دراسة مترجمة: مفاهيم الهبة وممارساتها في الإسلام

هب

يسعى المقال لإعادة بناء واقع الهبات في العالم العربي الإسلامي في تنوعه، مركزًا بشكل أساسي على التبادل من خلال الصدقة، وهي شكل من أشكال الهبات يكاد يكون مجهولًا في العالم الغربي.

ملخّص

يُشير مارسيل موس (Marcel Mauss) في تناوله لـ«تاريخ الأفكار الأخلاقية عند الشعوب السامية»، إلى حصول تحول مهم في تاريخ الهبة حين غدت «فكرة أخلاقية». وانطلاقًا من هذه الرؤية، يسعى هذا المقال إلى توثيق ذاك التحول ودراسة بعض المفاهيم والممارسات الخاصة بالهبة في الإسلام. ومن خلال تحليل المصادر والاستعانة ببعض البحوث التاريخية والاجتماعية، يسعى المقال لإعادة بناء واقع الهبات في العالم العربي الإسلامي في تنوعه، مركزًا بشكل أساسي على التبادل من خلال الصدقة، وهي شكل من أشكال الهبات يكاد يكون مجهولًا في العالم الغربي، ليُبيِّن أنها هبة تطوعية تُؤسس لشبكة تضامن وتعاون واسعة الانتشار في المجتمعات الإسلامية، وأن أهم ميزاتها هي أن صفتها التطوعية لا تنفي عنها صفة الانتظام المرتبطة بمبادرة الفرد، كلٌّ حسب خصوصياته وحسب قدراته. وبما أن الوعي بضرورة تعزيز أخلاقيات الرعاية كان حاضرًا منذ بدايات الإسلام، فقد سعى الدين الجديد منذ انطلاقه إلى تأكيد التضامن وجعله إلزاميًّا من خلال الحض على الصدقة التطوعية بإطلاق، قبل أن يتولَّى الفقه تنظيم الصدقة المفروضة في الشريعة الإسلامية تحت مُسمى الزكاة، لتغدو أوَّل مؤسَّسة ضمان اجتماعي في تاريخ البشرية.

صدر الشريط السينمائي «كسكسي بسمك البوري» (Le Graine et le mulet) للمخرج التونسي عبد اللطيف كشيش في عام 2007م، وهو فيلم قد يُخيِّب آمال من ينتظر منه تقديم موضوع «مُغرق في المحلية»، ولكنه سيفاجئ من يُريد متابعة قصة آسرة ملأى بالعواطف والتناقضات والرغبة في البذل والعطاء. إنها قصة عائلة تونسية تعيش منذ جيليْن في منطقة سيت (Sète) القريبة من مدينة مرسيليا الفرنسية، وتتشابك فيها مصائر أناس مطبوعين بتجربة الهجرة: البعد عن الأهل، والزواج المختلط للأولاد... إلخ، أي إنها قصة تقاطع رائع بين الثقافات، تبدأ بطرد سليمان من عمله في حوض بناء السفن بالمدينة بعد سنوات عدة من العمل وبلوغه سن الستين، وهي سنٌّ لا يمكن للأزمة الاقتصاديَّة إلا أن تزيد في عذابات صاحبها. وفي مواجهة نُذر الفقر القادم، قرَّرت الأسرة افتتاح مطعم للأكلات التونسية على متن قارب قديم مهجور. ومن أجل الحصول على التراخيص والتصاريح اللازمة، قررت الأسرة تنظيم حفل عشاء كبير تُقدِّم فيه وجبة من الكسكسي لممثِّلي السلطات المحلية. وفي اليوم المحدَّد لحفل العشاء، حدثت بعض التطورات والمنعطفات غير المتوقَّعة، إذ لم تجرِ الأمور كما خُطِّط لها.

المهم هو أن تكون وجبة الكسكسي جاهزة في موعدها، وهنا بالذات تبرز لقطة الهبة، مكثفة في بضع صور متسلسلة قدَّمها المخرج التونسي بحسٍّ سينمائي بالغ الرهافة يقتضيه هذا الشكل من العطاء، ألا وهو الإسرار والإخفاء. فقد قامت الأم سعاد بكل عفوية ودون اعتبار لأهمية ضيوفها، بوضع بعض الطعام جانبًا قبل إرساله إلى المطعم العائم، وبدل أن تلتحق سعاد ببقية أفراد الأسرة، نراها تذهب وحدها في سرية تامة بحثًا عن أحد فقراء الحي كي تُهديه صحنًا من وجبة الكسكسي. بيد أن هذه الهبة التي تبدو عفوية إلى أبعد الحدود، تحمل في طياتها تاريخًا طويلًا، هو تاريخ الإسلام ذاته كما سنرى.

إننا نعرف من خلال أدبيات الإناسة (الأنثروبولوجيا)، عدة مجتمعات بعيدة عنا تُشكِّل فيها الهبة تجربة أساسية، إن لم تكن حسب تحليلات مارسيل موس في أصل كلِّ انتظام اجتماعي. ففي كتابه "مقالة في الهبة" خصَّ موس الصدقة بملاحظة خاصة وضح فيها أن الصدقة موضوع يصعُب التطرق إليه، ولكن يستحيل تجنبه في الوقت نفسه. وإدراكًا منه لصعوبة البحث عن أصول الصدقة، فقد اكتفى بتحديد نشأتها في سياق «الأفكار الأخلاقية للشعوب السامية»[1]. وقد افترض موس أن الصدقة قد ظهرت في مجتمع بصدد التحول حيث: «[...] تحوَّل المفهوم الأخلاقي القديم للعطاء إلى مبدأ للعدالة». ووفقًا له، فإن المرحلة السابقة كانت تتميَّز بوجود أشكال متطرفة أحيانًا من تداول الممتلكات قد يصل فيها البذخ حدَّ تدمير الممتلكات، كما هو الحال في نموذج «البوتلاتش»(Potlatch)([2]*). وإذا كان نظام التبادل هذا يعمل في المقام الأول من أجل اكتساب الرتب الاجتماعية أو تعزيزها بين هنود الساحل الشمالي الغربي لأمريكا، فقد كان يؤدِّي في بُعده العمودي وظيفة تقديم القرابين «للأرواح وللآلهة». ويُشير موس في ملاحظته تحديدًا إلى أن تلك الممارسات المدمِّرة لم تَعُدْ تتطلَّب تقديم القرابين للإنسان وللآلهة، وذلك بفعل «تطور الحقوق والأديان»، وتحولت إلى عطايا «للفقراء والأطفال». وبهذا -كما يقول موس- فإن نظرية الصدقة هي «ثمرة مفهوم أخلاقي للعطاء»، بمعنى وجوب خضوع عناصر عملية الوهب (العطاء، والاستلام، والرد) لمقتضيات العدل.

إن أداء حق الله يعني الاعتراف بأنه الرازق، وأنه مالك كل شيء.

الصدقة: أنفقي ولا تُحصي فيحصي الله عليك

مثَّل فقد سليمان لعمله ضربة قاسية في فيلم «كسكسي بسمك البوري»، وكان افتتاح مطعم بالنسبة إلى عائلة من العمال بمثابة محنة يصعب مواجهتها. بيد أن سعاد قامت بتحضير وجبة معتبرة من الكسكسي وأعطت جزءًا منها للفقراء. ولئن لم يُذكر صراحة دافعها للقيام بهذا العمل الذي ينطوي على كرم كبير، إلا أن ذلك يبدو أمرًا معتادًا في هذه العائلة. ففي خضم البدء في المشروع المشترك بين الأسرة من أجل خلق مورد رزق، شعرت سعاد بالحاجة إلى القيام ببادرة تتجاوز منطق تبادل الأخذ والعطاء، وهي لفتة تكشف المعنى الذي تنمُّ عنه: فكلُّ ما نضعه في مطعمنا من أشياء مادية أو معنوية ليس ملكًا لنا وحدنا، وسعاد تشعر بأنها جزء من قضية تتجاوزها، إذ يُمكن فهم عاطفتها بمعنى روحي متأصل في الوحي القرآني، وفي سياق ما تتوقعه من جزاء نتيجة إنفاقها الذي لم يكن إلا تعبيرًا عن ممارسة قديمة جدًّا تعود إلى بدايات الدعوة المحمدية في مكة، وهي الصدقة.

وقد اختصر ابن خلدون في نهاية القرن الرابع عشر معنى الحكاية القديمة التي بدأ بها الإسلام[3] بهذه العبارة البديعة: «إن الله سبحانه خلق جميع ما في العالم للإنسان وامتنَّ به عليه في غير ما آية من كتابه فقال: ﴿ووَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: 13]». وقد كانت هذه الكلمات منطلق كتابه المعروف باسم العِبَر[4]، الذي لم يقتصر على عرب شمال إفريقيا، بل يُقدِّم صورة شاملة للعديد من المجتمعات الإسلامية الأخرى شرقًا وغربًا مع بعض الإطلالات خارج دار الإسلام، خاصَّة تجاه أوروبا المسيحية، بحيث يصح اعتباره توليفًا ناجحًا للمقاربة الإسلامية التي تتسم بالمركزية الدينية والإناسية على حدٍّ سواء[5].

ويلامس كلام ابن خلدون أعماقنا حين يقول: إن «يد الإنسان مبسوطة على العالم وما فيه، بما جعل الله له من الاستخلاف»[6]، وهو ما يعني أن على الإنسان أداء ما عليه من ديْن تجاه الله على المستوى العمودي من خلال الصلاة، وعلى المستوى الأفقي بمساعدة الفقراء المحتاجين، مدفوعًا في ذلك بشكر آلاء الله عليه (أو الخوف منه). فبإعطاء حق الله إلى المحتاجين، تتحقَّق العدالة الإلهية والعدالة الإنسانية في الوقت نفسه، إذ إن أداء حق الله يعني الاعتراف بأنه الرازق، وأنه مالك كل شيء. وبهذا، فإن مبدأ العدالة يتحقق حين يغدو إيتاء حق الله عطاء للآخرين.

وفي هذا الصدد، تكتسب قصة أصحاب الجنة [الحديقة] وإعطاء الفقراء بواكير الثمار أهميتها في القرآن. فالله يختبر جماعة من الناس يمتلكون الكثير من الأشجار المثمرة، اتفقوا على اللقاء في اليوم التالي لجني بواكير ثمارهم، لكنهم نسوا أن يُخضعوا مشروعهم لمشيئة الله. وفي الليل، أصاب الله الحديقة بعاصفة دمرتها بأكملها. وتوجه أصحاب الحديقة في الصباح الباكر نحوها، لكي يجنوا محصولها متواصين بعدم إعطاء الفقراء منه. وبمجرد وصولهم إلى هناك، أدركوا ما حدث وفهموا أنهم ارتكبوا خطأ، وحينها قال أكثرهم حكمة: ﴿قَالَ أَوۡسَطُهُمۡ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ لَوۡلَا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم، 28]، وتبادلوا اللوم والتقريع معترفين أنهم كانوا ظالمين.

وتُخبرنا هذه القصة المتعلقة بالبواكير[7] عن وجود نظام خرقه أصحاب الجنة الأشرار فأعاده الله كما كان. لقد نسوا أن الله هو مالك كل شيء، وأن الإنسان عليه أن يعترف بذلك بإعطاء القليل مما رزقه الله للفقراء. فمن أنفق القليل من رزق الله، كمن أنفق الكثير، وهو يشكر الله برد بعض رزقه إليه. وأن الجهل بهذا النظام الروحي قد أدى إلى إتلاف الثمار، وقد مثَّل في هذه الحالة العقوبةَ التي حلَّت بأصحاب الجنة. أما سعاد -وعلى عكس أصحاب الجنة- فإنها لم تنس إعطاء بعض الطعام للفقراء قبل إرساله إلى المطعم.

إن أعمال الإيثار التي تُؤدي إلى هذا النوع من العطاء بمعناه الواسع في الإسلام، تقوم على أساس ما يفرضه الدين الإسلامي من وجوب الإنفاق بما يتماشى وطبيعته الروحية.

إن أعمال الإيثار التي تُؤدي إلى هذا النوع من العطاء بمعناه الواسع في الإسلام، تقوم على أساس ما يفرضه الدين الإسلامي من وجوب الإنفاق بما يتماشى وطبيعته الروحية. وتُزودنا دراسة القاموس اللغوي المتعلق بهذه التجارب بمؤشرات أولية كافية فيما يخص تشابه الإسلام في هذا الخصوص مع اليهودية والمسيحية. كما قد تقودنا دراسة أصل هذه الممارسات –وهو ما يخرج عن أهداف هذه المقالة- إلى استكشاف المزيد من المساهمات اليونانية والرومانية والساسانية والبيزنطية والتقاليد العربية قبل الإسلام. ولكننا سنكتفي مبدئيًّا بافتراض أن تكون الصدقة ممارسة من أصل قبل إسلامي[8]، إذ تُشيد الكتابات العربية قبل الهجرة بأهمية الكرم والضيافة في التقاليد العربية قبل الإسلام[9] من خلال الاحتفالات الضخمة التي يُنْحَر فيها عدد كبير من الإبل يتجاوز سدَّ الحاجة. ونحن نتساءل عمَّا إذا كانت هذه الممارسات تهدف إلى إبراز  مظاهر الرتبة الاجتماعية، كما هو الحال في البوتلاتش[10]. بيد أن التحول الذي أحدثه الإسلام قد مس في الغالب أسفل سُلَّم المستفيدين، فنجد الفقراء والمساكين على رأس القائمة، لكننا نجده كذلك في الاتجاه الآخر. فمقابل التباهي المسرحي بالعطاء الفظ، يُفضِّل الدين الإسلامي أن يتم الأمر في الخفاء بعيدًا عن الأعين، وهذا من مظاهر نظام روحي جديد تتميز فيه الصدقة -قياسًا على العطايا العادية- بمقصد ديني محدّد[11].

وما من شك في أن قاعدة إخفاء الصدقة، دافعها هو الرغبة في الحفاظ على كرامة الفقراء. بيد أن إعطاء الفقراء ندًّا بند، في مثل هذا السياق الغني بالمعنى، يظل أمرًا يصعب تحقيقه. وتمتد هذه الصعوبة أيضًا إلى الإخباريين الذين يندر أن يستمعوا إلى وجهة نظر المتلقِّي، إذ غالبًا ما تُقدِّم المصادر معلومات تتعلَّق بالواهب، في حين تغض الطرف عن حالة الفقراء والمساكين. ولهذا السبب، ترتفع الأصوات بضرورة مراعاة جانب التخفي في هذه الممارسات. ولعل الغزالي على وجه الخصوص، أكثر من شدَّد على أهمية مساعدة الغير في الخفاء بعيدًا عن الأعين[12].

ولنترك مسألة الأصول ولنذهب إلى ما يُمكن توثيقه بإسهاب، وهو الوقائع المتنوِّعة لممارسة استوعبها الإسلام وأعاد صياغتها ونقلها إلينا، وهي ممارسة تجد سندها في المصادر الرئيسة لهذا الدين: القرآن والسنة. فأفعال الإيثار المرتبطة بالصدقة عديدة ومتنوعة باختلاف الأزمان والأماكن وفئات الناس. وتشهد النصوص على كثافة تبادل الهبات منذ بداية الإسلام ومواكبتها حياة المجتمعات الإسلامية عبر القرون، بيد أن هذه الأصول والتطورات تكاد تكون غير معروفة في العالم الغربي. ومن ناحية أخرى، فإن المصادر الإسلامية تحض بشدة على الصدقة. وتشهد العديد من أدبيات الرحلة على عفوية عطاء المسلمين وتفانيهم في رعاية المسافرين والأجانب، وهي ممارسة فاجأت مسافرًا مثل غيليوم بوستل (Guillaume Postel) أثناء رحلته إلى تركيا وما جاورها، فنراه يكتب:

«عندما تعطي صدقة، اعط من خير ما عندك وأطيبه؛ لأن الله يقبل القليل الطيب ولا يقبل مئة قطعة ذهبية خبيثة تُعطى بعد موتك، ولئن تُعطي تمرة واحدة في حياتك عن طيب خاطر، خير لك من أن تُعطي ألف تمرة بعد موتك. وهذا يجعل [المتصدقين] حين يستقبلون شخصًا في منزلهم، يعاملونه كما يحبون أن يُعاملهم الآخرون، وهذا شيء لم أكن أُصدِّقه في البداية، إلى أن حدَّثني سيرافين دي غوزا راغوزوا (Seraphin de Gozza Raguzois) الذي عاش طويلًا في صربيا والبوسنة، أنه عاشه عدة مرات […] ومنها أنه رأى مرة وهو في جماعة منزلًا جميلًا منعزلًا وأمامه رجل جالس عند الباب، وحين رآهم قام الرجل لاستقبالهم قائلًا: «صفا غيلدينيز» (safa geldiniz) أي حللتم أهلًا […] ثم قال لهم […] إن الله يحبكم، تعالوا إلى بيتي أعطيكم من نعم الله: أي من الخيرات التي وهبني الله إياها، فالوقت متأخر ولا يُوجد أي منزل آخر هنا طوال طريقكم، وعندي نار جيدة، ودجاج جيد، تعالوا بسم الله. […]. ثم أحضر لكلٍّ منَّا بساطًا من الطراز التركي كي ينام عليه. وفي صباح اليوم التالي، وحين أردنا أن ندفع له أجرة الأكل والمبيت، قال لنا: [...] ادعوا لي، الله هو من أعطاكم. وقد شكرناه كثيرًا على حُسن معاملته لنا»([13]).

ففي القرن السادس عشر، كان من غير المعتاد أن يعيش المسافر الأوروبي كرم الضيافة غير المشروط[14]، الذي يشكر فيه -وهذا وجه الغرابة- المضيفُ ضيفَه. فهنا، كما يُذكِّرنا جون ستاروبنسكي (Jean Starobinski)، تتقاطع وتتالى هدية الضيافة الأفقية الموجهة إلى الإنسان مع الهدية العمودية الموجهة إلى الله:

«الصدقة هي «هبة إحسان» [éléèmosynè باليونانية القديمة]، وهي تُسْنِد للفقراء دورًا مهمًّا بشكل خاص. وبما أن الرحماء موعودون بالنجاة، فمن الضروري أن تتخذ النجاة سبيلها من خلال عيال الله، أي المرضى والفقراء والمساكين. فمن خلال هؤلاء تصل الصدقة إلى الله الذي يُجازي عليها مئة ضعف (نجد الأمر نفسه في القرآن وفي التوراة العبرانية)..»[15].

وتتضمن أعمال الترحيب المنظمة وكافة أنواع الرفد، عدة أشكال من الصدقة يجمع بينها العطاء دون حساب لمن نعرف ومن لا نعرف، سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين[16]. فعلى عكس الزكاة، فالصدقة الطوعية موجَّهة للجميع دون شروط. وقد شاب هذا الانفتاح على الأغيار توترات وتباينات يُمكن ملاحظتها بالفعل في بدايات الإسلام([17]). ونحن لا نعدم ما يُؤكِّد أهمية هذا الامتداد إلى ما يتجاوز حدود جماعة المؤمنين سواء في القرآن مثل آية: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلِأَنفُسِكُمۡۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ ٱللَّهِۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُون﴾ [البقرة: 272] أو في الأحاديث النبوية الصحيحة، ومنها ما رُوي «عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ»[18].

وغالبًا ما تكثر الصدقة أثناء المناسبات الدينية. ويُمثِّل يوم الجمعة مناسبة أسبوعية لهذه الممارسة، حيث تمتلئ مداخل الجوامع عقب صلاة الجمعة بفقراء يأملون أن يتصدق عليهم المصلون.

وإلى جانب هذه المناسبة الأسبوعية، فإن التقويم الإسلامي يتميز بوجود شهريْن للاستذكار يُتيحان مضاعفة أعمال الصدقة، وهما شهر رمضان وشهر ذي الحجة([19]). فإلى جانب من لا يُمكنه سوى تقديم تمرة، كما جاء في حكاية بوستيل، نجد من الأغنياء وأصحاب الجاه من يُمكنه تقديم الكثير. ففي شهر ذي الحجة، يُشكِّل الاحتفال بعيد الأضحى دائمًا مناسبة للأثرياء والحكام لإظهار كرمهم وترسيخ روابط الرعاية([20]). بيد أن هذا التداول المعقد للأموال، الذي يقوم في ظاهره على العطاء دون حساب، لا يخلو من بعض أشكال الهبة الهرمية، وهو موضوع لا يمكن تناوله في هذا العرض المختصر.

أفلا ينطوي قبول الفقراء بفقرهم على إمكانية إبقائهم حبيسي الفقر؟

إعطاء الفقراء: من الإحسان إلى الإقراض

يتكون العطاء بشكل أساسي من أفعال عفوية على غرار ما قامت به سعاد في إظهارها المودة والرعاية تجاه الفقراء والمحتاجين. فمن يتلقَّى الدعم اليوم، قد يصبح محتاجًا لمثله غدًا، «وما نمنحه للآخرين يُربي أموالنا، ونحن نُعيد إفقار أنفسنا مرة تلو أخرى في حلقة مستمرة من أعمال الصدقة»[21]. وقد شهدت تجارب العطاء من خلال مبدأ العدل تطورات تاريخية مهمة تتجاوز «تاريخ الأفكار الأخلاقية للشعوب السامية» بكثير، بحسب فرضية موس. ذلك أننا أمام طريقة جديدة للعطاء تتضمن تحولًا ثقافيًّا وتفسيرًا جديدًا للفقر[22]. لكن يظل السؤال قائمًا عمَّا إذا كان «دخول» الفقراء إلى التاريخ بهذا الشكل، مصحوبًا بفخ جديد: أفلا ينطوي قبول الفقراء بفقرهم على إمكانية إبقائهم حبيسي الفقر؟ ألا يعني مساعدتهم بوصفهم محتاجين، حبسهم ضمن هذه الفئة؟ إن هذه الأسئلة تُسائل موجبات مثل هذا التضامن المخصص للفقراء في ضوء المبدأ الحديث الذي يقوم على الثقة في المساعدة الرئيسة التي يجب تقديمها لمن يواجهون صعوبات. ودون ادعاء معالجة المسألة في تعقيداتها، سنقتصر على الإشارة إلى ما سبق أن قاله مفكر كبير من طراز موسى بن ميمون الذي سبق أن تناول المسألة بالفعل منذ القرن الثاني عشر، وسعى للبحث عن إجابة عنها في التراث اليهودي. ففي إشارته إلى أهمية إقراض الفقراء الذي تحض عليه اليهودية، كان تعليق فيلسوفنا بحق سابقًا لعصره بشكل مدهش:

«الوصية السابعة والتسعون بعد المئة: إقراض المحتاجين. وهي الوصية بإقراض الفقير مالًا من أجل مساعدته وتحسين وضعه. وهذه الوصية أهم وأجل من وصية الإحسان. فمن يتسول بدافع الفقر ويسأل الناس علانية، قد لا يكون أشد حاجة من الفقير المتعفِّف الذي يحسبه الناس غنيًّا»[23].

إن الاستجابة لحاجة فقير بإقراضه، هي «أهم وأجل» من إعطائه صدقة؛ لأن الإقراض -وهذا هو تفسيرنا- يُنشئ علاقة ثقة قد تكون غائبة في حالة الصدقة. ففي حالة التصدق يُمكن أن يُنظَر إلى المستفيد من الصدقة نظرة سلبية بوصفه مجرد فقير ينتمي إلى زمرة الفقراء، أما إذا أقرضناه مالًا، فإن ذلك يعني استنهاض همته ودعوته إلى الاعتماد على قدراته الذاتية، وهذه بالطبع نظرة إيجابية. وبالفعل، فإن موسى بن ميمون يرى أن أفضل تضامن لا يتمثل في منح الصدقة، بل في مساعدة الفقراء على النهوض بأنفسهم من خلال تشجيعهم على اكتساب الثقة بالنفس. وإذا كان التصدق عملًا يُمكننا أن نحافظ من خلاله على مسافة اجتماعية تجاه الفقراء، فإن القرض قادر على تقليصها، وهو ما توضحه التجارب الحالية للقروض الصغيرة واسعة النطاق، والتي يُحوَّل فيها مبدأ الفيلسوف اليهودي إلى مؤسسات ائتمان قاعدية. إنها عملية تُظهِر البعد الاجتماعي للثقة التي تُمثِّل أساس هذه المشاريع، ولكنها في الوقت نفسه تتغذى من خلال تكوين رأسمال اجتماعي يمكن إعادة استثماره لاحقًا. وكما نعرف، فإن علاقة الثقة هي سمة العطاء.

وهذا البعد الاجتماعي للعطاء، الذي يتجاوز العلاقة بين «الأنا» و«الأنت» ليشمل «النحن»، ليس غريبًا على روح الصدقة. فقد أظهرت قصة بوستل أهمية العطاء والضيافة، لكن الهبات المجانية تمتد أيضًا لتشمل الممتلكات المشتركة، مثل المساجد والمدارس والمستشفيات، في حركة توسعية تدريجية للمستفيدين كما يظهر من قصة وهب ميراث طارق فيشر (Tariq Fischer). فقد تُوفي طارق فيشر -وهو شاب أمريكي المولد من أم باكستانية- في حادث مرور خلال سنته الأولى من الدراسة في جامعة بنسلفانيا في عام 2005م، قرر والداه على إثره تسليم ميراثه إلى المؤسسة التي كان يدرس فيها ابنهما. وطلبت عائلة فيشر في رسالة التبرع أن يُخصَّص المال لدعم الدراسات الإسلامية في هذه الجامعة، على أمل الإسهام في توطيد التعارف والصداقة بين الشعوب. وتُشير الرسالة –وهذا يهم موضوعنا– إلى وجود تقليد في الإسلام يحث على دعم طلب العلم بما في ذلك المشاريع التي تستمر بعد وفاة المتبرع، وهو ما يُسمَّى بالصدقة الجارية([24]). و قد بتنا نعرف من قصة طارق، أنه إلى جانب أشكال الصدقات المخصصة للضيافة، وغيرها من الصدقات التي تُعطَى خلال المناسبات الدينية الإسلامية، تُوجد هبات تهدف إلى إنشاء مصالح عامة ورعايتها، وأن كليهما يضمن تدفقًا منتظمًا من الموارد من خلال مبادرة الأفراد، كل حسب رغبته وقدرته. ومن هنا، فإن الوعي بوجوب تطوير أخلاقيات الرعاية التي ندين بها لعالم الصدقة، مستمر منذ نشأة الإسلام الذي شعر بضرورة تأكيد التضامن بجعله واجبًا: وهذا هو الغرض الذي تخدمه الزكاة.

الزكاة: محاربة الجشع وتعزيز العدالة الاجتماعية

نجد مع الصدقة شبكة من العلاقات الموجهة نحو دعم وحماية الأقارب والأباعد، أصدقاء كانوا أم غرباء. وإذا نظرنا إلى جوانب الحماية والتأمين، سيبدو لنا أن هذا العالم الواسع من التبرع الطوعي مؤسسة قائمة بذاتها، وذلك من خلال التعاليم الدينية التي أقام عليها الإسلام منذ نشأته واجب إعادة توزيع الثروة[25]. وحتى على المستوى التاريخي، فإن فرض الصدقة المفروضة (الزكاة)[26]، كان من شأنه تعزيز شبكة المبادرات الفردية المشار إليها في الفقرة السابقة؛ وأضحت بذلك الصدقة النموذج المنظم للزكاة[27]، في تصعيد لمختلف التدخلات التي شكَّلت على مرِّ القرون ما يُعرَف بالإسلام المعياري.

معنى الزكاة

﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡـرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيـرٞ ﴾ [البقرة، 110]. تكشف لنا هذه الآية، كما آيات أخرى، عن المعنى المزدوج للزكاة، فهي فعل يُصاحب الصلاة غالبًا، وكأنها طريقة أخرى للصلاة. فإيتاء الزكاة لا يُعبِّر عن الدافع الإيثاري عند فرد تجاه آخر محتاج، بل هو فعل يُعبِّر عن الإيمان بالله وطاعته. وقد فهم كارلو مانتيغازا (Carlo Mantegazza) جيِّدًا خلال رحلته إلى تركيا (في القرن الثامن عشر) أن الزكاة في القرآن ليست مجرد التزام، بل هي واجب: «فالقرآن لا يحث على الصدقات بل يأمر بها»([28]). ومن هنا، فإن نية تحقيق إرادة الله هي الدافع الوحيد القادر على جعل الهبة زكاة. ويظهر من تركيز المصادر الإسلامية الرئيسة على العلاقة بين الله والمؤمن، أولوية المعنى الديني للزكاة على غيره من المعاني. لكن الإيفاء بمثل هذا الواجب على عكس الصلاة -وهنا نأتي إلى المعنى الثاني– لا يُمكنه أن يتحقَّق إلا من خلال التفاعل مع الآخرين، أي تحمل المسؤولية تجاه أمة المؤمنين، وهي مسؤولية ملقاة على عاتق الأغنياء. ومن هنا، فإن الزكاة تختلف اختلافًا بيّنًا عن الصدقة.

«من شكر غير الله سبحانه فكأنه لم يعرف المُنعم ولم يتيقَّن أنّ الواسطة مقهور مسخَّر بتسخير الله عزَّ وجلَّ»

دور الزكاة

ويمكن للمرء في ضوء هذا المعني أن يفهم وظيفة الزكاة. وهذا المصطلح المشتق من فعل «زكا» بمعني التطهر والنمو. وإذا كان التطهّر واجبًا مدى الحياة، فإن هذه الممارسة تكتسب أهمية خاصة عند المؤمن: فإعطاء جزء من دخله للمحتاجين يعني: 1- تطهير الباقي، ولكن وتطهير النفس أيضًا بمحاربة الجشع واللَّامبالاة، أي «التوقّي من شحّ النفس»([29])؛ كما تعني أيضًا: 2- التعود على الكرم وإعادة الاستثمار في مختلف أشكال التضامن. بيد أنه لا ينبغي فهم الإشارات القرآنية العديدة إلى التطهر الذي سيُكافأ عليه المزكي[30] بالمعنى الكالفيني، أي بوصفه وعدًا بالازدهار الدنيوي؛ لأن الجزاء لن يكون إلا في الآخرة في سبيل دخول الجنة. ويناقش الغزالي بتوسع في رسالته المخصصة للزكاة شروط الإيفاء بهذا الواجب، وأولها: وجود نية صادقة بالمعنى الذي سبق أن قلناه. كما يُركز على علاقة الإنسان بالله مشيرًا إلى امتنان المستفيد لله وحده، إذ إن: «من شكر غير الله سبحانه فكأنه لم يعرف المُنعم ولم يتيقَّن أنّ الواسطة مقهور مسخَّر بتسخير الله عزَّ وجلَّ»[31].

ولطالما استهجن القرآن الكريم البخل، وهو ما جعل ذاك الاستهجان سمة ثابتة في الثقافة الإسلامية التي عارضت البخلاء وكشفت مخاوفهم، واستهزأت بخوفهم من التعرّض للسرقة والخداع. وفي الواقع، فإن خوف البخلاء كان من شيء واحد، وهو فقدان ثروتهم التي تعني خسارة حياتهم. وفي كتابه "البخلاء" يُعبِّر الجاحظ عن موقفه من هذه الأقلية المضطهدة: وهنا، يتصادم البخل والكرم في أحد أكثر كتب الأدب العربي تناقضًا جدليًّا([32]).

وبالعودة إلى مبدأ الزكاة، فإن التزام المسلم بالتنازل عن جزء من ممتلكاته لا ينطبق إلا على من تجاوز دخله حدًّا معينًا. أما مبلغ الضريبة، فقد حدَّد الفقهاء كيفية حسابه بأشكال مختلفة، وحدَّدوا قيمته حاليًّا باثنين ونصف بالمئة سنويًّا[33]*.

المستفيدون من الزكاة

ويُخصِّص الغزالي فصلًا آخر للمستفيدين من الزكاة ممَّن ذكرهم القرآن، وهم ثماني فئات من الناس المستحقين للضريبة الدينية: ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِيـنَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِـي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِـينَ وَفِـي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ﴾ [التوبة: 60].

ونحن نفهم أسباب دراسة هذه الآية بعناية بالغة لما تنطوي عليه من مشاكل في التفسير التي تبدأ بالمصطلح الأول، وهو «الصدقة». فحيثما يتوقع المرء أن يجد كلمة زكاة، فإنه يجد بدلًا منها كلمة صدقة. وهذه النقطة ليست الوحيدة التي يُظهر القرآن فيها بعض التقلُّب فيما يتعلق بمصطلح «الصدقة»، بيد أن أكثر التفاسير قبولًا ترى أن هذه الآية تتعلق بدفع الزكاة على ما جاء في الآية 103 من سورة التوبة: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾[34]. وقد أعطى الإسلام مكانة خاصة للفقراء، أكثر مما فعلت التقاليد ما قبل الإسلامية والكلاسيكية، حيث جعلهم في رأس قائمة المستحقين للزكاة[35]. ومن المؤكد أن التمييز بين الفقراء (الفئة الأولى) والمساكين (الفئة الثانية) لم يكن عرضيًّا، وهو ما أدى إلى نقاش طويل لن نحتفظ منه إلا بآخر فصوله الرائعة. فلئن ذهب أغلب المفسرين إلى أن المقصود بالفقراء والمساكين هم المسلمون –وهو ما يجب أن ينسحب أيضًا على بقية الفئات المذكورة في هذه الآية-، فإن بعض المتخصصين المعاصرين الأكثر ليبرالية يذهبون إلى أنه يدخل ضمن فئة «الفقراء»، كل فقير وإن كان من غير المسلمين[36]. ولا ينحصر الخلاف في هذه المسألة الساخنة بين الفقهاء فقط، بل يطال أيضًا الفاعلين الاجتماعيين، وهذا مثلًا شأن اثنتين من أكبر المنظمات الإنسانية الإسلامية العاملة في إنجلترا، إذ نجد منظمة الإغاثة الإسلامية العالمية (IRW) تستخدم أموال الزكاة في تمويل مشاريعها في إفريقيا لنفع المسلمين وغير المسلمين، بينما تقتصر منظمة العون الإسلامي (Muslim Aid) على دعم المسلمين فحسب، باستثناء بعض المشاريع الصغيرة[37].

أما الفئة الثالثة من المستفيدين وهم «العاملون عليها»، فمن المهم أن يكونوا ضمن القائمة التي أقرها القرآن: فقد وُجدت منذ بداية الإسلام هيئة مسؤولة عن جني أموال الزكاة وربما إعادة توزيعها. بل إن الزكاة كانت دائمًا، إلى جانب أنواع الرسوم الأخرى، موردًا ثابتًا في نظام الضرائب المنصوص عليه في نصوص الإسلام الأساسية. وإذا كان من مهام الفقهاء تفسير الخطوط الرئيسة لهذا النظام مع مراعاة احتياجات الأمة الإسلامية، فإن جمع الضرائب وإعادة توزيعها كانت تقع على عاتق الحكام من خلال هيئات مخصوصة يُكلَّف أعوانها بتحصيل أموال الزكاة، وهي مهمة تجعلهم بلا شك، أكثر عُرضة لمخاطر الفساد من خلال تعاملهم المباشر مع الأموال[38].

ونحن نعرف بالفعل من خلال تطور النص القرآني أن هذه الضريبة قد جُوبهت بشيء من التلكّؤ من لدن بعض أثرياء المسلمين.

ونحن نعرف بالفعل من خلال تطور النص القرآني أن هذه الضريبة قد جُوبهت بشيء من التلكّؤ من لدن بعض أثرياء المسلمين[39]. أما اليوم، فقد أضحت أكثر ارتباطًا بالمبادرة الشخصية الحرة، وفق توجه يجعلها أقرب ما تكون إلى الصدقة. ويتيح لنا تحليل هذا المسار التاريخي، الذي سنعود إليه في ختام هذا العمل، النظر في ظاهرة الزكاة بوصفها هبة. وقد أثار هذا التلكؤ في كثير من الأحيان نزاعات وصراعات تطلَّبت تدخل المفسرين، وهنا لا بُدَّ من القول بأن الاجتهاد الكلامي والفقهي كان حيًّا ودائم الحضور؛ لأنّه لا وجود في الإسلام لسلطة عليا شرعية تتولى الحكم على مسائل الإيمان وتوجيه الحياة الفردية والجماعية.

وتتكوَّن الفئة الرابعة من «المؤلفة قلوبهم». فقد سعت الأمة الإسلامية منذ البداية إلى دعم الداخلين في الإسلام أو الراغبين في ذلك، مدركة صعوبة قطع المرء لروابط الدم مع قبيلته بوصفها مصدر حماية الفرد في المجتمع قبل الإسلامي. ولكن بداية من النصف الثاني من القرن السابع للميلاد، ومع توسع الإسلام السريع، بدأت هذا الضرورة في التغير. ونجد حاليًا عدة تفسيرات للمقصود بهذه الفئة، حيث يُجادل البعض بأنها تشمل جهود الدعوة إلى الإسلام، ولكنها تشمل أيضًا مقاومة الصهيونية والتبشير المسيحي والأيدولوجيات الغربية. كما يقول آخرون إن هذه الفئة تشمل كلَّ من يتعاطف مع الإسلام[40]، بينما يستخدم آخرون أموال الزكاة في دعم الأقليات المسلمة في الدول غير الإسلامية، أو في مناطق الصراع مثل العراق أو بعض الدول الإفريقية[41].

كما تختلف التفسيرات أيضًا بخصوص الفئة الخامسة. فبالنظر إلى الماضي، أي الحقبة التي كانت تُمارس فيها العبودية على نطاق واسع في المجتمعات الإسلامية كما بقية المجتمعات الأخرى، فإن إدراج تحرير العبيد ضمن الواجبات الدينية التي ينص عليها الإسلام لم يكن مجرد تشجيع على عتق العبيد فحسب، بل هو كذلك دعوة ملموسة لمالكيهم للقيام بعمل إنساني. وبما أن منح الحرية لأحد العبيد يعني تقليص موارد المالك، فإن على المعتِق تقييم هذه البادرة بحيث لا تتعارض مع واجبه في الإنفاق على أسرته. ونحن نجد أن هذه الدعوة إلى التبصر تتكرر في كتب الفقه الإسلامي حين تتناول مسألة الصدقة، وهو ما يجعلنا نستنتج أن التضامن في الإسلام كان مشروطًا وموجَّهًا منذ البداية نحو خدمة معايير أخلاقية. ووفق بعض التفسيرات السياسية، فإن أشكال العبودية القديمة قد عوضتها في العصر الحديث أشكال جديدة من العبودية، مثل الاستعمار والاستعمار الجديد، وهو ما يقتضي أيضًا عملًا تحريريًّا يستلزم إعدادًا للقوة من أجل الجهاد «في سبيل الله» (الفئة السابعة)[42]*.

بدا الإسلام منذ البداية، قادرًا على المستوى المثالي، على تقليص المسافات تجاه المجهولين والغرباء.

في الفئة الثامنة، نجد المجموعة الأخيرة من المستفيدين من الزكاة، وهم المسافرون [أبناء السبيل]، أغنياء كانوا أم فقراء، لمجرد أنهم بعيدون عن أوطانهم وقد يحتاجون إلى المساعدة، وقد كان هذا في الماضي أكثر ضرورة منه في الوقت الحاضر. وشملت هذه الفئة في السابق التجار والمهاجرين والحجاج والمتصوفة السائحين، قبل أن يضيف إليهم البعض اليوم مجموعات فرعية جديدة مثل اللاجئين. وبهذا نكون أتينا على جميع أصناف الناس الذين يدعو القرآن المؤمنين إلى صرف الزكاة لهم. ولا مشاحة في أن الإشارة إلى هذه الفئات الثمانية يعني الاعتراف بحق مجموعات أخرى مماثلة في الاستفادة من أموال من يملك أكثر من حاجته. وهنا يتجلَّى ما يُمكن أن نُسميه الوظيفة الاجتماعية للزكاة، وهو إعادة توزيع الثروة داخل الأمة. وعلى عكس أشكال التضامن الأخرى، فإن الأمر يتعلق هنا بثمانية التزامات جماعية محددة بدقة تجاه أمة المؤمنين. وفي هذا التصور للرعاية بوصفها فضيلة مجتمعية، وهو تصور قريب ممَّا تطرحه اليهودية[43]، ويُمكن تفسير إدراج المسافرين [أبناء السبيل] بأنه ضرورة لتوسيع نطاق المستفيدين. وبهذا يكون الإسلام قد أنشأ طريقة فذَّة في تنظيم التضامن من خلال فرض الزكاة على من يملك أكثر من حاجته[44]. ولئن كان تصنيف المستحقين للزكاة يُوحي بتصور يهدف إلى دعم الأقرب فالأقرب، فإن إدراج أبناء السبيل ضمن القائمة يظل مشوبًا ببعض الغموض. ولتجلية هذا الأمر، فمن المهم أن نذكر أن الإسلام نشأ من تجربة غُربة، وهي التجربة التي عاشتها ونقلتها الأجيال الأولى من المسلمين. ففي سبيل الإيمان بالله الواحد، لم يتخل محمد وأصحابه عن ممتلكاتهم فحسب، بل أُجبروا على قطع روابط الدم مع قبائلهم حتى يتمكنوا من صياغة عقد جديد. وبولادته من رحم هجرة، بدا الإسلام منذ البداية، قادرًا على المستوى المثالي، على تقليص المسافات تجاه المجهولين والغرباء.

وفي هذا النموذج الجديد الذي نشأ في سياق تجربة الهجرة[45]، يُنظر للقادمين من بعيد على أنهم أقارب يجب معاملتهم بإحسان، لا من خلال الصدقات الطوعية فحسب، ولكن أيضًا من خلال الزكاة. ذلك أن المسافر معرض لشتّى المخاطر، فمن ثَمَّ يحتاج للحماية، ولذلك أقر الإسلام واجب الضيافة، وهذا ما يُفهم من أمر القرآن بتوجيه الزكاة نحو أبناء السبيل، استجابة منه إلى تلك الحاجة. وعلى مرّ القرون، امتد هذا الواجب ليشمل المسافرين غير المسلمين أيضًا، وهذا أمر ثابت في البحوث التاريخية التي تناولت حلقات الاتصال بين المسيحيين والمسلمين على امتداد التاريخ[46]، وهذا ما يبدو أن بعض المنظمات الإسلامية المعاصرة التي سبق ذكرها[47] تسير على نهجه الآن.

وبشغف يبدو أنه وليد تجربة، يُلخِّص سيّد حسين نصر في بضع كلمات ما سعينا إلى بيانه:

«في نهاية المطاف، تظل هبة الزكاة شكلًا من أشكال الجهاد، ولا يعود هذا إلى أن إعطاء الإنسان بعض ما يملك يُوجب محاربة الأطماع وشح النفس فحسب، بل وكذلك إلى أن الإنسان بدفعه الزكاة في مختلف أشكالها، إنما يُسهم في ترسيخ العدالة الاقتصادية في المجتمع البشري»[48].

وعلاوة على ذلك، فإن أهمية الزكاة تزداد وضوحًا إذا فكرنا في مكانتها ضمن الممارسات الشعائرية عند أهل السنّة: فمن يُرِد أن يعيش إيمانه وإسلامه، فيجب عليه أن يقوم بواجباته تجاه الله، وهي أركان الإسلام الخمسة، وأوّلها الشهادتان، ثم الصلاة التي تلزم المؤمن فرديًّا وجماعيًّا، تليها الزكاة أو الصدقات المفروضة وتُمثِّل الواجب الوحيد تجاه الله الذي يلزم المؤمن تجاه الأمّة، يلي ذلك واجب الصيام في شهر رمضان، وآخرها الحج إلى بيت الله الحرام. ولهذا، تُعتبر الزكاة من المسارات الأساسية في حياة كل مسلم، خاصة أنها تكتسب أهميتها الدينية أيضًا من إمكانية عدم الالتزام بها. ذلك أن النصوص الشرعية وغالبية كتب الفقه لا تنص على فرض عقوبات على من لا يدفع زكاته؛ لأن عقوبته متروكة لله يوم الحساب، وهذا جانب لا ينبغي إغفاله: فالصدقة المفروضة وإن كانت من أفعال الإيمان، إلا أن ذلك لا ينفي كونها ضمانة للآخرة.

الزكاة في شهر رمضان: زكاة الفطر

يحتفل المسلمون في نهاية شهر رمضان بعيد الفطر الذي يخصونه بإخراج إسهام مالي سنوي آخر، وهو زكاة الفطر. وإليكم ما يقوله جوناثان بينثال (Jonathan Benthall) بشأنها:

«في عام 1996م، بينما كنت أقضي شهر رمضان في الأردن، ناقشتُ موضوع الزكاة مع عدد كبير من الأردنيين كان منهم المسلم الفاتر والمؤمن الصادق، والغني والفقير. وقد أمكنني فهم الكيفية التي ارتبط بها لفظ الزكاة بزكاة الفطر بفضل هذه الأحاديث. فهذه الممارسة، التي يلتزم بها المؤمنون بشدة، لا تُمثّل عبئًا على العائلات الغنية، والحال أنها كذلك بالنسبة للفقراء الذين يُعيلون أسرًا كبيرة. وطوال شهر رمضان، يتبرع الكثير من الناس للفقراء الموجودين في الجوار أو ضمن دائرة معارفهم، متجاهلين المسؤولين عن جمع الزكاة. أما البعض الآخر، فيرى أن الزكاة في دولة حديثة مثل الأردن وفي وجود نظام ضريبي، لا تعدو أن تكون سوى ممارسة بالية»[49].

ولعل مما يؤكد هذه الملاحظات الإناسية (الأنثروبولوجية) هو ما جمعه أبو قريشة من بيانات كمية في البحث الذي أجراه في المناطق الريفية في مصر، إذ اكتشف أن العديد من المزارعين قد أغفلوا عن قصد دفع الزكاة (لم تتجاوز نسبة من دفع 20٪)، بينما دفع أغلبهم زكاة الفطر (76٪)، والحال أن زكاة الفطر هي التزام أقل أهمية بموجب الشريعة الإسلامية، ولكن المؤمنين يشعرون بأهميته نظرًا لارتباطه بشهر رمضان المبارك[50].

ملاحظات ختامية

إن المبدأ القائل بأنه لا ينبغي إجبار أي مواطن على إعطاء الصدقات، وأنه يحق لكل مواطن أن يتلقى الدعم العمومي، ما يزال قويًّا نسبيًّا في المجتمعات الصناعية وما بعد الصناعية، وذلك رغم صعوبات الواقع الحالي. لقد كان المسار الذي انطلق من اعتبار رعاية الفقراء فضيلة عامة[51]، وصولاً إلى إنشاء مؤسسات للرعاية الاجتماعية، طويلاً ومعقدًا([52]). ففي أوروبا، كان أوتو فون بسمارك (Otto von Bismarck) في ثمانينيّات القرن التاسع عشر وراء إطلاق أول برنامج للحماية الاجتماعية واسع النطاق (التأمين الصحي والتأمين ضد الحوادث، ومعاشات التقاعد، ...إلخ)، وذلك تحت ضغط القوى الاشتراكية.

إن إنشاء ضرائب جديدة والزيادة العامة في العبء الضريبي يمكن أن يكون وراء التخلي عن أنظمة جمع الزكاة التقليدية، أو دمجها تحت مسمى آخر في نظام ضريبي جديد.

وفي تجربتها الطويلة التي اتسمت بالنضال الاجتماعي في الأردن، تذكرنا بسمة الشريف، مستشهدة بالقرآن، بأن الفقراء في الإسلام لهم الحق في المساعدة الاجتماعية[53]. ويسعى بحثنا الحالي الذي بدأ في الاهتمام بهذه المواضيع، إلى فهم مدى نجاح الزكاة في التأثير في المجتمعات الإسلامية، وهو بحث واسع لا نملك حاليًا سوى بعض المعطيات القليلة بشأنه. ويتفق المؤرخون وعلماء الاجتماع على حد سواء على أن الزكاة لم تكن على مر القرون، أداة فعالة لمساعدة المحتاجين وإعادة توزيع الثروة. وقد أظهر البحث التاريخي على وجه الخصوص الفجوة بين تعاليم النصوص الشرعية وممارسات المسلمين على مر القرون، وخلص إلى أن إيتاء الزكاة بصفة شخصية أو سرية كان يُمثِّل دائمًا الممارسة الأكثر انتشارًا. وبالتفكير فيما يبدو من توجه الأدبيات المتعلقة بتأثير الزكاة في الحقل العام نحو إعادة تنظيمها على أساس شخصي، ترى آمي سينغر (Ami Singer)، اعتمادًا على دراستها لبعض المناطق في العالم الإسلامي، أن نظام الضرائب الحكومي يمكن اعتباره بمثابة مأسسة لنظام الزكاة. وبهذا المعنى، فإن إنشاء ضرائب جديدة والزيادة العامة في العبء الضريبي يمكن أن يكون وراء التخلي عن أنظمة جمع الزكاة التقليدية، أو دمجها تحت مسمى آخر في نظام ضريبي جديد[54].

وعلى جبهة العلوم الاجتماعية، يُفيدنا البحث الميداني ببعض الإشارات المهمة. فكما رأينا بالفعل، فإنّ المزارعين في المناطق الريفية في مصر، مع اعترافهم بوجوب الزكاة، يختارون في الغالب القيام ببعض أعمال البر بمناسبة عيد الفطر، أي في نهاية الشهر الذي ترقّ فيه القلوب. كما يبدو أن ما سمعه جوناثان بنتال في الأردن من حكايات، يُؤكد أن الزكاة باتت تُعتبر أمرًا عفا عليه الزمن، أو لنقل بتعبير أدق: إنّ ما بات موضع تساؤل هو مدى الالتزام بأدائها. وبصرف النظر عن بعض الدول الإسلامية التي سعت بنجاح متفاوت إلى إحياء الزكاة من خلال إدراجها ضمن أنظمتها القانونية[55]، فإن دفع الزكاة الطوعي أو الاختياري هو ما يبدو سائدًا حاليًا. فعلى غرار سعاد، يُوجّه الناس هباتهم نحو الفقراء من الجيران أو ضمن دائرة الأصدقاء والمعارف[56]. لقد أصبح الشعور بالمسؤولية والخوف من العقاب الإلهي هو الأكثر تأثيرًا.

وفي خضم الانفصال التدريجي للزكاة عن دائرة الدولة وانتقالها إلى المجال الخاص، لا ينبغي أن ننسى أن «الصدقة المفروضة» دينيًّا تظل واجبًا على كل مسلم. وفي ظل هذا التوتر تستغل بعض الجماعات والحركات الزكاة لإطلاق مشاريعها السياسية والاجتماعية. وعلى سبيل المثال، فقد قامت لجنة الزكاة في نابلس (فلسطين) ببناء عيادة طبية نوعية[57]. كما تعمل مجموعة أردنية على جمع أموال الزكاة لصالح الفلسطينيين في قطاع غزة. وخلال زيارة بنتال، لم تُخْفِ هذه المجموعة دعمها السياسي للقضية الفلسطينية ضد إسرائيل[58]، وهو ما يُعزِّز رأي بعض المتحاملين الغربيين وغير الغربيين، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، بشأن علاقة العمل الإنساني بالتطرف العنيف عند بعض الجماعات، كما يُزعَم بشأن حركة حماس أو حزب الله.

ولكن ما من باحث يدرس أهمية الكرم والتضامن في المجتمعات الإسلامية القديمة أو المعاصرة، إلا ويجد صعوبة في تصديق فكرة أن التدخلات الإنسانية في العقود الماضية لم تكن سوى أنشطة للتستر على أهداف سياسية تخريبية. أما الاعتقاد بأن الأمر يتعلق بأعمال ذات بُعد سياسي، فهذا لا يختلف في شيء عما تقوم به المنظمات الغربية. ويرى بعض الباحثين أن كثافة نشاط هذه المجموعات الكبيرة نسبيًّا، لا يخلو أيضًا من مغزى تاريخي بالنسبة للمجتمعات الإسلامية المعاصرة، إذ ترى فيها حركات سياسية جديدة لا تقوم هويتها كثيرًا على أساس إقليمي كما كان حال الاندفاعات القومية التي ميَّزت العقود الأولى من القرن العشرين، أو على أساس أيديولوجيات مثل الاشتراكية والماركسية، بل على أساس تعدد الانتماءات التي قد تكون عرقيّة و/ أو دينية[59].

لقد أدخلتنا بادرة سعاد البسيطة في تعبيرها عن التعاطف والتضامن، إلى عالم العطاء الغني في الإسلام وأشكاله الخصوصية المعبرة عن سخاء النفس. وبهذا وجدنا أنفسنا أمام مُثُل وممارسات تُشكّل بدورها أبوابًا واسعة للولوج داخل النسيج الحي للعديد من المجتمعات الإسلامية المعاصرة، أي ما يُسمّيه سيّد حسين نصر «الإسلام التقليدي»[60]. إنها مجتمعات تشقّها، خاصة في بعض المناطق، تصدعات عميقة يجب أن تدفع الباحثين نحو دراستها بشكل متوازن، ودون السقوط في فخ الإدانة أو التمجيد.

المقال الأصلي:

Falcioni (Daniela), « Conceptions et pratiques du don en Islam », Revue du MAUSS, 2012/1, n° 39, p. 443-464.

بيبليوغرافيا

Al-Ghazali, Imam Gazzali’s Ihya ulum-id-din, Lahore, Pakistan: Sind Sagar Academy, 1955.

Al-Nawawi, Il giardino dei devoti: Detti e fatti del profeta, Trans. Scarabel, Trieste: Societa’ italiana di testi islamici, 1990.

Arkoun (M) & Borrmans (M), L’Islam, religion et société, Paris: Cerf, 1982.

Bamyeh (M. A), The Social Origins of Islam: Mind, Economy, Discourse, Minneapolis: University of Minnesota Press, 1999.

Benabdelali (N), Le don et l’antiéconomique dans la société arabo-musulmane, Casablanca: Eddif, 1999.

Benthall (J), “Financial Worship: The Quranic Injunction to Almsgiving”, Journal of the Royal Anthropological Institute, Issue 1, 1999, p. 28-42.

Benthall (J), “Organized Charity in the Arab-Islamic World”, in: Organized Charity in the Arab-Islamic World. A View from the NGOs, Ed. H. Donnan, London: Sage, London, 2001, p. 150-166.

Benthall (J) & Bellion-Jourdan (J), The Charitable Crescent: Politics of Aid in the Muslim World, London: I. B. Tauris, 2009.

Bonner (M), “Poverty and Charity in the Rise of Islam”, in: Poverty and Charity in Middle Eastern Contexts, Eds. M. Ener & A. Singer, Albany: State University of New York Press, 2003, p. 13-30.

Brown (P), Poverty & Leadership in the Later Roman Empire, Hanover: Brandeis University Press, 2002.

Chanial (P), “Donner aux pauvres”, in: La société vue du don: Manuel de sociologie anti-utilitariste appliquée, Paris: Edition La Découverte, 2008, p. 272-305.

Décobert (C), Le mendiant et le combattant. L’institution de l’Islam, Paris: Seuil, 1991.

Elwert (G), Nationalismus und Ethnizitaet. Ueber die Bildung von Wir-Gruppen, Berlin: Das arabische Buch, 1989.

Ibn Khaldun, W. Kitab al-‘ibar. Muqaddimah, Algeri, 1991 (Eng. Trans. F. Rosenthal, The Muqaddima. An Introduction to history, London 1967).

Izutsu (T), God and Man in the Koran. Semantics of the Koranic Weltanschauung, Tokyo: Keio Ins. of Cultural & Linguistic Studies, 1964.

Jahiz. Les Avares, Trans. Ch. Pellat. Paris: Maisonneuve, 1951.

Kechiche (A), La graine et le mulet [The Secret of the Grain], France: Long métrage, 2007.

Maϊmonide (M), Le livre des commandements, éd. A.-M Geller, Lausanne: L’âge d’Homme, 1987.

Mantegazza (C), “Viaggi nei due imperi ottomano e russo del cittadino Carlo Mantegazza”, in: Delle cose de’ Turchi. La Turchia nei racconti dei viaggiatori italiani (xvixx secolo), Ed. N. Fusco, Roma: Società Geografica Italiana, 2010.

Mauss (M), 2002, Essai sur le don: Forme et raison de l’échange dans les sociétés archaïques. Version numérique par J.-M Tremblay. 2002. Web.

Nasr (S. H), L’Islam traditionnel face au monde moderne, Eng. Trans. G. Kondracki, Lausanne: L’âge d’homme, 1993.

Pizzi (G), Ibn Ḥaldun e la Muqaddima: Una filosofia della storia, Milano: All’insegna del pesce d’oro, 1985.

Postel (G), Des Histoires orientales et principalement des Turkes ou Tuchikes et Schitiques ou Tartaresques aultres qui en sont descendues, Paris: De Marnef–Cauellat, 1575.

Rosenthal (F), “Hiba”, Encyclopédie de l’Islam, III, 2ème éd. E. J. Brill, Leyde, 2005.

Rosenthal ( ), “Gifts & Bribes: The Muslim View”, Proceedings of the American Philosophical Society, 2, 1964, p. 135-144.

Rousseau (J.-J), Les Rêveries du promeneur solitaire, Paris: Gallimard, 1964.

Singer (A), Charity in Islamic Societies, Cambridge: Cambridge University Press, 2008.

Starobinski (J), Largesse, Paris: Éditions de la Réunion des Musées Nationaux, 1994.

Tonkin (E), “Is Charity a Gift? Northern Irish Supporters of Christian Mission Overseas”, Social Anthropology/Anthropologie Sociale, n° 17, 2009, p. 171-183.

Weir (T. H) & Zysow (A), “Sadaka”, Encyclopédie de l’Islam, IX, 2ème éd. E. J. Brill, Leyde, 2005.

Zysow (A), “Zakat”, Encyclopédie de l’Islam, XI, 2ème éd. E. J. Brill, Leyde, 2005.

التعريف بالكاتبة:

دانييلا فالكيوني أستاذة الفلسفة الاجتماعية بجامعة كالابريا في إيطاليا. ومن منشوراتها حول الهبة:

« To Receive, That Is, to Give», in : The Maternal Roots of the Gift Economy, ed. by G. Vaughan, Toronto: Inanna Publications & Education Inc., 2019.

« Verteile und schenke und suche nicht, die Gabe zu verrechnen: Grosszuegig handeln im Islam », in: Die Gabe. Zum Stand der interdisziplinaeren Diskussion, Freiburg: Alber, 2016.

« Du wirst zu essen geben und deinen Fiedensgruß an den richten, den du kennst, und an den, den du nicht kennst. Formen der Gastfreudschaft in der dar al-islam », in; Perspektiven europäischen Gastlichkeit. Geschichte – Praktiken – Kritik, Weilerswist: Velbrück Wissenschaft, 2016.

« Das Band und die Bindekraft der Gabe », in: Memoria und Mimesis (Paul Ricœur zum 100), Geburtstag, Dresden: Text & Dialog, 2013.

« Cosa significa donare? », Ed. by D. F., Napoli: Guida, 2018.


[1]  Mauss, 2002, p. 24.              

[2] *توضيح من المترجم: تُستخدم كلمة «البوتلاتش» في علم الإناسة بوصفها مصطلحًا ينطبق على نوع من التصرف الإنساني الكوني إزاء الممتلكات والثروات عند كل المجتمعات الغابرة تقريبًا، حيث يقوم زعماء القبائل أو أصحاب الثروات فيها بتقديم هدايا إلى منافس بغاية إهانته أو إرغامه على رد الهدايا بما يفوق قيمتها. وبما أن متلقي الهدية لا يستطيع رفضها بحسب ما تقتضيه الأعراف القبلية، فإنه يجد نفسه في مأزق، إما يعترف بهزيمته فمن ثَمَّ يفقد للأبد كل حظوة وامتياز عند عشيرته لعجزه عن تقديم هدية مماثلة لتلك التي تلقاها، أو يقوم على العكس من ذلك بدخول غمار المنافسة ورفع التحدي بتقديم هدية أكبر من تلك التي تلقاها. وبالطبع فإن للبوتلاتش أبعادًا دينية واقتصادية وسياسية هي ما درسه موس في مقالته عن الهبة. وللاستزادة، انظر:

موس (مارسيل)، مقالة في الهبة: أشكال التبادل في المجتمعات الأرخية وأسبابه، ترجمة وتحقيق وتعليق: محمد الحاج سالم، (بيروت: دار الكتاب الجديد المتّحدة، 2014م). وللاطلاع على تفاصيل النسخة العربية من هذا الطقس الكوني، وهو الميسر الجاهلي الذي حرَّمه الإسلام واستبدل الزكاة به، انظر كتابنا:
محمد الحاج سالم، من الميسر الجاهلي إلى الزكاة الإسلامية: قراءة إناسية في نشأة الدولة الإسلامية الأولى، (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2014م).

[3] Pizzi, 1985, p. 203.

[4] Ibn Khaldoun, 2007.

[5] Izutsu, 1964.

[6] هذه العقيدة موجودة في اليهودية، وقد ورثتها المسيحيّة أيضًا. انظر بداية الإصحاح الرابع والعشرين من سفر المزامير.

إضافة من المترجم: الآية المقصودة هي: (لِلرَّبِّ الأَرْضُ وَمِلْؤُهَا. المَسْكُونَةُ، وَكُلُّ السَّاكِنِينَ فِيهَا).

[7] حتى لو لم تتضمن الآية القرآنية إشارة صريحة إلى الثمار الأولى، فإننا لا نرى أي تعسف في تفسيرها على هذا النحو. راجع:

Benthall & Bellion-Jourdan, 2009, p. 22.

[8]  Weir, 1995, p. 729.

[9]  Rosenthal, 1971, p. 343.

[10]  Bonner, 2003, p. 16-20.

وبخصوص الصلة بين الهبة والعدالة، وبشكل أكثر عمومية، بخصوص تحويل الهبة إلى حس أخلاقي في الأديان الإبراهيمية، انظر بداية هذه المقالة، وراجع أيضًا:

Mauss, 2002, p. 24.

[11]  Weir, 1995, p. 732.

[12]  Al-Ghazali, 1955, I, p. 220.

[13] Postel, 1575, p. 160-162.

[14] لاحظ روسو بعد عدة قرون ألا وجود للضيافة بمقابل إلا في أوروبا، فكتب يقول: «لقد لاحظتُ أن الضيافة لا تُباع إلا في أوروبا دون سواها. ففي جميع أنحاء آسيا يُمكنك دائمًا الحصول على إقامة مجانية. ولا شك في أنك لن تجد راحتك الكاملة هناك، لكن أليس من المهم أن تقول لنفسك: أنا بشر واستقبلني بشر؟ إنها الإنسانية النقية هي التي تمنحني المأوى. ولعمري.. إن الحرمان الصغير يمكن تحمله بسهولة، إذا عُومل القلب بأفضل مما يُعامل به الجسد». انظر:

Rousseau, 1964, p. 1096-1097.

[15] Starobinski, 1994, p. 94.

[16] في الحديث: «عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ڤ، قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺَ: أَنْفِقِي، أَوْ انْضَحِي، أَوْ انْفَحِي، وَلاَ تُحْصِي، فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ». انظر:

صحيح البخاري، الحديث رقم 2451؛ صحيح مسلم، الحديث رقم 2339.

[17] Weir, 1995, p. 734.

[18] رَوَاهُ مُسْلِمٌ (الحديث رقم 39) والبُخَارِيُّ (الحديث رقم 28).

[19] لترتيب أعمال الصدقة حسب التقويم الإسلامي، راجع:

Singer, 2008, p. 72-81.

[20] Singer, 2008, p. 82.

[21] Décobert, 1991, p. 241.

[22] Starobinski, 1994, p. 95.

[23] Maïmonide, 1987, p. 175.

ملاحظة من المترجم: يبدو موسى بن ميمون هنا متأثّرًا بلا شكّ بالآية القرآنيّة ﴿لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَٰهُمۡ لَا يَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗا﴾ [البقرة، 273].

[24] يرد وصف هذه الحالة عند سينغر. انظر:

Singer, op. cit., p. 1-2.

وهذا إطار واسع للتضامن يذكرنا بالجمعيات الخيرية الغربية. فهل يمكن اعتبار هذا السلوك هبة بالمعنى الذي يقصده موس؟ يمكن للمرء أن يجد الأمر كذلك عند تونكين. انظر:

Tonkin, 2009, p. 171-183.

[25] حول الأهمية الاجتماعية والسياسية لفريضة الزكاة التي يعدّها البعض أول نظام رعاية اجتماعية، انظر أدناه.

[26] Bamyeh, 1999, p. 244.

[27] وفقًا للمصادر الإسلامية، فإن الصدقة كانت تمارس بالفعل في مكة قبل أن تُفرَض الزكاة في المدينة. راجع:

Weir, p. 730.

وحول السياق التاريخي الذي أدى إلى تشريع «الصدقة المفروضة»، انظر بالخصوص:

Bamyeh, 1999, p. 243-244.

[28] Mantegazza, 2010, p. 37.

[29] هذه العبارة مقتبسة من كلام لسيد حسين نصر سنورده كاملاً في الصفحات التالية.

[30] ﴿وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن رِّبٗا لِّيَرۡبُوَاْ فِيٓ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ فَلَا يَرۡبُواْ عِندَ ٱللَّهِۖ  وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن زَكَوٰةٖ تُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُضۡعِفُونَ﴾ [الروم، 39].

[31] انظر: كتاب «أسرار الزكاة»، في: الغزالي، إحياء علوم الدين، ج 1، ص 219.

[32] Jâhiz, 1951; Benabdelali, 1999, p. 188.

[33] *اقتصرت الكاتبة هنا على ذكر مقدار الزكاة الواجبة في الذهب والفضة وعروض التجارة دون الإشارة إلى زكاة الركاز والزروع وغيرها، فوجب التنويه. (المترجم).

[34]  تُعتمد هذه الآية أيضًا في إسناد معنى الزكاة لمصطلح الصدقة.

[35] Rosenthal, p. 143.

[36] Al-Khayyat, cited in Benthall, 1999, p. 31.

[37] Benthall & Bellion-Jourdan, 2009, p. 10.

وقد قامت منظمة الإغاثة الإسلامية العالمية بتمويل تدخُّلات لصالح غير المسلمين في رواندا، انظر:

Benthall, 2001, p. 160.

[38] كان خطر الخلط عند المسئولين العموميين بين الهبات والرشاوى قائمًا منذ بداية الإسلام. انظر:

Rosenthal, 1964, p. 137.

[39] Bamyeh, 1999, p. 244.

[40] Benthall, 1999, p. 31.

[41] Singer, op. cit., p. 51.

[42] *نُلاحظ هنا أن الكاتبة لم تتناول الفئة السادسة من المستحقين للزكاة وهم «الغارمون» أي أصحاب الديون الذين لا يستطيعون سدادها. وقد يكون العذر في هذا أن الكاتبة ربما أدرجت هؤلاء ضمن من يجب تحريرهم من ربقة ديونهم. (المترجم).

[43] فيما يتعلق بواجب إظهار التضامن مع أفراد المجتمع في اليهودية، راجع:

Brown, 2002, p. 17.

[44]  يُؤكد بنتال أن الإسلام سبق الدول الأوروبية في تصور نظام رعاية اجتماعية. وسنعود إلى هذه الأطروحة في الصفحات التالية.

[45] حول الأهمية الحاسمة لهجرة محمد وأتباعه من مكة إلى المدينة بوصفها حدثًا نموذجيًّا لـ«ثروة خارقة»، راجع:

Arkoun & Borrmans, 1982, p. 76.

[46] Singer, op. cit., p. 57.

[47] انظر أعلاه: «المستفيدون من الزكاة».

[48] Nasr, 1993, p. 31.

[49] Benthall & Bellion-Jourdan, 2009, p. 14.

[50] Zysow, p. 456.

[51] Brown, 2003, p. 1-16.

[52] لإعادة بناء تاريخ الضمان الاجتماعي في فرنسا، انظر:

Chanial, 2008, p. 272-305.

[53] Benthall, 2001, p. 159.

[54] Singer, op. cit., p. 64.

[55] Zysow p. 455-456.

[56] Benthall, 1999, p. 33.

[57] Benthall, 2001, p. 160.

[58] ibid., p. 161.

[59] Elwert, 1989.

[60] Nasr, 1993.