مفهوم السياسة في الفكر الإسلامي... ما هي السياسة؟

مفهوم السياسة

يُعَدُّ مبحث السياسة في الإسلام مجالًا شديد الإشكال، فإذا تجاوزنا الإطار الأيديولوجي المعاصر، أي ما يُسمَّى بالإسلام «السياسي» الذي بات يُحدِّد مختلف وجهات النظر (علمية، شعبية، صحفية... إلخ) ويوجِّه النقاشات مبدئيًّا نحو موضوع الجوهر السياسي للإسلام، فإن العديد من المقاربات الأكاديمية في مجال فقه اللغة أو التاريخ تزيد من الصعوبات المرتبطة بمقاربة هذا المجال، بل وترتهن إمكانية إعادة صياغة مفهوم السياسة بشكل رصين وهادئ، وقد ازدادت هذه الصعوبات منذ أن أدركت دول الشرق تخلّفها في مجال الإدارة المدنية والاستراتيجا العسكرية. وبدلًا من تصحيح هذا الاتجاه، أسهمت العديد من الحكومات من خلال ممارساتها التعسفية أو العنيفة في تكريس الاعتقاد بوجود شكل من أشكال الاستبداد النابع من ثقافة تلك البلدان، ونشرت تصوّرات تتساوى فيها السياسة بالعنف الناتج عن القوة العسكرية. وبهذا، أضحى وصف أحدهم بأنه سياسي أو رجل سياسة، مرادفًا في التصوّرات العامة -في أفضل الحالات- للقول بأنه وصولي يسعى إلى الاستفادة من النظام، أو أنه يريد أن يتولَّى منصبًا في السلطة، أو الاستفادة من وضع مرتبط بممارسة وظيفة عامة.

وبلا شك، فقد أثَّر هذا التمثُّل السلبي للنشاط السياسي في مقاربته بوصفه مجالًا رئيسًا للوجود البشري، وفي إمكانية دراسته بوصفه فنًّا أو علمًّا أو مفهومًا يسمح بفهم مُجمل التجارب الإنسانية التي أنتجتها إحدى الحضارات في مرحلة من تاريخها، وقد أدَّى ذلك إلى أن نرى مفكّرين سياسيّين بارزين في العالم العربي المعاصر، مثل علي عبد الرازق (1888-1966م) أو محمد عابد الجابري (1935-2010م)، يتوجَّسون من هذا النشاط ويختزلونه باستمرار في مفهوم الهيمنة أو السلطة. ومنذ بداية القرن العشرين وإلى بداية القرن الحادي والعشرين، أدَّى نضال هؤلاء المثقفين ضدَّ الممارسات الاستبدادية والتعسفية السائدة في العديد من الدول الإسلامية، والرغبة في تحديث الفكر السياسي، إلى انتقاد الموروث الإسلامي في هذا المجال وجعل القطيعة مع هذا التراث الشقيّ الطريقة الوحيدة لبداية تاريخ جديد.

لذا، ستحاول هذه الدراسة حلَّ عُقد هذه المشاكل من خلال تتبُّع مختلف مراحل تشكُّل مفهوم السياسة في النصوص التي اهتمَّت بتحليله ووصفه، ومن أجل ضبط المفهوم بشكل أفضل وإعادة التفكير فيه من جديد، يبدأ هذا العمل بمناقشات لغوية ودلالية حول كلمة «سياسة» التي انتهى بها الأمر -رغم أصلها العربي- إلى أن تُصبح مستخدمة في عدِّة لغات أخرى من لغات العالم الإسلامي (التركية، الفارسية، الأردية، الكردية... إلخ)، ثمَّ يتناول الحاجة إلى الابتعاد عن مخاطر الجوهرانية اللغوية، ليقترح أخيرًا رؤية حول إمكان التنظير لمجال السياسة في مختلف التقاليد الفكرية للإسلام الكلاسيكي (بين القرنَيْن السابع والخامس عشر الملاديَّيْن).

التحليل اللغوي والجوهرانية اللغوية

في ظلِّ غياب علم تأثيل لغوي -كما هو الحال بالنسبة للّغات ذات الأصل اللَّاتيني- فإن اللغة العربية تتميز بوجود معنى لغوي أساسي لكل لفظ نجده في الغالب في صيغة اسم أو مصدر يتولَّى أصحاب المعاجم تعريفه والغوص على معانيه، ولتحديد المعاني التي يشملها كلُّ مصطلح، لا يتوانى المعجميون عن ذكر مصدره وتحديد الاسم الأصلي له قبل أن تتَّصل به بعض المعاني لاحقًا، وسواء كانت هذه العملية مؤكَّدة أو محض عرضيّة، فإنها تجعل من الممكن النظر في طبقات ترسُّب المعنى والعودة في نهاية المطاف إلى كلمة أصلية تشكَّلت حولها كوكبة من المعاني، ولنلاحظ أن الكلمة الأصلية غالبًا ما تكون مستعارة من مصطلحات الطبيعة، وهذا ما يُفسِّر الحضور الطاغي لأسماء الحيوانات والنباتات في المعجم العربي.

وعلى سبيل المثال، فإن لفظ العِشْق مشتقٌّ من اسم نبتة تُسمّى العَشَقَة، وهي ضرب من نبات اللّبلاب ينمو ملتويًا على بعض الأشجار، لكن خصوصيّته تكمن في أنه يخنق الشجرة التي تُغذِّيه، وهذا ما يجعل استخدام لفظ العشق يستحضر الطبيعة المميتة لهذه العاطفة المدمِّرة التي ينظر إليها الأطباء بشكل عام بوصفها ضربًا من الاكتئاب. ومثال آخر، نذكر كلمة الشريعة وهي مشتقَّة من الشِّرْعة وهي مورد الماء الذي يشرب منه الدواب، بيد أن لفظ الشريعة المجرَّد وكذلك المصطلحات المشتقَّة من الجذر (شرع) نفسه، مثل مشرّع وتشريع وشرعي، لم يَعُد لها أيّ علاقة بذاك الشيء الملموس المتمثِّل في مورد الماء أو منبعه، ولكن في سياق بعض التحوُّلات المعقَّدة أضحى هذا اللفظ يُشير إلى الوجهة (الشِّرْعةُ) وإلى المسار الذي يجب اتّباعه (الشارع) للوصول إلى المنبع. وإذا كانت هذه الأصول اللُّغوية واضحة، فإن البعض الآخر يكتنفه بعض الغموض، وهو ما يجعلها موضوع عدد من الافتراضات والتخمينات التي يستغلّها الشعراء وكتَّاب النثر من أجل أن يُحلِّق الخيال في أرجاء الكون الدلالي للمصطلح واستخراج أقصى ما يُمكن من التأثيرات الأدبية الكامنة فيه.

ويوضِّح هذان المثالان المُشار إليهما، كيفيةَ البحث عن المعنى اللغوي الأساسي للألفاظ، وكيف يُسلّط اكتشافُه الضوءَ على التكوين الأصلي لأهم مصطلحات اللغة المدعوّة لتلعب دورًا في تصوّر نشاط أو حالة أو شعور، بيد أن الرغبة في العودة إلى المعنى الأصلي للكلمة -بصرف النظر عن المعاني التي قد تكون أنتجتها في التاريخ- تطرح مشكلتَيْن دلاليتَيْن ولغويتَيْن رئيسيتَيْن، وتتعلَّق الأولى بمسألة تعليل العلامات اللغوية، فالشعراء وكتَّاب النثر والمعاجم أو غيرهم من المتحمِّسين للّغة لا يتردَّدون في استخدام المعنى الأساسي للفظ ما لإقناع المتلقِّي بوجود رابط لا ينفصم بين المصطلح الذي يقومون بتحليله واللفظ المرتبط به، وقد يكون لفظ الحُب مثالًا جيدًا لتوضيح مشكلة تحديد معنى أساسيّ وعلاقة هذا بإرادة تعليل الارتباط بين دال ومدلول، فقد قيل إن هذا اللفظ مشتق من الحَبَب وهو صفاء بياض الأسنان ونضارتها، وفي هذا إحالة على فكرة النقاء في الحبّ، كما يُمكن أن يكون مشتقًّا من الحَبَاب وهو ما يعلو الماء عند المطر الشديد، وعلى هذا فهو غليان القلب وثورانه عند الاهتياج إلى لقاء المحبوب.

كما قيل إنه مشتقٌّ من اللّزوم والثبات، ومنه عبارة أَحَبَّ البَعِيرُ إذا بَرَك فلم يَقُم، فكأن المحبّ قد لزم قلب محبوبه فلم يَرُم عنه انتقالًا، وقيل بل هو مأخوذ من القلق والاضطراب، ومنه سُمّي القُرْطُ حِبًّا لِقَلَقِهِ في الأُذُن واضطرابه، وقيل بل هو مأخوذ من الحَبّ جمع حَبَّة وهو لُبَابُ الشيء وخالِصُهُ وأصلُهُ، فإن الحَبَّ أصلُ النبات والشّجر، ولعل المهم في جميع هذه الفرضيَّات أنها تُوضِّح سعي اللغويين إلى فهم حالة الحُبّ ومختلف مظاهر الشعور (العنف والاستقرار والإثارة والتعلُّق... إلخ) انطلاقًا من أصل قد يكون تولَّد عنه لفظ الحُبّ[1].

وترسم هذه الطريقة في النظر إلى المعنى الأساسي، الأفقَ البعيد الذي ينخرط ضمنه الاستخدام الحالي للّفظ، فهي تُعلِّل -بشكل من الأشكال- العلاقة بين الدال والمدلول وتربط الشكل بالمعنى. ومع ذلك، فهي لا تُفيدنا بشيء فيما يتعلَّق بتطور المصطلح ومختلف استخداماته من قبل المتحدِّثين، ناهيك عن الطريقة التي تتشكَّل بها الدلالات التاريخية بالمعنى الذي يقصده رينهارت كوسلاك (Reinhart Koselleck) في دراسة الألفاظ الحاملة لتغيُّر تاريخي.

ومن هنا تنشأ المشكلة الثانية، وهي تحليل تطور المعاني المتضمنة في المصطلح، والتحوّلات الدلالية التي تُؤدِّي إلى أن يغدو معبِّرًا عن نشاط جديد أو معنى جديد، وأخيرًا إمكانية التفكير في بلورة مستوى مفاهيمي عام يتجاوز الأصول البعيدة التي يمكن أن ينحصر فيها المعنى، وغنيّ عن البيان أن هذه المشكلة تظهر اليوم بخصوص ألفاظ يتحمَّس لها البعض ويمقتها آخرون، على غرار «الشريعة» و«الجهاد» و«الخلافة»، ويعتقد العديد من المثقَّفين المسلمين الذين يخشون المظهر الذي تتَّخذه هذه المصطلحات حاليًا من حيث تبلور معانٍ جديدة لها تقود إلى ممارسات غير إنسانية مدمِّرة، أنهم يستطيعون إيجاد علاج من خلال التذكير بأصلها اللغوي، فيقال إن الشريعة ليست ما نعتقده حاليًا (قطع يد السارق، ورجم الزاني... إلخ)، بل هي المَوْرد الذي يشرب منه الناس. ومن خلال هذا المداورة اللغوية، يأملون في تفادي المشكلة ومعالجتها في العمق، لكن هذا يعني تجاهل تاريخ الكلمات وتطور اللّغة؛ لأن المصطلح يُشير اليوم بالفعل عند أناس كثيرين إلى الأحكام الشرعية والعقوبات البدنية.

بيد أننا نُواجه هذا التثبيت اللغوي أيضًا على مستوى آخر، وهو مستوى الأعمال التي تُحاول ربط مفهوم بمعناه الأساسي، لا لمنع ظهور معنى جديد (كما هو الحال مع الشريعة) بل لإظهار أن الشعوب العربية محكومة بهذا المعنى الأصلي، مهما كان التطوُّر الدلالي للفظ، وهذه هي حالة لفظ «ثورة» الذي يعني حاليًا “révolution” في اللغات الأوروبية، وقد كان هذا اللفظ موضوع جدل حادٍّ بين إدوارد سعيد وبرنارد لويس (Bernard Lewis) على خلفية مناقشة مسألة الاستشراق وأساليبه وتحيُّزاته وغاياته[2]، فانطلاقًا من المعنى الأساسي للجذر (ث.و.ر) الذي يعني «النهوض فجأة (يُقال عن الجمل) والانفعال أو الثوران»، يصل برنارد لويس بعد مسح منهجي للاستخدامات وتطوّرها إلى أن «لفظ ثورة يعني أولًا الاهتياج»[3]، ولئن لم يُشكِّك إدوارد سعيد في دقِّة تحليلات لويس اللغوية، إلا أن الارتباط بين المعنى الأساسي المسجَّل في ذاكرة لغوية قديمة والمعنى المعاصر الذي يتناقله الناس من خلال استخداماتهم المختلفة للفظ، هو ما أقلق سعيد وقاده إلى انتقاد لويس. ومن هنا، فإن الاعتبارات المتعلِّقة بأصل اللفظ يمكن أن تُؤدِّي إلى حصر المعنى في أحكام تعسفية وسلبية، وما يرفضه سعيد هو التحليلات التي تستند إلى المعنى الأساسي الذي يدور عمومًا حول الدواب والجمل بشكل خاص، من أجل رسم صورة سلبية عن الآخر الذي تنخرط أنشطته في نظام رعوي أساسًا.

إدوارد

إدوارد سعيد

ولذلك يعترض سعيد على اختزال مفهوم في غاية الأهمية مثل مفهوم الثورة (بمعنى السعي نحو العدالة والتغيير السياسي من أجل واقع أفضل) في اعتبارات فلسفية تتميَّز بالسلبيَّة: الاهتياج، والإثارة، والفتنة. ولئن كان من المؤكَّد أن هذه المعاني كانت حاضرة في مرحلة ما من تاريخ اللفظ، ولكن إلى أيّ مدى ما يزال يتعيَّن على المتحدِّثين في الوقت الراهن أن يتذكَّروا المعنى الأساسي الذي يعود إلى فترة ما قبل الإسلام، وإلى أيّ مدى يجب أن تكون أنشطتهم محكومة بهذه الطبقات المترسِّبة من المعنى؟ الحق أنه على الرغم من وجود جوانب معينة لا نتَّفق فيها مع سعيد في نقده التطوُّرات التي قدَّمها برنارد لويس[4]، فإن تساؤلاته لها ميزة التأكيد على أن التحليل اللغوي مهما كانت جدارته، يُمكن أن يحمل أحكامًا تُوحي باستحالة حدوث ثورة حقيقية في المجال السياسي العربي، إما لأن اللغة لا تسمح بالتفكير فيها، أو لأن التعبيرات أو المفاهيم التي تدعم فكرة الثورة تحمل معنى خاصًّا يسجن المعنى في محدِّداته الأصلية ويمنع استكشاف آفاق دلالية أخرى، وهنا يغدو اللفظ ضحيَّة لعنة الأصول، بحيث لا يُمكن لأفق معناه إلَّا أن يتوجَّه باستمرار نحو ماضيه.

ومن هنا، تغدو الطريق مختصرة بالقول إنه لا أمل في أن تتمكَّن الشعوب العربية من استيعاب المعنى الحديث للثورة، وأن جهودها في أيّ تغيير سياسي أو التفكير في القطع مع القديم، ستكون متَّسمة دومًا بالهيجان الذي لن ينتج عنه -في أحسن الأحوال- إلَّا العصيان والتمرد اللَّذان لن يُؤدّيا مطلقًا إلى ثورات حقيقيّة[5]. هذه هي الرؤية التي يُحدَّد فيها الأنطولوجي بشكل مفرط من قبل فقه اللغة وهي مناط نقدنا هنا؛ لأنها تتكرَّر بكثرة في العديد من الأعمال التي لا تهتم بمسألة تشكُّل المفاهيم، والحال أنها مسألة مطروحة أيضًا أمام اللغات الغربية. وفيما يتعلَّق بـ«الثورة» على سبيل المثال، فإن الظاهرة نفسها التي أدَّت إلى ولادة المعنى السياسي الحديث للفظ، وبعد قرون عديدة من استخدامه في مجال علم الفلك[6]*، كان يمكن استدعاؤها من باب المقارنة، لتخفيف هذا الشكل من الحتمية التاريخية المنسوبة إلى ألفاظ اللغة العربية[7]، أما اعتبار الظاهرة من خصائص اللغة العربية، فيُثير إشكالية مقاربة النصوص المعبَّر عنها بهذه اللغة، وإمكانية حدوث تغيُّرات معرفية أو تاريخية في الثقافات التي تستخدمها.

تاريخ كلمة

فيما يتعلَّق بالكلمة العربية «سياسة» التي انتقلت منذ قرون عديدة إلى لغات أخرى مثل التركية والفارسية، نُواجه بالفعل المشاكل نفسها المتعلِّقة بتفسير الارتباط بين المعنى الأساسي والمعاني التي قد يكون المصطلح اصطبغ بها عبر التاريخ، فوفق مقال كليفورد بوسورث (Clifford Bosworth) المنشور في دائرة معارف الإسلام  (l’Encyclopédie de l’Islam)، وهو عمل موثوق في مجال الدراسات العربية والإسلامية، فإن هذا المصطلح -الذي يعني أصله في الشرق الأدنى قيادة الخيول و«ترويض الدواب»- يحمل معنى «دخل مبكّرًا في سياق السلطة الإسلامية»، وقد أضحى المصطلح مع عبد الله بن المقفع (720-756م) -كما يقول المؤلِّف- يُشير إلى «السلطة التقديرية للحاكم ومن يُمثِّله»، قبل أن يغدو معبِّرًا عند العرب والأتراك والفُرْس عن «ما يجب على الحاكم أن يُحْدِثه من عقوبات وقتل وعنف في سبيل الحفاظ على سلطته»[8].

بيد أن القارئ إذا وثق في هذه الدراسة -رغم اعتمادها على فقه اللغة والتاريخ- لن يخرج إلَّا بفكرة وحيدة حول السياسة في الإسلام، ومفادها أن السياسة لا تعدو سوى  كونها ممارسة عنيفة واستبدادية يُعَامَل فيها البشرُ معاملة الماشية، وهكذا نظل من الأصل اللغوي للفظ الذي يستدعي استعارات حيوانية، وصولًا إلى نهاية الإسلام الوسيط الذي كان يعني فيه اللفظ الزَّجر والتأديب العنيف، في إطار  التمثُّل السلبي  نفسه لفن السياسة. وعلى الرغم من وجود معانٍ أخرى (تسيير الدولة، تدبير الحكم، إدارة شؤون الناس)، فإن المؤلف يخلط بين مفهوم «السياسة» ومفهوم «السلطة»، ويختصر مشكلة الحكم في مسألة الهيمنة.

وفي عمل مهم آخر مكرَّس لاستكشاف معاني اللفظ منهجيًّا، يستخدم برنارد لويس أسلوبًا مماثلًا ويُقدِّم أطروحة مفادها أن اللفظ «مرتبط بمصطلح قديم يُشير إلى الفَرَس ومشتقٌّ من الفعل العربي «سَاسَ» بمعنى رَعَى الفَرَس أو اعتنى بها»[9]، وعلى غرار كليفورد بوسورث، يعتقد لويس أيضًا أن المصطلح مرتبط اشتقاقيًّا بالجذر العبري التوراتي (س.و.س) الذي يعني الفَرَس[10]، بيد أنه لا علاقة مطلقًا بين العربية والعبرية في هذه الحالة بالذات، باستثناء أمر وحيد وهو استخدام تعبير «سياسة الفَرَس» بمعنى رعايتها، وهي قرابة قد تكون عائدة إلى استخدام ساميّ مشترك بين اللغتَيْن حول عمل السائس، تمامًا كما يمكن أن تكون عائدة إلى الفكرة العامة للقيادة والتوجيه والترويض، وهي من صميم المعنى الأصلي كما سنرى أدناه. لكن هذا التحليل يتجنَّب -من خلال اعتماده تقارب اللغتَيْن العربية والعبرية[11]- مشكلة التباعد بين «الاشتقاقَيْن»، فالجذر (س.و.س) في العبرية يُشير إلى فكرة القفز فَرَحًا بينما يُشير اللفظ بالفعل إلى الفَرَس، في حين نجد أن لفظ «سياسة» العربي، وهو مصدر الفعل سَاسَ يَسُوُس المشتقّ أيضًا من الجذر (س.و.س)،  له معنى مختلف تمامًا.

تشهد محاولة تعريف ابن فارس للسياسة على أساس الطبيعة البشرية، على الارتباط الأساسي بين فعل القيادة والغرض منه، وهو توجيه الناس أخلاقيًّا وتهذيب طباعهم، وهو ما نُرجِّح أن يكون في أصل المعنى السياسي البحت للفظ، لا اللفظ الذي يُقصد به الفَرَس.

فوفقًا لابن فارس، وهو أحد كبار المعجميّين العرب في العصر الوسيط المهتمّين بالبحث عن أصل جذور الألفاظ في قاموسه، فإن هذا الجذر يتضمَّن معنيَيْن أصليَّيْن: «أحدهما فسادٌ في شيء، والآخر جِبلَّةٌ وخليقةٌ. فالأول: سَاس الطّعَامُ يَسَاسُ، وأَسَاسَ يَسِيسُ، إذا فَسَدَ بشيء يُقال له سُوسٌ. وسَاسَتِ الشّاةُ تَسَاسُ، إذا كثُر قَمْلها... وأما الكلمةُ الأخرى فالسُّوسُ، وهو الطَّبع، ويقال: هذا من سُوسِ فلانٍ، أي طبعه». وبهذا الأصل يُعلِّق ابن فارس المفردات التي تعني التوجيه والترويض، إذ «منه قولهم سُسْتُهُ أسُوسُهُ... كأنَّه يَدُلُّهُ على الطبع الكريم ويَحْمِلُهُ عليه»[12]، وتشهد محاولة تعريف ابن فارس للسياسة على أساس الطبيعة البشرية، على الارتباط الأساسي بين فعل القيادة والغرض منه، وهو توجيه الناس أخلاقيًّا وتهذيب طباعهم، وهو ما نُرجِّح أن يكون في أصل المعنى السياسي البحت للفظ، لا اللفظ الذي يُقصد به الفَرَس.

ولهذا كله، فإن القيادة والتوجيه هما السمتان الدلاليَّتان الأساسيَّتان لمفردة السياسة، وإذا كانت معاني تعهّد حيوان أو ترويضه أو قيادته أو رعايته يمكن عَدّها في أصل فكرة القيادة السياسية، فإن الأمر كان يجب أن يقتصر على مجرد استخدام جناس لفظي يجعل القيادة فكرة عامة تشمل عدَّة أشياء: الحيوان، والإنسان، والنفس البشرية، والدولة، والمنزل، والخدم... إلخ. وإذا كان على المرء أن يلتزم بالأشكال الجوهرانية اللغويّة المبيَّنة أعلاه، فإن قيادة البشر وفق طبائعهم، وتشكيل هذه الطبائع وتوجيهها نحو نموذج أخلاقي، ستكون هي المعاني الأصلية للفظ. ولكن مجدَّدا نرى هنا أن اتباع الأطروحات التي تُحاول تفسير الفعل البشري من خلال أصول لغوية بعيدة، سيكون معناه حصر التحليل ضمن دائرة تمنعنا من التفكير في الفروقات والتطوّرات والانقطاعات والتقلُّبات التي تحدث بفعل اختلاف الاستخدامات[13].

أما النقطة الثانية، فهي التركيز على معنى «العقوبة العنيفة» أو «عقوبة القتل»، فقد اتَّخذ مصطلح السياسة بالتأكيد معنى التأديب أو المعاملة بعنف، لكن هذا المعنى لم يحدث إلَّا مع نهاية العصر الوسيط (بين القرنَيْن الثالث عشر والخامس عشر الملاديَّيْن)، وفي اللغة التركية على وجه الخصوص، وذلك نتيجة تحوّل دلالي طال عددًا كبيرًا من المفاهيم والتصوُّرات ذات الأصل العربي. وعلى عكس التفسير الذي قدَّمه لويس، الذي يُعطي انطباعًا بأن معنى «السياسة» أو «الحكم» قد تعرَّض للتعتيم في اللغة التركية قبل أن يعود فجأة إلى الظهور مجدَّدًا في القرن التاسع عشر للتعبير عمَّا يقصده الأوروبيُّون بمصطلح “politique” أو “gouvernement”، نجد أن اللفظ قد احتفظ بمجال دلالي واسع سمح له بالتعبير عن المعنى الأخلاقي والسياسي للحكم والقيادة والتوجيه من جهة، وعن المعنى القانوني والقضائي الذي استقرَّ منذ القرن الثالث عشر من جهة أخرى، بل إنه من المحتمل جدًّا أن يكون هذا المعنى الجديد قد اعتُمد لحظة إدراج مؤسّسة «المظالم» في السياسة، ولا سيّما في عهد المماليك. ومن ثَمَّ، غدا المصطلح يعني ما يتوَّلاه الأمراء داخل المحاكم التي مارسوا فيها شخصيًّا وظيفة القاضي أو فوَّضوها لممثِّلِيهم، فمن أجل تصحيح المظالم التي يرتكبها المسؤولون ضد الرعية أثناء تأدية مهامهم، لجأ الأمراء إلى هذه المحاكم التي استخدموها أيضًا بوصفها محاكم استئناف تهدف إلى مراجعة المحاكمات، وفرض شكل من أشكال الإنصاف قد يكون أعلى من العدالة الشرعية.

لا يُستبعد أن تكون كلمة «سياسة» قد اتَّخذت معنى العنف التعسُّفي الذي يُمارسه الأمير بعد أن لوحظ ما صاحب صلاحيّته هذه من انحرافات.

ولا مراء في حقيقة تسمية هذه الصلاحية التي يتمتَّع بها الأمير «سياسة»، فهذا أمر مؤكَّد منذ استقرار التنظيم القضائي في أرض الإسلام، على ما يشهد به ذكر المصطلح بهذا المعنى من قبل الماوردي (972-1058م)، ففي كتابه «الأحكام السلطانية والولايات الدينية» يُبيِّن الماوردي أن تصحيح الانتهاكات أو المظالم يسمح للقاضي باللجوء إلى الترهيب، ويصف عمله هذا بأنه «سياسة»، وهذا ما يجعل السياسة تعني عكس ما يعنيه الحُكْمُ بالطرق العادية، أي بمقتضى الشريعة والمذاهب الفقهية. ومن هنا، فإن السياسة تُشير إلى ما يجب فعله في ظروف معينة بعيدًا عمَّا تُوجبه المذاهب الفقهية السائدة[14]، ولا يُستبعد أن تكون كلمة «سياسة» قد اتَّخذت معنى العنف التعسُّفي الذي يُمارسه الأمير بعد أن لوحظ ما صاحب صلاحيّته هذه من انحرافات. ففي بعض الحالات، قد يكون الأمير غاضبًا أو مندفعًا، فيسيء استخدام سلطته ويتَّخذ قرارات خالية من كل شرعية، معتقدًا بذلك أنه سيبثّ الرهبة في نفوس الناس ونفوس أعوانه، وهذا تحديدًا السلوك الذي يُسمَّى سياسة، وهو يُجسِّد في هذه الحالة بالذات الإجراءات الاستثنائية التي يُسْتَغنى فيها عن أحكام الشريعة والاعتقاد بأنها تُحقِّق مكاسب سياسية وتزيد من هيبة السلطة ورهبتها[15].

كما لا يُستبعد أن يكون وصول المغول إلى الشرق الإسلامي واستخدام مدوَّنة قانونية تتوافق مع عاداتهم تُسمَّى الياسق (yasa)، قد أدَّى إلى خلط بين السياسة بوصفها ولاية قضائية متمايزة عن أحكام الشريعة وفق مختلف المذاهب، وممارسات الأمير المستقلِّة عن الشريعة، تلك الممارسات التي تنطوي على إمكانية تصحيح الانتهاكات أو زيادتها، ويتبنَّى المقريزي (1364-1442م) -وهو كاتب مصري من العصر المملوكي- هذه القراءة مبيّنًا أنه في القرن الخامس عشر خُلِطَ بين السياسة وفكرة العقوبات الجسدية المسلَّطة على الناس بعيدًا عن أحكام الشريعة[16].

وفي سياق هذا التحوّل الذي مسَّ المجال القضائي (اللجوء إلى ممارسات تعسُّفية أو تدابير تُعَدّ غير إسلامية بدل تطبيق الشريعة) تطوَّرت كتابات تتعلَّق بـ«السياسة الشرعية» من أشهرها رسالة أحمد بن تيميّة ( 1263-1328م)، وقد لا نُبالغ إذا قلنا إن جميع الاعتبارات الحالية حول السياسة المتوافقة مع الشريعة الإسلامية (السياسة الشرعية) ما هي في الواقع سوى إحياء لا واعٍ لردَّة فعل تجاه سياق معيّن، وهو سياق استخدام المغول لقانونهم (الياسق) المختلف عمَّا كان مألوفًا في التقليد الإسلامي حتى القرن الثالث عشر الميلادي، ولئن استفاد هذا المعنى الجديد بلا شكّ من استخدام كلمة «سياسة» بالمعنى القضائي المرتبط بمؤسسة «المظالم»، إلَّا أن معالمه لم تتَّضح إلَّا في نهاية العصر الإسلامي الوسيط (بين القرنَيْن الثالث عشر والخامس عشر الملاديَّيْن).

ففي ذلك الوقت، كان الفقهاء أنفسهم منقسمين حول إمكانية استخدام الأمراء لهذه الوسائل غير القانونية خدمة لمنطق عقلاني بعيد عن روح الشريعة، لكن الأمر كان في الواقع نقاشًا يتعلَّق بالمعنى القانوني لكلمة «سياسة» (عدالة الأمير التي تعلو فوق القوانين الوضعية أو التدابير التي لا تتوافق مع الشريعة الإلهية)، وكما هو واضح في رسالة دَدَه أفندي (1550-1599م) وهي تحمل أيضًا عنوان «السياسة الشرعية»[17]*، فهو يستخدم مصطلح السياسة بالمعنى القانوني المتعلِّق بالعقوبات الجنائية. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا الاستخدام الجديد الذي كان محلَّ جدل كبير بين الفقهاء، فإن معنى التدبير أو التوجيه لم يسقط في بئر النسيان كما يُحاول أن يوهمنا برنارد لويس، وهو ما يدلّ على أن تاريخ مفهوم «السياسة» يجب أن يأخذ في الاعتبار كلًّا من تعدّد المعاني والتماثُل اللساني اللَّذَيْن يؤثّران في الاستخدامات اللغوية.

إن فكرة القيادة والتوجيه تظل النواة الدلالية الأساسية للفظ السياسة، ولا نقاش في أن تعدُّد معاني هذا المفهوم قد يكون مُحيّرًا في بعض الأحيان.

وعند ابن الطقطقا (1262-1310م)، وهو مؤلِّف نص سياسي مهم يتكوَّن من مقدمة نظرية في صناعة السياسة، وقسم تاريخي يرصد تطوّر الدول في البلدان الإسلامية، يأخذ لفظ السياسة أحيانًا -كما يذكر برنارد لويس- هذا المعنى العقابي الجديد بالفعل[18]. بيد أن هذا لا ينفي استخدام الكاتب المعنى القديم، وهو ما يتَّضح من خلال وصفه ما سمَّاه «حُسن سياسة» الإسكندر الأكبر، ثمّ وصْفه مختلف مجالات «العلم العملي» خاصة تشبيهه صناعة السياسة بصناعة الطب، فهذه الإشارات المتعدِّدة تُظهر أنه لم يحدث تطور تعاقبي أدَّى إلى اكتساء السياسة معنى جديدًا هو العقاب العنيف، بل تُظهر أن المعنى الرئيس الذي يجعل السياسة منخرطة في سياق يهدف إلى تحقيق مصلحة المحكومين، قد تعايش مع استخدامات أخرى تتحدَّد بسياقاتها الخاصة وبطبائع ممارسيها[19].

والحق أن العصر الإسلامي الوسيط يظل يتميَّز بحضور هاتَيْن الظاهرتَيْن، ولهذا السبب يجب ألَّا يحجب فهمُ التطور التاريخي للمصطلح الاستخداماتِ التي كانت موجودة في الحقبة نفسها. ومن هنا، فإن فكرة القيادة والتوجيه تظل -على الرغم من إدخال معاني جديدة- النواة الدلالية الأساسية للفظ السياسة، ولا نقاش في أن تعدُّد معاني هذا المفهوم قد يكون مُحيّرًا في بعض الأحيان؛ إذ يمكنه أن يُشير إلى قيادة (مدينة، جيش) وإدارة (ميزانيّة) وتدبير (منزل، قرية، أفراد) وعلاج (بدن، روح) وإصلاح (دولة، أخلاق) وحفظ (بدن، عادات حسنة). ومن هنا، فإن حقيقة انطباق «السياسة» على عدَّة مجالات (البدن، المنزل، شؤون الدولة)، وتعلّقها بعديد الكائنات (الحيوانات، البشر) وارتباطها بالأخلاقي والاقتصادي والطبّي والسياسي والإداري والعسكري، يمكنها أن تُضلِّل كلّ مقاربة تعتمد المفهوم الحديث للاستخدامات اللغوية.

ومع إسباغ سمات الاحترافية والبيروقراطية على المهام التي وصفها ماكس فيبر بشكل متقن، انفصلت الحداثة إلى حدٍّ ما عن ممارسات العصور الوسطى التي تميَّزت بشيوع الاستخدامات اللغوية المتجانسة والمترادفة. ومن هنا، فإن اعتماد هذا المنطق يُؤدِّي إلى افتراض أن دالًّا مثل السياسة لا يمكن أن يكون له سوى مدلول وحيد، وعندما يُؤكِّد برنارد لويس أن الكلمة لا تعني ما تعنيه كلمة “Politics” أو “Policy” في اللغة الإنجليزية[20]، فإنه ينطلق -على ما يبدو- من رؤية حديثة تستبعد الترادف واتحاد اللفظ وتعدُّد المعاني من جهة، وحصر تاريخ مفهوم السياسة أو مفهوم التدبير ضمن آفاق معنى جديد مُحدَث منذ زمن قريب ويتعلَّق بالجوانب الاجتماعية للسياسة (دراسة الأشكال الدستورية أو الأحزاب) من جهة أخرى.

ولذلك، فمن الضروري مراعاة التعايش بين عدَّة معاني في حقبة زمنية مُحدَّدة لفهم المعنى الخاص الوارد في كلِّ نص -وفق سياقه ومؤلِّفه- وهو ما لا ينفي استخدام الكلمة بطرق مختلفة ووفقًا لدلالاتها المحتملة من قبل عالم أو مؤرِّخ أو مفكِّر سياسي. ولكن ما هي هذه المعاني بالضبط وهل يمكن تصنيفها؟ وإذا أمكن لمصطلح «السياسة›› أن يتَّصف بعمومية جعلت منه مفهومًا، فكيف يمكننا النظر في التفاعل بين التاريخ السياسي لمجتمعات العالم الإسلامي من جهة، واستخدام هذا المصطلح في مقاربة السياسة مفاهيميًّا من جهة أخرى؟

تاريخ مفهوم

يمكن أن يساعدنا عمل رينهارت كوسلاك حول الفرق بين التاريخ الاجتماعي وتاريخ المفهوم في الإجابة عن هذه الأسئلة، فنحن نرى أن المآزق المذكورة أعلاه في قراءات لفظ «سياسة» من قبل الباحثين المعاصرين، تنبثق أساسًا من كونهم لم ينظروا إلى هذا المصطلح بوصفه مفهومًا، أي بصفته وليد «سياق تاريخي معيَّن»[21]، فإذا قبلنا تحليلهم القائل بأنَّ المصطلح كان يُشير إلى ترويض الخيول، ثم إلى قيادة الدولة، ثم إلى العقاب العنيف، قبل أن يُصبح في النهاية معادلًا لمصطلح ”politique“ في اللغات الأوروبية، فإنَّا لن نفهم الأسباب التي جعلت هذه الكلمة البسيطة قادرة على وصف حقائق معقَّدة وفي غاية التجريد، فالمفهوم -على خلاف الكلمات الأخرى- يجب أن يتَّصف ببعض اتّساع في مجاله الدلالي وبدرجة من الإبهام، بما يسمح له بتكثيف التجارب التاريخية وفتح أفق للتوقع.

فإذا كان للّفظ -كما يُؤكد كوسلاك- أن يغدو من خلال طريقة استخدامه واحدي الدلالة، فإن المفهوم -بالمقابل- يجب أن يظلَّ حمَّال أوجه. ولا شك أنه ما من مفهوم إلَّا وهو مرتبط بلفظ، ولكنه أيضًا أكثر من مجرَّد لفظ، ذلك أن اللفظ يغدو مفهومًا عندما تدخل جُملة من المعاني والتجارب السياسية والاجتماعية التي يُسْتَخدم فيها اللفظ ومن أجلها، ضمن هذا اللفظ وحده دون غيره[22].

وبتطبيق هذه التأمُّلات المنهجية على مصطلح السياسة، بدأت تتَّضح لدينا كيفية ارتقاء هذا المصطلح إلى درجة المفهوم منذ ظهور الإسلام -وحتى قبله- كما يظهر في بعض أمثال حقبة الجاهلية وأشعارها[23]، وهذا يعني أن اللفظ دخل بسرعة كبيرة ضمن مفردات القيادة السياسية، حتى وإن كانت المقارنات مع صناعة الراعي في حماية المواشي ورعايتها وقيادتها لا تخلو من استعارات وصور يستخدمها المفكِّرون في وصف وظائف قيادة الدولة، وهذا ما نلاحظه في بداية الإسلام على عهد الدولة الأموية، حين قام أحد أول المفكِّرين السياسيّين ومؤسِّسي النثر العربي، وهو عبد الحميد بن يحيى الكاتب (ت 750 م)، بتوجيه رسالة إلى كُتَّاب الدواوين، تتناول السلوك الواجب تجاه الآخرين وطريقة معاملتهم:

«وإذا صحب أحدكم رجلًا، فليختبر خلائقه، فإذا عرف حَسَنَها وقبيحَهَا أعانه على ما يُوافقه من الحَسَن، واحتال على صرفه عمَّا يهواه من القُبْح، بألطف حيلةٍ وأجمل وسيلةٍ. وقد علمتم أن سائس البهيمة إذا كان بصيرًا بسياستها، التمس معرفة أخلاقها، فإن كانت جَموحًا لم يَهِجْها إذا ركبها، وإن كانت شَبُوبًا اتّقاها من قِبَل يديها، وإن خاف منها شُرودًا توقَّاها من ناحية رأسها، وإن كانت حَرونًا قَمَع برفقٍ هواها في طريقها، فإن استمرَّت، عَطَفَها يسيرًا فيَسْلس له قِيادُها، وفي هذا الوصف من السياسة دلائلٌ، لمن ساس الناس وعاملهم وجرَّبهم ودَاخَلَهم»[24].

إن سياسة الحيوانات وإن كانت تُعطينا بعض ملامح سياسة البشر، إلَّا أن ذلك لا يعني التأكيد على العنف الذي يستخدمه الإنسان مع البهائم، بل التأكيد على اللطف والرقِّة اللَّذين يجب أن يتحلَّى بهما الإنسان تحقيقًا لغاياته.

إن هذا النص يوضِّح بالفعل أن السياسة كانت أحد المفاهيم الأساسية في الأخلاق والسياسة في حقبة بدايات الإسلام، وأنها ظهرت مع ولادة الإمبراطورية بوصفها أداة تسمح بوصف فن قيادة البشر بوصفه أساس صناعة السياسة، كما يكشف أيضًا أن سياسة الحيوانات وإن كانت تُعطينا بعض ملامح سياسة البشر، إلَّا أن ذلك لا يعني التأكيد على العنف الذي يستخدمه الإنسان مع البهائم، بل التأكيد على اللطف والرقِّة اللَّذين يجب أن يتحلَّى بهما الإنسان تحقيقًا لغاياته، فالنشاط السياسي محدَّد دائمًا بالقدرة على التحكُّم في الشيء أو في الكائن الذي يسعى المرء -بصفته سائسًا- لقيادته في هذا الاتجاه أو ذاك، وهذا ما يُؤكِّده عبد الحميد الكاتب في بقية المقطع:

«والكاتب بفضل أدبه، وشريف صنعته، ولطيف حيلته، ومعاملته لمن يُحاوره من الناس ويُناظره، ويفهم عنه أو يخاف سطوته، أوْلى بالرّفق بصاحبه، ومداراته وتقويم أَوَده، من سائس البهيمة التي لا تُحير جوابًا، ولا تعرف صوابًا، ولا تفهم خطابًا، إلَّا بقدر ما يُصيِّرها إليه صاحبها الراكب عليها»[25].

إن هذا المقطع، إضافة إلى تأكيده مسألة المشورة[26]، فإنه يُؤكِّد وجوب الاتصاف بالرفق والرقِّة واللِّين في مجال السياسة، ويدلُّ هذا المعنى الذي ما يزال حيًّا في اللغة العربية من خلال بعض لهجاتها[27]* -حيث يُشير المصطلح إلى اللطف والمهارة وفن إنجاز الأشياء عن طريق التفاوض ودون قوة- على أن التنظير لفن قيادة البشر قد تمَّ منذ وقت مبكِّر بوصفه متعارضًا مع استخدام العنف أو القسوة. وهذا ما يُؤكِّده نصٌّ آخر من الفترة نفسها، وهو رسائل أرسطو إلى الإسكندر؛ إذ كثيرًا ما ترتبط السياسة في هذه الرسائل بفكرة الرفق واللِّين في إدارة الشؤون الإنسانية[28]، والحق أن مثل هذا الاستخدام لم يكن عَرَضِيًّا ولا ثانويًّا؛ لأنَّنا نلاحظ أن اللفظ قد رُفِعَ بالفعل إلى مرتبة المفهوم، وأنه استُخدِم في ترجمة الكتابات الأولى ذات الأصل اليوناني عن السياسة. وبصرف النظر عن مسألة نسبة النص إلى أرسطو، فإن محور هذا العمل هو رسالة أرسطو إلى الإسكندر حول سياسة المدن، فنحن نجد هنا أن كلمة سياسة التي تترجم اللفظ اليوناني "politeia"  هي أداة مفاهيميِّة تسمح بالتفكير في شروط قيام سياسة عادلة تجمع بين عدد من السكان والمدن في إطار دولة شاملة. كما نجد فيها ذكرًا لكيفيَّة إدارة فتوحات بلاد فارس، والمصير المخصص للناجين، والنصح بترحيلهم بدلَ قتلهم، وما يلزم من إصلاح تشريعي من أجل كسب وُدّ الناس، حتى وإن كان الحاكم ملكًا أجنبيًّا غزا بلادهم؛ وهذه لعمري مواضيع سياسية مهمة تمّ تناولها بجهاز مفاهيمي يجمع بين مفهوم «السياسة» وتوأمه الملازم له دومًا، وهو مفهوم «التدبير».

وتظهر دراسة أولى نصوص الآداب السلطانية بوضوح أن «السياسة» تتعلَّق -مقارنة بـ«التدبير» الذي يُعَدُّ أقرب مرادف لها- بالتطبيق الملموس لإجراءات تتَّخذها القوة العاقلة من أجل بلوغ أهداف محدَّدة في تعاملها مع أحوال طارئة، وهذا ما يُبرِّر اتّخاذ اللفظ أحيانًا معنى التدابير الخاصة التي تُمليها الظروف بما يقتضيه الإنصاف أو الحصافة أو الحلول اللازمة في الممارسة، حتى وإن كانت متعارضة مع الشريعة. ولهذا السبب ذاته، فإن لفظ «السياسة›› رغم تجانسه (سياسة النفس، سياسة فرس، دولة، جيش... إلخ) لا ينطبق على الله في تسييره الأجرام العلوية، في حين ينطبق لفظ «التدبير» واسم الفاعل منه «المدبِّر» على مجالات الطبيعة العلوية وما وراء الطبيعة، وعلى وجه الخصوص مسألة العناية الإلهية[29]. ولذلك تُفهم السياسة على أنها النشاط الشامل والغائي الذي يجب القيام به وفق مراحل دقيقة تحقيقًا لمقصد يتعالى على الأعمال الفردية بتوجيهها نحو غاية تتوافق مع الصلاح والفضيلة والخير والعدل.

لذا، فإنه لا جدال في حقيقة أن لفظ «السياسة›› يُشير إلى مجال السياسة، إذ نجده مندرجًا في شبكة معجمية كثيفة تشمل مفردات الرياسة والاستراتيجيا العسكرية وإدارة الأموال وتدبير النفس. ومن هنا، فإن ظاهرة الترادف واتحاد اللفظ واختلاف المعنى التي يخضع لها هذا اللفظ، من شأنها تأكيد المعنى السياسي لا إبطاله كما جاء في التحليل الذي اقترحه برنارد لويس، فتعدّد ما يتضمّنه لفظ «السياسة» من مهام وما يشمله من مجالات، يُظهر أن نواته الدلالية الأساسية هي القيادة باستخدام أساليب عقلانية غائية موجهة باستمرار نحو مصالح المحكومين (المسوسين) وليس إلى خدمة مصالح الحاكم (السائس). ولهذا لا ينبغي اختزال المفهوم في إرادة السيطرة أو السلطان، ودليلنا على هذا هو ما نجده في النصوص التي نجدها تُؤكِّد منذ بداية التنظير للشأن السياسي، على التمييز بين حقيقة التمتع بموقع السلطان، وما يُمكن أو ما يجب فعله بتلك الرياسة بفضل فن السياسة، فالسياسة فنٌّ جامع بين تقنيات ومبادئ ومعارف وطرائق تسمح بتوجيه السلطة نحو غايات تتجاوز منطق الهيمنة، وهذا ما يُشير إليه أحد الأمثال المأثورة في هذا الخصوص من أن «سياسة الرياسة أشدّ من الرياسة»[30].

ومن ثَمَّ، فإن السياسة هي ما يملأ -وجوديًّا- مكانًا خاليًا من المعنى يُسمَّى «السلطة»، ويُحدِّد العلاقات التي تُنشئها هذه السلطة بين الأطراف المنخرطة في هذه العلاقات. وبالمثل، إذا كان للفن السياسي أن يلجأ إلى العنف، فهو يتحدَّد في المقام الأول بأنه وسيلة للسيطرة على عنف الدولة وقمع كلِّ طموح نحو الرياسة لا يكونان نتيجة أعمال تهدف إلى تحقيق خير الفرد والجماعة. وبهذا المعنى، فإن السياسة تشمل مقاومة السلطة التي غالبًا ما تكون -كما يُؤكِّد ابن المقفع- عمياء واستبدادية؛ ولذلك فهي وسيلة لوقف طموحها إلى التضخم غير المحدود وانغلاقها ضمن منطقها الدائري العقيم. وفي هذا الإطار، تقول إحدى القواعد السياسية: «العاجز عن السياسة، أعجز منه عن الرياسة». ولذلك فإن «السياسي» لقب لا يُكْتَسب إلَّا بإتقان الفن الذي لا يُستمدُّ من مجرَّد الإمساك بالسلطة أو التسلُّط، بل بتوظيف القيم المفاهيميَّة لكلمة «سياسة»، وهو ما يصل ذروته في كتابات بعض الفلاسفة مثل أبي نصر الفارابي (870-950م) الذي يجعل من ذلك محور فلسفته السياسية، معتبرًا أن مهمة علم السياسة (العلم المدني) هي قيادة الفرد والجماعة نحو السعادة، ويستخدم الكلمة في وصف «الرياسات الفاضلة» و«الرياسات الجاهلية»، ويُماثل بين فعل السياسة ومهنة السياسي وفن قيادة الدولة[31].

فنون التدبير

بمجرّد عدِّها مفهومًا، تكشف كلمة «سياسة» عن إمكاناتها وتفتح آفاقًا تتجاوز الوصف البسيط لتطوّرها التاريخي أو أصلها الاشتقاقي، فمن حيث كون السياسة فنًّا، فهي تحشد التقنيات الخاصّة بالرَّاعي وتستدعي أفكار الرعاية والتعليم والإصلاح والتهذيب واللطف واللين في تناول الأمور وإدارة الشؤون. كما أنَّها تُمثِّل إلى جانب «التدبير» المفهوم المعبِّر عن العقلانيَّات الغائيَّة والمضامين الاحترازية التي تتطلَّبها الحصافة أو سداد الرأي في تنفيذ سياسة الدول، أمَّا دراستها من وجهة نظر الدِّلالات التاريخية، فإن تعدُّد معانيها الذي يجعلها واسعة وغير مقصورة على مجال السياسة (فهي تتعلَّق أيضًا بالأخلاق والاقتصاد وعلم الأحياء)، لا ينبغي أن يقودنا إلى إنكار طابعها السياسي كما يقترح برنارد لويس، بل يدعونا -بوصفنا أهل حداثة- إلى أن نرى كيف أن التفكير في تدبير شؤون الآخرين في العصر الوسيط وحتى ظهور «الحاكمية»[32]*، لم يكن ممكنًا إلَّا في علاقة بتدبير الذات. ومن وجهة النظر هذه، يغدو من الممكن تصوّر السياسة والتدبير كمفهومَيْن يسمحان بتفكُّر السياسة في الإسلام، وبالطريقة نفسها التي يُمكن بها لمفهومَيّ «الحكومة» و«النظام» تفكّر السياسة في التراث الغربي[33]. وعلى الرغم من الاختلافات بين التقليدين والمسارات المتميّزة التي اتّبعها كلاهما، إلَّا أنهما يجعلان من التمييز بين القيادة والهيمنة، والتوجيه والحكم، أحد أكثر المصادر خصوبة للتفكير في فنون التدبير.


المقال الأصلي:

Abbès (Makram), “Le concept de politique dans la pensée islamique. Qu’est-ce que la siyâsa?”, Archives de Philosophie, 2019/4, pages 683 à 699.

الهوامش
[1] جميع هذه المعاني مذكورة عند: ابن القيّم الجوزية، روضة المحبِّين ونزهة المشتاقين، (بيروت: دار الكتب العلمية، 2003م)، ص 15-16.

[2] انظر:

 Edward W. SAID, L’Orientalisme. L’Orient créé par l’Occident, Paris, Seuil, 2005, p. 342-346; Bernard LEWIS, “The Question of Orientalism”, New York Review of Books, 24/06/1982, p. 49-56; Edward W. SAID, “Orientalism: An Exchange”, New York Review of Books, 12/08/1982, p. 44-46.

[3] انظر:

Bernard LEWIS, “Islamic Concepts of Revolution”, in Panayotis Jerasimof Vatikiotis éd., Revolution in the Middle East, London, George Allen & Unwin, 1972, p. 38.

[4] يشمل ذلك إضفاء طابع جنسي على النشاط الذي يدور حول الثورة (الاهتياج، الإثارة، الاستنهاض... إلخ) وهو مجرَّد استقراء من جانب سعيد أكثر منه مسارات تفسيرية قدَّمها برنارد لويس.

[5] وقد ازدهرت هذه التحليلات بفضل هيمنة الأنماط الاستبدادية على الحكم، وتغذَّت من الأحكام المسبقة المنتشرة حول سلبية الشعوب أو استحالة الوصول إلى حكم ديمقراطي. بيد أن الثورات العربية التي اندلعت في 2011م وما زالت مستمرّة، وضعت حدًّا لهذه الأحكام المسبقة العنيدة، وأظهرت فشل هذه التحليلات، ونحن نسمح لأنفسنا بالإحالة على مقالنا: «الثورات العربية واللَّاهوت السياسي» انظر:

Makram ABBES, “Révolutions arabes et théologie politique”, in : «Penser les révolutions arabes”, Astérion, 14, 2016, https://journals.openedition-.org/asterion/2697.

[6] * تستخدم اللغات الغربية مصطلح «ثورة» “révolution” لوصف الظاهرة الفلكية الدورية المُعبَّر عنها في العربية بالانقلاب (الصيفي أو الشتوي). (المترجم)

[7] انظر:

Reinhart KOSELLECK, Le Futur passé. Contribution à la sémantique des temps historiques, Paris, EHESS, 1990, (chapitre III); Alain REY, “Révolution”. Histoire d’un mot, Paris, Gallimard, 1989.

[8]Clifford Edmund BOSWORTH, “Siyāsa” in Encyclopédie de l’Islam, 2e édition, Leyde, Brill, Brill Academic Publishers, 1954-2005.

[9]Bernard LEWIS, Islam and the West, New York & Oxford, Oxford University Press, 1993, p. 66.

[10]Bernard LEWIS, “Siyāsa” in Arnold H. Green ed., In Quest of an Islamic Humanism. Arabic and Islamic studies in memory of Mohamed al Nowaihi, Cairo, The American University in Cairo Press, 1986, p. 3.

[11] إذا كانت المفردات المستمدَّة من هذا الجذر في اللغة العبرية بمعنى القفز من أجل الفرح حاضرة تمامًا، كما يتَّضح من لفظَيّ «سوسي» (الفارس) و«سوسه» (الفرس)، فإن الأمر يختلف في اللغة العربية حيث لا يُطلق على الفرس هذا الاسم، بل إن الجذور الأربعة التي تُشتَق منها المفردات التي تشير إلى الخيول في العربية تختلف اختلافًا كبيرًا عن تلك الموجودة في العبرية: «ف.ر.س» (ومنه الفَرَس والفارس والفروسية)، و«خ.ي.ل» (ومنه الخَيْل) و«ج.و.د» (ومنه الجَوَاد)، و«ح.ص.ن» ومنه الحِصَان).

[12] ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، (القاهرة: دار الفكر، 1979م، ج3، ص119).

[13]ويكفينا فحسب أننا لا نجد أيَّ تحليل للمعنى الأساسي للفظ «سياسة» في مقال كليفورد بوسورث أو مقال برنارد لويس، كما نجده عند أصحاب المعاجم العرب، مثل ابن فارس أو أبي هلال العسكرى (ت 1010م).

[14] انظر على سبيل المثال: المقطع الذي تُوضَع السياسة فيه في تعارض مع مقتضيات المذهب الفقهي، في:

الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، تحقيق: أحمد جاد، (القاهرة: دار الحديث، 2006م)، ص115.

المقطع المقصود هو: «وَقَدْ مَنَعَ بَعْضُ الفُقَهَاءِ مَنْ اعْتَزَى إلَى مَذْهَبٍ أَنْ يَحْكُمَ بِغَيْرِهِ، فَمُنِعَ الشَّافِعِيُّ أَنْ يَحْكُمَ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُنِعَ الحَنَفِيُّ أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ، لِمَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ مِنْ التُّهْمَةِ وَالمُمَايَلَةِ فِي القَضَايَا وَالأَحْكَامِ، وَإِذَا حَكَمَ بِمَذْهَبٍ لَا يَتَعَدَّاهُ، كَانَ أَنْفَى لِلتُّهْمَةِ وَأَرْضَى لِلْخُصُومِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَتْ السِّيَاسَةُ تَقْتَضِيهِ فَأَحْكَامُ الشَّرْعِ لَا تُوجِبُهُ». (المترجم)

[15] ولنا دلائل على هذا الاستعمال في أعمال القرن العاشر الميلادي، مثل كتاب أبي حيان التوحيدي وأبي عليّ مسكويه، الهوامل والشوامل، (القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 1951م)، ص304.

المقطع المقصود هو إجابة أبي عليّ مسكويه عن سؤال أبي حيان: «ما بَالُ خاصّة الملِك والدَّانِين منه والمقرَّبين إليه لا يجري من ذِكْر الملِك على ألسنتهم مثل ما يجري على ألسنة الأباعد منه؟» فكان الجواب: «لسببَيْن: أحدهما أن الأقربين إلى الملوك هم المؤدَّبون المستصلَحون لخدمتهم، وفي جملة الآداب التي أُخِذُوا بها تركُ ذِكْر الملِك فإن في ذِكْرهم إيَّاه ابتذالًا له وانتهاكًا لهيبته وهتكًا لحُرْمته... وأما السبب الآخر فخوف حاشية الملك من عقوبته؛ فإنّ الملك يُعاقِب على هذا الذنب ويراه سياسةً له». (المترجم)

[16] انظر: المقريزي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، (القاهرة: وزارة الثقافة، 1963م)، ص182-183.

الكتاب المذكور ليس للمقريزي، بل لابن تغري بردي (أبو المحاسن، جمال الدين ،يوسف بن تغري بردي بن عبد الله)، ويبدو الأمر نتيجة سهو من الكاتب لأنَّ لابن تغري بردي نقل عن أستاذه تقيّ الدين المقريزي عدَّة أخبار بإسنادها إليه، فوجب التنويه. وقد راجعنا كتابَيّ المقريزي في التاريخ، ولم نجد الاقتباس في مظانّه. راجع: المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، (القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 1999م)، السلوك لمعرفة دول الملوك، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1997م. (المترجم)

[17] *دَدَه أفندي هو الاسم الذي عُرِف به إبراهيم بن يحي خليفة (ت 973هـ)، وقد اطّلعنا على الكتاب واستفدنا منه في غير ترجمة هذا المقال. راجع: دَده أفندي، السياسة الشرعية، تحقيق: فؤاد عبد المنعم أحمد، (الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة، 1991م).

[18] Bernard LEWIS, Islam and the West, op. cit., p. 67.

[19] ابن الطقطقا (محمد بن علي بن طباطبا)، الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية، (بيروت: دار صادر، د.ت) ص41.
وانظر كذلك الصفحات 13-17 وفيها تتَّخذ السياسة معنى سياسة الجمهور وإصلاح أخلاق الرعية والسياسات والآداب وتدبير أمور الدولة.

[20] B. LEWIS, Islam and the West, op. cit., p. 67.

[21] R. KOSELLECK, Le Futur passé. Contribution à la sémantique des temps historiques, op. cit., p. 103.

[22] السابق نفسه، ص109.

[23] انظر: البغدادي، خزانة الأدب ولبّ لُباب لسان العرب، تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون، (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1996م، ج7)، ص64، حيث تستحضر حُرْقة ابنة الملك النعمان بن المنذر، ضياع مملكتهم بعد وصول الإسلام وولادة الخلافة في المدينة، مستخدمة مفردات متعلِّقة بالسياسة لوصف الحكم السياسي، وهو ما يدلُّ على أن الانتقال من تطبيق الاستخدام على الحيوان إلى ما يتعلَّق بالإنسان قد سبق أن تمَّ بالفعل منذ ما قبل الإسلام. انظر في هذا الخصوص الأمثلة المذكورة عند: الزمخشري، أساس البلاغة، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1998م، ج1)، ص481-482، مادَّة سوس.

[24] عبد الحميد الكاتب، «رسالة إلى الكُتّاب»، في: عبد الحميد الكاتب وما تبقَّى من رسائله ورسائل سالم بن أبي العلاء، (بيروت: دار الشروق، 1988م)، ص285.

[25] السابق نفسه، ص202.

[26] نجد تحليلات قريبة من تحليلات عبد الحميد الكاتب في كتاب «السياسة» المنسوب إلى ابن سينا، ونسمح لأنفسنا بالإشارة إلى تحليلاتنا للمقاطع المتعلِّقة بموضوع الصداقة والمشورة في كتابنا:

Makram ABBES, Islam et politique à l’âge classique, Paris, PUF, 2009, p. 79 sq.

سبق لنا ترجمة هذا الكتاب المهم، ويمكن مراجعة تحليلات الكاتب في النسخة العربية، في: مكرم عباس، الإسلام والسياسة في العصر الوسيط، ترجمة: محمد الحاج سالم، (بيروت: مركز نهوض للدراسات والنشر، 2019م).

[27] يُلمِّح الكاتب إلى استخدام لفظ «سياسة» في اللهجة التونسية للتعبير عن اللِّين وتناول الأمور برفق، ومن أشهر العبارات: «سايس خوك»، بمعنى ترفَّق بأخيك، وكذلك: «كلّ شيء يجي بالسياسة»، أي إنه يمكنك نيل مرادك بالرفق واللين. (المترجم)

[28] انظر مثلًا:

Miklos MAROTH, The Correspondance Between Aristotle and Alexander the Great, Budapest, The Avicenna Institute of Middle Eastern Studies, 2006, p. 19.

[29] في النسخة العربية من نصّ الإسكندر الأفروديسي الدمشقي، رسالة في العناية الإلهية، غالبًا ما تظهر الكلمة بهذا المعنى الكوني والميتافيزيقي، انظر الصفحات: 2-5 من النصّ العربي في:

Alexandre d’APHRODISE, Traité de la providence, éd. et trad. par Pierre Thillet, Verdier, 2003.

[30] انظر: ابن الطقطقا، الفخري، م.م.س، ص57.

[31] انظر: الفارابي، إحصاء العلوم، تحقيق: عثمان أمين، (القاهرة: دار الفكر العربي، 1947م، ص102-107، وهي صفحات مخصَّصة لوصف علم السياسة (العلم المدني). والحق أننا لم نتطرّق هنا إلى تعريفات الفلسفة السياسية من قبل مفكِّرين مثل الفارابي ومسكويه وابن رشد، إذ سنخصِّص لهذا الموضوع دراسة منفصلة، ولكن تجدر الإشارة إلى أن الموضوع كان محلّ نقاش بين المختصّين، وأن معنى كلمة «سياسة» عند الفارابي -مثلًا- يُفسَّر بطرق مختلفة من قبل الباحثين. انظر في هذا الخصوص:

Dimitri GUTAS, “The Meaning of madani in al-Farabi’s ‘Political’ Philosophy”, Mélanges de l’Université Saint Joseph, LVII, 2004, p. 259-282.

وانظر ردّ شارل جينيكون في:

Charles GENEQUAND, “Loi morale, loi politique : al-Fārābī et Ibn Bāğğa”, Mélanges de l’Université Saint Joseph, LXI, 2008, p. 491-514.

[32] * يستخدم الكاتب مفهوم «الحاكميّة» (gouvernementalité) الذي ابتدعه الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو للتعبير عن «المؤسسات والإجراءات التي تُمكِّن من ممارسة سلطة على هدف محدَّد، هو الشعب». انظر:

Michel Foucault, Dits et écrits, II : 1976-1988, Paris, Gallimard, coll. “Quarto” , 2001, p. 655.

[33] انظر حول «النظام» (regimen) في العصور الوسطى، أعمال ميشال سينيلارت، في:

Michel SENELLART, Les arts de gouverner. Du regimen médiéval au concept de gouvernement, Paris, Seuil, 1995, p. 30-31.

وانظر المقارنات التي عقدناها بين هذه المفاهيم في كتابنا:

Makram ABBES, Islam et politique à l’âge classique, op. cit., p. 53.

 


المراجع (من وضع المترجم)

  • ابن الطقطقا (محمد بن علي بن طباطبا)، الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية، دار صادر، بيروت، د.ت.
  • ابن تغري بردي (أبو المحاسن، جمال الدين، يوسف بن تغري بردي بن عبد الله)، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، وزارة الثقافة، القاهرة، 1963م.
  • ابن فارس (أبو الحسين، أحمد بن فارس بن زكريّا)، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السّلام محمّد هارون، دار الفكر، القاهرة، 1979م.
  • ابن القيم الجوزية (أبو عبد الله، شمس الدين، محمد بن أبي بكر بن أيوب)، روضة المحبين ونزهة المشتاقين، دار الكتب العلمية، بيروت، 2003م.
  • أبو حيّان التوحيدي وأبو عليّ مسكويه، الهوامل والشوامل، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 1951م.
  • البغدادي (عبد القادر بن عمر)، خزانة الأدب ولبّ لُباب لسان العرب، تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1996م.
  • دَده أفندي (إبراهيم بن يحي خليفة)، السياسة الشرعية، تحقيق: فؤاد عبد المنعم أحمد، مؤسّسة شباب الجامعة، الإسكندرية، 1991م.
  • الزمخشري (أبو القاسم، جار الله، محمود بن عمر بن محمّد)، أساس البلاغة، دار الكتب العلمية، ، بيروت، 1998م.
  • عباس (مكرم)، الإسلام والسياسة في العصر الوسيط، ترجمة: محمّد الحاج سالم، مركز نهوض للدراسات والنشر، بيروت، 2019م.
  • عبد الحميد الكاتب (عبد الحميد بن يحيى بن سعد العامري)، «رسالة إلى الكُتّاب»، في: عبد الحميد الكاتب وما تبقّى من رسائله ورسائل سالم بن أبي العلاء، دار الشروق، بيروت، 1988م.
  • الفارابي (أبو نصر، محمّد بن محمّد بن أوزلغ )، إحصاء العلوم، تحقيق: عثمان أمين، دار الفكر العربي، القاهرة، 1947م.
  • الماوردي (أبو الحسن، علي بن محمد بن حبيب)، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، تحقيق: أحمد جاد، دار الحديث، القاهرة، 2006م.
  • المقريزي (أبو العباس، تقيّ الدين، أحمد بن عليّ بن عبد القادر)، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، الهيئة العامّة لقصور الثقافة، القاهرة، 1999م.
  •  السلوك لمعرفة دول الملوك، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997م.
  • Alain REY, “Révolution”. Histoire d’un mot, Paris, Gallimard, 1989.
  • Alexandre d’APHRODISE, Traité de la providence, éd. et trad. par Pierre Thillet, Verdier, 2003.
  • Bernard LEWIS, “Islamic Concepts of Revolution”, in Panayotis Jerasimof Vatikiotis éd., in: Revolution in the Middle East, London, George Allen & Unwin, 1972.
  •  “Siyāsa” in Arnold H. Green ed., Quest of an Islamic Humanism. Arabic and Islamic studies in memory of Mohamed al Nowaihi, Cairo, The American University in Cairo Press, 1986.
  • “The Question of Orientalism”, New York Review of Books, 24/06/1982, p. 49-56.
  • Islam and the West, New York & Oxford, Oxford University Press, 1993.
  • Charles GENEQUAND, “Loi morale, loi politique : al-Fārābī et Ibn Bāğğa”, Mélanges de l’Université Saint Joseph, LXI, 2008, p. 491-514.
  • Clifford Edmund BOSWORTH, “Siyāsa” in Encyclopédie de l’Islam, 2e édition, Leyde, Brill, Brill Academic Publishers, 1954-2005.
  • Dimitri GUTAS, “The Meaning of madani in al-Farabi’s ‘Political’ Philosophy”, Mélanges de l’Université Saint Joseph, LVII, 2004, p. 259-282.
  • Edward W. SAID, “Orientalism: An Exchange”, New York Review of Books, 12/08/1982, p. 44-46.
  • L’Orientalisme. L’Orient créé par l’Occident, Paris, Seuil, 2005.
  • Makram ABBES, “Révolutions arabes et théologie politique”, in : “Penser les révolutions arabes”, Astérion, 14, 2016, https://journals.openedition-.org/asterion/2697.
  • Islam et politique à l’âge classique, Paris, PUF, 2009.
  • Michel SENELLART, Les arts de gouverner. Du regimen médiéval au concept de gouvernement, Paris, Seuil, 1995.
  • Miklos MAROTH, The Correspondance Between Aristotle and Alexander the Great, Budapest, The Avicenna Institute of Middle Eastern Studies, 2006.
  • Reinhart KOSELLECK, Le Futur passé. Contribution à la sémantique des temps historiques, Paris, EHESS, 1990.