفي الذي شاع عن فقهائه تقديمُ الرأي على الحديث؟ وهو قولٌ أظنه بحاجة إلى مزيدٍ من المراجعة والتدقيق. وثمة سؤالٌ أخيرٌ يتعيَّن طرحُهُ في هذا المقام: هل كان أهل الحديث حقًّا جبهةً موحدةً في مقابل أهل الرأي، في ظل ما تواتر في مصادرنا الفقهية والحديثية عن الخلاف بين المالكية والظاهرية مثلاً، أو بينهم وبين الشافعية، أو بين هؤلاء جميعًا وبين الحنابلة؟ وهي مذاهبُ تُصنَّف كلها -وفقًا لرؤية مقدسي- بوصفها ممثِّلةً لتيار أهل الحديث.

وأما المسألة الثالثة والأخيرة: فتتمثَّل فيما ذكره مقدسي من أن المذاهب الكلامية كانت تلتمس الشرعية من خلال الانتساب إلى أحد مذاهب الفقه التي أمست هيمنتُها آنذاك أمرًا واقعًا؛ فاندسَّت حركةُ الاعتزال في المذهب الحنفي، وتغلغلت الحركةُ الأشعريةُ في المذهب الشافعي.

والحقُّ أننا لا نستطيع أن نشايع مقدسي فيما ذهب إليه؛ إذ يقوم رأيُهُ في هذا الصدد على توهُّم الانفصال بين العقيدة والشريعة، أو بين الموقف الكلامي والمنزع الفقهي، وهو انفصالٌ لم يكن له وجودٌ إلَّا في عقل مقدسي، وحسبُنَا في الاستدلال على منافاته للواقع المذهبي آنذاك أن نراجع سير أئمَّة الفقه والكلام على مر العصور؛ حيث كان هؤلاء الأئمَّة يجمعون في تكوينهم الديني والعلمي بين معرفةِ أصول الدين ودراسةِ أحكام الشريعة، وإن كان اشتغال بعضهم بالفقه أَوْفَى من اشتغالهم بالكلام، أو العكس.

فما أعجب القولُ إذن، والحالُ هذه، بأن هذا العالم أو ذاك كان يُقْبِلُ أولًا على دراسة مذهب كلامي معيَّن، حتى إذا أحكمه طفق يُفَكِّر في كيفية إسباغ الشرعية عليه، فيؤول به التفكيرُ في نهاية المطاف إلى أن ذلك لا يكون إلَّا بالانتساب إلى أحد مذاهب الفقه المشروعة! إنه تصورٌ خياليٌّ، بل مُمْعِن في الخيال، فضلًا عن أنه لا يلتفت في تفسير هذه الظاهرة -وهي الاقتران بين بعضِ مذاهب الفقه وبعضِ مذاهب الكلام؛ كالاقتران بين الأشاعرة والشافعية أو بين المعتزلة والحنفية- إلى البنية الفكرية والمفاهيمية لهذه المذاهب نفسها، والاكتفاء بالسياق التاريخي الذي اكتنف هذا الاقتران ويسَّر أسبابه سياسيًّا واجتماعيًّا ومذهبيًّا.

وبعدُ، فهذه مسائلُ ثلاث أكتفي بالإشارة إلى أهميتها وضرورة إخضاعها لمزيدٍ من النظر والتدقيق فيما نستقبل من بحوثنا عن تاريخ الإسلام الديني.

والله من وراء القصد، عليه توكلتُ، وإليه أُنيب.


الهوامش

[1] جون ليشته، خمسون مفكرًا أساسيًّا معاصرًا من البنيوية إلى ما بعد الحداثة، ترجمة: فاتن البستاني، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى، 2008م، ص19.

[2] الهادي التيمومي، المدارس التاريخية الحديثة، بيروت: دار التنوير، الطبعة الأولى، 2013م، ص110.

[3] أعاد المركز الأكاديمي للأبحاث (بيروت) نشر هذه الترجمة سنة 2014م، ونحلها عنوانًا جديدًا هو «بغداد في القرون الوسطى».

[4] صدر هذا الكتابُ سنة 1994م (جدة، مركز النشر العلمي بجامعة الملك عبد العزيز) بترجمة الأستاذ محمود سيد محمد، ثم أعاد مركز مدارات بالقاهرة نشره سنة 2015م.

[5] جورج مقدسي، بغداد في القرون الوسطى، مرجع سابق، من تقديم المترجم ص8-9.

[6] انظر دراسته الرائدة: نظريات ابن تيمية في السياسة والاجتماع، بترجمة: محمد عبد العظيم علي.

[7] نقله إلى العربية محمد إسماعيل خليل، بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات، الطبعة الأولى، 2018م.

[8] نقلها إلى العربية سعود المولى، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث، الطبعة الأولى، 2017م.

[9] نقله إلى العربية أحمد محمود إبراهيم، دورية نماء، بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات، العدد الأول، خريف 2016م.

[10] نقله إلى العربية يوسف وهب، القاهرة: مركز تراث للبحوث والدراسات، الطبعة الأولى، 2020م.

[11] نقله إلى العربية علاء عوض عثمان، القاهرة: مركز تراث للبحوث والدراسات، الطبعة الأولى، 2020م.

[12] نقلها إلى العربية أنيس مورو، بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات، الطبعة الأولى، 2018م.

[13] يصدر قريبًا -إن شاء الله- عن مدارات للنشر، بترجمة الصديق الدكتور أحمد العدوي، وبمقدمة ضافية مستوعبةٍ تناول فيها سيرة مقدسي ومؤلفاته والملامح العامَّة لمشروعه العلمي.