تقرير: مؤتمر العلاقة بين الدولة والدين في السياقات العربية الإسلاماتية (ألمانيا 2021)

الصورة
العلاقة بين الدين والدولة

هل تعني العلمانية فصل الدين (أو الكنيسة) عن الدولة، أم عن السياسة، أم عن السيادة؟ أم إنها تعني الفصل بين السلطات الدينية والسياسية؟

ما معنى مصطلحات أو مفاهيم «الدولة المدنية»، و«الدولة العلمانية» و«الدولة الدينية/الإسلامية»؟ وكيف يمكننا فهم العلاقة القائمة أو الممكنة بين الدين والدولة في السياقات العربية والإسلاماتية، انطلاقًا من المفاهيم المذكورة، ومن علاقتها بمفهوم الديمقراطية، خصوصًا أو تحديدًا؟ هذان هما السؤالان الأساسيان اللَّذان سعى مؤتمر «العلاقة بين الدولة والدين في السياقات العربية والإسلاماتية: الدولة المدنية، الدولة العلمانية، الدولة الدينية/الإسلامية» إلى مناقشتهما واستكشاف الممكنات والمنظورات المتعددة للإجابة عنهما. ومن الواضح أن هذيْن السؤاليْن، وغيرهما من الأسئلة التي تتفرع عنهما أو تتصل بهما، يتضمنان أو يتناولان جانبيْن متمايزيْن ومتداخليْن في الوقت نفسه من الجوانب الفعلية و/أو المحتملة للعلاقة بين الدولة (الديمقراطية) و/أو السياسة والدين/الإسلام: جانبٌ وصفي يسعى إلى الكشف عما هو كائن، وجانب معياري يُبيِّن من منظور أخلاقيٍّ وسياسيٍّ وفلسفيٍّ ما ينبغي أن يكون.

وقد تضمنت الأوراق البحثية المقدَّمة في المؤتمر دراسات لعلاقة الدين بالدولة في بعض الدول العربية الإسلاماتية، بالإضافة إلى تأملات ومناقشات نظرية من مختلف التخصصات الأكاديمية، والمنظورات السياسية في الدول العربية والإسلامية، بهدف الإجابة عن الأسئلة التالية: ما أشكال ومضامين العلاقة بين الدولة والدين في السياقات العربية والإسلاماتية؟ وكيف يمكن و/أو ينبغي التعامل نظريًّا مع المفاهيم المعبرة عن تلك العلاقة؟ بأي معنى، وإلى أي مدى، يمكن توصيف دولة ما بأنها دولة مدنية و/أو علمانية و/ أو دينية/إسلامية؟ هل تعني العلمانية فصل الدين (أو الكنيسة) عن الدولة، أم عن السياسة، أم عن السيادة؟ أم إنها تعني الفصل بين السلطات الدينية والسياسية؟ ما هي الاختلافات العملية والمفاهيمية بين هذه التعريفات لمعنى العلمانية؟ هل يمكن لمفهوم «الدولة المدنية» أن يكون مفهومًا مكمِّلًا أو بديلًا لمفهومي «الدولة العلمانية» و«الدولة الدينية/الإسلامية»؟ وبأي معنى، وإلى أي مدى، يمكن لأي دولة من تلك الدول أن تكون (غير) ديمقراطية؟

انعقد المؤتمر في "مركز الدراسات المتقدمة في الإنسانيات والعلوم الاجتماعية" «علمانيَّات متعددة: ما وراء الغرب، ما وراء الحداثات»، في جامعة لايبزيغ، في ألمانيا، في يومي 9-10 ديسمبر 2021م. ونظَّمه الباحثان في المركز حسام الدين درويش وماركوس درسلر Markus Dressler، بدعم من المركز، وتمويل من مبادرة «أكاديميون متضامنون Academics in Solidarity». واضطر المنظمون إلى عقده عبر العالم الافتراضي (برنامج الزوم) بسبب الارتفاع السريع والكبير في حالات الإصابة بفيروس كورونا في ألمانيا في تلك الفترة. وشارك في المؤتمر 15 باحثة وباحثًا، من مختلف القارات والتخصصات، وحضره وشارك في مناقشاته جمهور أكاديمي وغير أكاديمي. وتضمن المؤتمر خمس جلسات قُدِّمت فيها 14 ورقة بحثية على مدار يوميْن: ثلاث جلسات في اليوم الأول، وجلستان في اليوم الثاني. وسأقدم فيما يلي ملخصًا مكثفًا للأوراق البحثية التي قُدِّمت في المؤتمر، وللمناقشات التي تناولت تلك الأوراق، وموضوع العلاقة بين الدولة والدين (في السياقات العربية الإسلامية) عمومًا.

ثلاثة مفكرين/فلاسفة مؤسِّسين لما يعرف باسم «مدرسة الرباط للفلسفة»: عبد الله العروي، طه عبد الرحمن، محمد عابد الجابري، من حيث إن كل واحد منهم يُمثِّل اتجاهًا متميزًا ومتمايزًا عن الاتجاهات الأخرى، فالعروي يساري ماركسي، وطه عبد الرحمن محافظ ونقدي، أما الجابري فعلى غرار حسن حنفي يمثِّل ما يمكن تسميته بـ«اليسار المسلم» الذي يتوسط الاتجاهيْن السابقيْن.

الجلسة الأولى: العلاقة بين الدين والدولة في الفكر العربي المعاصر

قُدِّمت في الجلسة الأولى ثلاث أوراق بحثية تناولت مسألة العلاقة بين الدين والدولة، لدى بعض أعلام الفكر العربي المعاصر (عبد الله العروي، طه عبد الرحمن، محمد عابد الجابري، صادق جلال العظم، برهان غليون، عبد الوهاب المسيري، أبو يعرب المرزوقي، عزمي بشارة). وقد أدارها وكان المناقش الرئيس فيها: حسام الدين درويش.

محمد حصحاص (عضو هيئة تدريس في الجامعة الدولية للدراسات الاجتماعية جيدو كارلي) تناول –في مداخلة موسومة بـ«الدين والدولة في الفكر المغربي المعاصر»- ثلاثة مفكرين/فلاسفة مؤسِّسين لما يعرف باسم «مدرسة الرباط للفلسفة»: عبد الله العروي، طه عبد الرحمن، محمد عابد الجابري، من حيث إن كل واحد منهم يُمثِّل اتجاهًا متميزًا ومتمايزًا عن الاتجاهات الأخرى، فالعروي يساري ماركسي، وطه عبد الرحمن محافظ ونقدي، أما الجابري فعلى غرار حسن حنفي يمثِّل ما يمكن تسميته بـ«اليسار المسلم» الذي يتوسط الاتجاهيْن السابقيْن. وفي تناوله للاختلاف بين أفكار هؤلاء المفكرين بيَّن حصحاص انعكاس ذلك الاختلاف على وجهات نظرهم المختلفة حول ما تعنيه الحداثة والمكانة التي يُمكن أن يشغلها الدين في الدول والمجتمعات القومية الحديثة، وركَّز اهتمامه بالدرجة الأولى على اختلافهم في تشخيص مأزق الإصلاحات والتغيير الإيجابي في المجتمع والدولة على جميع المستويات. ففي «مفهوم الدولة»[1] رأى العروي أن المشكلة تتمثل، تحديدًا -أو بالدرجة الأولى- في ضعف أو انعدام الانخراط الفردي في العمل السياسي، إضافة إلى افتقاد الدولة أو النظام الحاكم للشرعية، وعلى هذا الأساس قال بأولوية الانخراط السياسي للأفراد. أما الجابري فقد ركَّز في الجزء السياسي من مشروع «نقد العقل العربي»[2] على الافتقار إلى الإرادة السياسية، ورأى أن أولوية الإصلاح تكمن في إصلاح الدولة ذاتها، للتخلص من القبلية ومحاباة الأقارب والدولة الريعية والطائفية. في المقابل انتقد طه في كتابه «روح الدين»[3] كلًّا من الإسلام السياسي السلفي، بنسختيْه السنية والشيعية، ونموذج الدولة الأوروبية الاستعمارية والعلمانية المعادية للدين، والحداثة عمومًا لنزعتها الاستهلاكية وافتقادها للأخلاق والغيرية، ورأى أن المشكلة الأساسية تكمن في الافتقاد إلى الأخلاق والإرادة أو العزيمة الداخلية. وعلى هذا الأساس قال إن الأولوية تكمن في الإصلاح الأخلاقي الفردي. وختم حصحاص مداخلته بالإشارة إلى أن هذه التعددية في الأفكار والرؤى الإصلاحية لم تجد طرقًا سهلة إلى المجال العام والحياة السياسية عمومًا، بسبب الأوضاع السياسية وتمايز الآليات والتوجهات السياسية عن آليات التفكير النظري وتوجُّهاته.

ورأى غليون في الإسلاموية مجرد نتيجة لفشل التحديث وتهميش الأغلبية الدينية. وأبرز تشويه النخبة السياسية المهيمنة للعلمانية، واستخدامها لتبرير مراقبة المواطنين، والتعصب الأيديولوجي، وإنكار المبادئ الديمقراطية والاقتراع العام.

في المداخلة الثانية، قدَّم هيروكي أوكازاكي Hiroki Okazaki (باحث مختص في الفكر السياسي العربي المعاصر في جامعة شيبا Chiba University) بحثًا بعنوان «كيف فهم المفكرون السياسيون السوريون التحالف بين العلمانية والدولة التسلطية؟»، تناول فيه الرؤيتيْن المختلفتيْن لكلٍّ من صادق جلال العظم وبرهان غليون، بخصوص العلاقة بين الدولة والدين عمومًا، ودور كل من الدولة والدين في الواقع العربي الحديث والمعاصر. ففي كتاباته في ستينيات القرن الماضي («النقد الذاتي بعد الهزيمة 1968م»، و«نقد الفكر الديني 1969م»[4])، صبَّ العظم جل أو كل انتقاداته (تقريبًا) على «التفكير الديني»؛ لأنه رأى أن هذا التفكير لا يتعارض مع الفكر العلمي فحسب، وإنما يُسهم أيضًا في ترسيخ أو تعزيز مقومات الأوضاع السلبية في العالم العربي، مما يُعرقل محاولات التحرر السياسي والاجتماعي في ذلك العالم. ورأى أوكازاكي أن العظم لم يكن صاحب رؤية ثقافوية وجوهرانية -كما هو حال أدونيس مثلًا (في كتابه «الثابت والمتحرك»[5]-، لكنه كان يستند إلى رؤية كانطية عن العقل والمسؤولية الأخلاقية. وانطلاقًا من هذه الرؤية بالغ العظم في النقد الذاتي وتحميل «الذات الجمعية» مسؤولية «النكبة» التي حصلت لها، من خلال التشديد على أنها ناتجة عن فكر هذه الذات وأفعالها. لكن تركيز العظم على نقد الفكر الديني حجب الأضواء عن مسؤولية النظام السياسي الاستبدادي الذي كان يدعي العلمانية. وعلى هذا الأساس كان من الممكن توظيف نقد العظم في نقد الاتجاهات الإسلاموية المتطرفة، وليس في نقد دكتاتورية النظام السياسي «العلماني». ومن هنا كان هناك حاجة إلى خطابٍ نقديٍّ بديلٍ، يُركِّز نقده على الدولة والسياسة، أكثر من تركيزه على الدين. وقد ظهر هذا الخطاب لاحقًا في كتاب برهان غليون «نقد السياسة: الدولة والدين»[6]، الذي رأى أن منطق الدولة والسياسة قد طغى على منطق الدين وهيمن عليه منذ قيام الدولة الأموية على الأقل. ورأى غليون في الإسلاموية مجرد نتيجة لفشل التحديث وتهميش الأغلبية الدينية. وأبرز تشويه النخبة السياسية المهيمنة للعلمانية، واستخدامها لتبرير مراقبة المواطنين، والتعصب الأيديولوجي، وإنكار المبادئ الديمقراطية والاقتراع العام. وانتقد غليون اختزال المشكلات الاجتماعية في «الثقافة الدينية» انتقادًا شديدًا، وما يمكن أن يُفضي إليه من تبني رؤية تبسيطية جوهرانية تجهل أو تتجاهل «المنطق المتأصل في السياسة»، والتجربة السياسية للعالم العربي التي أظهرت قيام الأنظمة/الدول «العلمانية» بإعادة إنتاج الاستبداد، بدلًا من تحقيق ديمقراطية حقيقية.

المداخلة الثالثة في الجلسة الأولى كانت لعبد الرحمن حللي (باحث وأستاذ مساعد في الدراسات القرآنية في جامعة قطر) بعنوان «جدل الدين والعلمانية في العالم العربي: مقاربات منهجية وفلسفية»[7]، وقدم فيها تحليلًا نقديًّا لنصوص كلٍّ من عبد الوهاب المسيري وعزمي بشارة و طه عبد الرحمن وأبو يعرب المرزوقي، ورأى أن نصوص هؤلاء المفكرين الأربعة عن العلمانية تتضمن مقاربتيْن متمايزتيْن: مقاربة منهجية عند المسيري[8] وبشارة[9]، ومقاربة فلسفية عند المرزوقي[10] وطه[11]. وانتقد حللي كلا المقاربتينْ، من حيث إنهما قد فشلتا في تقديم علاجات عملية فيما يتعلق بمكانة الدين ودوره في الدولة العلمانية الحديثة عمومًا، والتزمتا الصمت في شأن السؤال الأكثر إلحاحًا في الخطاب المجتمعي العام حول الدين والعلمانية في العالم العربي المتعلق بـ«المرجعية الدينية» في المجال العام. فالمسيري قدم إسهامًا منهجيًّا مهمًّا بتمييزه بين العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة وبتعريفاته للعلمانية، ورصد واقعها التاريخي والمعاصر وتأريخه، لكن تسليمه مع إسلاميين كثُر بعدم وجود سلطة دينية في الإسلام، لم يترافق مع تناول مسألة المرجعية الدينية التي تُعَد مركز الخلاف بين «الإسلاميين و«العلمانيين»، كما أنه لم يُقدم بديلًا عما ينتقده (العلمانية) أو أساسًا نظريًّا واضحًا وكافيًا يمكن الاستناد إليه لبناء هذا البديل. وكذلك هو الحال مع نصوص بشارة عن العلمانية، التي وصفها حللي بأنها «أهم منجز عربي في رصد وتحليل العلمانية والعلمنة في سياقها التاريخي وصلتها بالدين والتدين، سواء على مستوى المفهوم أو الظاهرة»[12]. وقد أشاد حللي بالمعطيات التي قدمها بشارة في كتابه «رصدًا وتحليلًا للدين والعلمانية في سياق تاريخي، بوصفها مقدمات أساسية لا غنى لأي مقاربة إسلامية للعلمانية من الوعي بها»[13]، لكنه شدَّد من جديد على أن «مشكلة العلمانية في العالم الإسلامي لا تتعلق بالفصل المؤسسي، وإنما تتعلق تحديدًا بمكانة الدين في المرجعية التشريعية والأخلاقية، في الشأن السياسي والأخلاقي، في الشأن السياسي والمجال العام عمومًا[14]. وأبرز حللي أهمية الرؤية الائتمانية التي قدمها عبد الرحمن، لكنه رأى أنها أقرب إلى أن تكون رؤية صوفية عرفانية تصلح للسلوك الفردي، ولا تصلح لأن تكون بديلًا عن الرؤية العلمانية (التي تفصل بين الدين والسياسة) أو الرؤية الديانية (التي تصل الدين بالسياسة). «فالائتمانية اجتراح نظري مبدع، وواقعيته وعقلانيته يمكن أن تتحقق بما يتركه من أثر في تقريب الدياني والعلماني ليعدل كل منهما الآخر»[15]. وفي تحليله لنقد المرزوقي لثنائية الدين والعلمانية، ولقوله ببطلان تلك الثنائية وزيف مشكلة العلمانية من منظور إسلامي، رأى حللي أن انتقاد المرزوقي لأصول الفقه ومقاصد الشريعة ومقاربات الفقهاء لحل القضايا الإشكالية، لاسيما المعاصر منها والإصرار على مرجعية القرآن والسنة والإجماع، لم يترافقا مع تقديم «منهجية بديلة في فهمهما على مستوى أفعال المكلفين والتشريعات، فالإشكال ليس في القراءة الفلسفية التي أبدع فيها وإنما في مجال التشريع وتأويله الذي يتصارع فيه الإسلاميون والعلمانيون»[16].

في كل جلسةٍ، وبعد تقديم الأبحاث دارت نقاشات وتعليقات وأسئلة طرحها بقية المشاركين أو الحاضرين. وكان النقاش يبدأ بتعليق وأسئلة من مدير الجلسة، بصفته المناقش الرئيس فيها. وسأعرض فيما يلي لبعض الأفكار الرئيسة التي طُرحت في المناقشات والتعليقات.

بخصوص بحث حصحاص، نوقش مفهوم العلمانية عند كل من الجابري وطه عبد الرحمن. فمفهوم العلمانية عند الجابري يبدو غامضًا وملتبسًا؛ لأنه من جهةٍ أولى رأى في العلمانية «مسألة مزيفة» و«شعارًا ملتبسًا»، ودعا إلى استبعاد هذا الشعار من قاموس الفكر القومي العربي، وتعويضه بشعارَي «الديمقراطية» و«العقلانية»[17]، وشدَّد من جهة ثانية على ضرورة ووجوب «فصل الدين عن السياسة» –وهو أحد أهم تعريفات العلمانية– في السياق نفسه الذي دعا فيه إلى تجنب استخدام هذا «الشعار»[18]. أما طه فقد رأى أن العلمانية بوصفها «دهرانية» فإنها تعني «فصل الأخلاق عن الدين» وانتقد ذلك الفصل، وقال بوجود انفصال بين العلمانية/الدهرانية ذاتها والأخلاق[19]. وأما فيما يخص بحث أوكازاكي، فقد دار النقاش حول التحولات التاريخية التي طرأت على فكر العظم، الذي انتقل بموجبها من «علمانوية متطرفة» لا ترى في الدين إلا ما هو سلبي، وتبالغ في تحميله مسؤولية الأوضاع السلبية في العالم العربي والإسلامي، إلى علمانية لا تعادي الدين من حيث المبدأ وترى إمكانية التصالح بين التدين الإسلامي والديمقراطية[20]. كما جرت مناقشة طرح أوكازاكي بأن نقد غليون للعلمانية هو نقد علماني، أي حصل من منظور علماني، وليس من منظور ديني. وبخصوص بحث حللي، كان هناك سؤال عن معيار أو معايير التمييز بين ما أسماه ﺑ«المقاربات المنهجية» و«المقاربات الفلسفية»، ومدى دقة أو معقولية تصنيف كل من المفكرين الأربعة (المسيري وبشارة وطه والمرزوقي)، ضمن هذه المقاربة أو تلك، ومدى إمكانية تشابك المقاربتيْن في نصوص المفكر ذاته.

الجلسة الثانية: مفاهيم المواطنة والأمة والعلمانية في الفكر الإسلامي المعاصر

قُدِّمت في الجلسة الثانية ورقتان بحثيتان، تناول أحمد فهمي عبد السلام (باحث في الدراسات الإسلامية في المعهد الألماني للأبحاث الشرقية) في المداخلة الأولى «المفهوم المعاصر للمواطنة ودستور المدينة»، فيما قدَّمت ضحى عبد الجواد (باحثة في قسم العلوم السياسية والدراسات الدولية في «جامعة ووريك University of Warwick») في المداخلة الثانية بحثًا بعنوان «حركة علمانية ذات أعضاء متدينين: المأزق العلماني في سرديات أعضاء جماعة الإخوان المسلمين». وقد أدار الجلسة وكان المناقش الرئيس فيها: ديتريش يونغ Dietrich Jung (أستاذ ومدير مركز دراسات الشرق الأوسط الحديث والدراسات الإسلامية في «جامعة جنوب الدنمارك University of Southern Denmark»).

قدَّم عبد السلام في المداخلة الأولى دراسة تاريخية ﻟ«لاهوت التعايش theology of coexistence»[21] في الإسلام أو الفكر الإسلامي وأبعاده الدينية والعلمانية، من خلال التركيز على مفهومَي «الأمة» و«المواطنة» في دستور المدينة المنوَّرة، وفي الخطاب الإسلامي المعاصر. وحاجج عبد السلام بأن مفهومَي الأمة والمواطنة «العلمانييْن» ينتميان أيضًا إلى المفاهيم اللاهوتية الإسلامية المتعلقة بالتعايش بين الأديان المختلفة، وأنه على هذا الأساس يُمكن فهم الحديث عن «الأمة الدينية أو الإسلامية» و«الأمة العربية». وركَّز عبد السلام في مداخلته على أهمية «دستور أو ميثاق المدينة»[22] في هذا الخصوص، لكونه كان يهدف إلى ضبط العلاقة بين مختلف الجماعات الدينية وغير الدينية في المدينة، بعد هجرة المسلمين من مكة إليها. وتكمن أهمية هذا الدستور في كونه يتضمن تحولًا جزئيًّا من المفهوم أو النظام العشائري/القبلي إلى مفهوم الأمة (المدنية)، وتأسيسًا للرؤية الإسلامية الأولى لمفهومَي الأمة والمواطنة، اللذيْن يفترضان فضاءيْن، لتحديد الهوية الدينية والعلمانية للمؤمنين -سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين-في الأمة الإسلامية. فالميثاق يؤمِّن للمجتمعات القبلية الفردية في المدينة سيادتها في الأمور المتعلقة بالعلاقات بين القبائل (مساحة علمانية)، ويخلق في الوقت نفسه مساحة تعاقدية للمسائل القبلية والعابرة للقبلية، أي للمسائل العلمانية والدينية في الفضاء الذي سماه الأمة. وفي هذا الفضاء يُعامل جميع المنضمين إلى هذا الميثاق من مسلمين وغير مسلمين (اليهود مثلًا) بالتساوي، بحيث تُضمن لهم حرية العبادة وسلامة ممتلكاتهم، بوصفهم أفرادًا في هذه الأمة. وبعد تتبع تاريخ مفهومَي الأمة والمواطنة، في القرنيْن التاسع عشر والعشرين، لدى عدد من مفكري عصر النهضة العربية، كالطهطاوي وسلامة موسى وغيرهما، أظهر
عبد السلام حضور هذين المفهوميْن في الخطاب الإسلامي المعاصر في مصر، لدى كلٍّ من وزير الأوقاف المصري محمد مختار جمعة، والإمام الأكبر شيخ الأزهر: أحمد الطيب، على سبيل المثال. وأبرز استناد كليهما إلى دستور/وثيقة المدينة، في تنظيريْهما لهذين المفهوميْن وتبنيهما لهما. وشدَّد عبد السلام في نهاية مداخلته على أن مفهومَي الأمة والمواطنة العلمانيين مفهومان دينيان/إسلاميان للتعايش السلمي والودي والإيجابي بين الأديان، بقدر تبني الأطراف الدينية/ الإسلامية لهما بوصفهما جزءًا من مفاهيم دينية وعابرة للأديان والطوائف والجماعات الدينية وغير الدينية في الوقت نفسه.

إن الإخوان المسلمين جماعة سياسية علمانية ذات «زينة دينية/إسلامية». لكن علمانية تلك الحركة لم تمنع من وجود تعارض بين الخيال السياسي لأعضائها والأطروحات الأساسية الثلاث لنظرية العلمنة.

في المداخلة الثانية، تناولت عبد الجواد سرديات عدد من أعضاء حركة الإخوان المسلمين، في مصر بعد الإطاحة الدموية بالحركة عام 2013م، وما نجم عن تلك الإطاحة من تأثيرات في إيمان أعضاء الحركة بنموذج الديمقراطية التمثيلية، والتفرد الأيديولوجي للجماعة. واعتمدت عبد الجواد في دراستها الميدانية على سرديات ثمانية وأربعين عضوًا من الأعضاء السابقين و/أو الحاليين في الحركة فيما يخص النموذج المثالي الإسلامي للحكم، وكيفية تناسبه مع عملية العلمنة في الخطاب السياسي الإسلامي. واستندت عبد الجواد إلى كتابات خوسيه كازانوفا[23] وتشارلز تايلور[24] عن نظرية العلمنة وأطروحاتها الثلاث الرئيسة، وإلى كتابات آصف بيات[25] وأوليفيه روا[26] عن مفهوم «ما بعد الإسلاموية»، لتتناول مسألتيْن رأت أنهما محوريتان وحاسمتان في الجدال أو النقاش الدائر حول موضوع «علمنة الإسلاميين/الإسلامويين». تتمثل المسألة الأولى في الموقف من حدود التدخل القانوني للدولة في المجال الشخصي، في حين تتعلق المسألة الثانية بمفهوم السيادة الشعبية، وكيفية توافقه مع النموذج العلماني للحكم. وأشارت عبد الواحد إلى أن الهدف من تركيز بحثها على أصوات «الإسلاميين العاديين» يكمن في تحدي التحيز النخبوي في دراسة الإسلام السياسي، وإحضار البعد الميداني الإثنوجرافي إلى المفاهيم المجردة في الخطاب السياسي للإسلاميين. وخلصت في بحثها ومداخلتها إلى أن الإخوان المسلمين جماعة سياسية علمانية ذات «زينة دينية/إسلامية». لكن علمانية تلك الحركة لم تمنع من وجود تعارض بين الخيال السياسي لأعضائها والأطروحات الأساسية الثلاث لنظرية العلمنة: التمايز بين المجاليْن، الديني وغير الديني (العلماني)، وخصخصة الدين وانحساره عن المجال العام، وأفول الدين أو المعتقدات والممارسات الدينية. فقد تضمنت السرديات الإخوانية الاعتقاد بضرورة عدم ابتعاد الدولة عن التوجيه الديني للعلماء، ووجود حدود لسيادة الدولة وسلطتها القانونية، مع عدم وجود تصور تفصيلي و/أو واضح لحدود العلاقة بين السلطتيْن السياسية والدينية. كما تضمنت السرديات تشديدًا على أن الدين ما يزال بإمكانه أن يلعب دورًا رئيسًا في العالم المعاصر، وعلى (ضرورة) حضوره القوي في المعتقد والمجال العام، وعلى تمتعه وتمتع (بعض) تفسيراته المعرفية بمكانة أكثر أهمية من مكانة بالتفسيرات الأخرى.

في المناقشات التي تلت تقديم المداخلتيْن، طُرِحت -فيما يخص بحث عبد السلام- مسألة مدى الدقة أو الموثوقية التاريخية لدستور أو وثيقة المدينة المنوَّرة. وبالرغم من الإقرار بوجود شكوك معقولة حول وجود تلك الوثيقة بالتفاصيل التي تتضمنها في العهد المنسوبة إليه، فقد كان هناك إشارة إلى أهمية التوظيفات المعاصرة لها، فيما يخص قضايا الدولة الإسلامية/المدنية والديمقراطية التي تقبل وتتقبَّل وتستوعب التعددية الدينية وغير الدينية، في إطار مساواةٍ ما، اتخذت صيغة المساواة المواطنية في العصر الحديث. كما جرى نقاش حول إمكانية وضرورة النظر إلى العلمانية في علاقتها مع الإسلام على أنها جزء من الإسلام أو متأسسة عليه، وليست مقابلة أو مغايرة له بالضرورة. أما فيما يخص بحث عبد الجواد فقد نوقشت مسائل منهجية البحث ومدى تمثيل العينة المختارة لآراء أفراد جماعة الإخوان المسلمين في مصر عمومًا، وكيفية إجراء المقابلات مع هؤلاء الأفراد في مصر تحديدًا في ظل الظروف والقرارات السياسية التي تصنف الجماعة على أنها «منظمة إرهابية». كما طُرِحت تساؤلات عن معنى العلمانية لدى الباحثة، ولدى الأفراد المذكورين، ومدى تطابق أو تقاطع هذا المعنى مع معناها لدى تايلور وكازانوفا مثلًا، أو اختلاف هذيْن المعنييْن. وظلَّ السؤال مفتوحًا، فيما يخص معنى الحديث عن جماعة الإخوان المسلمين بوصفها «جماعة سياسية علمانية».

الجلسة الثالثة: في مفهومَي الدولة المدنية والإسلام السياسي

تضمنت الجلسة الثالثة ثلاثة أبحاث. تناول أولها: حضور مفهوم الدولة المدنية في دساتير بعض الدول العربية بعد قيام انتفاضات/ثورات الربيع العربي. فيما تناول البحث الثاني: مفهوم الإسلام السياسي، ومدى ارتهان مستقبله بتبني مفهوم الدولة المدنية. أما البحث الثالث: فناقش إمكانية أن تكون «العلمانية السلبية» -ممثلة في الدولة المدنية-وسطًا معتدلًا ومقبولًا بين تطرفيْن أحدهما علمانوي والآخر إسلاموي. وقد أدار الجلسة وكان المناقش الرئيس فيها: ماركوس درسلر.

المداخلة الأولى كانت ﻟ«ليمور لاڤي Limor Lavie» (باحثة ومحاضرة في قسم اللغة العربية في «جامعة بار إيلان Bar Ilan University») وكانت موسومةً بـ«دسترة الدولة المدنية: التعريف الذاتي لمصر وتونس واليمن بعد الانتفاضات العربية»[27]. وقد ركزت في مداخلتها على الجوانب الرمزية والتأسيسية للدساتير العربية الجديدة، انطلاقًا من أن الدساتير هي «ميثاق هوية الدولة»؛ وقدمت تحليلًا سياقيًّا للطريقة التي تضمنت فيها ثلاثة دساتير عربيةٍ -في مصر (2014/2019م)، وتونس (2014م)، واليمن (2015م)– إعلانًا عن مدنية الدولة، بعد الانتفاضات الشعبية التي حصلت فيها. وشددت لاڤي على جدة أو فرادة هذا الإعلان أو التعريف الذاتي للدولة، بوصفها دولة مدنية؛ لأنه لم يسبق حصول ذلك لا في الدساتير السابقة لتلك الدول، ولا في أي دساتير أخرى في جميع أنحاء العالم. ورأت لاڤي أن ذلك التعريف الذاتي هو نتاج صراعات داخلية مستمرة، في المجتمعات الإسلامية حول تعريف ذاتها بين الاتجاهات المحافظة والاتجاهات الحداثية أو الحداثوية، بين الاتجاهات الدينية أو المتدينة والاتجاهات العلمانية أو العلمانوية. وقد تضمنت المداخلة بحثًا في المعاني الرمزية والعملية لمفهوم «الدولة المدنية» في كل حالةٍ من الحالات المذكورة على حدةٍ. ففي خصوص مصر بيَّنت لاڤي أن مفهوم «مدنية الدولة» المنصوص عليه في المادة 200 من دستور 2014م المعدل، هو نتيجة لنقاش مستمر منذ بضعة عقود، حول مكانة الإسلام في السياسة والتوجه الديني أو غير الديني للدولة. وحاججت بأن هذا المفهوم أو التعريف الذاتي للدولة المدنية يُكرِّس السردية الأحادية للنظام السياسي بعد انقلاب حزيران/يونيو 2013م، وهي سرديةٌ مناهضةٌ للإسلاميين، كما يمكِّن الجيش المصري والنظام السياسي عمومًا من إحباط أي عودةٍ للحكم الإسلامي في المستقبل. 
أما في تونس فإن القول بمدنية الدولة قد عبَّر عن تسوية ورؤية وسطية توافقية بين الإسلاميين وغير الإسلاميين فيما يتعلق بدور الإسلام في السياسة. أما في اليمن فإن الدستور الذي تضمن مفهوم الدولة المدنية قد بقي مجرد مسودة، وعبَّرت دسترة هذا المفهوم عن تطلع إلى نزع القبلية، وسعي إلى الانخراط في الحداثة أو التحديث، ضمن نموذج إسلامي للدولة. وخلصت لاڤي إلى أنه بالرغم من كل هذه الاختلافات فإن جميع تصورات الدولة المدنية تستند إلى بعض المقدمات المشتركة، وأبرزها الفكرة القائلة بأن النموذج الأفضل يتمثل في دولة إسلامية حديثة، وغير علمانية، وغير دينية/غير ثيوقراطية، في الوقت نفسه.

ويمكن لتلك العلاقة المتبادلة أن تُفضي إلى أن يصبح الإسلام السياسي جزءًا من التحول الديمقراطي أو العملية الديمقراطية في الدولة الوطنية، في حال كانت تلك العلاقة إيجابية. في المقابل يمكن للإسلام السياسي أن يتحول إلى إسلام جهادي أو إسلاموية متطرفة، في حال كانت تلك العلاقة سلبية.

المداخلة الثانية قدم فيها حسام الدين درويش بحثًا بعنوان: «الإسلام السياسي وآفاقه في العالم العربي الإسلاماتي في حقبة ما بعد الربيع العربي». والسؤال الرئيس الذي حاول ذلك البحث سبر ممكنات الإجابة عنه هو: ما مستقبل الإسلام السياسي في العالم العربي الإسلاماتي، بعد مضي أكثر من عشر سنوات على انطلاق ثورات الربيع العربي وانتفاضاته؟ ويحاجّج البحث بإمكانية -بل وبضرورة- تناول موضوع الإسلام السياسي في سياق الحديث عن مستقبله، تناولًا مفاهيميًّا عامًّا يأخذ في الحسبان تنوع الظواهر العينية الممثلة له، دون أن يكون هناك إمكانية لاختزاله في أيٍّ منها. وتضمنت المداخلة في خطوة أولى سعيًا إلى تحليل مفهوم الإسلام السياسي وضبط معناه وتمييزه عن بعض المفاهيم المتصلة به، كالإسلام الجهادي، والإسلاموية، والإسلام الرسمي، والإسلام الدعوي. ثم قدمت المداخلة في خطوة ثانية، محاججة نقدية ضدَّ أطروحتيْن، تتضمن إحداهما القول بأن الإسلام السياسي هو قدر المجتمعات العربية الإسلامية في حال أتيح لتلك المجتمعات فرصة التعبير السياسي عن نفسها واختيار الممثلين السياسيين لها. أما الأطروحة الثانية: فتحذِّر من خطورة الإسلام السياسي، لوجود تعارض ضروريٍّ بينه وبين مبادئ الديمقراطية ومنظومة حقوق الإنسان (الفردية). ثم تناول البحث في خطوة ثالثة، علاقة الإسلام السياسي مع الآخر. ويتجسد ذلك الآخر من جهة أولى في المجتمع والأطراف السياسية (و)الإسلامية/الدينية الأخرى الموجودة في مجاله العام. ومن جهة ثانية في السلطة والدولة (الوطنية/المدنية). وخلص البحث إلى القول بأن مستقبل الإسلام السياسي المعاصر ينوس بين قطبيْن أساسييْن: الإسلام الجهادي أو الإسلاموية، والإسلام السياسي الساعي إلى دولة مدنية ديمقراطية. وأحد أهم العوامل التي يمكن أن تحدد مستقبل الإسلام السياسي في «العالم العربي الإسلاماتي»، يتمثَّل في العلاقة المتبادلة بينه وبين مفهومَي الدولة الوطنية والدولة المدنية عمومًا، والدولة الفعلية التي يوجد فيها، والنظام السياسي الحاكم في تلك الدولة خصوصًا. ويمكن لتلك العلاقة المتبادلة أن تُفضي إلى أن يصبح الإسلام السياسي جزءًا من التحول الديمقراطي أو العملية الديمقراطية في الدولة الوطنية، في حال كانت تلك العلاقة إيجابية. في المقابل يمكن للإسلام السياسي أن يتحول إلى إسلام جهادي أو إسلاموية متطرفة، في حال كانت تلك العلاقة سلبية. وتكون علاقة الإسلام السياسي بالدولة والسياسة -عمومًا- إيجابية حين يُقر بمشروعية الدولة القائمة، بوصفها الكيان السياسي الذي يشتغل داخله، ويحترم حدوده وسيادته من جهة. وحين ينتقل في الحقل السياسي من مفهوم «الأمة (الإسلامية)، وشعار «الإسلام هو الحل»، إلى مفهوم الدولة المدنية الديمقراطية القائمة على مبادئ المواطنة، وسيادة القانون، واحترام التعددية والحريات الفردية من جهة أخرى. في المقابل تكون علاقة الدولة والنظام السياسي الحاكم فيها بالإسلام السياسي إيجابية، حين تُقر بالمشروعية المبدئية للإسلام السياسي، بوصفه طرفًا سياسيًّا مقبولًا في العملية السياسية الديمقراطية الوطنية، وتتبنى توجهًا استيعابيًّا لا إقصائيًّا تجاهه.

المداخلة الثالثة قدمها «أحمد كورو Ahmet T. Kuru» (أستاذ علم السياسة في جامعة سان دييغو الحكومية San Diego State University)، وحملت عنوان: «هل يمكن أن تكون «الدولة المدنية» أرضية وسطية بين العلمانوية الحازمة والدول الإسلاموية؟»[28]. وفي تأريخه لظاهرتَي العلمانوية والإسلاموية في العالم الإسلاماتي، ميَّز كورو في مداخلته بين توجهيْن أساسييْن: توجه علمانوي بدأ مع مصطفى كمال أتاتورك في تركيا عام 1921م، ثم انتشر وتجسَّد في عدد كبير من أنظمة الحكم في إيران وباكستان وأفغانستان وسوريا والعراق وتونس ومصر ...إلخ؛ وتوجه إسلامي ظهر بقوة مع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م، ووجد مثيلًا له في دولٍ أخرى كأفغانستان، وأصبح مثلًا أعلى لحركات إسلاموية مختلفة. ورأى كورو أن المشكلة الأساسية التي بقيت مستعصية على الحل في كلا التوجهيْن، تمثَّلت في كيفية ضمان المشاركة السياسية لأفراد الشعب مع الحفاظ على المساواة المواطنية بينهم. وفي سبيل إيجاد حلٍّ لتلك المشكلة ظهر توجه ثالث يتمثَّل في ما أسماه كورو ﺑ«العلمانية السلبية» أو الدولة المدنية. وفي سبيل توضيح الاختلاف بين هذه التوجهات الثلاث، ميَّز كورو بين الدولة العلمانية حيث لا يوجد دين رسمي للدولة ولا دور قضائي أو تشريعي لرجال الدين فيها، والدولة الإسلامية حيث يكون الإسلام دين الدولة ويكون لرجال الدين دور قضائي وتشريعي، والدولة المختلطة حيث يكون الإسلام دين الدولة، ويقتصر دور رجال الدين على القضاء بدون أي دور تشريعيٍّ. ووفقًا لهذا التصنيف، أشار كورو إلى وجود عشرين دولة علمانية، وإحدى عشر دولة إسلامية وخمسة عشر دولة مختلطة في العالم الإسلاماتي، وأشار إلى وجود الكثير من الحالات المعقدة الأخرى التي لا تتناسب بسهولة مع هذا التصنيف. وانطلاقًا من التمييز بين دولة العلمانية الحازمة (فرنسا والمكسيك مثلًا)، ودولة العلمانية السلبية (الولايات المتحدة الأمريكية وهولندا مثلًا)، والدولة الإسلامية (السعودية وإيران مثلًا)، ناقش كورو غموض مفهوم الدولة المدنية، من حيث التعريف وعدم وضوح دور رجال الدين في القضاء والتشريع، ومن حيث مدى إمكانية حصول تمييز بين المواطنين على أساس دينيٍّ فيها. وخلص كورو إلى أهمية هذا المفهوم من جهة، وإلى ضرورة محاولة ضبطه وتدقيقه وتمييزه عن المفاهيم الأخرى المتشابكة معه (الدولة الدينية، الدولة الإسلامية، الدولة العلمانية)، من خلال معايير واضحة ومحددة من جهة أخرى.

في نهاية الجلسة، جرى نقاشٌ حول مدى التقاطع بين مفهوم العلمانية السلبية (عند كورو) والتصورات المختلفة لمفهوم الدولة المدنية في مصر وتونس واليمن (عند لاڤي)، ومفهوم الدولة المدنية وفقًا لتصورات متبني تلك الدولة من الإسلاميين وغير الإسلاميين (عند درويش)، ومدى التكامل بين المقاربة الوصفية في بحث لاڤي والبعد المعياري في مقاربة كلٍّ من كورو ودرويش. كما نوقشت إمكانية وضرورة التمييز بين مفهوم الدولة المدنية والمفاهيم المتعارضة أو المتنافسة معه. وطُرحت فكرة مدى فائدة أو ضرورة دراسة دلالات الغياب (شبه) الكامل لمفهوم الدولة الإسلامية خارج نطاق العالم الإسلاماتي عمومًا، وفي العالم الإسلاماتي غير العربي خصوصًا. ونوقشت أيضًا مسألة مدى إمكانية تحقق فكرة «الدولة المدنية» في ظل سيطرة أنظمة عسكرية أو أهلية لا مدنية، تُنتج إسلامًا رسميًّا خاضعًا لها، وإسلامويات
معارضة متطرفة مقابلة أو موازية لها، أكثر مما تُنتج إسلامًا سياسيًّا تستوعبه الدولة
ويستوعب هو فكرة الدولة الحديثة والنظام السياسي الديمقراطي القائم على الحرية والتعددية والمساواة المواطنية.

الجلسة الرابعة: العلمانية الناعمة، الدولة الإسلامية، الديمقراطية الإسلامية

تضمنت الجلسة الرابعة ثلاثة أبحاثٍ أيضًا، قدَّمها كل من ديتريش يونغ،وساري حنفي (أستاذ في علم الاجتماع في الجامعة الأميركية في بيروت)، ومجتبى إساني Mujtaba Isani (باحث مشارك في مركز مانهايم للأبحاث الاجتماعية الأوروبية في جامعة مانهايم University of Mannheim). وقد أدار الجلسة وكان المناقش الرئيس فيها: محمد حصحاص.

حصلت اختلافات كثيرة وكبيرة في تحديد الكيفية التي ينبغي بها أن ترتبط دولة ما بعد الاستعمار بالدين، وماهية الطرق التي تجعل التقاليد الإسلامية مصدرًا لأصالة تلك الدولة والشرعية السياسية فيها.

المداخلة الأولى قدمها ديتريش يونغ، وكانت موسومةً ﺑ«الدول الإسلامية»: حالات إيران وماليزيا والمملكة العربية السعودية»، وتناول فيها «الدولة الإسلامية» من حيث كونها فكرة مرتبطة بالتقليد والتاريخ الإسلامي، والدمج بين الدين والمؤسسات السياسية الحديثة من جهة، وممارسة اجتماعية من جهة أخرى. وعلى هذا الأساس، ناقش يونغ مفهوم الدولة، ومعنى أن تكون إسلامية، ورأى أن المعنى الثاني أكثر إشكالية من المعنى الأول. واستند يونغ إلى فيبر[29] ليُبين أن النمط المثالي للدولة يتحدد باحتكار العنف، وبالأرض والشعب والسلطة الشرعية، وبوصف الدولة وحدة سياسية تحظى باعتراف دوليٍّ/عالميٍّ من «المجتمع الدولي». وعرض يونغ السيرورة التاريخية لتشكل الدولة في أوروبا، التي بدأت باحتكار فرديٍّ ديكتاتوريٍّ للثروة والقضاء على الأطراف المنافسة، وتراكم الثروة في يد طرف واحد هو الحاكم المستبد. ثم انتقل هذا الاحتكار من يد الفرد صاحب السلطة المطلقة أو العائلة الحاكمة، إلى احتكارٍ عموميٍّ، أصبح مع الثورة البرجوازية وظيفة المجتمع بوصفه كلًّا. وميَّز يونغ مع فيبر بين نوعيْن من السلطة: تقليدية تتأسس على قداسة أو تبجيل تراث ما، دينيٍّ أو غير دينيٍّ، وعلى شرعية ممارسة السلطة بالاستناد إلى ذلك التراث. وعقلانية/قانونية قائمة على قانونية القواعد المسنونة، وعلى حق من يصلون إلى السلطة من خلال إجراءات شكلية مضبوطة ووفقًا لتلك القواعد في أن يحكموا. وفي توضيح معنى إسلامية الدولة، أشار يونغ إلى أن الانتقال إلى الاستقلال السياسي للدول ذات الغالبية المسلمة، قد ترافق غالبًا مع سعي النخب السياسية في مرحلة ما بعد الاستعمار إلى تعزيز شرعيتها السياسية، من خلال العودة إلى المصادر الرمزية للإسلام وبإعلان الإسلام دينًا للدولة، والتحالف مع المؤسسة الدينية أو رفع الشريعة إلى مستوى القوانين أو جعلها مصدرًا قانونيًّا محددًا دستوريًّا، كانت الأنظمة الإسلامية إلى حد ما جزءًا من الخطاب الإسلامي للحداثة الذي أطلقه الحداثيون الإسلاميون في القرن التاسع عشر. لكن حصلت اختلافات كثيرة وكبيرة في تحديد الكيفية التي ينبغي بها أن ترتبط دولة ما بعد الاستعمار بالدين، وماهية الطرق التي تجعل التقاليد الإسلامية مصدرًا لأصالة تلك الدولة والشرعية السياسية فيها. وعدد قليل من الدول أعلنت اتسامها بالسمة الإسلامية. واختار يونغ من بين تلك الدول ثلاثة «دول إسلامية»: إيران وماليزيا والمملكة العربية السعودية، بالرغم من اختلاف الأيديولوجيات السياسية للدول الثلاث والمستمدة من دلالات الحداثة الإسلامية، وبسبب ذلك الاختلاف. فذلك الاختلاف يمثِّل حالات ممتازة لتحليل الاختلافات السياقية بين المشاريع الإسلامية للحداثة السياسية التي تقودها الدولة، التي ظهرت في تشكيل دولة ما بعد الاستعمار. فإسلامية إيران واضحة من خلال نظام ولاية الفقيه، وهيمنة رجال الدين على السلطة، وسيادة النصوص الدينية وتأويلاتها مثلًا وخصوصًا. وبذلك فإن هذه «الإسلامية» تعطي ميزات لجماعة أو مجموعة على حساب جماعة أو مجموعات أخرى.
وفي ماليزيا تظهر السمة الإسلامية في صيغة مختلفة، فالإسلام هو الدين الرسمي دستوريًّا للدولة، والسلطة الفعلية في ماليزيا سلطة عقلانية قانونية، لكن هناك سلطات تقليدية إسلامية. وإسلامية ماليزيا تظهر بالدرجة الأولى في السمة الإسلامية للانتماء الوطني، وفي الأولوية المعطاة للمسلمين في المجال الاقتصادي، على حساب الأقلية غير المسلمة الصينية والهندية مثلًا. وتبدو إسلامية السعودية واضحة في عَلَم الدولة وفي كون الإسلام هو دين الدولة والقرآن والسنة دستورها. وشدد يونغ في ختام مداخلته على الاختلاف الكبير بين إسلاميات الدول المذكورة، وأشار إلى أن فرضية البحث الذي يعمل على إنجازه تتمثل في أن السمة المشتركة بين إسلاميات تلك الدول، تكمن في كون تلك الإسلاميات تتخذ صيغة إقصاء ما، حيث تفضي إسلامية الدولة إلى إقصاء جزء من أفراد شعبها.

المداخلة الثانية قدمها ساري حنفي وكانت بعنوان: «العلاقة بين الدين والدولة في العالم العربي: «مقاربة الفصل/الوصل/الفعل التعددي». وقد أشار حنفي بداية إلى أن العلاقة المذكورة هي أكثر المسائل إثارة للجدل في العالم العربي في حقبة ما بعد قيام انتفاضات الربيع العربي. والسؤال الأساسي الذي تضمنته مداخلة حنفي تمحور حول إمكانية تناول تلك العلاقة من منظورَي العلوم الدينية والعلوم الاجتماعية والإنسانية، بدلاً من وضع هذيْن المنظوريْن في مثنوية يُقصي كل طرف منها الطرف الآخر. وقد حاجج حنفي في أطروحته، وقبل ذلك في كتابه «علوم الشرع والعلوم الاجتماعية: نحو تجاوز القطيعة»[30]، وبالاستناد إلى ذلك الكتاب، بوجود الإمكانية المذكورة وبضرورة تبني ما أسماه «منهج الفصل والوصل والفعل التعددي». ويتأسس هذا المنهج على رفض النظر إلى حقول الدين والثقافة والسياسة والاجتماعية والاقتصاد على أنها مجالات منفصلة، ويُشدد على أن جميع أشكال المعرفة مهمة، لتمكين المنطق المشترك في مجتمع معين من أن يكون متضمنًا في مجمله. ويتكون منهج «الفصل والوصل والفعل التعددي» من دراسة كل قضية في العلوم المعنية دراسة منفصلة، وفقًا لنظرية المعرفة الخاصة بها، ثم الوصل بين نتائج تلك الدراسات والمعارف التي تنتجها، وإقامة الترابطات بينها، مع الاسترشاد بالعوالم الحية التي يعيشها الناس في تبيئة تلك النتائج والمعارف. ورأى حنفي أن التقاطع والاتصال بين العلماني والديني، بين العلوم المختلفة يمكن أن يمر عبر قناة الأخلاق، ويمكن أن ينتج عن ذلك اتخاذ شكليْن من الإجراءات: أحدهما للمواطنين عمومًا، والآخر للمؤمنين. وينطبق ذلك على قوانين الأحوال الشخصية المتعلقة بالزواج والإرث مثلًا، حيث يمكن الاستناد إلى القانون المدني عمومًا، والفقه الديني في خصوص المؤمنين. وناقش حنفي في مداخلته مسألة الديمقراطية، ورأى أنه يمكن أن تستند إلى مفهوم الشورى عند المؤمنين، وإلى أسس أخرى عند غير المؤمنين، ومن ثَمَّ يمكن أن يحصل النقاش الذي يأخذ في الحسبان كونية الفكرة من جهة، وخصوصية البيئة المحلية من جهة أخرى. واستند حنفي إلى نص سيسل لابورد Cécile Laborde «دين الليبرالية»[31] لمناقشة فكرة تعدد الإجراءات، ومن أجل إيجاد أفضل (إعادة) صياغة لكيفية تعامل الدولة الليبرالية على قدم المساواة، مع تعددية التزامات مواطنيها، وتعددية معتقداتهم وهوياتهم، وإيجاد التوازن الضروري والتفاعل الإيجابي بين البعديْن الديني والعلماني في الدولة والمجتمع. وخلص حنفي إلى ضرورة وجود ما أسماه ﮨ«العلمانية الناعمة»، وهي آليةٌ وظيفيةٌ تحصل عندما يتحقق شرطان أولهما: عندما يؤمِّن الفصل بين المؤسسات الدينية ومؤسسات الدولة غايات الديمقراطية الليبرالية. والثاني: عندما تقتصر حيادية الدولة على الاستجابة إلى الإجماع المتشابك  overlapping consensus (الذي تحدث عنه رولز[32]) في خصوص ماهية الخير الأخلاقي. ورأى حنفي مع راجيف بهارجافا Rajeev Bhargava [33]، ضرورة الحفاظ عن الفصل المبدئي بين الدولة والدين، والبحث عن مسافة ملائمة بينهما على أساس مبدأ الإنصاف، ولصالح قيم السلام والحقوق الإنسانية الكونية والكرامة والحرية والمساواة والأخوة. فالعلمانية الناعمة التي يتبناها حنفي ويُنظِّر لها ويدعو إلى إمكانية/ضرورة وجودها في العالم العربي، هي علمانية متسامحة مع كل حضور غير تسلطيٍّ للدين في المجال العام، وتسعى إلى قيام أنماط وصيغ سياقية تدعم البحث عن العدالة الاجتماعية والديمقراطية والمواطنة الفعَّالة.

إن معظم النظريات المطروحة -من الماوردي إلى المودودي- هي نظريات ظنيَّة، نتيجة الاجتهاد والتفكير الفقهي المستقل.

المداخلة الثالثة كانت موسومة ﺑ«السيادة الشعبية وخلافة الإنسان ومرونة الديمقراطية الإسلامية»، وقدم فيها مجتبى إساني قراءة نقدية لكتاب أندرو مارش «خلافة الإنسان: السيادة الشعبية في الفكر الإسلامي الحديث»[34]. ففي ذلك الكتاب، يرى مارش ألا إمكانية للديمقراطية الإسلامية لتكون ديمقراطية ليبرالية «على النمط الغربي»؛ لأنَّ الديمقراطية الإسلامية تفترض بالضرورة أفكار الحاكمية والخلافة كما صاغها أبو الأعلى المودودي[35] وسيد قطب[36]، وهي أفكار تتعارض تعارضًا جوهريًّا مع مفهوم السيادة الشعبية المؤسسة للديمقراطية. ورفض إساني أطروحة مارش، وشدد من ناحية أولى على أن مسألة العلاقة بين السمة الإسلامية، والسمتيْن الليبرالية والعلمانية للديمقراطية، مسألة إشكالية في الفكر الإسلامي الحديث، وليس هناك رأي واحد أو حاسم فيها. فالمفاهيم المتعلقة بالحكومة الإسلامية أو نظام الحكم الإسلامي قد اختلفت وفقًا للسياق والمكان والزمان. وفي العصر الحديث ثَمَّ عدد كبير من المسلمين يرى الديمقراطية وسيلة لتحقيق العدالة والرفاهية. وهذا يعني أن فكرة الحكومة الإسلامية ما تزال تحظى بقبول على نطاق واسع من جهة، وتستند إلى مبادئ الفكر السياسي الإسلامي الحديث من جهة أخرى. ويمكن للمؤسسات المعبرة عن الحكم الإسلامي أن تختلف تبعًا لاختلاف الأمكنة والأزمنة ومعطيات السياقات عمومًا، ووفقًا للنظام السياسي الحاكم والنظريات الحاضرة والمتنافسة، والفجوة الفكرية المنوي سدها خصوصًا. وبيَّن إساني إمكانية تفسير التنوع والاختلاف الكبيريْن في الآراء في هذا الخصوص، بحقيقة أن القرآن والأحاديث النبوية تقول القليل عن الخلافة بشكل مباشر، لذا فإن معظم النظريات المطروحة -من الماوردي[37] إلى المودودي- هي نظريات ظنيَّة، نتيجة الاجتهاد والتفكير الفقهي المستقل. ورأى إساني أن أساسيات الحكم الإسلامي تقتصر على مبادئ عامة محدودة العدد. وفيما عدا ذلك، هناك تنوع غير محدود في طريقة تطبيقها وفي معظم التفصيلات في هذا الخصوص. وهذا الاختلاف أو التنوع الشرعي في الرأي في المسائل الثانوية للدين، معروف وشائع ومقبول في الفقه الإسلامي.

 غلاف كتاب خلافة الإنسان الصادر عن مركز نهوض
                    غلاف كتاب خلافة الإنسان 

في النقاشات التي أعقبت المداخلات الثلاث، أثيرت تساؤلات حول مدى وجود قواسم مشتركة بين إسلاميات الدول الإسلامية، ومدى وجود اختلافات كثيرة وكبيرة بين تلك الإسلاميات أو الدول الإسلامية، إلى درجة تقتضي البحث عن تصنيفات فرعية أو معايير أخرى قد تكون أكثر أهمية ودلالة في عملية فهم ماهية كل دولة من تلك الدول. فثمة دول مصنفة على أنها إسلامية بدون أن تعرِّف ذاتها على أنها كذلك، وقد يبدو أن إسلامية تلك الدول أقوى من إسلامية دول أخرى تعرِّف نفسها بأنها إسلامية. وعلى هذا الأساس، يمكن القول بوجود معايير مختلفة ذاتية (التعريف الذاتي للدولة لذاتها) أو موضوعية سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، يمكن من خلالها الحديث عن إسلامية أو عدم إسلامية دولة ما. وانطلاقًا من تلك النقطة استحضر رأي من يقول باستحالة أن تكون الدولة إسلامية (كوائل حلاق)[38]، ورأي من يقول بوجوب التوقف عن محاولة أسلمة كل المفاهيم الحديثة كالديمقراطية مثلًا (كعبد الله النعيم)[39]، مقابل حديث آخرين عن إمكانية وجود ديمقراطية إسلامية (كعبد الكريم سروش)[40]، وعلمانية إسلامية (كحسن حنفي)[41]. ونوقشت أيضًا رؤية ساري حنفي في خصوص الإجراءات المتعددة، وضرورة السماح بحضور مختلف الآراء، الدينية وغير الدينية/العلمانية في المجال العام، من أجل البحث عن الإجماع المتشابك بين المنظورات المختلفة، أو إيجاد سبل التعايش بينها في إطار التعددية الديمقراطية للعلمانية الناعمة. 

الجلسة الخامسة: العلمنة الإسلامية في المغرب، الصراع حول إسلامية الدولة وعلمانيتها في السودان، النسوية والمسألة العلمانية والدينية في مصر

في الجلسة الخامسة، قُدِّمت ثلاث أوراق بحثية أيضًا، تناولت جوانب مختلفة من مسألة العلاقة بين الدين والدولة، في كلٍّ من المغرب والسودان ومصر. وقد أدار الجلسة وكان المناقش الرئيس فيها: ساري حنفي.

في المداخلة الأولى، قدَّم سليم حميمنات (أستاذ باحث في معهد الدراسات الإفريقية، في جامعة محمد الخامس)، بحثًا بعنوان: «المغرب دولة مدنية لكنها ذات مرجعية إسلامية: العلمنة الإسلامية للالتفاف على فخ الإسلاموية والعلمانوية». وناقش حميمنات في مداخلته مفهوم العلمانية الإسلامية، من خلال دراسة حالة الإسلام المغربي الرسمي، وحاجج بأن هذا المفهوم ليس مجرد شعار فارغ من المعنى مفتقر إلى ممارسة عملية تُعبِّر عنه، بل هو مفهومٌ يعكس أيديولوجيا إبداعية يوفِّق من خلالها صانعو السياسة المغاربة عمومًا، ووزارة الشؤون الإسلامية خصوصًا أو تحديدًا، بين أولويتيْن في غاية الأهمية، الأولوية الأولى: تتمثل في إسهام الإسلام الرسمي في المساعدة على امتصاص الآثار الجانبية الناتجة عن التحديث الاستبدادي العلماني. والأولوية الثانية: تتجسَّد في ضمان دمج المجال الديني دمجًا قويًّا في مشروع بناء الدولة القومية الحديثة، وهو المشروع الذي يستلزم، من ضمن ما يستلزمه، بيروقراطية المؤسسات الإسلامية الرسمية وترسيخ ما أطلق عليه خطاب الدولة اسم «الخيار الديمقراطي». وعلى هذا الأساس، رأى حميمنات أنه لا يمكن النظر إلى الدولة المغربية على أنها «دولة علمانية» أو «إسلامية»؛ إذ إنها بحكم الأمر الواقع «دولة مدنية» ذات مرجعية إسلامية». وللتدليل على تلك الرؤية، رأى حميمنات وجوب تفحص جانبيْن مهميْن ومترابطيْن بدقة. وعلى هذا الأساس عمل حميمنات من ناحية أولى، على إجراء تحليل لمحتوى (بعض) الوثائق الرسمية للمؤسسة الدينية ومناهج التدريب التي تهدف إلى تأطير وتوجيه عمل علماء الدين، والأجيال الشابة من الأئمة المرشدين والمرشدات لمعرفة دلالات مفهومَي «الدولة المدنية» و«الدولة الإسلامية» فيها. ومن ناحية ثانية درس الجوانب العملية لـ«العلمنة الإسلامية»، من خلال دراسة المهام والأدوار الموكلة إلى العلماء والأئمة، بوصفهم قوة روحية دافعة في الأداء اليومي لمؤسسات الدولة الحديثة. وبيَّن حميمنات أن انخراط مؤسسة العلمائية في «السياسة الكبرى» لا يقتصر على تقديم آراء استشارية حول قضايا الشؤون العامة، ولا يقتصر على نقل دين الإسلام (التبليغ) الذي يضمن نشر الإسلام الوسطي وتعزيز «روح الإسلام»، والنهضة بأحوال الناس وتوجيههم إلى طريق الحضارة والتقدم. فهذا الانخراط يظهر أيضًا في مساعي مؤسسة العلماء لإثبات نفسها، بوصفها ممثلًا ديناميكيًّا ومؤهلًا وقادرًا على المشاركة الفعلية والفعَّالة في التنمية في جميع المجالات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وخلص حميمنات إلى أن المؤسسة الدينية المغربية الرسمية قد أسهمت إسهامًا كبيرًا في تزويد النظام السياسي المغربي منذ مطلع القرن الحالي -خصوصًا- بتفسيرات أيديولوجية حاسمة، فتحت الباب أمام مسار تسوية براغماتي بين التحديث العلماني للدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية. وهذا المزج أو التفاعل الإيجابي بين التحديث العلماني والبعد الديني هو ما يحدد مفهوم «الدولة المدنية» في السياق المغربي.

المداخلة الثانية قدَّمها مدى الفاتح (باحث في مركز الدراسات الدبلوماسية والاستراتيجية في باريس)، وكانت موسومة ﺑ«السودان: الانتقال الكبير من دولة إسلامية إلى دولة علمانية. لماذا فشلت العلمانية؟». وقد ناقش الفاتح في مداخلته مفهومَي «(الدولة) المدنية» و«(الدولة) العلمانية»، في السياق السوداني عقب الثورة التي أطاحت بحكم الرئيس عمر البشير في نيسان/أبريل 2019م، الذي كان يوصف في عدة سياقات بأنه حكم إسلامي. في المقابل، كانت مدنية الدولة هي إحدى الشعارات التي رفعها المحتجون، وبدا أحيانًا أن هذه الشعارات تختزل أزمة البلاد في كونها محكومةً بقائدٍ عسكريٍّ وبعقلية عسكرية. وحاجج الفاتح بحصول ارتباطٍ بين مفهومَي «(الدولة) المدنية» و«(الدولة) العلمانية» كنتيجة لماهية القوى التي قادت الحراك الثوري وتصدرت المشهد، بوصفها ممثلة للشباب والثوار السودانيين، مثل «تجمع المهنيين» و«قوى الحرية والتغيير»، وبسبب وجود شيوعيين و«أحزاب أخرى علمانية متطرفة» تساند القوى المذكورة، وتبني خطابها على ضرورة الإقصاء التام للإسلام والإسلاميين عن ساحة العمل العام. ورأى الفاتح في ذلك «اختطافًا فكريًّا للثورة» أفضى إلى مشاكل كبيرة تمثلت في الإقصاء المتعمد لجميع من لا يتفقون مع هذه الرؤية المتطرفة المؤيدة لإبعاد الدين من المجال العام، مع ما في ذلك من تناقضٍ مع «الأولويات والمطالب الثورية» نفسها، حيث إن أصحاب هذا الطرح لم يكونوا أغلبية، وكانوا يعلمون أنهم سيكونون مهزومين «على الأرجح» في أي استفتاء أو انتخاب. وهذا ما يفسِّر -من وجهة نظر الفاتح- تعطيل «قوى الحرية والتغيير» -خلال أكثر من عاميْن في الحكم- عملَ المؤسسات الدستورية، وتعطيل قيام برلمان، كما لم تشرع في الاستعداد بأي طريقة لقيام انتخابات، وبدا من تصريحات أحد المتحدثين باسم تلك القوى طموحها إلى أن تمتد الفترة الانتقالية لأطول فترة ممكنة. وقد ناقش الفاتح الانقلاب الأخير في السودان الذي وقع في الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي، الذي نقض فيه قائد الجيش تحالفه مع «قوى الحرية والتغيير»، ما جعل الأحزاب المنخرطة في هذا التحالف تدخل معه في عداء معلن وتعمل على إسقاطه، مسنودة برفض جماهيريٍّ لتدخل الجيش. وفي تناوله للتحالف السابق بين «قوى الحرية والتغيير» و«قادة الجيش السوداني»، رأى الفاتح أن ذلك التحالف كان استثنائيًّا. فمن ناحيةٍ، كان هنالك قادة الجيش الذين تم التغاضي عن تاريخهم وقربهم من الرئيس المعزول، ومُنحوا صفات قيادية، كرئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان. ومن ناحيةٍ أخرى، كانت هناك أحزاب صغيرة من حيث الشعبية والعضوية، وجدت فرصتها التاريخية من أجل أن تشارك في صياغة السودان، وفق توجهاتها السياسية والأيديولوجية. وقد شدَّد الفاتح في نهاية مداخلته على أن رؤيته النقدية للأوضاع السياسية في السودان، خلال السنوات القليلة الماضية، لا تتضمن أي عداء مبدئيٍّ تجاه العلمانية، وأنه إنما حاول أن يشرح من خلال عرض التجربة السودانية، كيف يسيء العلمانيون لأنفسهم وللعلمانية أحيانًا، حينما يجعلونها معادية للدين، أو مرتبطة بالإكراه والقفز على حقوق الغالبية التي ما تزال ترى أن للدين دورًا مهمًّا في حياتها. وتقدِّم الحالة السودانية أيضاً مثالًا على الارتباط بين العسكر والعلمانيين، ففي سياق اجتماعيٍّ يصعب فيه إقناع الغالبية بتحجيم الإسلام وحصره في النطاق الخاص، لا تجد الأحزاب العلمانية بأسًا في الاستعانة بالعسكريين من أجل فرض نموذجها، وهو ما يولد احتقانًا أو مساندة مقابلة لأي تغيير، حتى لو كان انقلابًا عسكريًّا مقابلًا.

المداخلة الثالثة والأخيرة قدمتها أماني عبد الرازق الصيفي (باحثة في قسم اللغة الإنجليزية وآدابها في جامعة برلين الحرة)، وحملت عنوان: «سياسات الحق في الاستبعاد: حقوق المرأة والنظام العام في مصر ما بعد الاستعمار». وناقشت الصيفي في مداخلتها مسألة حضور الدين في المجال العام عمومًا، ومسألة تنظيم العلاقة بين الجنسيْن في المجاليْن العام والخاص خصوصًا، في نصوص الدستور المصري. وبيَّنت وجود مواقف متضاربة في تلك النصوص تجاه مفاهيم «قيم الأسرة المصرية الأصيلة» و«الآداب العامة» و«النظام العام» في مصر في حقبة ما بعد الاستعمار. وبالاستناد إلى المسيرة النسوية لدرية شفيق (1908-1975م)[42] ونوال السعداوي (1931-2021م)، بيَّنت الصيفي هيمنة الخطاب الأبوي/الذكوري التقليدي حول مفهوم «المبادئ الأصيلة للأسرة المصرية» في مصر ما بعد الاستعمار، لكنها بناءً على دراسات حالات «فتيات التيك توك» مثلًا، رأت أن مرحلة ما بعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011م، والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في مجتمع طبقيٍّ استهلاكيٍّ، قد أفضت إلى وجود تحولات أولية لكنها تحولات  قوية، في موقف المجتمع المصري تجاه المفاهيم المذكورة، وتجاه مسألة التدين عمومًا. وقد حاججت الصيفي أن نضال المرأة المصرية من أجل إزالة القيود المفروضة عليها، وتحسين علاقتها المتبادلة مع الرجل، هو نضال مزدوج ضد طرفيْن في الوقت نفسه، فهو من جهة أولى نضال ضد التزمت الديني وللمطالبة بإجراء إصلاحات في القوانين الإسلامية، ومن جهة ثانية نضال ضد السلطة السياسية «العلمانية» واستبدادها، وسياساتها التمييزية، ودورها السلبي في تحديد دور الدين في تنظيم العلاقات والمساحات بين الجنسيْن. ويُعَد النضال النسوي ضد هذين الطرفيْن ضروريًّا لمواجهة التناقض في الخطابات والنصوص الدستورية والقانونية من حيث إن جزءًا منها يتبنى حقوق المرأة وفقًا لمنظومة حقوق الإنسان الدولية والمساواة بين الجنسيْن، وجزءًا آخر يُقيِّد تلك الحقوق، ويَحدُّ منها بقوانين وخطابات دينية حول التقاليد والهوية الأصيلة. وفي تفسيرها لتلك المواقف المتناقضة للدولة «العلمانية» تجاه إصلاح قانون الأحوال الشخصية والمطالب النسوية عمومًا، رأت الصيفي أن ذلك التناقض ناتج عن أن الدولة «العلمانية» في فترة ما بعد الاستعمار تستخدم الدين أو الخطاب الديني، لتحقيق أغراض سياسية، تتمثَّل في إضفاء الشرعية على وجودها في مجتمع محافظ من جهة، واستبعاد الأصوات والعناصر النسوية والمعارضة والمنادية بالتغيير من جهة أخرى، من خلال وصمها بأنها «غير أخلاقية»، ومعادية لقيم  الإسلام، و«القيم الأصيلة» للأسرة المصرية. يُضاف إلى ذلك أن استيلاء «الدولة العلمانية» على الخطابيْن «الديني» و«العلماني» في المجال العام، يضع الحدود بين المجاليْن العام والخاص موضع تساؤل، ويسمح للدولة ليس فقط بأن تتدخل في الخيارات الشخصية للأفراد، وسلوكهم الذي لا يتوافق مع رؤية الدولة لمفهوم الأخلاق العامة والقيم الدينية، بل وبأن تسعى إلى تشكيل المشاعر الخاصة للأفراد أيضًا. وخلصت الصيفي إلى وجود حاجة إلى تصور أو مفهوم جديد لنظام أخلاقيٍّ يمكنه التعامل مع  تحديات الظروف الاجتماعية والاقتصادية الحالية التي تتطلب التسامح مع التعددية وتحقيق المساواة بين الجنسيْن في المجال العام. ورأت في النقاشات الحالية التي أثارتها حالة «فتيات التيك توك» حول مفهوم «القيم الأصيلة للأسرة» و«الأخلاق العامة» مؤشرًا على وجود ضغط اجتماعيٍّ من داخل المجتمع، وليس فقط من خارجه أو من قبل نخبة ليبرالية، يحثُّ على إصلاح العلاقة بين الجنسيْن في المجاليْن العام والخاص، بما يتجاوز خطاب التقاليد و«الهوية الأصيلة». وتساءلت في نهاية مداخلتها عن إمكانية اعتبار تلك الضغوطات والنقاشات شكلًا من أشكال العلمنة من الأسفل.

بعد تقديم المداخلات الثلاث، نوقشت معقولية استخدام حميمنات لمصطلح fundamentalism state، كمقابل لمصطلح «أصولية الدولة»، نظرًا إلى المعاني السلبية القوية الملحقة ﺑمفهوم «fundamentalism» في اللغة الإنجليزية، واقتُرِح مصطلح
«state foundationalism» بديلًا عنه. كما طُرِح موضوع مدى حضور الصراع
«العلماني الإسلامي» في المشهد السياسي في المغرب. وقد رأى حميمنات أن هذا الصراع حاضر، حضورًا قويًّا نسبيًّا، وأن هناك مصلحة للنظام السياسي في المغرب في استمرار هذا الحضور، وفي اشتداد ذلك الصراع. والمسألة ذاتها نوقشت بشأن الوضع في السودان، حيث بدا من مداخلة الفاتح أن الصراع هناك بين علمانيين وإسلاميين أو مسلمين. وقد رأى الفاتح أن الجماهير الثائرة كانت ثائرة بالدرجة الأولى ضد الفساد والاستبداد، ومن أجل العدالة الاجتماعية، وليس ضد الإسلام، أو من أجل العلمنة، لكن الأطراف العلمانية التي وصلت إلى السلطة أعطت الأولوية لعلمنة الدولة، وأسهمت في خلق حالة استقطاب إسلاميٍّ علمانيٍّ. والمسألة ذاتها نوقشت فيما يخص النسوية المصرية: إلى أي حدٍّ يمكن القول بعلمانية أو إسلامية النسوية المصرية أو بوجود انقسام فيها بين اتجاهات علمانية معادية للدين، واتجاهات دينية أو متدينة؟ واستحضر في هذا السياق قول كازانوفا: «يبدو أن النسوية قد حلت محل الشيوعية على أنها «شبح» يطارد كل التقاليد الدينية»[43]. وقد رأت الصيفي أن النسوية المصرية لم تتخذ عمومًا، موقفًا سلبيًّا من الدين أو معاديًا له، بل حاولت تقديم تأويلات نسوية للنصوص الدينية أو للدين عمومًا. وهذا ما فعلته -على سبيل المثال- النسويتان درية شفيق ونوال السعداوي.

نقاشات الجلسة الختامية

في الجلسة الختامية للمؤتمر، نوقش عددٌ من الأفكار التي تضمنتها أبحاث المؤتمر وجلساته. وسأعرض فيما يلي لبعض من الملاحظات الختامية والأفكار الرئيسة التي نوقشت في تلك الجلسة، التي ترأسها وأدارها حسام الدين درويش، والتي سأقوم بتكثيفها في المسائل التالية.

(العلاقة بين) المقاربة الوصفية المعرفية والمقاربة المعيارية الأيديولوجية

يتشابك في أبحاث العلوم الإنسانية والاجتماعية البعدان الوصفي والمعياري تشابكًا ضروريًّا. والمقصود بالبعد الوصفي هو ذاك الذي يحاول أن يصف ما هو كائنٌ، في حين أن البعد المعياري يتضمن رؤية لما ينبغي أو يجب أن يكون. ويظهر التشابك بين البعدين المذكورين في المفاهيم الأساسية التي تناولها المؤتمر (الدولة المدنية، الدولة، العلمانية، الدولة الإسلامية، الدولة الدينية)، بوصفها مفاهيم معيارية كثيفة[44] بامتياز. وقد تفاوت مدى حضور ذلك البعد المعياري في مقاربات الأبحاث ومضامينها، بحيث كان ذلك الحضور ظاهرًا وقويًّا في بعض من تلك الأبحاث، وضمنيًّا وضعيفًا نسبيًّا في أبحاثٍ أخرى. وقد تضمنت المناقشات الختامية تشديدًا على معقولية حضور البعد المعياري، وأهمية هذا الحضور في هذه السياقات السياسية التي تنشغل فيها الأبحاث، لا بوصف ما هو كائن فقط، بل بمناقشة ما يجب أن يكون أيضًا. في المقابل، فقد شُدِّد على أن التأثير الإيجابي للحضور القوي للبعد المعياري في المقاربات والأبحاث يمكن أن يترافق مع تأثيرات سلبية، أكثر وأكبر، في الموضوعية المعرفية الوصفية لتلك الأبحاث. وهذا يعني وجوب الانتباه إلى البعد المعياري المحايث للأبحاث، في تلك السياقات ومحاولة الحد من تأثيراته السلبية قدر المستطاع. وتزداد إمكانية حصول ذلك الحد بمقدار الإقرار بوجود ذلك البعد المعياري، ومحاولة ضبطه معرفيًّا، لمنع شطط الأحكام القائمة على المرغوبية أو الانحيازات الأيديولوجية، بما يضمن التوازن والتكامل والتفاعل الإيجابي بين البعديْن الوصفي والمعياري.

الديمقراطية والإقصاء الأيديولوجي بين العلمانوية والإسلاموية

بيَّنت الأبحاث أن الإقصاء الأيديولوجي ليس حكرًا على طرف واحد، علمانيًّا كان أم أيديولوجيًّا. وإذا كانت السمة الإسلامية للدولة تتضمن إقصاءً ما بالضرورة في دول مثل إيران والسعودية وماليزيا، فإن السؤال بقي مفتوحًا عن مدى إمكانية وجود تلك السمة للدولة، دون أن تفضي إلى إقصاء ما لجزء من مواطني تلك الدولة. في المقابل، شُدِّد على ضرورة عدم استسهال الربط بين عمليات الإقصاء والسمة الإسلامية للدولة التي يجري فيها الإقصاء، أو لنظام الحكم فيها. واستُحضر المثال التركي وحالة الإقصاء التي يتعرض لها الأتراك العلويون في تركيا، لإظهار أن ذلك الإقصاء كان موجودًا في عهد أتاتورك العلماني، وليس نتاجًا خاصًّا للسمة الإسلامية للقوى السياسية الحاكمة في تركيا خلال العقديْن الماضيين. كما بينت الأبحاث أن الموقف العلمانوي من الديمقراطية والتعددية والحريات ليس إيجابيًّا بالضرورة، والموقف الإسلامي من المسائل المذكورة ليس سلبيًّا بالضرورة. فليس هناك ترابط عضوي بين الديمقراطية والعلمانية، حتى حين تُختَزل الديمقراطية في عمليات التصويت أو صناديق الاقتراع، وليس هناك تنافر ضروري بين الإسلام السياسي أو الحركة الإسلامية والديمقراطية، حتى حين تكون تلك الديمقراطية ليبرالية. وعلى هذا الأساس يمكن إظهار مدى الفقر المعرفي للثنائية المانوية أو المثنوية الأيديولوجية «علماني مقابل إسلامي»، كما يمكن إبراز مدى تأثيرها السلبي في ممارسة التعمية وصرف الأنظار والجهود النظرية والعملية، عن الصراع السياسي والمعرفي من أجل الديمقراطية وضد الاستبداد.

في دور الدين/ الديني

انطلاقًا من النقطتيْن السابقتيْن، طُرحت فكرة ضرورة عدم المبالغة في تفسير الواقع العربي الإسلاماتي من منظور ثقافوي، يبالغ في تقدير دور الدين وفي القدرة التفسيرية لهذا الدور، وفي التشديد على أهمية أو أولوية الصراع الديني أو الإسلامي والعلماني في هذا الخصوص. فبالرغم من الميل الشائع إلى تفسير الصراع السياسي الأساسي في بعض البلاد العربية على أنه صراعٌ بين علمانيين وإسلاميين، فثمة ضرورة للبحث في العوامل الاقتصادية والسياسية الداخلية والخارجية لتلك الصراعات. وهذا ما أشارت إليه النقاشات حول مصر والسودان والمغرب، على سبيل المثال. وماهية الدين أو الديني ليست ثابتة أو محددة تحديدًا واحدًا غير متغيِّر، بل يمكن لما يُنظر إليه على أنه دينيٌّ أن يتقلص أو يتضخم، وفقًا للسياقات الزمانية والمكانية المختلفة، ومن خلال آليات وعمليات مختلفة، مثل: «التديين religionization»، التي تحيل على «وصف المواقف التي تُفهَم فيها تركيبات المعرفة (الهياكل والممارسات والخطابات) من خلال المفهوم الحديث للدين»، و«التديين-العلمنة religio-secularization» التي تشير إلى «العلاقة بين التدين والعلمنة في السياق الحديث»، و«العلمانوية-الدينية religio-secularism» التي تحيل على «نظام المعرفة الذي يضفي الشرعية على عمليات التديين والعلمنة»، و«صنع الدين religion-making» الذي يُشدد على الفاعلية الإنسانية في عمليات التديين[45]. وهذه العمليات ليست منفصلة عن السياسة وعلاقات القوة فيها، وقد بيَّن عدد من المداخلات والمناقشات التي جرت في المؤتمر وجود مصلحة و/أو إرادة سياسية، لدى عدد من أطراف الصراع السياسي عمومًا، ولدى السلطات المتسلطة أو الاستبدادية خصوصًا، في إلباس الصراع  السياسي والاقتصادي لباسًا دينيًّا أو طائفيًّا، أو تحويله إلى صراع «دينيٍّ/إسلاميٍّ علمانيٍّ.

في مفهوم (الدولة) المدنية وعلاقته بمفهومي (الدولة) العلمانية و(الدولة) الإسلامية

بالرغم من تناول عدة أبحاثٍ في المؤتمر لمفهوم «(الدولة) المدنية»، وبالرغم من المناقشات المطوَّلة في هذا الخصوص، فإن ذلك المفهوم بقي، جزئيًّا ونسبيًّا على الأقل، إشكاليًّا وغامضًا وضبابيًّا. ولعل أكبر ميزة عملية ونظرية يتحلى بها ذلك المفهوم تكمن في إمكانية إسهامه في تجاوز الصراع بين مفهومي وأنصار «(الدولة) العلمانية» و«(الدولة) الدينية» أو «(الدولة) الإسلامية». وهذا ما حدث في تونس إثر النجاح المبدئي للثورة فيها. في المقابل، تضمنت المناقشات المذكورة الحديث عن إمكانية تحول ذلك المفهوم في الميدان السياسي، إلى طرف جديد من أطراف الصراع المذكور، بدلًا من أن يكون عاملًا مساعدًا على تجاوزه. ومن المؤكد أن المؤتمر لم يحسم الأسئلة الإشكالية المتعلقة بهذا المفهوم حسمًا كاملًا، ولم يهدف المؤتمر إلى الوصول إلى ذلك الحسم/الهدف أصلًا، لكن يمكن الزعم بأن خطوة أو أكثر قد حدثت في المؤتمر في اتجاه التوضيح النظري لمعنى ذلك المفهوم ودلالاته السياقية المتعددة. والتوضيح الكافي والوافي لذلك المفهوم لا يحتاج إلى بحوث ومناقشات نظرية أكثر وأكبر فحسب، بل يحتاج -أيضًا وخصوصًا- إلى المزيد من التبلور العملي في العالم العربي، للمعاني السياقية لهذا المفهوم الذي أصبح -كما بيَّنت بعض أبحاث المؤتمر- ليس مقولة سياسية وفكرية مهمة فحسب، بل ومقولة قانونية/دستورية أيضًا. وبالتشديد على ضرورة التكامل بين النظري والعملي، وبين الوصفي/التحليلي والمعياري، وبين المعرفي والأيديولوجي، وعلى ضرورة التوازن والتفاعل الإيجابي والبناء بين الأطراف المذكورة، اختتم المؤتمر أعماله على أمل استكمال البحث في المواضيع التي تناولها في أبحاث ومؤتمرات لاحقة.

قائمة المراجع

باللغة العربية

أدونيس، الثابت والمتحول، أربعة أجزاء. بيروت: مكتبة العودة، 1973م.

عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياقٍ تاريخيٍّ، جزءان في ثلاثة مجلدات، بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، (2013-2015م).

تشارلز تايلور، عصر علماني، ترجمة: نوفل الحاج لطيف. بيروت: دار جداول، 2020م.

محمد عابد الجابري، الدين والدولة وتطبيق الشريعة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1996م.

____________. وجهة نظر: نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1992م.

____________. العقل السياسي العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1990م.

وائل حلاق،  الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي، ترجمة: عمرو عثمان، مراجعة: ثائر ديب. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019م.

عبد الرحمن حللي، «الجدل حول العلمانية في السياق الإسلامي (1-3)»، الكويت: مركز نهوض للدراسات والبحوث، 13 أبريل/ نيسان 2020م.

___________. «إشكالية المرجعية ومأسسة الشأن الديني في الإسلام»، الكويت: مركز نهوض للدراسات والبحوث، 13 أبريل/ نيسان 2020م.

حسن حنفي، محمد عابد الجابري، حوار المشرق والمغرب.. نحو إعادة بناء الفكر القومي العربين بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1990م.

ساري حنفي، علوم الشرع والعلوم الاجتماعية: نحو تجاوز القطيعة. أليس الصبح بقريب. الكويت: مركز نهوض للدراسات والبحوث، 2021م.

ماركوس درسلر، وأرفيند، بال س. مانداير (محرران)، العلمانية وصناعة الدين، ترجمة: حسن احجيج. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2017م.

أوليفيه روا، تجربة الإسلام السياسي، ترجمة: نصير مروة، (بيروت: دار الساقي، 1996م).

جون رولز، نظرية في العدالة، ترجمة: ليلى الطويل، «دراسات فلسفية 5»، دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2011م.

عبد الكريم سروش. التراث والعلمانية: البنى والمرتكزات، الخلفيات والمعطيات، ترجمة: أحمد القبانجي. بيروت وبغداد: منشورات الجمل، 2009م.

أحمد قائد الشعيبي، وثيقة المدينة: المضمون والدلالة، كتاب الأمة. الدوحة: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 2005م.

طه عبد الرحمن، بؤس الدهرانية: النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث، 2014م.

__________. روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية. بيروت، والدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط2، 2014م.

عبد الله العروي، مفهوم الدولة، ط1، 1981م. بيروت، والدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط10، 2014م.

صادق جلال العظم، «الدولة العلمانية والمسألة الدينية: تركيا نموذجًا»، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 82، (2010م)، ص14-23.

____________. الإسلام والنزعة الإنسانية العلمانية، ترجمة: فالح عبد الجبار، المراجعة اللغوية: حسين حمزة. دمشق، بيروت، بغداد: دار المدى، 2007م.

____________، نقد الفكر الديني، طبعة ثانية مع ملحق بوثائق محاكمة المؤلف والناشر، ط1، 1969م. بيروت: دار الطليعة، 1970م.

_____________. النقد الذاتي بعد الهزيمة، ط1، 1968م. بيروت: دار الطليعة، ط4، 1970م.

برهان غليون، نقد السياسة: الدولة والدين، ط1، 1994م. بيروت: المركز الثقافي العربي، ط4، 2007م.

ماكس فيبر، العلم والسياسة بوصفهما مهنة، ترجمة: جورج كتورة. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2011م.

سيد قطب، معالم في الطريق، بيروت والقاهرة: دار الشروق، ط6، 1979م.

خوسيه كازانوفا، الأديان العامة في العالم الحديث، ترجمة: قسم اللغات الحية والترجمة في جامعة البلمند، مراجعة: بولس وهبة. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2005م.

سيسيل لابورد، دين الليبرالية، ترجمة: عبيدة عامر، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2019م.

الماوردي. الأحكام السلطانية، تحقيق: أحمد جاد، القاهرة: دار الشروق، 2006م.

مجموعة من المؤلفين، شارل تايلور، الدين والعلمانية، إشراف: سيلفي توسيغ، ترجمة: محمد صالح أحمد. دمشق: دار نينوى، 2016م.

عبد الوهاب المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، في مجلدين، القاهرة: دار الشروق، 2002م.

أبو الأعلى المودودي، الإسلام والتحديات المعاصرة، ترجمة: خليل أحمد الحامدي، الكويت: دار القلم، ط4، 1980م.

عبد الله أحمد النعيم. الإسلام وعلمانية الدولة، القاهرة: دار ميريت، 2010م.

سينثيا نلسون، درية شفيق، مصرية طالبت بالمساواة بين الجنسين: امرأة مختلفة، ترجمة: نهاد أحمد سالم. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1999م.

باللغة الأجنبية

Abdallah, Mahmoud. “Theologie des Zusammenlebens: Von der Glaubensorientierung zum interaktiven Miteinander?.“ in Theologie des Zusammenlebens: Christen und Muslime beginnen einen Weg, ed. Bern-Jochen Hilberath and Mahmoud Abdallah. Mainz: Grünewald Verlag, 2019: 215-239.

Bayat, Asef ed. Post-Islamism: The Changing Faces of Political Islam. Oxford: Oxford University Press, 2013.

Bhargava, Rajeev. “What is Secularism For?.” in Secularism and Its Critics, ed. Rajeev Bhargava. Oxford: Oxford University Press, 1998: 486-550.

Casanova, José. “Religion, Politics and Gender Equality: Public Religions Revisited.” UNRISD Gender and Development Programme. Paper no. 5, September 2009.

Dreßler, Markus. “Modes of Religionization: A Constructivist Approach to Secularity.” Working Paper Series of the HCAS “Multiple Secularities – Beyond the West, Beyond Modernities, no. 7, Leipzig: Leipzig University, February 2019.

Kirchin, Simon. Thick Evaluation. Oxford: Oxford University Press, 2017.

Lavie, Limor. “The Constitutionalization of the Civil State: The Self-Definition of Egypt, Tunisia and Yemen Following the Arab Uprisings.” Religions 12, no. 269 (2021): 1-18, https://doi.org/10.3390/rel12040269.

March, Andrew F. The Caliphate of Man: Popular Sovereignty in Modern Islamic Thought. London: Harvard University Press, 2019.

Väyrynen, Pekka. The Lewd, the Rude and the Nasty: a Study of Thick Concepts in Ethics. Oxford: Oxford University Press, 2013.


[1] عبد الله العروي، مفهوم الدولة، ط1، 1981، (بيروت والدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط10، 2014م).

[2] محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1990م).

[3]  طه عبد الرحمن، روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية، (بيروت والدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط2، 2014م).

[4]  صادق جلال العظم، نقد الفكر الديني. طبعة ثانية مع ملحق بوثائق محاكمة المؤلف والناشر، (بيروت: دار الطليعة، 1970م)؛ النقد الذاتي بعد الهزيمة، ط1، 1968م، (بيروت: دار الطليعة، ط4، 1970م).

[5]  أدونيس، الثابت والمتحول، أربعة أجزاء، (بيروت: مكتبة العودة، 1973م).

[6]  برهان غليون، نقد السياسة: الدولة والدين، ط1 1994م، (بيروت: المركز الثقافي العربي، ط4، 2007م).

[7] للاطلاع على الأفكار الرئيسة لمداخلة/بحث حللي، باللغة العربية انظر: عبد الرحمن حللي، الجدل حول العلمانية في السياق الإسلامي (3-1)، مركز نهوض للدراسات والبحوث، 13 أبريل/ نيسان 2020م.

[8]  عبد الوهاب المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، في مجلديْن (القاهرة: دار الشروق، 2002م).

[9]  عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياقٍ تاريخيٍّ، جزءان في ثلاثة مجلدات، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،
2013-2015).

[10] يُشير حللي إلى أن المرزوقي لم يُفرد «كتابًا خاصًّا في نقد العلمانية أو نقيضها، وإن أفرد لها بعض مقالاته، لكن مجمل ما كتبه يفيض برؤى نقدية واجتراح قراءة تعتمد «وحدة الفكريْن الديني والفلسفي»، كما أفرد مقالات وأجزاء من كتبه في نقد وتعرية النخب (العلمانية أو الأصلانية) المتعالمة أو المتحالفة مع الاستبداد»، وقد لخَّص حللي رؤيته «من مختلف كتبه فيما يخص إشكالية العلمانية والإسلام، التي يراها إشكالية زائفة أصلًا». حللي، نفسه، الجزء الثالث.

[11] طه، روح الدين.

[12]  حللي، الجدل حول العلمانية في السياق الإسلامي (2) المقاربات المنهجية.

[13]  نفسه.

[14]  عبد الرحمن حللي، إشكالية المرجعية ومأسسة الشأن الديني في الإسلام، مركز نهوض للدراسات والبحوث، 13 أبريل/ نيسان 2020.

[15]  حللي، الجدل حول العلمانية في السياق الإسلامي (3) البدائل الفلسفية.

[16]  نفسه.

[17]  محمد عابد الجابري، وجهة نظر: نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1992)، ص 102-108؛ الدين والدولة وتطبيق الشريعة، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1996)، ص 108-114.

[18]  الجابري، وجهة نظر، ص 106؛ الدين والدولة ...، ص 116.

[19]  طه عبد الرحمن، بؤس الدهرانية: النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث، 2014)، ص 12.

[20]  انظر، صادق جلال العظم، الإسلام والنزعة الإنسانية العلمانية، ترجمة فالح عبد الجبار، المراجعة اللغوية حسين حمزة (دمشق/بيروت/بغداد: دار المدى، 2007)؛ «الدولة العلمانية والمسألة الدينية: تركيا نموذجًا»، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 82 (2010)، ص 14-23.

[21]  Mahmoud Abdallah, “Theologie des Zusammenlebens: Von der Glaubensorientierung zum interaktiven Miteinander?,“ in Theologie des Zusammenlebens: Christen und Muslime beginnen einen Weg, ed. Bern-Jochen Hilberath and Mahmoud Abdallah. (Mainz: Grünewald Verlag, 2019): 215-239.

[22] انظر: أحمد قائد الشعيبي، وثيقة المدينة: المضمون والدلالة، كتاب الأمة (الدوحة: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 2005م)،
ص41-47.

[23] خوسيه كازانوفا، الأديان العامة في العصر الحديث، ترجمة: قسم اللغات الحية والترجمة في جامعة البلمند، مراجعة: بولس وهبة، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2005م)، ص18.

[24] تشارلز تايلور، عصر علماني، ترجمة: نوفل الحاج لطيف، (بيروت: دار جداول، 2020م). مجموعة من المؤلفين، من ضمنهم تايلور نفسه، شارل تايلور، الدين والعلمانية، إشراف: سيلفي توسيغ، ترجمة: محمد صالح أحمد، (دمشق: دار نينوى، 2016م).

[25] Asef Bayat, ed. Post-Islamism: The Changing Faces of Political Islam (Oxford: Oxford University Press, 2013).

[26]  أوليفيه روا، تجربة الإسلام السياسي، ترجمة: نصير مروة، (بيروت: دار الساقي، 1996م).

[27] Limor Lavie, “The Constitutionalization of the Civil State: The Self-Definition of Egypt, Tunisia and Yemen Following the Arab Uprisings,” Religions 12, no. 269 (2021): 1-18, https://doi.org/10.3390/rel12040269.

[28] البحث الذي استند إليه كورو في مداخلته يحمل عنوانًا مختلفًا (قليلًا): «هل يمكن أن تكون للعلمانوية السلبية أن تكون وسطًا بين العلمانوية الحازمة والإسلاموية؟». وسيُنشر البحث في كتاب من تحرير: جوزيف ماركو Josef Marko.

[29] ماكس فيبر، العلم والسياسة بوصفهما مهنة، ترجمة: جورج كتورة، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2011م).

[30]  ساري حنفي، علوم الشرع والعلوم الاجتماعية: نحو تجاوز القطيعة. أليس الصبح بقريب، (الكويت: مركز نهوض للدراسات والبحوث، 2021م).

[31]  سيسيل لابورد، دين الليبرالية، ترجمة: عبيدة عامر، (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2019م).

[32]  جون رولز، نظرية في العدالة، ترجمة: ليلى الطويل، «دراسات فلسفية 5»، (دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2011م).

[33] Rajeev Bhargava, “What is Secularism For?,” in Secularism and Its Critics, ed. Rajeev Bhargava. (Oxford: Oxford University Press, 1998): 486-550.

[34] Andrew F. March, The Caliphate of Man: Popular Sovereignty in Modern Islamic Thought (London: Harvard University Press, 2019).

[35]  أبو الأعلى المودودي، الإسلام والتحديات المعاصرة، ترجمة: خليل أحمد الحامدي، (الكويت: دار القلم، ط4، 1980م).

[36]  سيد قطب، معالم في الطريق، (بيروت والقاهرة: دار الشروق، ط6، 1979م).

[37]  الماوردي، الأحكام السلطانية، تحقيق: أحمد جاد، (القاهرة: دار الشروق، 2006م).

[38]  وائل ب. حلاق، الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي، ترجمة: عمرو عثمان، مراجعة: ثائر ديب، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019م).

[39]  عبد الله أحمد النعيم، الإسلام وعلمانية الدولة، (القاهرة: دار ميريت، 2010م).

[40]  عبد الكريم سروش، التراث والعلمانية: البنى والمرتكزات، الخلفيات والمعطيات، ترجمة: أحمد القبانجي، (بيروت وبغداد: منشورات الجمل، 2009م).

[41] حسن حنفي، «الإسلام لا يحتاج إلى علمانية غربية» في: حسن حنفي ومحمد عابد الجابري، حوار المشرق والمغرب. نحو إعادة بناء الفكر القومي العربي، (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1990م)، ص 38.

[42] انظر: سينثيا نلسون، درية شفيق، مصرية طالبت بالمساواة بين الجنسين: امرأة مختلفة، ترجمة: نهاد أحمد سالم، (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1999م).

[43]  José Casanova, “Religion, Politics and Gender Equality: Public Religions Revisited,” UNRISD Gender and Development Programme. Paper no. 5, September 2009.

[44]  Simon Kirchin, Thick Evaluation (Oxford: Oxford University Press, 2017); Pekka Väyrynen, The Lewd, the Rude and the Nasty: a Study of Thick Concepts in Ethics (Oxford University Press, 2013).

[45] Markus Dreßler, “Modes of Religionization: A Constructivist Approach to Secularity,” Working Paper Series of the HCAS “Multiple Secularities – Beyond the West, Beyond Modernities, no. 7, (Leipzig: Leipzig University, February 2019).

ماركوس درسلر وأرفيند، بال س. مانداير (محرران)، العلمانية وصناعة الدين، ترجمة: حسن احجيج، (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2017م).