فتاوى انتحار محمد البوعزيزي حرقًا: السلطة الدينية والميديا والعلمنة

انتحار بوعزيزي ثورة تونس ديناميات الشريعة

- مقدمة
- عن الشهادة في الإسلام
- عن الانتحار في الإسلام
- استشهاد (أو انتحار) البوعزيزي
- السلطة الدينية والعلمنة ودور الميديا
- سلطة العلماء والسياسة الحيوية 
- العلماني في مواجهة الإسلامي
- الميديا الدينية الإسلامية
- الخاتمة

مقدمة

كانت عمليات الانتحار شبه مجهولة في المجتمعات الإسلامية، أو لنقُل على الأقل إن معدلاتها كانت منخفضةً مقارنةً بمجتمعاتٍ أخرى. وعلى قول تيودور نولدكه (Theodor Nӧldoke)، فإن الإسلام "دين لم يُعرف فيه الانتحارُ عند أتباعه بشكل شبه مطلق" (Nӧldeke 1892, 72; cf. Rosenthal 1946, 240)[1]. إلَّا أن معدل عمليات الانتحار حرقًا بالبلدان العربية، في خضم الربيع العربي، فاجأ الكثيرَ من الناس. ففي الأشهر الستة التي أعقبت انتحار محمد البوعزيزي حرقًا بتاريخ 17 ديسمبر من عام 2010، أقدم أكثر من مائة شخص على الانتحار حرقًا، أو حاولوا ذلك، احتجاجًا على حكوماتهم، في كلٍّ من تونس والجزائر والمغرب ومصر والمملكة العربية السعودية وغيرها من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (Ghasemilee 2012; Avon 2012, 152; Wright 2011, 20; Khosrokhavar 2012, 172–176; Ghazi 2011; Filiu 2011, 20). وبالإضافة إلى عمليات الانتحار حرقًا، شهدنا أيضًا تصاعدَ التعبيرات الاستعارية والرمزية المتصلة بشكل وثيق بالانتحار أو حرق النفس في حياة العرب اليومية، وهو ما يمكن اعتباره مؤشرًا على الكيفية التي يتمثل بها الناسُ مسألةَ الانتحار حرقًا أو قتل النفس في الثقافة العربية.

وردًّا على ظاهرة الانتحار حرقًا، حاول بعض العلماء تحريمَ حرق النفس أو إدانته على الأقل، عبر وسائل الميديا الجديدة والتقليدية أو من فوق منابر الخطابة. لكن ذلك لم يكن له -على ما يبدو- سوى أثر محدود للغاية في منع عمليات الانتحار حرقًا في أثناء الثورة. وفي هذا الفصل، نعتزم الإجابة على الأسئلة التالية: لماذا لم ينصت الناس إلى صوت العلماء رغم انتشاره على نطاق واسع وباستمرار عبر مختلف وسائل الإعلام التقليدية والحديثة؟ هل تعتبر ظاهرة الانتحار حرقًا من أعراض العلمنة ودلالة على تطوُّر الدين المدني؟  كيف نفسّر الانقسام بين الناس والعلماء بشأن حكم الدين في مسألة انتحار البوعزيزي حرقًا؟

بُغية الإجابة على هذه الأسئلة، قسمنا هذا الفصل إلى ثلاثة أجزاء: (1) الخطاب العام حول الاستشهاد والانتحار في الإسلام. (2) استشهاد )أو انتحار( البوعزيزي. (3) السلطة الدينية والعلمنة ودور وسائل الإعلام. وباستخدام مناهج تأويلية، قرأنا ودرسنا بعناية مجموعةً من الفتاوى حول الشهادة والانتحار في الإسلام، تتعلَّق خصوصًا بانتحار البوعزيزي حرقًا وعمليات حرق نفس أخرى حصلت في السنوات الأخيرة، كما حلَّلنا تقارير مجلات وصحف ونشرات إخبارية تلفزيونية حول الربيع العربي، وفحصنا فيديوهات من موقع يوتيوب تتصل بهذا الشأن. أما بخصوص النقاش حول وضعية البوعزيزي الدينية، فقد تفحَّصنا العديد من وسائط الميديا الاجتماعية، وخاصةً موقعَي تويتر وفايسبوك. وبعد دراسة المعطيات بشكلٍ نوعيٍّ، نجادل في البداية بأنه على عكس المنظورات المسيحية والإسلامية الشيعية، فإن مفهوم الشهادة في الإسلام السُّني يرتبط في المقام الأول بالنضال ضد القمع، لا بالمعاناة منه أو مكابدته. ثانيًا: يتفق علماء السُّنة تقريبًا بالإجماع على أنه لا يُمكن اعتبار انتحار البوعزيزي حرقًا عمليةَ استشهادٍ، غير أنهم يتباينون في طرق استجابتهم لهذا الفعل. ويمكن اعتبار تعليق يوسف القرضاوي على واقعة انتحار البوعزيزي الردَّ الأكثر تعاطفًا من زعيمٍ دينيٍّ بارز. وعلى النقيض من تصوُّر العلماء، يعتبر بعض التونسيين البوعزيزي شهيدًا وطنيًّا. ولعل مفهوم السياسة الحيوية وتطوًّر الدين المدني قد يشرح سبب اختلاف رؤية بعض التونسيين عن رؤية العلماء.

ثالثًا: في سياق الميديا الدينية، لم ينفع قصف الناس بالفتاوى والاقتباسات من القرآن والسُّنة، عبر وسائط الميديا المتعددة، في كسبِ قلوبهم وعقولهم. ففي حياتنا الحديثة، يعيش الناس بشكل مطرد ضمن عالم علماني صار يمثل جزءًا معتبرًا من حياتهم. وكما يقول تشارلز هيرشكايند (Charles Hirschkind) (2011, 634)، فإن "العلماني هو الماء الذي نسبح فيه". وقد نشأنا نحن أنفسنا جزئيًّا (أو تأثَّرنا على الأقل به) في محيط علماني ضمن هذا العالم المُعَولم الذي نعيش فيه اليوم. لذلك، وعلى الرغم من انتشار تحريم الانتحار عبر وسائل متعدِّدة، فقد تغاضى بعضُ الناس عنه أو تجاهلوه؛ لأن أفعال المسلمين، ومع تنامي العلمنة والدين المدني، لم تعُد تتحدَّد أساسًا من خلال وضعهم كمسلمين، بقدر ما تتحدَّد بحاجاتهم الدنيوية. وبذلك يكون تأويل الدين المتفهم لمشاعر الناس النفسية الاجتماعية، أو المنبني على السياق الاجتماعي، هو الأكثر قبولًا في الغالب من قِبَل المجتمع.

عن الشهادة في الإسلام

لقد استُخْدِم مفهومُ الشهادة في الإسلام ضمن سياقات متعدِّدة. ويذكر حديث نبويٌّ سبعة أنواعٍ من الشهداء، من بينهم الغريق والمرأة التي تموت في أثناء الوضع*. كما يذكر السيوطي أنواعًا أخرى من الشهداء، من بينهم كل من تمنَّى الشهادة ووافته المنيَّة على سريره (Cook 2007, 33–34)**. لكن رغم تعدُّد ضروب الشهادة في الإسلام، فإن الناس يحملون عادةً فهمًا مشتركًا لهذا المفهوم يُشير في الغالب إلى من يموت في سبيل الله في ساحة المعركة. ورغم معاملة الفقهاء المسلمين جثامين ضحايا الكوارث الطبيعية، مثل كوارث تسونامي والزلازل، بالطريقة نفسِها التي يعاملون بها جثامين المحاربين في سبيل الإسلام، فإنهم يدركون وجود ضربين مختلفين من الشهادة. وهذا هو السبب في تمييز بعض العلماء بين شهداء الدنيا والآخرة، أي الشهداء المقاتلين والشهداء من غير المقاتلين (Kohlberg 1997, 294).

ويعود الترابط القوي بين الشهادة والجهاد إلى الحروب التي طبعت تاريخ الفترات المبكِّرة من الإسلام. ففي بداية الإسلام، كان المسلمون قلَّة قليلة من حيثُ العدد. فعلى سبيل المثال، كان عدد المسلمين خلال معركة بدر، وهي المعركة الحاسمة بين المسلمين وغير المسلمين، أقلَّ بكثيرٍ من عدد المكيين. وقد تكرَّر هذا الظرف في معركة أُحُد، حيث فاق عددُ الأعداء بكثير عددَ المقاتلين المسلمين. ووفقًا لخالد أبو الفضل (Khaled Abou El Fadl, 2003)، فإن النبي -لضمان بقاء الإسلام- شجَّع أتباعه على خوض الحروب، ووعد من يُقتل فيها بأجر لا يضاهيه أجر أي عمل آخر. فمن يُقتل في سبيل الله شهيدًا له أجر كبير عند الله، وله درجة رفيعة في الجنة (بجوار عرش الله)، ويُعفى من عذاب القبر وهول يوم القيامة، ويُمنَح حق الشفاعة في أهله. وبذلك نتبيَّن أهمية الدور الذي أداه سياقُ الإسلام المبكِّر في مسار خلق تقليد الشهادة. فمن دون مثل هذه الدوافع القوية، كان يستحيل على الإسلام أن يستمرَّ وأن يهيمن على العالم العربي في ذاك الزمان.

وعلى خلاف المسيحية التي صارت فيها الشهادة عقيدة محورية، فإن الغالب في الإسلام أن الشهادة لا تُعَدُّ ركنًا من صميم العقيدة، ولا يُعَدُّ النبي محمَّد شهيدًا. ولو كان الموت في ساحات الحروب من صميم عقيدة الإسلام، لَما كان تاريخ الحروب الإسلامية حافلًا بالانتصارات، ولغدت ساحات المعارك حينها المكان المثالي للانتحار. ذلك عكس ما يخبرنا به التاريخ، فقد انتصر المسلمون في أغلب المعارك بينهم وبين غير المسلمين في فترات الإسلام المبكِّرة. ولربما كانت هذه الحصيلة ستكون عكسيةً لو كان الدافع في خوض الحرب هو مجرَّد نيل الشهادة، كما هو حال الجهاديين في العصر الحديث على رأي أوليفيه روا (Olivier Roy) (1994, 66)[2]. إلَّا أن العقيدة العامَّة لخوض الحرب في الإسلام هي عقيدة نيل إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة (Asad 2007, 52). وفي هذا السياق، سيكون من المنطقي اعتبار النصر أهمَّ بكثير من نيل الشهادة[3].

وقد يكون صحيحًا القول بأن الشهادة ثيمة (موضوعة) أساسية في الإسلام الشيعي، لكن ذلك لا ينطبق على الإسلام السُّني. ويعود ذلك إلى انطباع تاريخ الإسلام الشيعي بالقمع المُسلَّط من حكومات اتبعت أغلبها الإسلام السُّني. ومع ذلك، فإنه من المهم التنويه إلى أن الموت ليس هو ما يجعل المرء شهيدًا، بل كفاحه أو جهاده ضد الطغاة والحكَّام الجائرين. فقد مات الحسين، الذي صار نموذجًا للشهادة في الإسلام الشيعي، بسبب وقوفه في وجه يزيد، الحاكم الظالم والمستبد من منظور الشيعة. ولذلك يُعَدُّ العديد من أئمَّة الشيعة الذين لم يموتوا في ساحة الحرب شهداء[4].

وبشكل عام، فإن موضوع الشهادة في التقليد السُّني أو الشيعي أقلُّ أهميةً منه في المسيحية[5]. فتاريخ المسيحية المبكِّرة هو تاريخ القمع الذي سلَّطه عليها نظام حكم ودين مناهض لها، ونقصد اليهودية. فعلى عكس الإسلام الذي أرسى سلطة سياسية ورد تدريجيًّا من خلال الحرب على اضطهاد القبائل العربية الوثنية، فإن المسيحية لم تحقق نجاحًا سياسيًّا إلَّا بعد فترة طويلة عن زمن يسوع. ولذلك شكَّلت المعاناة، التي مثَّل المسيح المصلوب ذروتَها، صورة المسيحية المبكِّرة. وبناءً عليه، فإن الشهادة في المسيحية مرتبطةٌ في الغالب بالمعاناة والالتزام المطلق بالدفاع عن الإيمان. ومن هذا المنظور التاريخي، يتبيَّن سبب الأهمية الكبرى التي تتمتَّع بها الشهادة في المسيحية.

عن الانتحار في الإسلام

في مقالٍ بعنوان: "عن الانتحار في الإسلام"، يروي فرانز روزنتال (Franz Rosenthal) قصة عن محاولة النبي محمد الانتحار خلال سنوات نبوته المبكِّرة. يكتب روزنتال (Rosenthal 1946, 240): "يُقال إن النبي صعد، خلال فترات انقطاع الوحي الطويلة التي أعقبت تجربته الأولى مع الوحي الإلهي، وهو في حالة يأسٍ على تلة في أطراف مكة بنيةِ رمْيِ نفسِه من أعلاها وإنهاء حياته". وبغضِّ النظر عن صحَّة هذه الرواية، فإن العلماء المسلمين مجمعون على أن الانتحار مُحرَّم في الإسلام.

وقد جرى اعتمادُ الكثير من الآيات القرآنية والعديد من الأحاديث كأساس لاهوتي لتحريم الانتحار. من بينها الآية 195 من سورة البقرة: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، والآية 145 من سورة آل عمران: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا}، والآية 29 من سورة النساء: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَ اللَهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}. كما تشدِّد الأحاديث النبوية بقوة على تحريم الانتحار[6]. من بينها الحديث التالي: "عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ فَأَخَذَ سِكِينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَى مَاتَ، قَالَ اللَهُ تَعَالَى: بَادَرَنِى عَبْدِى بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَةَ". كما جاء في حديث آخر: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنَ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِى يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا"[7].

تكْمُن علَّةُ تحريم الانتحار -كما يردد العديد من المتخصِّصين مثل هاشم كمالي (Kamali 2008)- في أن الحياة لا يملكها البشر، بل هي "هبة من الله... ليست من خَلْقِ حامِلِها؛ لذلك لا يملك حقَّ تدميرها" (Kamali 2008, 283). ومن البيِّن أن هذا المنطق يفترض أن جمهوره من المؤمنين بالله ووجود حياة آخرة؛ ولذلك يعجز غير المؤمنين عن تصديقه[8]. وكما يشير روزنتال (Rosenthal (1946, 239، فإن "انقطاع الشك في كون الانتحار فعلًا مؤذيًا، يمرُّ حصرًا عبر تسليم المرء بالافتراض القائل إن حياته ستتواصل بشكلٍ ما بعد موته، وأنه سيحاسب حينها على أفعاله". وهذا هو أحد الأسباب التي تفسّر ارتفاع عدد حالات الانتحار في مجتمع علماني مقارنةً بعددها في مجتمع ديني.

استشهاد (أو انتحار) البوعزيزي

في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010، أضرم بائع متجول مُهمَّش عمره 26 عامًا النارَ في جسده أمام مقر الولاية في سيدي بوزيد، وهي مدينة ريفية صغيرة في تونس[9]. وقد جرت الحادثة بعد أن صادرت شرطيةٌ من البوعزيزي عربته اليدوية وبضاعته وميزانه. وقد زعمت تقاريرُ أخرى أنه إلى جانب مصادرة بضائعه، شعر البوعزيزي أيضًا بالإهانة الشخصية بعد أن شتمته الشرطية وصفعته (Andersen 2011). وإثر هذه المشاجرة، توجَّه البوعزيزي فورًا إلى مكتب الولاية الحكومي ليشتكي ويطالب باستعادة عربته وميزانه، لكن لم يلقَ أي أُذن صاغية. "مهانًا ومكتئبًا، توجَّه البوعزيزي -الكفيل الوحيد لعائلته التي تتكون من ثمانية أفراد- إلى مكتب الولاية آملًا في الشكوى إلى مسؤولي المجلس البلدي المحلي، غير أنهم رفضوا الاستماع إليه" (Schraeder and Redissi 2011, 10). و"على الساعة الحادية عشرة والنصف صباحًا، عاد البوعزيزي مجددًا إلى المبنى الأبيض الأنيق ذي الطابقين والمرصَّع بنوافذ زرقاء اللون، بعد مضي أقل من ساعة على شجاره مع الشرطية، ودون علم عائلته، وسكب البنزين على جسده وأضرم فيه النار" (Abouzeid 2011).

لقد كان حرق البوعزيزي لنفسه هو أقصى رد فعل يمكن أن يتخذه ضد اضطهاد حكومته وفساد مسار التقدُّم الاجتماعي والاقتصادي الذي عايشه لسنوات. فقد كان هو المُعيل الأساسي لأسرته، وكان يعمل في السوق منذ كان عمره 12 عامًا. وقد منعه فقرُه من دخول الجامعة واكتساب رأس مال (Ryan 2011). وكانت عربته وفواكهه وميزانه تُمثل كل حياته والسبيل الوحيدة لكسب عيشه. وبمصادرتها، "حُرِم من الشيء الوحيد الذي كان يحول بينه وبين الجوع، ليخسر مكانه في الاقتصاد الوحيد المتاح للعرب الفقراء" (Soto 2011). لقد اختبر البوعزيزي العيشَ تحت قمع قادة حكومته، وهي حالةٌ يشترك فيها العديد من الفقراء في سيدي بوزيد وجهاتٍ أخرى من البلاد التونسية. وحسب تصريح لشقيقة البوعزيزي، فإنه "في سيدي بوزيد، من لا يملكون علاقات أو ليس لديهم مال لدفع رِشا، يتعرضون للإهانة ولا يُسمح لهم بالعيش" (Ghazi 2011). وباختصار، فقد جرى اعتبار البوعزيزي وأضرابه "طبقة سفلى" و"أدنى من البشر بطبيعتهم" في بلدهم ومن قِبل مسؤوليهم (Jacobson 2011, 11–12). وهذا ما جعل موت البوعزيزي إثر وقوفه في وجه السلطة المحليَّة يَلْقَى -في نهاية المطاف- صدًى واسعًا وقويًّا، مشعلًا حينها فتيل الربيع العربي. فمنذ انتحاره حرقًا، صار البوعزيزي رمزًا لمحنة التونسيين الأقل حظًّا ولمعارضة الديكتاتورية في آنٍ. 

بالرغم من الأثر الهائل الذي كان لانتحار البوعزيزي حرقًا في إطلاق موجات الاحتجاج وإسقاط الديكتاتوريات في تونس ومصر، فقد صرح بعض العلماء -عبر غصدار الفتاوى وغيرها من الآراء- بأن فعل البوعزيزي لا يمكن تصنيفه في باب العمليات الاستشهادية، بل يدخل في باب العمليات الانتحارية[10]. وعلى سبيل المثال، فقد أدان عثمان بطيخ -مفتي الديار التونسية- حرقَ البوعزيزي نفسه في الإبان، مصرحًا بأن "الانتحار ومحاولته جريمة وكبيرة من الكبائر، ولا فرق شرعًا بين من يتعمد قتل نفسه أو قتل غيره". وذكر بطيخ أن جثث المنتحرين لا تُكفن ولا يُصلى عليها ولا تُدفن في مقابر المسلمين، أيًّا كانت طريقة انتحارهم. وقد أعلنت جماعة سلفية مصرية، تُعرف بجماعة أنصار السُّنة المحمدية، موقفًا مشابهًا لموقف بطيخ. فبحسب أحمد يوسف، أمين عام الجماعة، يُعَدُّ كل من ينتحر على "الطريقة التونسية" مرتدًّا يُحشر مباشرةً إلى جهنم[11].

 وقد توافق موقف الأزهر -أكبر جامعة إسلامية مرموقة في العالم- مع موقف الجماعة السلفية، حيث سارع إلى إدانة الانتحار إثر حرق البوعزيزي نفسه. ومن ذلك ما صرَّح به محمد رفاعة الطهطاوي، المتحدث الرسمي باسم الأزهر: "إن القاعدة الشرعية العامة تؤكِّد أن الإسلام يحرِّم الانتحار تحريمًا قطعيًّا لأيِّ سبب كان، ولا يبيح للإنسان أن يُزهق روحه كتعبيرٍ عن ضيق أو احتجاج أو غضب"[12]. كما سارع العلماء في المملكة العربية السعودية إلى الرد على ظاهرة الانتحار في العالم العربي، حيث صرَّح الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، المفتي العام في المملكة العربية السعودية، بأن الإسلام يعتبر "قتل النفس محرمًا حتى لو كانت الظروف المعيشية صعبة. وقتل النفس حرقًا بالنار جريمة مروعة"[13]. وعلى المنحى نفسِه، صرَّح الشيخ ناصر بن سليمان العمر بأن الانتحار على شاكلة ما فعله البوعزيزي من الكبائر المُحرَّمة قطعيًّا في الإسلام[14]. وقد أشار آفون (Avon 2012, 157) إلى أن "حزب الله قد حيا الثورة ضد النظام التونسي الفاسد، لكن دون أن يعلِّق على مسألة الانتحار حرقًا".

أما الموقف الوحيد المتعاطف مع البوعزيزي، فقد صدر عن الشيخ يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. ففي برنامجه التلفزيوني "الشريعة والحياة" الذي يُبَثُّ من قناة الجزيرة في قطر، أشاد القرضاوي بالبوعزيزي وتضحيته بنفسه وإشعاله فتيل الثورة العربية. ومن ثَمَّ توجَّه إلى الشعب التونسي والمسلمين عامَّة بقوله: "نحن ندعو الله له ونتضرع إلى الله أن يمنحه العفو والمغفرة، فهو أهل للعفو وأهل للمغفرة" [15] (Global MB 2011). ويظهر من التصريح الوارد في الفيديو أن القرضاوي يعتبر صنيع البوعزيزي انتحارًا، وليس استشهادًا، رغم أنه لم يدن ذلك. كما طلب من الشباب تثمين حياتهم، فأجسادهم لا تستحقُّ الحرق، بل أجساد الطغاة[16]. وبعد أيام من هذا التصريح، خفَّف القرضاوي إلى حدٍّ كبيرٍ من موقفه معتبرًا أن "حرق البوعزيزي نفسه كان مبررًا؛ لأنه كان احتجاجًا على الجوع والإذلال" (Ghazi 2011; al-Qaradawi 2011)[17].

وعلى خطى علماء آخرين في الشرق الأوسط، قدَّم الشيخ حمزة يوسف المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية وجهة نظره حول البوعزيزي. وبالرغم من اعتقاده أن الانتحار واحد في كل الحالات، لكنه يرى أن انتحار البوعزيزي حرقًا "قد ألهب العالم العربي، ليُحقق بموته من المعاني ما لم يستطع تحقيقه في حياته، متفوقًا في ذلك بلا شكٍّ على جميع الانتحاريين التفجيريين في جميع أنحاء العالم. لقد كان فعل رجل يائس اختار عدم قتل الآخرين، وقام بدل ذلك بإشعال النار في جسده احتجاجًا". ورغم أن الشيخ يوسف لم يُصدر أيَّ فتوى حول انتحار البوعزيزي، فإنه اعتبر تنفيذ العمليات الاستشهادية في إسرائيل أسوأ من انتحار البوعزيزي حرقًا[18].

ومهما كانت الحال، فقد اعتبر الشعب التونسي البوعزيزي شهيدًا، معارضًا بذلك رأيَ العلماء. فقد صارت صُورُ البوعزيزي المزدانة بعبارات المديح مشهدًا مهمًّا من مشاهد الثورة. ومن ذلك ما حملته بعض اللافتات والمعلقات من صورة لوجهه الباسم مرصعةً بعبارات مثل: الشهيد، شرارة انتفاضة الكرامة الشهيد محمد البوعزيزي، رمز الكرامة والحرية، أسطورة تونس محمد البوعزيزي، البوعزيزي شهيد الحرية، البوعزيزي بطل تونس، شكرًا لك لقد فتحت طريق الحرية، ثورة الحرية والكرامة، كلنا البوعزيزي. وفي قائمة التعليقات على فيديو القرضاوي حول الثورة التونسية وانتحار البوعزيزي حرقًا، صرَّح العديد من الناس بأنهم يعتبرون البوعزيزي شهيدًا، في حين اكتفى البعض بدعاء الله أن يغفر له ويتقبله في الشهداء[19]. وبعد نجاح الثورة التونسية في الإطاحة ببن علي، توجَّه الكثير من الناس إلى سيدي بوزيد وزاروا عائلة البوعزيزي لتقديم الشكر على التضحية التي أقدم عليها ابنها. وقد عومل قبره البسيط كقبر لشهيد وطني عبر تغطيته بالعلم التونسي. وعلاوة عليه، واعترافًا بتضحيته التي استهلت بنجاح فصلًا جديدًا من تاريخ تونس، نُصب تمثال لعربة البوعزيزي الخشبية في مسقط رأسه، وأصدرت الحكومة طابعًا بريديًّا يحمل صورة وجهه، وأطلق اسمه على ساحة عامَّة بمدينة تونس...إلخ. وبذلك غيَّبت كلُّ هذه السرديات الاستشهادية تعليقاتِ العلماء وفتاواهم التي اعتبرت البوعزيزي منتحرًا.

السلطة الدينية والعلمنة ودور الميديا

     يمكن تناول انتحار البوعزيزي حرقًا كنقطة انطلاق لتحليل تطورات التدين المعاصرة، لا في تونس فحسب، بل في العالم العربي بأَسْرِه. فالمسألة لا تقتصر على ارتباطها بالجدل الديني حول موت البوعزيزي باعتباره استشهادًا أو انتحارًا، بقدر ارتباطها بانقسام المجتمع العربي بين العلمانيين، الذين ينزعون إلى ترويج الدين المدني، والإسلاميين، الذين يحاولون جعل العالم العربي أكثر إسلامًا. وفي سياق الميديا الدينية، يمكن تناول انتحار البوعزيزي حرقًا كتجربة تُظهر إذا ما كان قصف الناس بالآيات القرآنية وسيلةً فعَّالةً في اكتساب عقول الناس وقلوبهم، أم أنه من الأجدى تبليغ تعاليم الإسلام بما يتوافق مع الإنسانية. وفي الجزء التالي من هذا الفصل، سنناقش ثلاث قضايا، وهي: سلطة العلماء، و(مذهب) العلمانية والدين المدني، ودور الميديا.

سلطة العلماء والسياسة الحيوية

عندما ساند يوسفُ القرضاوي العملياتِ الانتحاريةَ التي ينفذها الفلسطينيون ضد إسرائيل، وسمَّاها عمليات فدائية، فُوجئ كثيرون بموقفه. ولم تصدر الانتقادات والاعتراضات المناهضة لموقفه عن أشخاص غير مسلمين فحسب، بل صدرت كذلك عن علماء وباحثين مسلمين، مثل: محمد هاشم كمالي (Kamali 2008, 286)، ومهاتير محمد (Kamali 2008, 286)، وحمزة يوسف (Hamza Yusuf 2011)، بالإضافة إلى علماء آخرين من الشرق الأوسط. في مواجهة هذه المعارضة، ظلَّ القرضاوي -المعروف بأنه من دعاة الوسطية- ثابتًا على موقفه، وعلى اعتقاده بأن الظرف في فلسطين هو الشرط الذي يجعل الهجمات الانتحارية ضد إسرائيل مشروعةً دينيًّا، حيث يقول في ذلك: "عندما سُئلت، في لندن، كيف يمكنني أن أسمح بالعمليات الاستشهادية في فلسطين، قلت لهم إنها ضرورة؛ لأن هؤلاء الناس يريدون الدفاع عن أنفسهم وعن مقدساتهم وعن أرضهم. قلت لهم: هل تريدون منهم أن يوقفوا العمليات الاستشهادية؟ أعطوا الفلسطينيين مروحيات أباتشي وطائرات ودبابات وصواريخ، وهم سيتخلون عن العمليات الاستشهادية. ليس لديهم قنابل، ولا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم إلَّا بالتحوُّل إلى قنابل بشرية. هذه ضرورة"[20].

كما أشار القرضاوي إلى مساندة أكثر من 300 عالم دين مسلم لهذا الرأي. ومع ذلك، فقد أقرَّ القرضاوي العمليات الانتحارية في إسرائيل فحسب، دون غيرها من المناطق. فقد تعرَّض الفلسطينيون للإذلال والقمع لعقود من قِبَل إسرائيل، ولم يبقَ لديهم من وسيلة لمحاربتها إلَّا استخدام أجسادهم كسلاح. ويعتقد القرضاوي أن تحوُّل الجسد البشري إلى سلاحٍ بيد المستضعفين في صراعهم ضد القمع هو علامةٌ من علامات العدالة الإلهية. وهو ما يتبيَّن في قوله: "إن الله تعالى عَدَلَ بحكمته المطلقة، حيث منح المستضعفين سلاحًا لا يملكه الأقوياء، وهو قدرتهم على تحويل أجسادهم إلى قنابل كما يفعل الفلسطينيون" (Abdelhadi 2004)[21].

في توافق مع تفسير القرضاوي، ترى مي الجيوسي (May Jayyusi)، تبعًا لما جاء في كتاب طلال أسد عن التفجيرات الانتحارية، أن وضعية البشر الذين يعيشون في فلسطين تشبه وضعية البشر المستباحين (homo sacer)، فهم بلا قيمة ويمكن قتلهم في أيِّ لحظة من قِبَل الجيش الإسرائيلي. فهم يمتلكون دولة، لكنها واقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي، ولا تعترف بها سوى قلَّة من الدول، كما أن خارطة بلادهم عرضة للتغيير، وحدودها تتحرك بين الفينة والأخرى. وهم عاجزون عن توقع الموت والحياة؛ إذ يغدو الفاصل بينهما دقيقًا؛ ولذلك يفضِّلون التضحية بأنفسهم في عمليات استشهادية على أن يقتلهم الجيش الإسرائيلي، ولا سبيل لتفادي القتل على يد الجنود الإسرائيليين سوى العمليات الاستشهادية (Asad 2007, 46–50). ولذلك، ينبغي تحميل مسؤولية العمليات الانتحارية إلى القمع والاحتلال والفظائع الوحشية التي ترتكبها دولة إسرائيل. وعلى غرار الجيوسي، يرى برونو إتيان (Bruno Etienne) أن العمليات الانتحارية في فلسطين تعكس ثقافة "رغبة الموت"، بالمعنى الفرويدي، بين الفلسطينيين (Asad 2007, 52). فقد عانت فلسطين الحربَ والقمعَ زمنًا طويلًا: من الاحتلال العثماني، إلى حرب ما قبل الاستعمار، وحرب الغزو، وحرب الاستعمار، وإقامة نظام ديكتاتوري وتسلُّطي، وصولًا إلى تأسيس إسرائيل وما تمارسه من قمع. وقد جعلت هذه الظروف الفلسطينيين يشعرون نفسيًّا بأن الموت أفضل من الحياة، أو قُل إنها جعلت أجسادهم "مستعدَّة للانفجار" (Hanafi 2009, 118).

ما الفرق بين وضع الفلسطينيين الذين يعيشون تحت ظلم إسرائيل ووضع البوعزيزي تحت ظلم بن علي؟ لماذا يُصنف انتحار الفلسطينيين في باب العمليات الاستشهادية، ولا يستقيم تصنيف انتحار البوعزيزي في الباب نفسِه؟ يُبرز بعض الباحثين (Soto 2011; Jacobson 2011, 5; Pugliese 2014; Uzzel 2012) أن مصير البوعزيزي لا يختلف عن مصير الفلسطينيين في ظل القمع الإسرائيلي. فهو وأشباهه من الشباب العربي "يشعرون بأنهم صاروا بشرًا مستباحين... وهو ما يعني أننا إزاء انتفاضة "حيوات عارية"، أي انتفاضة أجساد مستضعفة جائعة جرَّدها النظام من الهوية السياسية" (Hanafi 2012, 202). وباستخدام منظور السياسات الحيوية، يُظهر يعقوب أوزيل (Jacob Uzzel 2012) -على سبيل المثال- أن البوعزيزي لم يتمكَّن من اكتساب فعالية سياسية إلَّا بحرق جسده. فقبل انتحاره حرقًا، حاول البوعزيزي مطالبة السلطات بإرجاع ميزانه وعربته دون جدوى، بل مُنع أصلًا من مقابلة المسؤولين في مكتب الولاية. وبذلك لم يقدر على إبلاغ احتجاجه بالكلام، ولم يغدُ صوته مسموعًا في نهاية المطاف إلَّا بإقدامه على فعل متطرف كالانتحار حرقًا. إنه الوضع الذي صوَّره أليك جاكوبسون (Alec Jacobson) كالتالي: "بعجزه على التعبير لفظيًّا عن المظلمة الفادحة التي تعرَّض لها، أدمى البوعزيزي جلده صارخًا: انظروا! هذا هو ألمي" (Jacobson 2011, 17).

ويوجد العديد من التقارير والدراسات، كالتي قدَّمها بيتر شرايدر وحمادي الرديسي (Schraeder and Redissi 2011) وأليك جاكوبسون (Alec Jacobson 2011)، حول القمع الذي مارسه نظام بن علي على أمثال البوعزيزي. فمن خصائص السلطة السيادية، كما بيَّن ميشال فوكو (Michel Foucault 1990, 136)، امتلاكها "حق سلب الحياة أو تركها تعيش". إنها سلطة على "الحياة والموت" تمُارس على جميع "الأشياء والأزمنة والأجساد، والحياة ذاتها في نهاية المطاف" (Foucault 1990, 136). فبعد مُصَادَرَة حاجياته، لم يعُد البوعزيزي يملك شيئًا سوى جسده. وقد رفض إخضاع آخر ممتلكاته إلى الحاكم الفاسد، وقرَّر حرق جسده قبل أن تصادره الحكومة منه. فبانتحاره حرقًا، رفض البوعزيزي الخضوع إلى ديكتاتورية بن علي، وتمرد على سلطته القادرة على سلبه كل ما يملك. وكما ذكر أوزيل (Uzzel 2012)، فإنه "يُمكن اعتبار تدمير المرء جسده رفضًا لإخضاع السلطة السيادية له، رفضًا للسلطة الحيوية بالمعنى الفوكوي، حيث يكتسب المرء حريتَه وفعاليتَه السياسية من خلال الموت". وبإمعان النظر في المسألة، فكثيرًا ما يُفسَّر انتحار البوعزيزي على أنه احتجاج ضد فساد المسؤولين الحكوميين وقمعهم فقراء تونس، أي في نهاية المطاف، كاحتجاج على الديكتاتورية ونظام بن علي التسلُّطي.

بناءً على هذا التحليل، يجادل البعض بضرورة فهم انتحار البوعزيزي حرقًا في السياق نفسِه للعمليات الانتحارية التي ينفذها الفلسطينيون. بل يرى الشيخ حمزة يوسف المقيم في الولايات المتحدة -على سبيل المثال- انتحارَ البوعزيزي أجدر بالتقدير من التفجيرات الانتحارية الفلسطينية. فعبر تفجير أنفسهم، يسعى الانتحاريون الفلسطينيون إلى قتل أكثر عدد ممكن من الناس عشوائيًّا، مما قد يتسبَّب في مقتل مدنيين ناهيك عن بعض المؤيدين لفلسطين. أما في حالة البوعزيزي، فإنه لم يكن يهدف بانتحاره حرقًا إلى إيذاء أي شخص غيره. وفي هذا الخصوص، يقول حمزة يوسف: "لا أُجيز أي تفجير انتحاري أو أي شكل من الانتحار؛ إذ أعتبرهما فعلين من نفس الجنس، لكن في تقديري الأول أسوأ من الثاني؛ نظرًا إلى اتساع دائرة الأذى الذي يُلحقه بالآخرين" (Yusuf 2011).

وبناءً على هذا المنطق، يبدو من غير المعقول اعتبار انتحار البوعزيزي فعلًا يستوجب عقابًا شديدًا في الآخرة، بينما يلقى الانتحاريون الفلسطينيون جزاءً عظيمًا في الحياة الآخرة. لذا، يبدو من المهم -من أجل فهم سبب تعامل بعض العلماء مع الحالتين بشكل مختلف- تحليل السياق السوسيولوجي واللاهوتي للانتحار والشهادة. فالانتحار فعلٌ فرديٌّ، ولا يسبقه عمل طقوسيٌّ يؤديه المرء قبل أن يقتل نفسَه. أما العمليات الانتحارية، فهي تختلف عن الانتحار الفردي، وهي ليست أعمالًا فردية؛ إذ يشترك فيها أربعة أطراف على الأقل: الفاعل أو المنفذ، والتنظيم أو المشغل، والمجتمع، والإله أو الله (Ferrero 2006; Tosini 2009; Pedahzur 2004). ويتمثل دور الدين وَفق هذا المنظور في إضفاء تبرير مقدَّس على الفعل الانتحاري. ويمكن للدين أن يوفر سبيلًا إلى شيطنة الهدف والتنفيس عن الإحساس بالذنب تجاه قتل المدنيين، فيما يحدد المجتمعُ ما إذا كان هذا الفعل الانتحاري إيثاريًّا أو قدريًّا. كما يتولَّى التنظيم إعداد القاتل وتدريبه عقليًّا وجسديًّا كي ينجح في مهمته. كما يضمن التنظيم أيضًا تخليد اسم المنفذ في تاريخ المجتمع، وحصول عائلته على مكافآتٍ نتيجة فعله. وقد يكون للفاعل دوافعُ متعدِّدة )كالانتقام، والاعتراف الاجتماعي، والحافز الديني، أو الرغبة في الموت(، إلَّا أن التنظيم والمجتمع والدين يُغلفون دوافعَه الفردية الدُّنْيا بدوافعَ عُلْيَا وخليقةٍ بالثناء.

وتتطابق المعايير المذكورة أعلاه مع التقاليد السُّنية، حيث يرتبط الاستشهاد في الغالب بالكفاح، لا بالمعاناة. ولذلك، فإن الشهادة تشمل العديد من الأشخاص الذين يساعدون الشهيد الموعود في إعداد عمليته الاستشهادية. وبهذا، فإنه يمكن اعتبار الطقس -على الأرجح- أهمَّ عنصر في عملية الشهادة؛ إذ إن وظيفة الطقس هي تكريس الفعل الاستشهادي، وهذا هو العنصر المفقود في حرق البوعزيزي لنفسه[22]. وبصرف النظر عن الأثر الذي يخلفه الشهيدُ ونجاحِه في تنفيذ عمليته أو فشله، فإنه سيظل يُعَدُّ شهيدًا ما دام فعله معتَبرًا كعمل استشهادي من قِبَل تنظيمٍ ديني أو جمْعٍ من العلماء. ويبقى السؤال قائمًا حول إمكانية اعتبار شخصٍ خلف انتحاره أثرًا إيجابيًّا عظيمًا على المجتمع -مثلما فعل البوعزيزي- شهيدًا حتى إن لم يَعْتَبِرْ فِعْلَه عملًا استشهاديًّا في أثناء إجراء الفعل. فإذا كانت مكانةُ الشهيد تعتَمِدُ على عظمة الأثر أو القضية المستشهد في سبيلها، فإنه يجب حينها اعتبار البوعزيزي شهيدًا حتى وإن لم يستشرف أحدٌ أو يتوقَّع مسبقًا أن يشعل انتحاره شرارة الربيع العربي.

ويبدو أن تعليق القرضاوي على انتحار البوعزيزي لا يقتصر على تجنُّب التهور في إدانته فحسب، بقدر ما يتجنَّب التشجيع على محاكاة فعل الانتحار ذاك. ولوهلة أولى، قد يبدو أن إحجام القرضاوي عن اعتبار البوعزيزي شهيدًا يُظهر لامبالاته بالتضحية التي أقدم عليها وعدم فهمه جوهر الدين الذي يعلم الناس كيف يحاربون الجبابرة والطغاة والمستبدين. إلَّا أنه لو اعترف القرضاوي بالبوعزيزي شهيدًا، فإنه سيواجه صعوبات في التعامل مع محاكاة عملية انتحاره. وكما ذكر أوزيل (Uzzel 2012)، فإن "أحد العناصر المهمَّة التي تجعل منه صورة مؤثرة، يعود إلى ندرته النسبية. فكلما تواتر الانتحار حرقًا كشكل احتجاجي، فَقَدت كل صورةٍ من صُوَرِه المتعاقبة بعضًا من تأثيرها، وبذلك تتضاءل إمكانية رواج القصة، ومن ثَمَّ رواج القضية عند العموم. ولذلك لم يكن لانتحار مئات التونسيين حرقًا بعد البوعزيزي أيُّ تأثيرٍ دالٍّ كفعل سياسي، حتى ولو كانوا مدفوعين إلى ذلك بنفس دوافع البوعزيزي. حيث لم تخلف غالبية هذه الانتحارات حرقًا أثرًا سياسيًّا يُذكَر". ويمكن تناول حالة التيبت كمثال عن ذلك، حيث انتحر أكثر من 100 شخص حرقًا منذ سنة 2009 (The Economist 2013). لكن بدل أن ينال المحتجون في التيبت مطالبهم، كما يستنتج أوزيل (Uzzel (2012، أدى ذلك إلى زيادة قمع الحكومة الصينية لهم.

وبدلًا من تشجيع الناس على محاكاة ما فعله البوعزيزي، طلب منهم القرضاوي أن يقدروا حياتهم حقَّ قدرها. وبهذا يتبيَّن أن القرضاوي ما يزال يعتقد حُرمة الانتحار، لكنه يعتبر انتحار البوعزيزي استثناءً. كما يتبيَّن أن تفادي القرضاوي إدانة البوعزيزي، ومطالبة الناس بعدم النسج على منواله، كانت عين الموقف المثالي. فكلما احتقر الناسُ حياتَهم، انحطَّت قيمتها، وهذا ما سيجعل تبرير الانتحار مشجعًا لهم على إنهاء حياتهم لأتفه الأسباب. وعلاوة على ذلك، فإن انتحار البوعزيزي لم يكن الأول أو الأخير من نوعه، فقد سبقه شخصٌ أضرم النارَ في جسده في مدينة المنستير، لكنه لم يشعل الثورة (Khondker 2011, 677)، وعقب ذلك أكثر من مئة عملية ومحاولة انتحار في تونس. لذلك، فلو اعترف القرضاوي بالبوعزيزي شهيدًا، فإنه يجب عليه حينها اعتبار جميع المنتحرين السابقين واللاحقين من الشهداء. وإلى جانب منطق القرضاوي الديني، فإن وصف أليك جاكوبسون لدور البوعزيزي في الثورة قد يدلنا على سببٍ آخر جعل القرضاوي يرفض اعتباره شهيدًا. فقد كتب جاكوبسون (Jacobson (2011, 7): "كان شرط الثورة قائمًا، والجميع يكابد الألم، والمؤكد أن المرور إلى الفعل كان سيتم بطريقة ما، بغض النظر عن البوعزيزي. وأن ننسب إلى هذا الرجل دورًا أكبر من حجمه، هو صرف للانتباه عن جمهرة الأصوات التي اجتمعت خلال شهر واحد على خلع بن علي". 

وإضافة إلى ذلك، يبدو أنه يوجد الكثير من الأسباب الأخرى التي نحتاج إلى تجليتها حتى نفهم سبب ممانعة العلماء -وعلى رأسهم القرضاوي- في اعتبار البوعزيزي شهيدًا. فعلى خلاف الانتحاريين الفلسطينيين الذي يحاربون اليهود، يعتبر الأعداء في تونس من المسلمين. وبهذا يغدو مفهومًا أن يصدر التعليق الوحيد الذي اعترف باستشهاد البوعزيزي من الطائفة الشيعية. ففي تاريخ التشيع، لم يكن الجبابرة أو الطغاة أو المستبدون المفترضون من أصحاب الديانات الأخرى فحسب، بل من إخوانهم المسلمين أيضًا، ومن الأغلبية السُّنية بالأخص. وإلى جانب مكانة العدو الدينية، تبدو الحياة في تونس -بالنسبة إلى الأجانب- مختلفة تمامًا عن الحياة في فلسطين. فتونس غالبًا ما تُعَدُّ من بين البلدان الحديثة والناجحة في الشرق الأوسط. ولذلك، فإن اعتبار حياة البوعزيزي بمثابة "حياة عارية" (بمصطلح أجامبين) أمرٌ لا يمكن تصوُّره عند غير التونسيين.

فعلى خلاف العلماء الذين ينصون على وجوب توفر شرط التعبد في الشهادة، يركِّز التونسيون على الأثر الذي تُحدثه العملية أكثر من التركيز على سيرورتها. كما يرون أن انتحار البوعزيزي يمكن أن يمثل مشاعرهم ومعاناتهم. ونظرًا إلى الأثر العظيم الذي خلفه انتحار البوعزيزي، يعتقد التونسيون أن من واجبهم شُكْره على تضحيته واعتباره شهيدًا، بل شهيدًا وطنيًّا على وجه التحديد. ولو قُدِّر للثورة أنها فشلت، فلن يُعَدَّ البوعزيزي شهيدًا، ولربما كانت الحكومة ستصوره حينها في هيئة مختلٍ عقليٍّ، أو ستلصق به أيَّ تهمة أخرى، بغرض تشويه سُمعته.

العلماني في مواجهة الإسلامي

إلى جانب المشكل الذي طرحه على علماء الدين، لعب الخطابُ الذي تشكَّل حول انتحار البوعزيزي دورًا مهمًّا في إعطاء الربيع العربي صورةَ ثورةٍ علمانية. فعلى عكس الثورة الإيرانية في عام 1979 التي كان صوتُ الدين فيها مهيمنًا، كان حضور الرمزية الدينية باهتًا في الربيع العربي، إن لم يكن منعدمًا. وبدل مساندة الثورة، وصل الأمر بعددٍ من علماء الدين إلى الوقوف ضدها من خلال مساندة المستبدين وإدانة الانتفاضات. ولم تكتفِ بعض الصحف برصد غياب المتدينين خلال الثورة، بل صوَّرتهم في الغالب على أنهم في الصفِّ المناهض لموجات الانتفاضات. وبأية حال، فقد فاز الإسلاميون بالانتخابات بعد الثورة في تونس ومصر بفارق واسع؛ ولذلك اعتبر بعض الملاحظين -على غرار جون برادلي (John Bradley)- أن الإسلاميين نجحوا في اختطاف الثورة (Bradley 2012).

يمكن تناول حالة انتحار البوعزيزي بوصفها مثالًا بارزًا عن طريقة تصوير بعض علماء الدين كمناهضين للثورة. فقد استخدم بعض الباحثين، مثل فرهاد خوسروخاور (Farhad Khosrokhavar 2012) ودومينيك آفون(Dominique Avon 2012) ، هذه الحالةَ لإثبات أن المجتمع العربي أصبح في طريقه إلى أن يغدو أكثر علمانية. واستنادًا إلى شهادات بعض الناجين من محاولات انتحار، يقول آفون (Avon 2012, 156): "فلو كان ثمة وعيٌ لدى المنتحر بانتهاك محظور ديني، فإن الانتحار لا يرتكب بسبب هذا الوعي وإنما يرتكب بالرغم من وجوده". كما يرى خوسروخاور (Khosrokhavar 2012, 173) في احتفاء الشعب التونسي بالبوعزيزي وتقديره له مؤشرًا على "اتساع الفجوة بين المعنى الديني للشهادة ودلالتها العلمانية والشعبية". ففتاوى العلماء حول تحريم الانتحار، في نظرهما (آفون وخسروخاور)، إما أنها لم تلق آذانًا صاغية، أو أن أثرها كان محدودًا للغاية. فبدلًا من الإصغاء إلى العلماء وتبنِّي اتهامهم البوعزيزي بالانتحار، احتفى الشعبُ التونسي به بوصفه شهيدًا وبطلًا. لذلك يرى بعضُ الباحثين -مستخدمين مفهوم روبرت بيلا (Robert Bellah) عن الدين المدني- أن تونس وبلدانًا عربية أخرى قد خلقت شهيدَها الوطني، متجاهلة بذلك الالتزامَ المتعصِّب بالدين (Halverson et al. 2013). كما يؤكِّد عدد حالات الانتحار التي قلَّدت انتحار البوعزيزي لامبالاة الشعب بفتاوى العلماء. وبذلك "يؤكِّد نمط الانتحار حرقًا على المضمون الجديد للحركات الاجتماعية في العالم الإسلامي، حيث يكون العنف مستهجنًا ويرفض الناشط السلمي الانخراط فيه، على غرار الشهادة في معناها الإسلامي الكلاسيكي... كما يؤكِّد الانتحار حرقًا في العالم الإسلامي على تمدُّد العلمنة في العديد من المجتمعات العربية" (Khosrokhavar 2012, 178). وعلى غرار خوسروخافار، يرى آفون (Avon 2012, 153) في ارتفاع معدل الانتحار في الجزائر وغيرها من البلدان العربية "مؤشرًا على العلمنة".

لا تعني العلمنة في هذا المقام إقصاءَ الله من الفضاء العام أو فصل الشؤون الدينية عن الشؤون الأخرى. وإنما تعني العلمنة -تبعا لتشارلز تايلور (Charles Taylor 2007, 3)- في العالم العربي اليوم أن "الدين ليس الخيار الوحيد في النظر إلى مسألة معيَّنة، ولكنه أصبح خيارًا من جملة خيارات أخرى". فحين تردَّد الدين أو المتدينون في منح البوعزيزي مكانة الشهيد، اختلق الشعب "فقهَ شهادةٍ" خاصًّا به دون العودة إلى الإسلام. كما اختلق الشعب التونسي نظامَه وتقنياتِه الخاصةَ في التعامل مع القمع المسلَّط عليه من قِبَل حكومته. ولم تتخلَّق هذه التقنيات عبر التدريب أو التعليم، بل عبر مكابدة الضرورات الاجتماعية الاقتصادية وصعوبات المعيشة في هذا البلد. ومن منظور هذه التقنيات المعيشية، يحمل انتحار البوعزيزي حرقًا رسالةً إلى العالم عن مصير الشعب التونسي. ونظرًا إلى دلالة موته الصارخة، فقد اعتبره التونسيون شهيدًا وبطلًا. وعلى الضد من حكومتهم ومن العلماء الموالين للدولة، اختلقوا طريقتهم الخاصَّة في تقديسه. وباختصار، فقد اختلق التونسيون "دينَهم" الخاص الذي جعل البوعزيزي يستحقُّ مكانة الشهيد، وهو ما يمكن اعتباره ضربًا من الدين المدني.

وإلى جانب النزوع إلى قراءة انتحار البوعزيزي كعلامة على وجود صدعٍ بين المتدينين والعلمانيين، مالت الصحافة الشعبية أيضًا إلى تغطية الصدام بينهما خلال الثورة. ومن الأمثلة عن ذلك الصدام الذي حصل بين بعض الإسلاميين وجماعاتٍ أخرى خلال إحدى المظاهرات. فحين حلَّ وقت الصلاة، أراد الإسلاميون أداءها، لكنهم وجدوا صعوبةً في الوضوء، كما احتجوا على الاختلاط بين الجنسين في المجموعة. وردًّا على ذلك، شرع بعض الشباب -حسب إفادة تمام وهايني (Tammam and Haenni 2011, 6)- في الهتاف ضدهم: "هذه الثورة ليست ثورتكم!". وعلى الرغم من أن الثورة تبدو ثورة علمانية، لكنَّ الإسلاميين تمكَّنوا في النهاية من الفوز بالانتخابات التي جرت بعد الثورة.

 صحيح أن الأحداثَ قد تجاوزت الإسلاميين والجهاديين خلال الثورة، وصحيح أن بعض العلماء قد أدانوا انتحار البوعزيزي. إلَّا أن الكثير من العلماء والناشطين الإسلاميين، مثل يوسف القرضاوي وعمرو خالد ومحمد رفاعة الطهطاوي، انضموا إلى الثورة. فقد زار عمرو خالد ميدان التحرير عدَّة مرات لتقديم دعمه للثورة (Filiu 2011, 25–26; Tammam and Haenni 2011)، واستقال محمد رفاعة الطهطاوي من منصبه بوصفه ناطقًا رسميًّا باسم الأزهر من أجل دعم الثورة، وكان يوسف القرضاوي مؤثرًا بقوة في موجات الانتفاضات في العديد من البلدان العربية. أما فيما يخص جماعة الإخوان المسلمين، كما أوضح فيليو (Filiu 2011, 24)، فقد "لعبوا دورًا استراتيجيًّا في المعارضة المصرية، رغم تردُّدهم في البداية في الالتحاق بحراك ‘الغضب’".

كان غالبية علماء الدين الذين ساندوا الحكَّام الديكتاتوريين من العلماء الموالين للدولة. وفي الواقع، لم يكن علماء الدولة وحدهم من ساند الأنظمة الفاسدة في الشرق الأوسط. فقد كان إلى جانبهم مثقفون وموظفون في الجيش والعديد من عناصر المجتمع الأخرى، ولم يكن علماء الدين سوى قِسْمٍ من هؤلاء. ولذلك فإن اعتبار العلماءِ المؤيدين الوحيدين للنظام، لن يُفسر ديناميات الثورة. وعلاوة على ذلك، لا يعني إلقاءُ اللوم على علماء الدين الموالين للدولة لومَ الدين في عمومه. فحقيقةُ انحيازِ بعض علماء الدين إلى الدكتاتورية لا يعني أن مؤسسة الدين أو الدين بذاته يقفان دومًا إلى جانب الحكَّام الديكتاتوريين. وحقيقة أن الإسلام السُّني يرفض الباباوية قد تعطينا مزيدًا من التوضيح في هذا الخصوص؛ إذ هو لا يعترف بهيئة واحدة أو شخص واحد يمثله، كما يمكن فيه الطعنُ تقريبًا على كل فتوى تصدر عن أيٍّ كان. ولذلك، فإن الدعم الذي تلقاه بن علي من العلماء الموالين للدولة لا يمثِّل الإسلام أو مجموع المسلمين في تونس. والحقُّ أن من بين الأسباب التي جعلت الإسلاميين يفوزون بالانتخابات هو تاريخهم الطويل في معارضة الحكومة (Burhani 2014a, b, 199). ففي الحالة التونسية، حين مُنِعَ الناس من التصويت لفائدة أشخاص من نظام بن علي، كان الإسلاميون وحدهم المستعدين كما يجب لخوض الانتخابات (Schraeder and Redissi 2011, 17). أضف إلى ذلك تقارب الخطابات الإسلامية والشعبية حول الكفاح ضد القمع الاستبدادي قبل الربيع العربي وفي أثنائه. ومع ذلك، فإن الدعم الشعبي للإسلاميين لا يعود إلى الإيمان الديني للشعب التونسي أو خلفيته الثقافية، بل يعود أساسًا إلى الظروف السياسية والاقتصادية في هذا البلد (Tessler 1997, 93).

الميديا الدينية الإسلامية

كثيرًا ما تُوسَم الثورةُ التونسية (أو الربيع العربي عامَّة) بأنها "ثورة تويتر" أو "ثورة الفايسبوك"؛ نظرًا إلى الدور المهم الذي لعبتْه هذه الميديا الجديدة خلال الثورة. غير أنه لا يمكن -على نحو ما يذكر خوندكر (Khondker 2011)- تجاهل دور الميديا التقليدية في الثورة، وخاصةً قناة الجزيرة التي جعلت الانتفاضة تصل إلى المجتمع العالمي الأوسع. فقد كانت الجزيرة هي الميديا التي أذاعت أولَ مظاهرة خرجت عقب انتحار البوعزيزي وعرَّفت بها على مستوى العالم (Schraeder and Redissi 2011, 11). وعلى غرار مجمل الانتفاضة بشكل عام، لعبت تعليقات القرضاوي التي أذاعتها الجزيرة دورًا مهمًّا في تشكيل الرأي العام بشأن وضعية البوعزيزي، في خضم الجدال حول اعتباره منتحرًا أو شهيدًا. صحيح أن بعض الملاحظين يرون الثورة التونسية ثورة علمانية ويصنفون موقف علماء الدين خلال الثورة على أنه مناهض للانتفاضة، إذ كان العلماء في رأيهم داعمين للأنظمة ومناهضين للثورة. بل وحاول بعضُ الملاحظين إظهار ولادة دين مدني في العالم العربي، بناءً على اعتراف الشعب باستشهاد البوعزيزي رغمًا عن فتاوى علماء الدين التي لا تعتبره شهيدًا.

في مقابل ذلك، عملت دراسةُ أليك جاكوبسون على إبراز نقد بعض التونسيين، أو رفضهم صورة البوعزيزي الشهيد كما رسمتها الميديا في أحاديثهم اليومية. وعلى سبيل المثال، يشير جاكوبسون (Jacobson 2011, 6) إلى أن المئات الذين ساروا في جنازة البوعزيزي قد عبَّروا بذلك عن تمردهم على بن علي أكثر من احتفائهم بالبوعزيزي. وهو يسحب التأويل نفسَه على الانتفاضة؛ إذ يرى أن البوعزيزي قد استُخدم فيها كرمز للمعارضة لا غير. وحين سأل جاكوبسون بعضَ التونسيين عن استشهاد البوعزيزي، عبَّر غالبيتهم عن تقديرهم له ودعوا الله أن يتولَّاه بمغفرته، لكنهم لم يعتبروه شهيدًا. كما اكتشف جاكوبسون ثلاث مجموعات فايسبوكية تأسَّست بعد الثورة، وقد حملت أسماء: "بائع متجول يُسقط نظام التحول"، و"محمد البوعزيزي أسطورة لا تموت. رحمه الله"، و"لن أنساك أبدًا يا محمد البوعزيزي"؛ إذ تابع غالبية أعضائها نهج القرضاوي في تجنُّب اعتبار البوعزيزي شهيدًا، لكنهم لم يُدينوا تصرفه (Jacobson 2011, 28) وسألوا الله أن يغفر له انتحاره. ونلاحظ أن التعليقات التي وردت على فيديو تصريح القرضاوي حول البوعزيزي في موقع يوتيوب قد اتبعت النمط نفسَه، حيث اتفق أغلب المعلقين مع القرضاوي رغم إصرار بعضهم على اعتبار البوعزيزي شهيدًا. وتُظهر كل هذه الوقائع مدى تأثير موقف القرضاوي من البوعزيزي الذي بثَّته قناة الجزيرة.

لقد أدان بعض العلماء -كما أبرزنا آنفًا- انتحارَ البوعزيزي بشكل صريح. ولتبرير وجهة نظرهم، استشهدوا ببعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. كما تداولوا مواقفهم أو فتاواهم عبر مختلف وسائط الميديا، مثل القنوات التلفزيونية الحكومية والصحف الرسمية. غير أن ذلك لم يُسهِم في إنجاح مسعاهم، بل انقلب مفعولُه ضدهم، ولم تسعفهم الميديا -في هذا السياق- في كسب عقول الناس وقلوبهم. وهذا ما يبرز أن الميديا، بقدر ما تمثل فاعلًا مهمًّا، فإنها قد تتحوَّل أحيانًا إلى مجرَّد وسيط لنقل الرسائل، والحال أن مضمون الرسالة أهمُّ من الميديا ذاتها في كسب عقول الناس وقلوبهم.

وبذلك يبدو أن تقبل الناس لموقف القرضاوي من البوعزيزي، لا يعود إلى سُلطته الدينية وظهوره على قناة الجزيرة فحسب، بل هو يعود أيضًا إلى تفهُّمِه سيكولوجية الناس وشعورهم. فحسب تحليل إيهاب جلال لمقاربة القرضاوي عن الدين، يُعَدُّ القرضاوي نموذجًا لرجال الدين الذين لا يقتصرون في رؤيتهم لمسألة معيَّنة على الفهم الحرفي للنصوص المرجعية، بل يستندون في ذلك أيضًا إلى مقاربة واقعية وسياقية (Galal 2009, 164). ولذلك، وبخصوص انتحار البوعزيزي، فإن المهم لا يكْمُن في استحضار الحكم المدوَّن في النصوص، بل في استحضار حالة الناس النفسية الاجتماعية. فقد تجنَّب القرضاوي اعتبارَ البوعزيزي شهيدًا، لكنه -على عكس العلماء الموالين للدولة- لم يُدِنْهُ من أجل ارتكاب إحدى الكبائر المنهي عنها في الإسلام. فهو لم يقوض حكمَ الشريعة في الانتحار والشهادة، إلَّا أنه لم يجرح أيضًا مشاعرَ عائلة البوعزيزي ومن يشتركون معه في معاناته. وتبدو طريقة تعامل القرضاوي مع قضية البوعزيزي منسجمةً مع مبدئه العام، كما أوجزه محمد حسن خليل: "ينبغي على جميع الأحكام الفقهية مراعاة الحقائق على أرض الواقع" (Khalil 2011, 136).

ما الذي يمكن استنتاجه مما تقدَّم؟ إن الميديا مهمَّة، لكن مضمون الرسالة التي تبلغها لا يقلُّ أهميةً عنها. فمن غير المجدي إمطار الناس بوابل من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لإقناعهم بالإقدام أو العدول عن فعل معيَّن. وتُوجد العديد من المحطات التلفزيونية في العالم العربي التي يقتصر بثُّها على سيلٍ من البرامج المضجرة والمُملّة. أما طريقة القرضاوي في مقاربة الدين، فتتوافق مع السياسة التحريرية لقناة الجزيرة، فكلاهما -على قول إيهاب جلال- "يعتمد طريقة عقلانية ومنطقية في الحجاج، ويعرض عمومًا رؤية متوازنة للعالم" (Galal 2009, 162).

وتعكس طريقةُ مقاربة القرضاوي لانتحار البوعزيزي مفهومَه عن الوسطية. وقد اقترن التوسُّط والاعتدال بمواقف القرضاوي ومنهجه في الاجتهاد، وهو ما يُسمَّى منهج الوسطية. ويفسر القرضاوي معنى مفهومه للوسطية كالتالي: "نعني بها: التوسُّط أو التعادل بين طرفين متقابلين أو متضادين، بحيث لا ينفرد أحدهما بالتأثير ويطرد الطرف المقابل، وبحيث لا يأخذ أحد الطرفين أكثر من حقِّه، ويطغى على مقابله ويحيف عليه" (Grӓf 2009, 218)[23]. ويمكن أن تتحمَّل الوسطية -حسب القرضاوي- معانيَ مختلفةً باختلاف السياقات. إلَّا أنها اكتست في حالة انتحار البوعزيزي معنًى مخصوصًا، حيث لم يرغب القرضاوي في متابعة من سارع إلى اعتبار البوعزيزي شهيدًا، ولا من أدانه باعتباره منتحرًا دون التدبُّر في ظروفه. ذلك أن إدانة البوعزيزي ستجرح مشاعر الكثير من الناس الذين ضاقت بهم السُّبل في صراعهم ضد ديكتاتورية بن علي؛ ولذلك نأى القرضاوي بنفسه عن هذين الطرفين المتناقضين.

إن وسطية القرضاوي تشجِّع على رفض أي شكلٍ من التطرف الديني أو الغلو في الدين، كما تشجِّع على نشدان التوسُّط والتوازن والعدالة. وبذلك، وانطلاقًا من روح التوسُّط، فإنه سيكون من الحيف اتهام البوعزيزي بالانتحار، لكن اعتباره شهيدًا يتعارض مع العديد من أحكام الإسلام التي تحرِّم حرق النفس. وفي المجمل، فقد استطاع القرضاوي عبر منهج الوسطية أن يزرع -في نفسه على الأقل- الاستعداد لمحاربة كل غلو، سواء كان غلوًّا في مساندة السلطة أو غلوًّا في معارضة الغلو نفسِه.

وبالعودة إلى مسألة الميديا، نقول إن بعض جماهير التلفزيون يمكنها الاقتناع ببعض علماء الدين أو الدعاة مثل عمرو خالد، الفاتن بمهاراته التواصلية وقِيَمه الترفيهية ومظهره الحليق والمتأنق. لكن خالدًا وأمثاله من الدعاة يقدمون وجوهًا مختلفة من الدين، ولا يصدرون أيَّ فتاوى. فعمرو خالد يروِّج وجهًا "صوفيًّا" من الإسلام، أو يروِّج -حسب ملاحظة إيهاب جلال- "دلالات الإسلام، وشدَّة الإيمان، وإمكانية التماهي" (Galal 2009, 163)[24]. ولذلك، فإن القرضاوي وخالدًا يُمثلان مستويين مختلفين من علماء الدين: العلَّامة والعاميّ. فالقرضاوي هو نموذج الداعية العلَّامة الذي اشتهر وسطع نجمُه في "إسلام السوق" -بعبارة هايني- من خلال قناة الجزيرة (Haenni 2006)، بينما يمثل عمرو خالد نموذج الداعية الحليق والأنيق بأسلوب جديد "يحمل قيمًا إنتاجية وترفيهية عالية"، وهو قادر -في كثيرٍ من الأحيان- على جذب الناس إليه أكثر من "وجوه السلطة الدينية المعتمدة وأسلوبها الدعوي المتعالم الذي قد يعتمد الغلظة، في بعض الأحيان، بل حتى الترهيب والوعيد" (Howell 2008, 43).

خاتمة

يُعَدُّ انتحار البوعزيزي مدخلًا مهمًّا لفهم التطور المعاصر في الدين والتدين بالبلدان العربية. فمن جهة أولى، طرح معضلةً دينية جديدة على العلماء: الاختيار بين التشبُّث بالتعريف الصارم للشهادة كما هو متفق عليه في المتون الكلاسيكية، أي قصرها على من يموت في جهاد الحرب، أو توسيع دائرة الشهادة لتشمل مفهوم السياسة الحيوية والحياة العارية في سبيل فهم انتحار البوعزيزي. ويبدو أن يوسف القرضاوي يوفِّق في ذلك بين المعايير الكلاسيكية والظروف المستجدَّة. فبدل أن يدين انتحار البوعزيزي على غرار العلماء الموالين للدولة، قدَّم يوسف القرضاوي رأيًا متعاطفًا مع البوعزيزي، وطلب من الناس أن يطلبوا له المغفرة. كما يبدو أنه يتجنَّب أيضًا اعتبار البوعزيزي شهيدًا كي يتفادى التشجيع على محاكاة الانتحار بما يقلِّل من قيمة الحياة البشرية. ومن جهة ثانية، يحدِّد انتحار البوعزيزي خطًّا فاصلًا بين العلمانيين والإسلاميين في تونس بشكل خاص، وفي مجمل العالم العربي عمومًا. وهو يُظهر -من جهة أولى- تعزُّز العلمنة والدين المدني من خلال الاحتفاء بالبوعزيزي بوصفه شهيدًا بطلًا. لكن انتصار الإسلاميين في الانتخابات التي أجريت بعد الثورة يُظهر -من جهة ثانية- أن نظرية الدين المدني تنقصها بعض الدقَّة. ففي عيون العرب، ما يزال الإسلام يُعَدُّ بديلًا سياسيًّا من بين جملة بدائل أخرى. وحين اشترك الدين مع المعارضة السياسية في الصراع ضد الدكتاتورية، كما في الحالة التونسية، رأى فيه الناس أنه يستجيب لحاجياتهم الدينية والسياسية. ومن جهة ثالثة، يمثل علماء الدين -من أمثال يوسف القرضاوي وعمرو خالد- نمطَ العلماء الذين يتقبَّلهم الناس بسهولة، في الميديا التقليدية أو الجديدة على السواء؛ نظرًا لقدرتهما على التوفيق بين معرفة الإسلام الكلاسيكية والمستجدات المعاصرة، واضعين بذلك حاجيات البشر المعاصرين في قلب الدين. وهما لا يعتمدان في دعوتهما وحديثهما على التلفاز سبيلَ الترهيب والوعيد، بل يعتمدان سبيلًا أكثر تعاطفًا وتفهمًا لمعاناة الناس.


[1] كما يعتبر فرهاد خسروخاور (Farhad Khosrokhavar 2012) وجون إل. إسبوزيتو (John L. Esposito) من جامعة جورجتاون أيضًا أن الانتحار ظاهرة جديدة في الدول العربية (Westcott 2011).

*  الحديث المقصود هو: "الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْهَدَمِ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرَقِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدَةٌ".

انظر: النسائي (أبو عبد الرحمن، أحمد بن شعيب بن علي)، المجتبى من السنن، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، ط2، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، 1986، ج4، ص13 (الحديث رقم 1846).  (المترجم)

**  الحديث المقصود هو: أخرج أَحْمد وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالترْمِذِي وَالنسَائِي وَابْن ماجة وَالْحَاكِم عَن سهل ابْن أبي أُمَامَة بن سهل بن حنيف عَن أَبِيه عَن جدِّه أَنَّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: "من سَأَلَ اللهَ الشهَادَة بِصدق بلَّغه الله منَازِل الشهَدَاء وَإِن مَاتَ على فرَاشه".

انظر: السيوطي (جلال الدين، عبد الرحمن بن أبي بكر)، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، دار الفكر، بيروت، 1993، ج2، ص 384. (المترجم)

[2] من بين التعبيرات المجازية حول الانتحار في المحادثات اليومية، كما ذكرت من قبل دومينيك آفون Dominique Avon 2012, 152–153))، ما يلي:

رجل يسير في متجر محليّ. سأله صاحب المتجر: "هل يمكنني مساعدتك يا سيدي؟".

أجاب الرجل: "أرغب في شرب زجاجة من روح الملح من فضلك".

فسأله صاحب المتجر: "ستشربها هنا أم ستأخذها معك؟".

روح الملح [ماء النار في مصر، وماء الفرق في تونس - م] هو منتج لتنظيف قنوات الصرف الصحي، ولكنه يُساء استخدامه أحيانًا فيُنتحر بشُربه.

كما عبَّر عماري وآخرون (Amari et al. 2011) عن هذا "التقليد" الجديد في العالم العربي في مقالٍ يحمل عنوانًا مدهشًا: "أنا أحترق، إذن أنا موجود" [بالفرنسية في الأصل: Je brûle, donc je suis - م].

[3]  في تحليل أوليفييه روا (Olivier Roy) عن الجهاديين، فإن للاستشهاد معنًى أرقى من النصر؛ إذ "لا يوجد التزام ببلوغ نتيجة في الجهاد: فهو علاقة بين المؤمن والله، لا بين المجاهد وعدوِّه... ولا يُنظر إلى النصر على أنه نتيجة سلسلة من الأعمال البشرية، بل هبة من الله، قد يمنحها وقد يمنعها" (Roy 1994, 66).

[4]  يقول إيفان سترينسكي Ivan Strenski 2003, 14)) إن المسلمين المتطرفين يقومون بالتضحية "إما من خلال استبدال إبراهيم بمحمد كنموذج للسلوك التضحوي أو من خلال تفسير متطرف لمحاولة إبراهيم ذبح إسحاق [إسماعيل]". والنموذج الذي فكَّر من خلاله إبراهيم هو إعطاء جزء من الملكيَّة، أي التضحية المعتدلة/الحكيمة، في حين أن النموذج الذي فكَّر من خلاله النبي محمد يتخلَّى عن كل انتماء بما فيها الذات، أي التضحية القصوى. وينتقد طلال أسد Talal Asad 2007)) هذا الرأي بإظهار أن مفهوم "إحدى الحُسْنَيَيْن" هو المفهوم السائد في الإسلام.

[5] يذكر ديفيد كوك David Cook 2007, 16–19)) أن عددًا قليلًا فقط من الآيات في القرآن تتحدَّث صراحةً وبشكل لا لَبْسَ فيه عن الاستشهاد. ويخلص إلى أنه لو كان للاستشهاد مكانة خاصَّة في العقيدة الإسلامية، لكان ذُكِرَ في القرآن مرات عديدة.

[6] صحيح البخاري، ج2، الكتاب 23، الحديث رقم 445، انظر:

http://www.sahih-bukhari.com/Pages/results.php5

[7]  صحيح البخاري، ج2، الكتاب 23، الحديث رقم 446، انظر:

http://www.sahih-bukhari.com/Pages/results.php5

[8]  بالنسبة إلى مارتن هايدجر (Martin Heidegger)، على سبيل المثال، فإن الانتحار هو "أقصى تعبير عن الوجود [الدازاين]" (Fynsk 1986, 127) أو حسب كلمات هايدجر نفسه: "التوجُّه الأصيل نحو الموت يدلُّ على الإمكانية الوجودية للوجود [الدازاين]" (Heidegger 1962, 304).

[9] بعد 18 يومًا من العلاج بسبب إصاباته البليغة، توفي في 4 يناير 2011.

[10] موجود على:

http://www.alittihad.ae/details.php?id=2622&y=2011

وكذلك:

http://www.youm7.com/News.asp?NewsID=333733

[11] انظر:

http://www.egyptindependent.com/news/salafi-leader-whoever-commits-suicide-tunisian-style-apostate

[12] - http://www.google.com

[13]  - http://arabia2day.com/local/saudi-mufti-brands-suicideprotests-as-great-sin/

وكذلك:

http://www.gulf-daily-news.com/NewsDetails.aspx?storyid=296713

[14] - http://www.almoslim.net/node/140211

[15] هذا الفيديو والتعليق عليه، متاح في:

http://www.youtube.com/watch?v=NJQn5nprx_Y

وكذلك في:

http://www.youtube.com/watch?v=iW0UcFC8FDM.

شُوهد الرابط الأول من قِبَل 83.434 شخصًا، بينما شوهد هذا الأخير من قبل 8.966 شخصًا منذ 15 يناير 2011. والحوار مع القرضاوي حول ما إذا كان البوعزيزي منتحر أو شهيد متاح في:

http://www.youtube.com/watch?v=3n18TT7J8Sc.

شوهد هذا الفيديو من قِبَل 99.592 شخصًا منذ 17 يناير/كانون الثاني 2011 (تمت الزيارة في 19 مارس/آذار 2013).

[16] - http://alwatan.kuwait.tt/articledetails.aspx?id=83558

[17] وفقًا لمقابلة دومينيك آفون (Dominique Avon) مع ثلاثة مراجع دينية شيعية (الخميني، السيستاني، فضل الله)، فإن المدرسة الأولى كان لها رد إيجابي على الانتحار. فهي تقول: "[أن تقتل نفسك من أجل قضية مهمَّة أو تحقيق مصلحة كبرى ليس انتحارًا، بل جهاد" (Avon 2012, 157).

[18] عبَّر حمزة يوسف عن رأيه في مقالة بعنوان: "الأحلام المؤجلة، وتدمير الذات، والتفجيرات الانتحارية" (بالإنكليزية). متاح في:

“Deferred Dreams, Self-Destruction, and Suicide Bombings”.

http://allahcentric.wordpress.com/2011/01/31/shaykh-hamza-yusuf-on-the-revolution-in-tunisia

[19] - http://www.youtube.com/watch?v=NJQn5nprx_Y

وكذلك:

http://www.youtube.com/watch?v=3n18TT7J8Sc.

[20] مقتطفات من مقابلة مع يوسف القرضاوي تمَّ بثها على قناة (الحياة 2) في 17 ديسمبر 2010. من خلال:

http://www.memritv.org/clip_transcript/en/2731.htm.

ويمكن العثور على بيان مماثل في:

http://globalmbreport.com/?p=579&print=1

بعض العلماء، مثل إيهاب جلال، يرون أن معهد بحوث إعلام الشرق الأوسط (MEMRI) "معهد بحوث إعلام موالٍ لإسرائيل" (Galal 2009, 162).

[21] لقد كان القرضاوي ثابتًا في دعم الفلسطينيين، معتمدًا في ذلك على الآية القرآنية: {وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا؟} (البقرة، 246).

[22] Devotus in Giogio Agamben’s Homo sacer (1998, 96–97).

[23] يمكن قراءة دراسة مقارنة حول هذا المفهوم في:

Burhani (2012, 564).

[24]  أصبحت جاذبية عمرو خالد موضوعًا لدراسات عديدة، من بينها أعمال آرون روك Aaron Rock 2010)) وولينسداي وايز(Lindsay Wise 2003, 2006). ولذلك، فإن هذا الفصل لا يتناولها.